Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فلسفة التوفيق والبرهان في منهج ابن رشد

الكاتب

هيئة التحرير

فلسفة التوفيق والبرهان في منهج ابن رشد

يُعد ابن رشد قمة الفكر الفلسفي العربي الذي سعى؛ لترسيخ شرعية النظر العقلي بوصفه واجبًا دينيًا لا ينفصل عن الإيمان، ينطلق منهجه من مبدأ أن "الحق لا يضاد الحق"، محاولًا بذلك صياغة علاقة تكاملية تجعل من الفلسفة أداة برهانية؛ لتعميق معرفة الصانع، وتخليص الشريعة من القراءات الظاهرية التي قد تعيق الفكر.

منهج ابن رشد في الفلسفة اليونانية

يعد ابن رشد في المقام الأول الشارح الأكبر لأرسطو.

ومن المؤكد أنه لم يكن يعرف اليونانية، وأنه في شروحه إنما اعتمد على الترجمات العربية لمؤلفات أرسطو وشُراحه اليونانيين، وهي ترجمات متفاوتة القيمة بحسب المترجمين.

وتفاسير ابن رشد تدل على قدرة عظيمة على فهم فلسفة أرسطو، فضلاً عن أنه اتخذ منهجًا دقيقًا في عمله هذا:

أ - فكان يرجع إلى ترجمات متعددة، إن وجدت، ويقارن بينها.

ب - وكان يرجع إلى بعض الشروح على أرسطو التي نقلت إلى العربية، خصوصًا ما تيسر له من تفاسير الإسكندر الأفردويسي.

ج - وقد أثبتنا في بحثٍ ألقيناه في مؤتمر ابن رشد المنعقد في باريس في أواخر سبتمبر سنة ١٩٧٦م أن ما أخذه لويس فيفس Lois Vives من أغلاط تاريخية وغيرها في تفسيره لكتب أرسطو، إنما يرجع إلى أخطاء الترجمات اللاتينية لشروح ابن رشد، لا إلى ابن رشد نفسه.

لكن إذا كان فضل ابن رشد شارحًا وملخصًا لمؤلفات أرسطو فضلًا عظيمًا جدًا، فإن المؤلفاته الأصيلة مع ذلك قيمة كبيرة [الفلسفة والفلاسفة، ص ١٢١]

مشكلة العقل والنقل

ومن المشاكل الأساسية التي اهتم بها ابن رشد مشكلة العقل والنقل أو الفلسفة والشريعة وما بينهما من اتصال، وقد كرس ابن رشد لهذه المسألة كتابين رئيسيين:

١-    " فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال".

٢-     "الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة".

والكتاب الأول هو الأساسي في موضوعنا ها هنا.

وقد حدد موضوعه ابن رشد فقال: "إن غرضه في هذا الكتاب أن يفحص على جهة النظر الشرعي - هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أو محظور، أم مأمور به: إما على الندب وإما على جهة الوجوب" [فصل المقال، ص١٧].

ومن أجل هذا يبدأ بتعريف الفلسفة فيقول: إنها "ليست شيئًا أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع المعرفة صنعتها" [المرجع السابق، ص٢٢].

وواضح ما في هذا التعريف من حد وتضييق شديد لموضوع الفلسفة، وكأن غرضها ليس البحث في الموجودات المعرفة حقائق الأشياء، وهو بحث ينبغي أن يطلب لذاته كما قال أرسطو في أول مقالة "ألفا" الصغرى في كتاب "ما بعد الطبيعة"، بل جعل ابن رشد النظر في الموجودات وسيلة لاعتبار صانعها.

وبهذا جعل الفلسفة في خدمة علم التوحيد، وواضح أيضًا أن الذي ألجأه إلى ذلك، هو الهدف الذي قصد إليه هذا الكتاب، وهو تبرير دراسة الفلسفة تجاه الطاعنين عليها من رجال الدين وإلا فإنه لم يقل بمثل هذا الرأي عند شرحه لذلك الموضع من مقالة "ألفا" الصغرى.

ويمضي ابن رشد فيقول: "إنه كلما كانت المعرفة بصفتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم"، وفي هذا رد على الفقهاء الذين يقولون: إنه يكفي ما نعرفه من النصوص النقلية [الفلسفة والفلاسفة، ص ١٢٣].

تبرير النظر العقلي بالشرع

ويؤكد أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، ودعانا إلى معرفتها بالنظر العقلي، كما هو بيِّن في غير ما آية من كتاب الله مثل قوله تعالى: {فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ} [الحشر: ٢]، وقوله تعالى: {أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ} [الأعراف: ١٨٥]، وهذا نص بالحث على النظر في جميع الموجودات بواسطة العقل واعتبارها به.

والاعتبار هو استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه. وهذا هو القياس، أو التفكير بالقياس "فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي".[فصل المقال، ص٢٣].

وأتم أنواع النظر هو المسمى بالبرهان، فالشرع إذن قد حث على معرفة الله تعالى وسائر موجوداته بالبرهان، ولهذا "كان من الأفضل، أو الأمر الضروري، لمن أراد أن يعلم الله - تبارك وتعالى - وسائر الموجودات بالبرهان أن يتقدم أولًا فيعلم أنواع البراهين وشروطها، وبماذا يخالف القياس البرهاني القياس الجدلي، والقياس الخطابي، والقياس المغالطي" [فصل المقال، ص٢٤]، ولا بد قبل هذا أن يعرف ما هو القياس عامة، وكم أنواعه، وما منه قياس، وما منه ليس بقياس، وهذا بدوره يحتاج إلى معرفة أجزاء القياس أعني: المقدمات وأنواعها، وإذن عليه بالجملة أن يدرس المنطق.

وكما أن الفقيه مضطر إلى معرفة المقاييس الفقهية وأنواعها وشروطها حتى يستطيع استنباط الأحكام، كذلك على من يريد معرفة الله أن يعرف القياس العقلي، أي: المنطق.

اعتراضات وردود

فإن اعترض معترض وقال: "إن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة؛ إذ لم يكن في الصدر الأول فإننا نرد عليه ونقول: إن النظر في القياس الفقهي وأنواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول، فهل هو الآخر بدعة؟ إن هؤلاء المعترضين من الفقهاء لا يعتبرون القياس الفقهي بدعة، وإذن فعليهم ألا يعتبروا النظر في القياس العقلي بدعة، ذلك أن أكثر أصحاب هذه الملة مثبتون للقياس العقلي، إلا طائفة من الحشوية قليلة وهم محجوجون بالنصوص" [فصل المقال ص٢٥]، ويقصد بالحشوية ها هنا: أصحاب المذهب الظاهري، وعلى رأسهم ابن حزم الأندلسي وغيره ممن أنكروا القياس.

وإن اعترض معترض آخر فقال: إن القياس العقلي من وضع قوم غير مسلمين، قلنا: إن علينا أن نستعين بمن تقدمنا من الأمم ممن درسوا القياس العقلي سواء كان ذلك الغير مشاركًا لنا، أو غير مشارك في الملة، فإن الآلة التي تصح بها التذكية النوع الشرعي ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة، وأعني بـ "غير مشارك": من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام" [فصل المقال ،ص٢٦].

وما دام الأمر كذلك، وكان القدماء قد نظروا وفحصوا عن المقاييس العقلية – أي: المنطق- أتم فحص، فينبغي أن نرجع إلى كتبهم فننظر فيما قالوه من ذلك: فإن كان كله صوابًا، قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب، نبهنا عليه [المرجع السابق، ص٢٦].

فمن الواجب علينا إذن أن نستعين بما قاله المتقدمون في شأن المقاييس العقلية، كما نفعل ذلك في العلوم الرياضية، فإنه لو فرضنا صناعة الهندسة في وقتنا هذا معدومة، وكذلك صناعة علم الهيئة، ورام إنسان واحد من تلقاء نفسه أن يدرك مقادير الأجرام السماوية وأشكالها وأبعاد بعضها عن بعض، لما أمكنه ذلك [المرجع السابق، ص٢٧].

وهذه صناعة أصول الفقه والفقه نفسه لم يكمل النظر فيهما إلا في زمان طويل، ولو رام إنسان اليوم من تلقاء نفسه أن يقف على جميع الحجج التي استنبطها النظار من أهل المذاهب في مسائل الخلاف التي وقعت المناظرة فيها بينهم في معظم بلاد الإسلام - ما عدا المغرب - لكان أهلاً أن يضحك منه؛ لكون ذلك ممتنعًا... وهذا أمر بيِّن بنفسه ليس في الصنائع العلمية فقط، بل والعملية: فإنه ليس منها صناعة يقدر أن ينشئها واحد بعينه، فكيف بصناعة الصنائع، وهي الحكمة ؟!

وإذا كان هذا هكذا، فقد يجب علينا - أن الفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة، نظرًا في الموجودات واعتبارًا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان - أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم: فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم، وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق، نبهنا عليه، وحذرنا منه، وعذرناهم [المرجع السابق، ص٢٨].

وهذه نظرة واسعة الأفق متحررة منفتحة؛ للأخذ بالعلوم أيًا كان مصدرها دون اعتبار الجنسية أو دين هذا المصدر، كل ما علينا هو أن نفحص عما جاءوا به فإن كان موافقًا للحق أي: لما يقضي به العقل، والنظر العقلي، والبرهان المنطقي، قبلناه وفرحنا به، وشكرنا لهم صنيعهم عرفانًا منا بجميلهم، وإن وجدناه غير موافق للحق، نبهنا على ذلك، وحذرنا منه، والتمسنا العذر لهم فيما اجتهدوا فيه، ولم يصيبوا الحق.

وينتهي ابن رشد من هذا كله إلى تقرير أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع؛ إذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وأن من نهى عن النظر فيها من كان أهلاً للنظر فيها ـ وهو الذي جمع أمرين: أحدهما: ذكاء الفطرة، والثاني: العدالة الشرعية والفضيلة الخُلقية - فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته حق المعرفة، وذلك غاية الجهل، والبعد عن الله تعالى [فصل المقال، ص٢٩].

وهكذا يقرر ابن رشد بكل توكيد ما يلي:

١ - أن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد عليه.

۲ - فإذا اختلف ما نطق به الشرع مع ما أدى إليه البرهان العقلي، فيجب تأويل ظاهر الشرع؛ ليتفق مع ما أدى إليه البرهان العقلي.

٣- والتأويل مباح بدليل اللجوء إليه في الأحكام الشرعية، طالما كان ذلك لا يخل بعادة لسان العرب في استخدام المجازات.

٤ - ويقطع ابن رشد بأن كل ما نطق به الشارع، وبدا في الظاهر مخالفًا لما أدى إليه البرهان العقلي، فمن الممكن تأويله بما يجعله متفقًا مع ما أدى إليه البرهان العقلي، أي: أنه يقطع مقدمًا بإمكان تأويل ظاهر ما نطق به الشرع؛ ليتفق مع ما أدى إليه البرهان العقلي والسبب في هذا التوكيد القاطع من جانبه هو، من أن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد عليه، فما دام الشرع حقًا وما أدى إليه البرهان هو حق، فإنهما لا بد أن يتفقا [الفلسفة والفلاسفة، ص ١٢٨].

فإن سأل سائل: ولماذا لم يرد نطق الشرع صريحًا لا يحتاج إلى تأويل في حسم كل اختلاف؟ أجاب ابن رشد بأن السبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن هو اختلاف فطر الناس، وتباين قرائحهم في التصديق. والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينهما، وإلى هذا المعنى وردت الإشارة بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: ٧] إلى قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: ٧].

 ويريد ابن رشد أن يقف على قوله تعالى: {وَٱلرَّٰسِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ} ليعطفها على {الله}، ويجعل "لفظ الجلالة"، و"الراسخين في العلم" معًا عالمين وحدهم بتأويل الآيات المتشابهات في القرآن الكريم.

ويؤيد ابن رشد رده هذا بأن يقول: إن كثيرًا من الصدر الأول قد نقل عنهم أنهم كانوا يرون أن للشرع ظاهرًا وباطنًا، وأنه ليس يجب أن يعلم بالباطن من ليس من أهل العلم به ولا يقدر على فهمه - مثلما روى البخاري عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: »حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ الله وَرَسُولُهُ؟» [صحيح البخاري رقم ١٢٧]، ومثلما روى من ذلك عن جماعة من السلف الصالح [فصل المقال، ص٣٥].

حق الراسخين في العلم في التأويل

ويعود ابن رشد إلى ما قرره من الوقوف بعد: {وَٱلرَّٰسِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ} [آل عمران: ٧]، ويبرر ذلك بأنه "إذا لم يكن أهل العلم يعلمون التأويل، لم تكن عندهم مزية تصديق توجب لهم من الإيمان به ما لا يوجد عند غير أهل العلم، وقد وصفهم الله بأنهم المؤمنون به، وهذا إنما يحمل على الإيمان الذي يكون من قبل البرهان، وهذا لا يكون إلا مع العلم بالتأويل، فإن غير أهل العلم من المؤمنين هم أهل الإيمان به لا من قبل البرهان، فإن كان هذا الإيمان الذي وصف الله به العلماء خاصًا بهم، فيجب أن يكون بالبرهان" [فصل المقال، ص٣٧- ٣٨].

الخلاصة

خلص ابن رشد إلى أن إعمال العقل في ملكوت السموات والأرض هو أمر إلهي يستوجب دراسة المنطق وعلوم القدماء؛ فالبرهان العقلي اليقيني لا يمكن أن يصطدم بصريح النقل، وفي حال وجود تعارض ظاهري، يبرز دور "التأويل" كأداة معرفية يختص بها الراسخون في العلم؛ لإعادة الوئام بين الحكمة والشريعة، بما يحفظ قدسية النص، وحرية الفكر.

موضوعات ذات صلة

يُعد ابن رشد قمة الفكر الفلسفي العربي الذي سعى؛ لترسيخ شرعية النظر العقلي بوصفه واجبًا دينيًا لا ينفصل عن الإيمان

الفيلسوف والطبيب الأندلسي العظيم، الذي يُلقب بأبي المنهج العلمي الحديث

الحكمة تعني الكلام الموافق للحق، وأحكم الشيءَ: أتقنه، وهي المرتبة الأعلى بعد أن تكتمل المعرفة لدى الإنسان

موضوعات مختارة