تعتبر الحركة أهم لواحق الأجسام الطبيعية، وهي محور لدراسة علل الموجودات الطبيعية، وضدها السكون وهو الوقوف والثبات في مكان واحد زمانين.
تعتبر الحركة أهم لواحق الأجسام الطبيعية، وهي محور لدراسة علل الموجودات الطبيعية، وضدها السكون وهو الوقوف والثبات في مكان واحد زمانين.
تعد الحركة من لواحق الجسم الطبيعي، بل هي أهم لواحق الأجسام الطبيعية، فإذا كانت الطبيعية تدور حول نقطة جوهرية، فهي الحركة، إذ إنها مبدأ لها، أو بعبارة أخرى هي مبدأ التغير، والحركة أيضًا محور لدراسة علل الموجودات الطبيعية، سواء كانت عللاً داخلية، أي المادية والصورية، أو عللاً خارجية، أي الفاعلة والغائية، والفرق بين الموجودات الطبيعية والموجودات الصناعية هو وجود الحركة في الأولى، لأنها تحمل في أنفسها مبدأ حركتها وسكونها، أما الثانية فليس لها سكون ولا حركة من ذاتها. وعلى هذا تكون الطبيعة في الموجودات الطبيعية هي المبدأ وعلة الحركة والسكون، وعلى هذا يمكن القول بأن الحياة كلها عبارة عن حركة تطورية لدى فلاسفة الإسلام، على ما يقرره محمد إقبال حيث يقول: "وهكذا فإن جميع خطوط التفكير الإسلامي تتجه إلى تصور الكون متحركًا متغيرًا، ولهذا التصور دعامة في فكر فلاسفة الإسلام عن الحياة بوصفها حركة تطورية [محمد إقبال: تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، القاهرة ١٩٦٨م، ص١٥٩. نقلاً عن د. محفوظ عزام: الفلسفة الإسلامية، مدخل وقضايا، دار الهداية مصر ١٤٠٧هـ/١٩٨٦م، ص١٨١].
والحركة عنصر أساسي في تقسيم الموجودات إلى ما فوق فلك القمر، وإلى ما تحته، وهي مهمة لمعرفة الزمان والمكان، بل هي مهمة في معنى القوة والفعل، فكل ما يتحرك حركة طبيعية فإنما يتحرك نحو كماله، ونحو تحقيق ذاته بدافع من صورته، وبمساعدة مادته، وكل ما هو طبيعي يتحرك نحو تلك الغاية القصوى إما مباشرة أو من خلال الحركة العامة للطبيعة.
وعندما ترد حركة الأجسام إلى ما يخصها من الثقل والخفة، فإن ذلك يقتضي وجود المكان الذي يتقوم به الجسم، وهو الصورة التي يسعى الجسم للتلبس بها، كما أن الزمان من ضرورات الحركة؛ فهو معدودها، فالحركة أعم الأعراض التي تلحق الجسم الطبيعي، والحديث عنها يسبق دائمًا الحديث عن الزمان والمكان، ومع أنها أظهر المبادئ العامة في طبيعيات الفلسفة، إلا أنها شكلت –منذ بدأ العقل البشري يفكر – مشكلة قائمة، فيها من الخفاء والغموض بقدر ما فيها من الظهور والوضوح [د/أحمد الطيب: الجانب النقدي في فلسفة أبي البركات البغدادي، دار الشروق، القاهرة ط١ سنة ١٤٢٥/٢٠٠٤م، ص١٠٦].
الحركة ضد السكون، ولها عند القدماء عدة تعريفات، هي [التعريفات للجرجاني: دار الكتاب العربي ص١١٤ -١١٦، جميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني ج١ ص٤٥٧-٤٥٩، ص٦٦٠ -٦٦١]:
· الحركة: هي الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج، ومعنى التدريج هو وقوع الشيء في زمان بعد زمان.
· الحركة: هي شغل الشيء حيزًا بعد أن كان في حيز آخر، أو هي كونان في آنين ومكانين، بخلاف السكون الذي هو كونان في آنين ومكان واحد.
· الحركة: كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة.
· وتقال الحركة على تبدل حالة قارة في الجسم يسيرًا يسيرًا على سبيل اتجاه نحو شيء، والوصول بها إليه هو بالقوة لا بالفعل.
والحركة عند القدماء أعم من النقلة لوجود الحركة دون النقلة فيمن يدور في مكانه، والنقلة أعم من المشي لتحققها دونه فيمن يزحف ويدب، وإذا سمى الزحف مشيًا كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ﴾ [النور: ٤٥] فمرد ذلك إلى الاستعارة والمشاكلة.
والسكون ضد الحركة، وهو زوال الحركة عما من شأنه أن يتحرك، أو هو الحصول في المكان أكثر من زمان واحد، فإذا قَرَّ الشيء في المكان، وانقطع عن الحركة، وصف بالسكون، وإذا كانت القوى المؤثرة فيه متضادة ومتعادلة وصف بالتوزان، ولذا قيل: إن في كل سكون توازنا، كما أن في كل توازن سكونًا وثبوتًا واستقرارًا.
تأثر فلاسفة الإسلام بالتصور الأرسطي للطبيعة، ابتداءً من الكندي أول فلاسفة الإسلام، وحتى ابن رشد آخر فلاسفة الإسلام.
وقد عرَّف أرسطو الطبيعة بأنها مبدأ للحركة والسكون، ولذلك كانت دراسته للحركة داخلة في هذا العلم الطبيعي، ودراسة الطبيعة تتطلب تفسير الحركة، ولما كانت الطبيعة مبدأ للحركة، فتعين على أرسطو –وأيضًا فلاسفة الإسلام – ألا يهمل دراسة الحركة، لأنه لو أهملها لكان ذلك إهمالاً للطبيعة كلها [أرسطو: الطبيعة – الترجمة العربية – ترجمة إسحاق بن حنين – تحقيق د.عبد الرحمن بدوي – الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة سنة ١٩٨٤م،٣ ف١، ٢٠٠ب، ص١٦٥].
وإذا كان الكندي لا يعد فيلسوفًا طبيعيًّا خالصًا، بمعنى أن المؤلفات التي تركها لم نجد فيها كتابًا في الطبيعة، إلا أنه قد تحدث عن الطبيعة في أكثر من موضع في رسالته، من أجل إثبات وجود الله، أو علاقة الفلك بالكون، وبالتالي تأثيره في الطبيعة، وكان كل هذا في إطار يوناني.
إن "الفلسفة الطبيعية التي يقررها في بعض رسائله هي الفلسفة التي سارت منذ أرسطو حول عشرين قرنًا من الزمان" [د. أحمد فؤاد الأهواني: الكندي، فيلسوف العرب، ضمن سلسلة أعلام العرب – مصر. ص٣٠٦].
ويعرِّف الكندي الطبيعة كما عرفها أرسطو بربطها بالحركة، فيقول: هي "علة الحركة والسكون عن حركة" [الكندي: رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق د. محمد عبد الهادي أبو ريدة – دار الفكر العربي القاهرة. ج٢ ص٣٦].
وفي موضع آخر يقول: "اعلم أن علم الأشياء الطبيعية إنما هو المتحركة، لأن الطبيعة هي الشيء الذي جعله الله علة جميع المتحركات والساكنات عن حركة" [الكندي: المصدر السابق ج١ ص٤٠].
فإذا كانت الأشياء المتحركة والساكنة هي الكائنة الفاسدة، كان معنى هذا أن الطبيعة هي السبب في كون المتكونات وفساد الفاسد عن طريق القوة والفعل، من خلال الحركة.
ومن الحركة يستدل الكندي على اختلاف طبائع الأشياء، فإذا كانت الأشياء متساوية ومتشابهة كانت حركتها في اتجاه واحد، أما إذا اختلفت حركة الشيئين كأن يتحرك إلى أعلى ويتحرك آخر إلى أسفل، فإن الكندي يستدل من ذلك على أن طبيعتهما متضادة "فالأشياء المتضادة بالحركة هي المتضادة في الطبائع" [الكندي: المصدر السابق ج١ ص٢٢٠، وأنظر أيضًا: د. فيصل بدير عون: فكرة الطبيعة في الفلسفة الإسلامية مع بيان مصادرها – مكتبة الحرية الحديثة – جامعة عين شمس القاهرة، سنة١٩٨٠م، ص٢٥٠- ٢٥٤].
كما يعرض الكندي للحركة ضمن رسالة بعنوان الجواهر الخمسة، وهذه الجواهر هي:
الصورة، والهيولي، والمكان، والزمان، والحركة. وهذه المقولات أو الجواهر الموجودات في عالم الكون والفساد، والحركة جوهر هام في هذا العالم، فكل تكون يقتضي الحركة، فحيث لا حركة لا وجود. فإن الحركة شرط للتكون، وشرط للوجود كله، وحيث وجدت الحركة وجد الزمان، لأن الزمان هو عدد الحركات [الفارابي: رسالتان فلسفيتان – جوابات ص٩٥-٩٦].
أما الفارابي فقد تحير في معنى الحركة، وقدم لها تعريفًا يبدو فيه التشكك والريبة عندما يقول: "ليس للحركة حد لأنها من الأسماء المشككة، إذ هي مقولة على النقلة والاستحالة والكون والفساد، ولكن رسمها أن يقال: إنها خروج ما هو بالقوة إلى الفعل" [إخوان الصفا: الرسائل، تحقيق خير الدين الزركلي – القاهرة، سنة١٣٤٧هـ / ١٩٢٨م، ج٣ ص١٣٦].
وتناول إخوان الصفا دراسة الحركة في فصل كامل من الرسالة الخامسة عشرة من رسائلهم في "بيان أقاويل الحكمة في ماهية الحركة"، وهي تسبق حديثهم عن ماهية الزمان، والحركة – عندهم – هي النقلة من مكان إلى مكان في زمان ثان، وضدها السكون وهو الوقوف والثبات في مكان واحد زمانين" [ابن سينا: عيون الحكمة، ضمن تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، القاهرة، سنة ١٣٢٨هـ، ج١ ص٣].
كما درس ابن سينا الحركة ضمن العلم الطبيعي والحكمة النظرية التي "تتعلق بما في الحركة والتغير من حيث هو في الحركة والتغير" [ابن سينا: النجاة محيي الدين الكردي – القاهرة، سنة ١٩٣٨م، ص١٠٧]، أي أنها تدرس الأجسام من حيث هي واقعة تحت التغير، وبما توصف به من أنواع الحركة والسكون.
ويفرق ابن سينا بين المبادئ العامة للأمور الطبيعية وبين العوارض العامة لها، وتندرج الحركة كما يندرج السكون – عنده-ضمن العوارض العامه للأمور الطبيعية، والجسم الطبيعي المتحرك هو موضوع دراسة العلم الطبيعي، فيجب إذن دراسة الحركة، والحركة هي "تبدل حال قارة في الجسم يسيرًا يسيرًا على سبيل الاتجاه نحو شيء [ابن رشد: السماع الطبيعي. دائرة المعارف العثمانية – حيدر أباد الهند ط١ سنة١٣٦٦هـ/١٩٤٧م، ص١٢،١٣]. وهذا ما ذكر من قبل في التعريف أنه انتقال على نحو متدرج. والسكون – عنده-هو عدم الحركة.
والجسم الطبيعي لا يتحرك حركة طبيعية إلا حينما لا يكون موجودًا في مكانه الطبيعي، أما إذا كان في مكانه الملائم له، والخاص به، فإنه لا يتحرك بالطبع البتة، وهذا يعني أن كل محرك طبيعي فهو بالطبع يطلب شيئًا، ويهرب عن شيء، فالجسم المتحرك يتحرك عن حالة غير طبيعية قاصدًا مكانه الطبيعي.
وقد أكد ابن رشد على هذا المعنى حينما نراه يقول: "لما كنا قد أخذنا في حد الطبيعة الحركة، فقد ينبغي أن نعرفها"، ويميز بين الأجسام الطبيعية والأجسام الصناعية على مبدأ الحركة والسكون، فإن الأجسام الطبيعية تفارق الأجسام الصناعية بأنها هي التي في نفسها مبدأ حركة وسكون. وهذا التحديد إنما يقوم على عدّ مبدأ الحركة هو الأساس فيها، وهو صلب بنيان العلم الطبيعي؛ وعليه يكون تعريف علم الطبيعة عنده: هو "مبدأ أو سبب لأن يتحرك به ويسكن الشيء الذي هي فيه أولاً، وبذاته لا بالعرض" [الكندي: رسالة إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى ج١].
من هنا نستنتج أن:
· أن الطبيعة مبدأها الحركة، وهذه الحركة ذاتية لها وليست بفعل قوة خارجية، وهذه الذاتية هي سبب الفعل والتغير والانفعال، أي الانتقال من القوة إلى الفعل.
· وبما أنها كذلك فتعد الطبيعة بمثابة القوة السارية في الشيء، وليست قوة خارجة عن الشيء مفارقة له.
· وكذلك فالسكون في الطبيعة ما هو إلا سلب الحركة، وليس انتفاء لها، وهذا السكون ذاتي وليس بعرض، لأن انتفاء الحركة أمر لا يقره ابن رشد.
تعتبر فكرة القوة والفعل من الأفكار الأساسية لتفسير الحركة، حيث يمكن أن تفسر لنا الموجود الطبيعي وكيفية انتقاله من حال إلى حال، والحركة هي فعل ما بالقوة، ولذا فقد اعتبر المفهوم العام للحركة هو الخروج التدريجي لا دفعة.
فالحركة هي التدرج من حال القوة إلى حال الفعل، والحركة هي الوسطى بين القوة المطلقة والفعل التام، فالحركة فعل ناقص يتجه نحو التمام، وهي خروج الشيء على سبيل التدريج؛ ولذلك لا يمكن إرجاع الحركة إلى ما هو بالقوة تمامًا، ولا إلى ما هو بالفعل تمامًا، وإنما هو وسط بينهما.
وهذا يستلزم وجود طرفين هما: الاتجاه (من) والاتجاه (إلى)، فالحركة تتجه من حال القابلية إلى حال التحقق أو الوقوع، وبمعنى آخر من حال القوة إلى حال الفعل، فكان قبل الحركة موجودًا ساكنًا، ومعنى أنه ساكن أن منه قابلية للحركة قبل الفعل، ويأتي المحرك ليحرك هذا الجسم من حال القوة إلى حال الفعل. مثال ذلك: حركة نمو الطفل -على سبيل المثال-من طور الطفولة إلى طور الشباب هي حركة على سبيل التدريج، والطفل يتضمن حال الشباب بالقوة، والنمو هو انتقال من حال الطفولة إلى حالة الشباب.
وعلى هذا الأساس فإن الحركة ليست الفعل أو القوة، وإنما هي حالة وسط يمر بها الكائن من القوة إلى الفعل، والحركة " ليست الشيء بالقوة ولا الشيء بالفعل، بل هي حالة الشيء بين الفعل والقوة [ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، تحقيق: موريس بويج – المطبعة الكاثولوكية بيروت، سنة١٩٤٢م، مقالة الطاء ج٢ ص١١٦٤] وهذه النسبة بين القوة والفعل هي لتأكيد أن أي موجود لا يمكن أن يخرج من حال القوة والاستعداد إلى حال الفعل، وهو التمام والكمال، إلا من خلال الحركة.
وهذه العلاقة بين الفعل والقوة إنما تتم عن طريق الحركة، لأن القوة التي تقال على طريق الحقيقة إنما يمكن أن تخرج إلى الفعل في وقت ما حتى لا يبقى فيها قوة أصلاً، وبهذا يرى ابن رشد أن الفعل والقوة إنما يستمدان وجودهما من الحركة في الوقت ذاته الذي يمكنان فيه من تحديدها.
والحركة في علاقتها بالقوة والفعل إنما هي فعل ناقص وغير تام، والتمامية والكمال للشيء يتم عن طريق انقضاء الحركة وتمامها بالصورة، ولهذا يفهم ابن رشد كمال الشيء بأن يتحقق كمال الموجود لا الفعل أثناء حركته وصيرورته أو حدوثه، وهو ما يبينه بشكل لا لبس فيه بقوله: "متى خرجت هذه القوة إلى الفعل بطلت الحركة" [ابن سينا: الشفاء – الطبيعيات- الفن الأول، السماع الطبيعي، تحقيق: سعيد زايد. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة سنة ١٩٨٣م، ص١٠١،١٠٢].
فالحركة كمال وفعل، والكمال كما بينه ابن رشد صنفان:
أحدهما: كمال محض لا يكون فيه شيء من القوة أصلاً، وهو نهاية الحركة الذي إذا بلغته كفت وتوقفت.
وأما الكمال الثاني: فهو الذي يحفظ بالقوة، ولا يوجد إلا بوجود القوة مقترنة به، وهذا المعنى هو المسمى حركة، وتظهر الحركة في الأمور المتصلة بها. فلابد إذن من اشتراط ما بالقوة "إذ إننا يمكن أن نميز بين كمال محض لا يكون فيه شيء من القوة أصلاً، وهو نهاية الحركة، وكمال آخر يحفظ ما بالقوة مقترنًا به، وهذا المعنى هو الذي يسمى بالحركة، والمتحرك هو الذي ينتقل من حال عدم التحقق، أي من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل محققًا كماله.
تظهر الحركة في ثلاث مقولات هي: مقولة الكيف، ومقولة الكم، ومقولة الزمان. ويرفض الفلاسفة أن تظهر الحركة في مقولة الجوهر؛ لأن الحركة في الجوهر تعني التغير، والكون والفساد، وليس الحركة، أي الانتقال من العدم إلى الوجود، ولا تغير عند أغلب الفلاسفة بين العدم إلى الوجود. بل الحركة هي انتقال من وجود إلى وجود، فلا حركة في مقولة الجوهر عند كل من الفارابي وابن سينا من فلاسفة المشرق، وابن باجة وابن رشد من فلاسفة المغرب، فكل هؤلاء نفوا الحركة في الجوهر.
أما الكندي أول فلاسفة الإسلام فإن الحركة عنده تقع في الجوهر، ومرد ذلك تعريفه للحركة أنها "تبدل حال الذات" وهذا لا يتطلب حالة التدرج التي يفرضها انتقال الشيء من حال إلى حال. وبناء على هذا اختلف الكندي عن فلاسفة الإسلام في القول بأن الطبيعة وجدت من العدم، في حين أن أغلبية فلاسفة الإسلام ذهبوا إلى أن الطبيعة وجدت عن هيولي أولى قديمة.
تقع الحركة في هذه المقولة، لأن الحركة قد تكون انتقال الجسم من كيفية إلى أخرى، والحركة في الكيف هي حركة الاستحالة، فالاستحالة هي التي تطرأ على الكيف، كتغير لون الجلد، ويتم بإحلال صورة مكان صورة، وهذا يختلف عن التغير في حالة الكون والفساد.
وفي هذه الحركة كيفية زائلة، ولكن مع بقاء الصورة النوعية للشيء المستحيل، وكما يقول ابن سينا " ما دامت تلك الطبيعة باقية لم يتغير النوع ولم تفسد الصورة الجوهرية، فإن الموضوع ثابت" [د. صابر عبده أبا زيد: فكرة الزمان عند إخوان الصفا – مكتبة مدبولي، القاهرة سنة ١٩٩٩م، ص١١٦]، وهو مثل تسخين الماء، وتحوله من البرودة إلى الحرارة، أو صبغ الثوب وتحوله من السواد إلى البياض، فالموضوع ثابت والكيفية متغيرة.
وتقع الحركة في الكم على وجهين:
أحدهما: بزيادة مضافة إلى الموضوع فينمو لها.
وثانيهما: بنقصان يقع بالتحلل فينقص له الموضوع.
ولكن صورته في الحالتين باقية، وهذا ما يسمى بالنمو والذبول. الكم إذن فيه حركة إذ إنها في حالة ما يلزمه استحالة قوام من الكيف، فتلك غير ازدياده في الكم أو نقصانه فيه، إذ إنها سلوك من قوة على فعل يسيرًا، فهو كمال ما بالقوة، فهو حركة [ابن رشد: تلخيص المقولات، الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة١٩٨٠م، ص١٥٢] وهو ما أثبته أيضًا ابن رشد عندما رأى الحركة في مقولة الكم، وبانتقال الجسم من كمية إلى أخرى [الأشعري: مقالات الإسلاميين، مطبعة الدولة إستانبول سنة ١٩٢٩م، ج٢ ص٣١١].
والأين من المقولات التي تربط بالحركة بشكل واضح، وهي حركة النقلة من مكان إلى آخر، وهذه الحركة هي أولى الحركات وأوضحها، وذلك بشهادة الحس، وبالمقابلة بينها وبين السكون.
والحركة في الأين أشد وضوحًا من حركتي الكم والكيف، وهي ضرورية لأنواع الحركات الأخرى، وكذلك هي على الترتيب الزمني يمكن أن نعتبرها أولى الحركات.
والحركة في النقلة لا تغير شيئًا من جوهرية الجسم، ولا من أعراضه، فالحركة هنا هي في الأين، وتعني انتقال الجسم من مكان إلى آخر.
وأنواع الحركات المكانية ثلاثة: حركة مستقيمة، وحركة دائرية، وحركة مزيجًا من المستقيمة والدائرية، وهناك من أضاف أيضًا الحركة في مقولة الوضع.
من اللواحق التي تتعلق بالحركة المكان، فالمكان موجود عند فلاسفة الإسلام، وللمكان ثلاثة أبعاد: الطول والعرض والعمق، ويستحيل أن يكون المكان جسمًا، إذ كيف يحل جسم في جسم آخر، والجسم الطبيعي عندما يتحرك من نقطة إلى أخرى فإنه يتحرك في مكانه، وهذه الحركة المكانية تعد من أبرز الحركات الدالة على وجود المكان.
وكذلك بحث الفلاسفة الزمان باعتباره مقياس الحركة، فليس هو الذي يتحرك، فالزمان واحد متصل لا تقابل فيه ولا انقطاع، فالانتقال من (متى) إلى (متى) آخر هو أمر يقع دفعة، مثل ذلك الانتقال من سنة إلى سنة أخرى، والزمان ليس هو المتحرك، بل إنه مقياس الحركة، فلا وجود للزمان بدون حركة، ومن لم يحس بالحركة لا يحس بالزمان، مثال ذلك قصة أصحاب الكهف.
ولكي يؤكد الفلاسفة تصورهم هذا عن الحركة وعلاقتها بالمكان والزمان كان من الواجب عليهم نقد أصحاب الجوهر الفرد من المتكلمين، الذين ذهبوا إلى تقسيم المكان إلى نقاط، والزمان إلى آنات، وتصوروا الحركة أنها انتقال عبر نقاط في المكان، أو عبر آنات في الزمان.
والحركة عند أصحاب الجوهر الفرد شرط في إيجاد الأجسام، والجوهر الفرد يتحرك ويسكن، فتتحرك الجواهر مجتمعة مكونه للأجسام، ثم تتفرق هذه الجواهر بالحركة أيضًا لتفسد وتنحل الأجسام. لذا فقد جوزوا على الجوهر الواحد إذا انفرد ما يجوز على الأجسام من الحركة والسكون [الجرجاني: شرح المواقف للإيجي – طبعة القسطنطينية سنة ١٨٧٩م، ص٣٣١].
وما يقصده المتكلمون من الحركة غير ما قصده الفلاسفة المسلمون، إذ إن الحركة تقع – عندهم – في أربع مقولات، وهي الكم والكيف والوضع والأين، أما المتكلمون فقد رفضوا هذه المقولات ولم يعترفوا إلا بمقولة الأين، وهي التي تسمى بالنقلة "فإن المتكلمين إذا أطلقوا الحركة أرادوا بها الحركة الأينية [الجرجاني: السابق ص٣٦٢] والحركة تتم بتقسيم المكان إلى نقاط، والزمان إلى آنات، وتتم الحركة عندما ينتقل الجسم من نقطة إلى أخرى في آنين من الزمان، والسكون أن يبقى الجسم في النقطة الواحدة أكثر من آن من الزمان.
وهكذا ربط المتكلمون بين الحركة والزمان والمسافة، فالمسافة متناهية، وهي المكان المركب من مجموعة متناهية من النقاط يتحرك عليها الجسم في زمان متناهٍ في القسمة يتكون من آنات، والحركة الواحدة هي حركة جوهر فرد في جزء من المسافة لا تتجزأ، فالحركة الواحدة لا يصح أن يقطع بها إلا مكان واحد.
وينتج عن علاقة الحركة بالزمان عند أصحاب الجوهر الفرد تفسيرهم للسريع والبطيء، فيعرف الآمدي البطء وعندهم بأنه " عبارة عن كثرة تخلل السكنات، والسرعة عبارة عن تقللها. وأنكر أصحاب الجوهر الفرد وجود حركة سريعة وأخرى بطيئة، وفسروا وجود حركة أبطأ من حركة لوقوع سكنات في الحركة البطيئة أكثر من الحركة السريعة، فكل جزء من المسافة قد يقع فيه حركة، وقد يقع فيه سكون، وهذا ما يفسر السرعة والبطء، فالسريع هو أن ينتقل الجسم من نقطة إلى أخرى بدون سكون، والبطيء هو أن ينتقل الجسم بحركة من نقطة إلى نقاط مع البقاء أو السكون في بعض النقاط.
إلا أن الفلاسفة أنكروا أن تكون للحجر حال انحداره وقفات، وأرجعوا السرعة في النزول إلى الثقل والخفة، ولذا حرصوا على نقد مفهوم أصحاب الجوهر الفرد في الحركة وعلاقتها بالزمان والمكان، ويمكن إيجاز نقدهم في ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: استدل المتكلمون على وجود حركة غير متجزئة بتقسيمها إلى حالات ثلاث: ماضية ومستقبلة وحاضرة، وأن هذه الحركة الحاضرة لا تنقسم.
إلا أن الفلاسفة قد نبهوا إلى أن حكم المتصلات غير القارة كالحركة والزمان هو حكم المتصلات القارة كالجسم، فلا حركة مكونة من أجزاء لا تتجزأ، ولا زمان أيضًا، فلا يصح عندهم تقسيم الحركة إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، لأن الحال حد مشترك وليس جزءًا من الحركة، فالحركة "منقسمة بلا نهاية توهمًا وفرضًا لا وجودًا وفصلاً" [ابن سينا: الشفاء السماع الطبيعي ص٢٠٣] وكذلك المسافة -أي المكان-عندهم " تنقسم إلى غير نهاية بالقوة، وكذلك يجب أن تنقسم الحركة التي هي بمعنى القطع معها إلى غير النهاية بالقوة" [ابن سينا: النجاة ص١٥٢].
النقطة الثانية: يرفض ابن سينا التفسير الكلامي للسريع والبطيء بأنه تخلل السكنات، فيرى أنه ليس عدم حركة اتفقت سكون [المرجع السابق] والحركة إذا كانت مؤلفة من حركات لا تتجزأ لم يجز أن تكون حركة أسرع من حركة، وأبطأ من حركة.
ويقدم ابن سينا أمثلة تدل على خطأ تصور المتكلمين للبطء بأنه بسبب تخلل السكنات مثال ذلك الطائر في طيرانه، أو السهم في انطلاقه، قد يتحرك حركة قليلة السكنات ولكنها مساوية لحركة الشمس، فليس معنى ذلك تساويهما لعدم تساوي المسافتين، "فإذا ليس حركات لا تتجزأ" ولا في غاية السرعة، وليست السرعة والإبطاء بسبب تخلل السكنات؛ ولذا يرفض تفسير المتكلمين للحركة البطيئة، وأنها بسبب تخلل السكنات في أجزاء الحركة، وينقد كل من يوحد بين الزمان والحركة، لأنه في حين توجد أنواع كثيرة للحركة إلا أنه لا يوجد سوى زمان واحد مشترك بينهما؛ فالزمان إذن ليس هو الحركة، ولكنه مرتبط بالحركة، حيث نعرف الزمان بواسطة الحركة.
مراجع للاستزادة:
أبو زيد (د. منى) التصور الذري في الفكر الفلسفي الإسلامي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت ط سنة ١٤١٤هـ/١٩٩٤م.
- البعراتي (بناصر) بحث بعنوان "إمكانية ابن رشد في تطور الأفكار العلمية، تصور الحركة" ضمن أعمال الندوة الدولية بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد، نشر الجمعية المغربية الفلسفية ص٢٠٠١م.
- العبيدي (د. حسن مجيد): العلوم الطبيعية في فلسفة ابن رشد، دار الطليعة بيروت، سنة ١٩٩٥م.
- العراقي (د.محمد عاطف) الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا، دار المعارف سنة ١٩٦٨م.
- علي (أحمد منصور حسن) مشكلة الحركة عند كل من أرسطو وابن رشد، رسالة ماجستير - كلية الآداب- جامعة المنيا، سنة ٢٠٠٧م.
تعدّ الحركة من أهم خواص الأجسام الطبيعية، ومرتبطة بجوهر الطبيعة كما بيّنها أرسطو والفلاسفة المسلمون، وقد تناول الفلاسفة الحركة ضمن مقولات متعددة، بينما حصرها المتكلمون في مقولة "الأين" فقط، واختلفت الرؤى حول علاقتها بالزمان والمكان والسكون، مما أثر في تطور الفكر الفلسفي والكلامي.
الحياة تعنى: النمو والبقاء والمنفعة
القوة تطلق على امتلاك الأسباب والكيفيات الكفيلة بتحقيق الغاية المشروعة
الرحلات المقصودة بها ما قام به الرحالة المسلمون في أقطار الأرض