Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العهد والخرقــة عند الصوفية (٢)

الكاتب

أ. د / عبد الله يوسف الشاذلي

العهــد والخرقــة عند الصوفية

تعد "الخرقة" رمزًا للبيعة والعهد في التصوف، يلبسها المريد من شيخه بعد أن يتأكد كل منهما من أهلية الآخر. فالشيخ يجب أن يكون ذا بصيرة وعلم عميق، بينما المريد يجب أن يكون صادقًا في إرادته وقويًا في عزيمته. تعدد الخرق وارد، لكنه غالبًا يكون للتبرك بشيوخ آخرين، مع بقاء البيعة الأساسية مع الشيخ الأول. وقد انتقد الصوفية أنفسهم التعلق بالمظهر الخارجي للخرقة دون تحقيق حقيقتها الروحية.

 

الأهلية ضرورية فى الطرفين (الشيخ والمريد)

وملبس الخرقة ولابسها، ولا بد لكل منهما من أهلية تبلغه مقصوده: فالشيخ وهو الطرف الأول لا بد أن يقطع الطريق بداية ووسطا ونهاية، بأن يعرف علوم الشريعة والطريقة والحقيقة، ويؤديها على وجه الكمال. ثم يقطع عقبات الطريق. ويجرب المقامات ويمر بالمنازل مرور الحاذق الفهم المدرك، ويتطهر من دنايا الصفات البشرية، ويتخلق بالأخلاق السنية، والآداب العلية بحيث لا يبقى في نفسه شيء يحجبه وينبغي أن يكون – كما وصفوه – ممن ذاق رقيق الأحوال، وحقيقة الأعمال، وشاهد قهر الجلال ولطف الجمال. (كشف المحجوب لهجويري، أسرار التوحيد، ج١، ٢٥٤ )

وبحيث يكون صائدًا عبقريا، نقيًا بصره إذا نظر من بصيرته، وعقله إن فكر من مدته، ولمسة يده من عين رحمته، وفيض قوله من دقيق حكمته، وخضوع الغير من فرط هيبته، شعاعات عينه سبقت في التأثير رقيق كلمته إذا نظر إلى غريب بعين شفقته صيره قريبا من حضرته، وإن لمس بيده عاصيا فاضت عليه من الله هدايته، وإن دعا فبأمر مولاه لا بمنزع من هواه، وبعين منه جل جلاله رعاه ورباه، ثم خلاه وجلاه. باختصار لزم الوحي فهما ، واستقام عليه عملا وتطهر به باطنا، وحفظ عليه الجوارح ظاهرا، وتأسى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- جهرًا وسرا فرضًا ونفلاً، فردًا وجمعًا.

ويجب على الشيخ أن يتفقد مريده بداية ونهاية، ويعرف إن كان من الراجعين أو الواقفين أو السائرين الواصلين، وأن يدرك من أمارته هل يرجع عن إرادته، أو يتوقف لا يتقدم، أو يسابق وينافس حتى يصل بعون الله وفضله، ويوالي تلميذه بالإرشاد، ويعرفه طريق الرياضة، ويبصره بآفات النفس، وبفساد الأعمال ومداخل العدو، ويدرك علل المريدين، وصوارف المجدين وغفلات السالكين.

أما الطرف الثاني وهو المريد فلابد أن يحزم إرادته ، ويغادر بلا رجعة ماضيه بتوبته، ويقبل على شيخه بصادق عزيمته، وجمع همته، وصدق التلقي في سره وعلانيته، وحسن استعداده ولياقته، وتحمسه لرياضته ومجاهدته، هذا مع التهيؤ للإكثار من طاعته وعبادته، ويكون ذا أدب في خدمته وصحبته ، لين الجانب والخلق مع أخوانه وعشيرته ، ويسمع ويطيع بقلبه وجوارحه، ويستسلم لنصحه ورأيه.

فإذا كان الشيخ كما سبق والمريد كما وصفنا فيما لحق، أفاد إلباس الخرقة، وصح للشيخ أن يمد يده وللمريد أن يكون واحدا من طلابه، وإذا تأهلا تبايعا وتجانسا. وبالخرقة اكتسيا. ويقوم الشيخ فيبصره بشرائط الخرقة وحقوقها، ويصغي المريد إلى شيخه في أدب متقبلاً منه التكاليف الإلهية والمراضي النبوية.

تعدد الخرق

الطرق متعددة حسب حال كل شيخ ومنهجه في التربية، وقد سبق أن قلنا إن المريد ينبغى أن يلزم شيخا واحدًا في البداية حتى لا يتشوش قلبه، فإذا ما ثبت حب الشيخ وصار لديه أولى من أي شيء جاز له أن يتبرك بغيره، ويقال هذا في الخرقة، فالمريد يرتديها من شيخه أولا، ثم يجوز أن يُكساها من آخر بركة، ومثال ذلك: الشيخ أبو سعيد فضل الله بن أبى الخير محمد بن أحمد الميهني (٤٤٠هـ) فقد تلقى البيعة أولاً على أبي الفضل حسن في سرخس ، ولازمه حتى انتقل فاتصل بأبي عبد الرحمن السلمى في نيسابور (ونال على يديه الخرقة الأولى) ثم التقى بعد السلمى بأبي العباس القصاب في أمل (ونال على يديه الخرقة الثانية). (محمد بن المنور أسرار التوحيد في مقامات أبي السعيد ١٤ ترجمة اسعاد قنديل.، )

وهذا يعني أن البيعة قد تتعدد، والخرقة كذلك، ويتلازمان أو تتأخر الخرقة لكن لا تسبق الثانية الأولى إذ لا دخول في الطريق إلا بعهد أو بيعة وإن صح الدخول والسلوك بدون خرقة، فالبيعة أبدا والخرقة قد تكون وأحيانا لا يكتسيها المريد بل يظل مرتديا ثوبه كيفما اتفق وأحل.

وتعدد الطرق والخرق بحسب المنهج في التربية، والتنوع في الشارات والرسم، لا يعني الاختلاف في العلم أو بين الشيوخ "إن الكل واحد والواحد كل، ولا يوجد خلاف بين الصوفية"، وإذا اختلفت أساليبهم ومناهجهم، أو ألفاظهم بحسب المشارب والأذواق، أو إشاراتهم ومرقعاتهم وفرقهم فالمعاني واحد. (نفسه :٦٦.)

ومراحل السلوك لا تتغير، فهناك البدايات بتوباتها وهمتها و عزيمتها، والوسط بمجاهداته ومقاماته والنهايات بأحوالها ومكاشفاتها، ونظرا لوحدة المعاني وشرف المقصد فما ينبغي أن نرى بين رجال الطريق تناحرًا فكريًا أو جدلًا معنويًا.

ومما يبدو اختلافًا بين رجال الطريق وشيوخه كقول بعضهم في التوبة (أن تنسى ذنبك) وقول آخر(ألا تنسى ذنبك) فهذا اختلاف تنوع بحسب الحال وقد انبنى على الاتفاق حول الأصل وهو التوبة، ومما يشهد بوحدة المعانى وجود اصطلاحات معينة مشتركة بينهم عبرت عن بداياتهم ومجاهداتهم ومقاماتهم ومعارفهم وأحوالهم ومكاشفاتهم، فمع أن التصوف علم الأذواق لكنهم استخلصوا من رحيق الأحوال صافي المعاني ورمزوا لها بإشارات أو مصطلحات، واستطعنا من ذلك أن نجمع مقاماتهم وأحوالهم، وأن نتناولها بالفهم والشرح والتفسير، حتى عرف العلم وأحصيت أبوابه وقُعِّدت قواعده وأصوله، وكلها تدل على وحدة العلم ومعانيه.

وإذا كان أمر الجمعية الصوفية، وتوحد الكل من العارفين على نحو ما ذكرنا، فإن الانتقال من شيخ إلى شيخ، وتعدد البيعات والخرق لا يعني الخروج عن الطريق ككل بل قد يكون التنقل للفائدة حيث لم تتلاق طباع المريد مع شيخ، أو اكتشف الشيخ وجود منفعة المريد لدى غيره فيأمره بالذهاب إليه، وغالبًا ما تحدث الفائدة ويقصد بالتنقل معها مجرد التبرك بلقاء عارف آخر.

وعندما يقبل مريد على شيخ ويتعاهدان، ثم ينخرط في السلوك تسمى الخرقة عندئذ بخرقة الإرادة وهي الأصلية، فإن نال بعدها خرقة ثانية أو ثالثة من شيوخ آخرين فهي خرقة التبرك، شريطة أن يبقى السلوك مع  الأولى، وإن لم تتوافر نية التوبة لدى شخص ما؛ بل أراد مجرد التزيي بزي القوم أملًا في حدوث الفائدة بعد ذلك، فعندما يرتدي خرقة من شيخ فإنها للبركة فحسب. ( السهروردي: عوارف المعارف ٩٧-٩٨.)

وفي الوقت الذي يطالَب فيه من لبس الخرقة قصدًا ونية و إرادة بشرائط الطريق وحقوق الصحبة يطالب من ارتداها بركة بلزوم حدود الشرع ومخالطة لطائفة بغية أن تعود عليه بركتهم، ويتأدب بآدابهم فينتقل إلى خرقة البركة وإلى الأهلية بها. وهنا نذكّر بما سبق من أن الصوفية وإن اشترطوا لأخذ العهد ولبس الخرقة أن يمر المريد بسنوات تدريبية سابقة. كي تكون إرادته صادقة، وخرقته أصلية، فإنهم لم يمنعوا رقعتهم عن كل طالب رجاء أن ينتفع فيصدق بعد ذلك، وإن كان هذا قد يحدث على جهة الندرة.

وصرح السهروردي البغدادي بنقطة تربوية جديرة بالذكر هنا ومفادها أن للشيخ ولاية على المريد، وبحكمها يجوز له أن يلبسه خرقا متعددة أو على دفعات على قدر ما يتلمح من المصلحة لتلميذه، وعلى قدر ما يداوى هوى في النفس، فيلبسه الأزرق أو الأبيض أو غيرهما ويكون ذلك من حسن مقصود الشيخ ومن موفور علمه وعنايته بمريده. (عوارف المعارف:٩٦،٩٨.. )

فان رآه تركن نفسه إلى هيئة مخصوصة،  وثوب معين سواء كان ناعما أو خشنا. أو قصيرًا أو طويلاً أو أيًا كانت هيئته فإن الشيخ قد يلبسه ثوبا يكسر نفسه وهواها وغرضها. ويخرج بالملبوس عن عادته.

وجهة نظر الصوفية حول لبس الصوف والمرقعات

بعد الحديث عن البيعة والعهد والعقد وبيان أنها ضرورية أو مستحسنة فى الطريق، وبعد بيان أن الخرق تلازم أو لا تلازم العهد. نعود من جديد لتلخيص وجهة نظر الصوفية حول الموضوع الأخير وهو لبس الصوف والمرقعات أو عدمهما فنرى أنهم اتجاهات:

اتجاه آثر الصوف والمرقعات وتلمس ذلك في بعض أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- من لبسه الصوف، وأمره لعائشة بالترقيع، وما أثر عن بعض الصحابة من لبسهم الخشن أو المرقع مثل عمر وعلي وأبي بكر و سلمان الفارسي وجمع من البدريين ، كما عرف الحسن البصري (١١٠هـ) ومالك بن دينار (١٣١هـ) وسفيان الثوري في بعض الروايات عنه، وإبراهيم بن أدهم بلبس المرقعات، واقتداء بهؤلاء أمر المشايخ المريدين بلبسها للحكم التي أسلفناها واعتبروها زينة الأولياء الصالحين وسبب الفلاح، واشترط سلمان الداراني للبسها أن يتخلص المريد من شهوات نفسه، ثم يرتدي العباءة باعتبارها علمًا من أعلام الزهد، ولقد استتر بها بعض شيوخ ما وراء النهر، وارتداها الشيخ محمد بن خفيف (٣٧١هـ) مدة عشرين عامًا، وزاد عليه محمد بن الحسن الحنبلي أحد شيوخ الهجويري (٤٩٢هـ) فلبسها مدة ستة وخمسين عامًا ، واعتبر صاحب كشف المحجوب من أنصار هذا الاتجاه لربطه بينها وبين حقائق الطريق وخصها بالمريدين قائلًا إنه لا يلبسها إلا المنقطعون عن الدنيا والأخرى، والمشتاقون إلى حضرة المولى عز وجل، ويبدو أن هذا الاتجاه هو الذي كان غالبا طوال العصور الأولى للتصوف الإسلامي، التي بدا فيها العلم شرعيًا متحققًا مثمرًا في التربية وصنع الرجال، ومفرزًا لنا أهم المقامات، وأرق الأحوال والمكاشفات، كما كثر في العصور المتأخرة التي اتسم فيها العلم وأهله بالتقليد مراعاة الرسوم لا بالتحقيق والتذوق. وإن كنت تعتقد أن الترقيع والتخريق- لم يعم كل ساحات الطالبين وبقي هناك كثيرون متحررون أو كانت لهم وجهات نظر أخرى.

وهؤلاء يمثلون الاتجاه الثاني الذي يرى عدم التقيد بزي خاص يرتديه الطالب ساعة العهد أو بعده. ويلتزم به المشايخ قبل مريديهم ويبيحون سائر الأزياء يقول ابن البنا  السرقسطي الصوفي المالكي في "مباحثه الأصلية":

وقد أباحوا سائر الأثواب

                             وتركها أقرب للصواب

ووافقه أبو نصر الطوسي في كتابه "اللمع"، والسهروردي البغدادي في "عوارفه"  وغيرهما. ورأوا عدم التكلف بثوب معين، بل إن الفقير يكون مع الوقت وحسب رزق الله له، وتيسيره لأمره، فان وجد الصوف لبس، أو اللين، أو القباء، أو الجبة والكساء، أو القميص والعمامة، أو الرداء والبردة، أو السروال والبرنس، أو غيرها لبس، وكذا لا يتقيدون بلون كما لم يتحيزوا لصنف، فجميع الألوان عندهم مقبولة: الأحمر والأصفر والأخضر والمحبر، والأسود والأبيض، وهكذا سلك بعض المشايخ بمريديهم من غير تعيين للبس في خامته ومادته أو لونه، أو شكله، المهم عندهم هو السلوك عن علم وأدب وجد ومجاهدة فحسب، ومن كانت حالته كذلك صدقا وتحققًا فأي لبس لبسه ظهرت عليه المهابة والجلالة، وكما احتج أنصار الفريق الأول بأدلة نصية وواقعية وإقناعية فقد دلل أصحاب هذا الاتجاه بقول الله سبحانه: {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} [الأعراف: ٣١] ، حيث أطلق الزينة ولم يقيدها، ولبس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جميع الألوان، وقرروا أن السلف لم يعرفوا الخرق، ثم أتوا بأدلة إقناعية أيضا إذ قالوا إن نفس الآدمي لها بالعادة ألفة وإذا ألفت شيئا صار طبيعة، وإذا صار طبيعة كان حجابا؛ ولذا لم يلبس أحمد ابن خضرويه (٢٤١هـ)، ولاشاه بن شجاع الكرماني  المتوفى قبل الثلاثمائة ولا أبو حامد الدوستاني  مرقعة أو مخرقة. (انظر كشف المحجوب ج١ ٢٤١-٢٥٤ اللمع ٤٩:عوارف المعارف ٩٨ الفتوحات الإلهية ١٢٧-١٢٩.)

وهم من سلف العارفين، وأيضًا فإن مما دفع به أتباع الاتجاه  الرافض لتعيين زي خاص أن المتأخرين اتخذوا هذا الزي شعارا لهم، مع بدعهم ومخالفتهم للسنة، ومع تكلفهم فيه إلى حد يخرجهم عن حسن القصد وهو المطلوب في كل قول أو عمل أو رسم. وثم منحى ثالث ركز فيه القائلون به على الجانب النقدي، وعلى الحقائق لا الأشكال، ورفضوا هذه الرسوم والظاهر جميعًا.

وبمناسبة الجانب النقدي فإنه ربما كان أفضل نقد يقوّم، ويحكم على أهل الطريق هو ما جاء على لسان الصوفية أنفسهم، فكم قالوا مبكرا عندما سئلوا عن بعض رجال الطريق: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} (البقرة:١٣٤) وأظهر كثير منهم التحسر على ما آل إليه الأمر، وتذكروا سلفهم بكل أسى لضياع الحقائق، وعلل كثير من المؤلفين سر تدوينه لكتبه أو رسائله باندثار العلم وظهور البدع فيه ، قال هذا القشيري والجيلاني ، والسهروردي الجد والحفيد وغيرهم، ولنسمع صورة من صور النقد الداخلي شملت جوانب متعددة، وحملت في طياتها لوما على اتخاذ الزي شعارا ودثارًا وشكلا بلا حقيقة:

 يقول القشيرى: "حصلنا في زمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحكام ذوي المروءة، و لا أمانة الأشراف، ولا خوف عار المكثرين لم يبق من الإسلام إلا اسمه، ومن الدين إلا رسمه، ومن القرآن إلا درسه، ومن العلم إلا خطه، ومن التصوف إلا زيه، ومن الفقر إلا لبسه أفل نجوم المتحققين فليست تطلع، وغاب شمس المعارف فليست تبرز، وخرس ألسن الصادقين فليست تنطق، وانهدم منار الدين فليس يرفع ، وانقطع أنهار العلوم فليست تتفجر، وقطعت أشجار العدل فليست تظل، وانهزم عسكر الحق فليس يَكُرّ. وعَوِرت عيونُ البصائر فليستْ تصبير، وانطمست رسوم الطريق فليستْ تسلك، وغاب المخبر وانقطع الخبر" (رسائل القشيري رسالة السماع ٦١-٦٢ تحقيق منير محمد حسن).

ويقول المقري عن صوفية عصره: "طمسوا لآلاء العزِّ، فجعلوا القصائد مسائل، والرسائل وسائل، والمقطعات مرقعات، فآل أمره إلى ما آل" .(نفح الطيب ج٢ ٥.)

وإذ أخذنا في الاعتبار نقد الطوسي والقشيري وهما متقدمان، وجمعنا إليهما الجيلاني والسهروردي والدباغ وهم من أبناء القرن السادس والسابع، أدركنا أن النقد الداخلي للتصوف بدأ على ألسنة المؤلفين مبكرًا، كما قام به أرباب الأقوال في فترات متقدمة عن هؤلاء المؤلفين. والقصد والنية من وراء النقد ليس هو التشهير والهدم بل التصحيح والتقويم وإعادة الاستقامة للطريق، والأخذ بيد المريدين إلى نهج أسلافهم في العلم والسلوك والأحوال.

وما يخصنا هنا هو ما يتصل بالزي والرسم، فقد وضح لدينا لوم الناقدين له باعتباره شكلاً يخلو من الحقيقة، وهي المطلب الأسمى لرجال الطريق الذين لا يقرون من المقامات والآداب إلا ما وافق الشرع وأوصل إلى الحقائق المنشودة، والأحوال المطلوبة، وكل قاعدة أو رسم فلابد أن يكون منوطا بالغايات العليا من وراء السلوك علما وعملاً، وإن صحت النية، وشحذت الإرادة وقويت المجاهدة، وكثرت الطاعة ودقت الاستقامة، وتجرد الإخلاص، وبدت البوادي، وانقطعت العوادي، صح للمريد بعد ذلك أن يلبس الشعار وان يرتدي الدثار، يقول الداراني: إذا لم يبق في القلب من الشهوات شيء جاز للمريد "أن يتدرع عباءة ويلزم الطريق لأن العباءة  علم من أعلام الزهد" (نيكلسون: فى التصوف الإسلامى ٤٩).

وهو نفسه ما قرره القشيري بعد نقده السابق في قوله: "يا أخى لا يغرنك ما ترى من ظاهر الرسم وموجود الاسم فعند مطالبة الحقائق يفتضح أهل الرسم، ولا يوزن من الأعمال إلا خوارقه، ولا يصح من الأحوال إلا حقائقه. ولا ينفع من الدعاوى إلا ما كان مقدورا بصدق المعالى". (رسالة السماع ٦٢..)

والشريعة مستقاة من الوحي، والوحي رباني، فالرب منزل الوحي، والنبي متلقيه، والسنة منه وشرحه، فمن أخذ الوحي والحق، وتمسك بالسنة شريعةً، وجد في السير والسلوك طريقةً، وتخلص من شوائب البشرية تخلية، أتته البوادي والرقائق والدقائق حقيقة، جاز له بعد ذلك أن يتزيى بما جرى عليه القضاء لبسه، والله فوق الكل هداية، ورسوله الحبيب -صلى الله عليه وسلم-  إمام الجميع أسوة، والمخلصون من صحابته وأتباعه والعلماء والشيوخ للكل قدوة، ونداؤهم في الآذان والقلوب للصاغين دعوة. والله الهادى إلى سواء السبيل.

الخلاصة

تعتبر الخرقة رمزًا صوفيًا للعهد والبيعة. ولكي تكون لها قيمة حقيقية، لا بد أن يتصف كل من الشيخ والمريد بصفات معينة. فالشيخ يجب أن يكون ذا بصيرة، قد قطع الطريق وخبر المقامات، بينما المريد يجب أن يكون صادق الإرادة، ومستسلمًا للشيخ في تربيته. وقد تتعدد الخرق التي يلبسها المريد، غالبًا للتبرك، لكن الصوفية أنفسهم انتقدوا من يتمسكون بالخرقة كشكل دون حقيقة، مؤكدين أن جوهر التصوف يكمن في صدق الإخلاص والعمل لا في الملبس.

موضوعات ذات صلة

العهد هو ميثاق بين طرفين والعهد الصوفي يكون بين المريد والشيخ وهو يعني البيعة التي تكون بين الشيخ والمريد.

المقامات درجات يصل إليها العبد بجهده وإرادته، في مقابل الأحوال التي هي هبة وعطايا وأفضال من الحق لا دخل للعبد فيها.

القُرب يستخدم بمعنى التقرب إلى الله بالطاعات، وفي القرآن وردت مشتقات القرب بمعانٍ متعددة.

موضوعات مختارة