ويتكون
الموقف العام لابن تيمية من التصوف والصوفية من عدد من العناصر أو القواعد العلمية
والأخلاقية التي يمكن الإشارة في إيجاز شديد إلى أهمها فيما يلي:
١-
تجنب الأحكام العامة التي يلجأ إليها بعض الناظرين في التصوف سواء أكانوا من أنصاره
أم من خصومه، لأن الأحكام العامة تفتقد الدقة وتنأى عن التحديد، ثم هي لا تخلو من
الهوى، ولا يبرأ القائل بها من الظلم فيما يصدره من أحكام.
٢- إذا نسب
إلى أحد الصوفية قول أو رأي فلا بد من التثبت أولا من صدوره عنه، ويطبق ابن تيمية
هنا قواعد التثبت التي يقول بها علماء مصطلح الحديث من حيث اتصال السند وعدالة
الرواة.
ويمكن الإشارة
هنا إلى ما قاله ابن تيمية، وهو في مقام الحديث عن أحد الأقوال المسندة إلى الشيخ
أبى سليمان الداراني، فقد ذكر أن هذا القول لم يثبت عنه بإسناد متصل، وإنما ذكر
مرسلا عنه، وبمثل ذلك الإسناد المرسل لا تثبت الأقوال عن أبى سليمان باتفاق الناس. (انظر: مجموع فتاوى ابن
تيمية ١٠/٦٧٨، ٦٨٨)
إذا ثبتت نسبة القول إلى شخص معين، فلابد من عرضه
على مجمل آرائه حتى يمكن تفسيره تفسيرا يتلاءم مع أفكاره المعروفة عنه.
ومعنى ذلك
أنه لا يصح الاقتصار على عبارة أو جملة واحدة للحكم بها على شخص معين، وربما كان
هذا الحكم شديدا قاسيا بل ربما يتوصل من بعض العبارات إلى حكم يخرج صاحبها عن الإسلام،
وهذا موقف غير سديد؛ لأن الكلمة العابرة قد تكون خطأ غير مقصود، ولعلها تجد
التصحيح والتصويب في عبارة أخرى مكملة لها.
أن
يحمل الكلام على أحسن المحامل والمعانى، فلا يصح الترصد للخلق وتسقط عثراتهم أو
تمنى وقوعهم في الخطأ والغلط وإنما يفعل ذلك أشرار الناس الذين لا يرون في الناس
إلا النقائص والعيوب، فهم يتجاهلون حسناتهم ويبحثون عن سيئاتهم مع التجني عليهم.
أما أهل الصلاح والخير والورع عن الحرمات فهم على
العكس من هؤلاء، وهم يعذرون الناس فيما سبق إليه لسانهم عن غير قصد منهم، وقد
يتبين لهم بعد التحرى أن أصحاب هذه الأقوال براء مما نسب إليهم.
وقد طبق ابن تيمية هذه القاعدة على بعض ما نسب
إلى أبي سليمان الداراني الذي سبقت الإشارة إليه فقد قام بمقارنة أقواله بعضها ببعض
مع حمل كلامه على أحسن المحامل نظرا لما عرف عنه من الأخلاق والأقوال.
ثم
انتهى من ذلك كله إلى أن الشيخ أبا سليمان (الداراني) كان أجلَّ من أن يقول هذا
الكلام فإن الشيخ أبا سليمان من أجلاء المشايخ وساداتهم ومن أتبعهم للشريعة، حتى
إنه قال: إنه ليمر بقلبى النكتة الخاطرة أو الفكرة من نكت القوم فلا أقبلها إلا
بشاهدين: الكتاب والسنة، فمن لا يقبل نكت قلبه إلا بشاهدين يقول مثل هذا الكلام،
بل صاحبه أحمد بن أبي الحواري كان من أتبع المشايخ للسنة فكيف أبو سليمان.
ويدعو ابن تيمية إلى الرفق والقصد في النظر إلى بعض الأقوال التي تصدر من
بعض الصوفية ولاسيما أهل الأعذار منهم وهم الذين ينطقون ببعض الأقوال في حالات
الوجد وغلبة الحال، وهؤلاء لا يكادون يلاحظون ما ينطقون به في حال وجدهم، وقد يفنى
أو يذهل بما يقع في قلبه عن الشعور بنفسه وبما حوله ومثل هذا أقرب إلى أن
يكون معذورا. (مجموع الفتاوى:
١٠/٦٩٤)
وليس معنى ذلك أن يقبل ابن تيمية الأقوال
المخالفة للشريعة، بل إنه يتصدى لها ويقف في وجه أصحابها ويتتبع أقوالهم بصبر وجلد،
ويطيل الوقوف أمامها وينقدها حتى لا يغتر الناس بها، ولكنه كان حريصا على التفريق
بينهم بحسب آرائهم، فلا يعمم الأحكام ولا يأخذ بعضهم بجريرة غيرهم.
وهكذا
يفرق ابن تيمية بين الأقوال وينأى عن التعميم والتعصب وأخذ الناس بلوازم الأقوال.