فإن اعترض معترض وقال: "إن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة؛
إذ لم يكن في الصدر الأول فإننا نرد عليه ونقول: إن النظر في القياس الفقهي
وأنواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول، فهل هو الآخر بدعة؟ إن هؤلاء المعترضين من
الفقهاء لا يعتبرون القياس الفقهي بدعة، وإذن فعليهم ألا يعتبروا النظر في القياس
العقلي بدعة، ذلك أن أكثر أصحاب هذه الملة مثبتون للقياس العقلي، إلا طائفة من
الحشوية قليلة وهم محجوجون بالنصوص" [فصل المقال ص٢٥]، ويقصد
بالحشوية ها هنا: أصحاب المذهب الظاهري، وعلى رأسهم ابن حزم الأندلسي وغيره ممن
أنكروا القياس.
وإن اعترض معترض آخر فقال: إن القياس العقلي من وضع قوم غير مسلمين، قلنا:
إن علينا أن نستعين بمن تقدمنا من الأمم ممن درسوا القياس العقلي سواء كان ذلك
الغير مشاركًا لنا، أو غير مشارك في الملة، فإن الآلة التي تصح بها التذكية النوع
الشرعي ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك
إذا كانت فيها شروط الصحة، وأعني بـ "غير مشارك": من نظر في هذه الأشياء
من القدماء قبل ملة الإسلام" [فصل المقال ،ص٢٦].
وما دام الأمر كذلك، وكان القدماء قد نظروا وفحصوا عن المقاييس العقلية –
أي: المنطق- أتم فحص، فينبغي أن نرجع إلى كتبهم فننظر فيما قالوه من ذلك: فإن كان
كله صوابًا، قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب، نبهنا عليه [المرجع السابق، ص٢٦].
فمن الواجب علينا إذن أن نستعين بما قاله المتقدمون في شأن المقاييس
العقلية، كما نفعل ذلك في العلوم الرياضية، فإنه لو فرضنا صناعة الهندسة في وقتنا
هذا معدومة، وكذلك صناعة علم الهيئة، ورام إنسان واحد من تلقاء نفسه أن يدرك
مقادير الأجرام السماوية وأشكالها وأبعاد بعضها عن بعض، لما أمكنه ذلك [المرجع السابق، ص٢٧].
وهذه صناعة أصول الفقه والفقه نفسه لم يكمل النظر فيهما إلا في زمان طويل،
ولو رام إنسان اليوم من تلقاء نفسه أن يقف على جميع الحجج التي استنبطها النظار من
أهل المذاهب في مسائل الخلاف التي وقعت المناظرة فيها بينهم في معظم بلاد الإسلام
- ما عدا المغرب - لكان أهلاً أن يضحك منه؛ لكون ذلك ممتنعًا... وهذا أمر بيِّن
بنفسه ليس في الصنائع العلمية فقط، بل والعملية: فإنه ليس منها صناعة يقدر أن
ينشئها واحد بعينه، فكيف بصناعة الصنائع، وهي الحكمة ؟!
وإذا كان هذا هكذا، فقد يجب علينا - أن الفينا لمن تقدمنا من الأمم
السالفة، نظرًا في الموجودات واعتبارًا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان - أن
ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم: فما كان منها موافقًا للحق قبلناه
منهم، وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق، نبهنا عليه، وحذرنا
منه، وعذرناهم [المرجع
السابق، ص٢٨].
وهذه نظرة واسعة الأفق متحررة منفتحة؛ للأخذ بالعلوم أيًا كان مصدرها دون
اعتبار الجنسية أو دين هذا المصدر، كل ما علينا هو أن نفحص عما جاءوا به فإن كان
موافقًا للحق أي: لما يقضي به العقل، والنظر العقلي، والبرهان المنطقي، قبلناه
وفرحنا به، وشكرنا لهم صنيعهم عرفانًا منا بجميلهم، وإن وجدناه غير موافق للحق،
نبهنا على ذلك، وحذرنا منه، والتمسنا العذر لهم فيما اجتهدوا فيه، ولم يصيبوا الحق.
وينتهي ابن رشد من هذا كله إلى تقرير أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع؛
إذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وأن من نهى عن
النظر فيها من كان أهلاً للنظر فيها ـ وهو الذي جمع أمرين: أحدهما: ذكاء الفطرة،
والثاني: العدالة الشرعية والفضيلة الخُلقية - فقد صد الناس عن الباب الذي دعا
الشرع منه الناس إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته حق المعرفة،
وذلك غاية الجهل، والبعد عن الله تعالى [فصل المقال، ص٢٩].
وهكذا يقرر ابن رشد بكل توكيد ما يلي:
١ - أن الحق لا
يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد عليه.
۲ - فإذا اختلف ما
نطق به الشرع مع ما أدى إليه البرهان العقلي، فيجب تأويل ظاهر الشرع؛ ليتفق مع ما
أدى إليه البرهان العقلي.
٣- والتأويل مباح
بدليل اللجوء إليه في الأحكام الشرعية، طالما كان ذلك لا يخل بعادة لسان العرب في
استخدام المجازات.
٤ - ويقطع ابن رشد
بأن كل ما نطق به الشارع، وبدا في الظاهر مخالفًا لما أدى إليه البرهان العقلي،
فمن الممكن تأويله بما يجعله متفقًا مع ما أدى إليه البرهان العقلي، أي: أنه يقطع
مقدمًا بإمكان تأويل ظاهر ما نطق به الشرع؛ ليتفق مع ما أدى إليه البرهان العقلي
والسبب في هذا التوكيد القاطع من جانبه هو، من أن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه
ويشهد عليه، فما دام الشرع حقًا وما أدى إليه البرهان هو حق، فإنهما لا بد أن
يتفقا [الفلسفة
والفلاسفة، ص ١٢٨].
فإن سأل سائل: ولماذا لم يرد نطق الشرع صريحًا لا يحتاج إلى تأويل في حسم
كل اختلاف؟ أجاب ابن رشد بأن السبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن هو اختلاف
فطر الناس، وتباين قرائحهم في التصديق. والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه هو
تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينهما، وإلى هذا المعنى وردت الإشارة
بقوله تعالى: {هُوَ
الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: ٧] إلى قوله
تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}
[آل عمران: ٧].
ويريد ابن رشد أن يقف على قوله
تعالى: {وَٱلرَّٰسِخُونَ
فِی ٱلۡعِلۡمِ} ليعطفها على {الله}، ويجعل "لفظ الجلالة"، و"الراسخين
في العلم" معًا عالمين وحدهم بتأويل الآيات المتشابهات في القرآن الكريم.
ويؤيد ابن رشد رده هذا بأن يقول: إن كثيرًا من الصدر الأول قد نقل عنهم
أنهم كانوا يرون أن للشرع ظاهرًا وباطنًا، وأنه ليس يجب أن يعلم بالباطن من ليس من
أهل العلم به ولا يقدر على فهمه - مثلما روى البخاري عن علي - رضي الله عنه - أنه
قال: »حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ
أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ الله وَرَسُولُهُ؟» [صحيح البخاري رقم ١٢٧]، ومثلما روى من ذلك عن
جماعة من السلف الصالح [فصل
المقال، ص٣٥].