بعد الحديث عن البيعة والعهد
والعقد وبيان أنها ضرورية أو مستحسنة فى الطريق، وبعد بيان أن الخرق تلازم أو لا
تلازم العهد. نعود من جديد لتلخيص وجهة نظر الصوفية حول الموضوع الأخير وهو لبس
الصوف والمرقعات أو عدمهما فنرى أنهم اتجاهات:
اتجاه آثر الصوف والمرقعات وتلمس ذلك في بعض أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- من لبسه الصوف، وأمره لعائشة بالترقيع، وما أثر عن بعض الصحابة من
لبسهم الخشن أو المرقع مثل عمر وعلي وأبي بكر و سلمان الفارسي وجمع من البدريين ، كما عرف الحسن البصري (١١٠هـ) ومالك بن دينار (١٣١هـ) وسفيان الثوري في بعض الروايات عنه، وإبراهيم
بن أدهم بلبس المرقعات،
واقتداء بهؤلاء أمر المشايخ المريدين بلبسها للحكم التي أسلفناها واعتبروها زينة الأولياء
الصالحين وسبب الفلاح، واشترط سلمان الداراني للبسها أن يتخلص المريد من شهوات
نفسه، ثم يرتدي العباءة باعتبارها علمًا من أعلام الزهد، ولقد استتر بها بعض شيوخ
ما وراء النهر، وارتداها الشيخ محمد بن خفيف (٣٧١هـ) مدة عشرين عامًا، وزاد
عليه محمد بن الحسن الحنبلي أحد شيوخ الهجويري (٤٩٢هـ) فلبسها مدة ستة وخمسين عامًا ،
واعتبر صاحب كشف المحجوب من أنصار هذا الاتجاه لربطه بينها وبين حقائق الطريق
وخصها بالمريدين قائلًا إنه لا يلبسها إلا المنقطعون عن الدنيا والأخرى،
والمشتاقون إلى حضرة المولى عز وجل، ويبدو أن هذا الاتجاه هو الذي كان غالبا طوال
العصور الأولى للتصوف الإسلامي، التي بدا فيها العلم شرعيًا متحققًا مثمرًا في
التربية وصنع الرجال، ومفرزًا لنا أهم المقامات، وأرق الأحوال والمكاشفات، كما كثر في العصور المتأخرة التي اتسم فيها العلم وأهله
بالتقليد مراعاة الرسوم لا بالتحقيق والتذوق. وإن كنت تعتقد أن الترقيع والتخريق-
لم يعم كل ساحات الطالبين وبقي هناك كثيرون متحررون أو كانت لهم وجهات نظر أخرى.
وهؤلاء
يمثلون الاتجاه الثاني الذي يرى عدم التقيد بزي خاص يرتديه الطالب ساعة العهد أو
بعده. ويلتزم به المشايخ قبل مريديهم ويبيحون سائر الأزياء يقول ابن البنا السرقسطي الصوفي المالكي في "مباحثه الأصلية":
وقد أباحوا سائر الأثواب
وتركها أقرب للصواب
ووافقه أبو نصر الطوسي في كتابه "اللمع"، والسهروردي البغدادي في
"عوارفه" وغيرهما. ورأوا عدم
التكلف بثوب معين، بل إن الفقير يكون مع الوقت وحسب رزق الله له، وتيسيره لأمره،
فان وجد الصوف لبس، أو اللين، أو القباء، أو الجبة والكساء، أو القميص والعمامة،
أو الرداء والبردة، أو السروال والبرنس، أو غيرها لبس، وكذا لا يتقيدون بلون كما
لم يتحيزوا لصنف، فجميع الألوان عندهم مقبولة: الأحمر والأصفر والأخضر والمحبر،
والأسود والأبيض، وهكذا سلك بعض المشايخ بمريديهم من غير تعيين للبس في خامته
ومادته أو لونه، أو شكله، المهم عندهم هو السلوك عن علم وأدب وجد ومجاهدة فحسب،
ومن كانت حالته كذلك صدقا وتحققًا فأي لبس لبسه ظهرت عليه المهابة والجلالة، وكما احتج
أنصار الفريق الأول بأدلة نصية وواقعية وإقناعية فقد دلل أصحاب هذا الاتجاه بقول
الله سبحانه: {يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} [الأعراف: ٣١] ، حيث أطلق الزينة ولم يقيدها، ولبس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جميع الألوان، وقرروا أن السلف لم يعرفوا الخرق، ثم أتوا بأدلة إقناعية
أيضا إذ قالوا إن نفس الآدمي لها بالعادة ألفة وإذا ألفت شيئا صار طبيعة، وإذا صار
طبيعة كان حجابا؛ ولذا لم يلبس أحمد ابن خضرويه (٢٤١هـ)، ولاشاه بن شجاع الكرماني المتوفى قبل
الثلاثمائة ولا أبو حامد الدوستاني مرقعة أو مخرقة.
(انظر
كشف المحجوب ج١ ٢٤١-٢٥٤ اللمع ٤٩:عوارف المعارف ٩٨ الفتوحات الإلهية ١٢٧-١٢٩.)
وهم من سلف العارفين، وأيضًا فإن مما دفع به أتباع الاتجاه الرافض لتعيين زي خاص أن المتأخرين اتخذوا هذا
الزي شعارا لهم، مع بدعهم ومخالفتهم للسنة، ومع تكلفهم فيه إلى حد يخرجهم عن حسن
القصد وهو المطلوب في كل قول أو عمل أو رسم. وثم
منحى ثالث ركز فيه القائلون به على الجانب النقدي، وعلى الحقائق لا الأشكال،
ورفضوا هذه الرسوم والظاهر جميعًا.
وبمناسبة الجانب النقدي فإنه ربما كان أفضل نقد يقوّم، ويحكم على أهل الطريق هو ما جاء على لسان
الصوفية أنفسهم، فكم قالوا مبكرا عندما سئلوا عن بعض رجال الطريق: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} (البقرة:١٣٤) وأظهر
كثير منهم التحسر على ما آل إليه الأمر، وتذكروا سلفهم بكل أسى لضياع الحقائق،
وعلل كثير من المؤلفين سر تدوينه لكتبه أو رسائله باندثار العلم وظهور البدع فيه ،
قال هذا القشيري والجيلاني ، والسهروردي
الجد والحفيد وغيرهم، ولنسمع صورة من صور النقد الداخلي شملت جوانب متعددة، وحملت
في طياتها لوما على اتخاذ الزي شعارا ودثارًا وشكلا بلا حقيقة:
يقول القشيرى: "حصلنا
في زمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحكام ذوي المروءة، و لا أمانة
الأشراف، ولا خوف عار المكثرين لم يبق من الإسلام إلا اسمه، ومن الدين إلا رسمه،
ومن القرآن إلا درسه، ومن العلم إلا خطه، ومن التصوف إلا زيه، ومن الفقر إلا لبسه أفل
نجوم المتحققين فليست تطلع، وغاب شمس المعارف فليست تبرز، وخرس ألسن الصادقين فليست
تنطق، وانهدم منار الدين فليس يرفع ، وانقطع أنهار العلوم فليست تتفجر، وقطعت
أشجار العدل فليست تظل، وانهزم عسكر الحق فليس يَكُرّ. وعَوِرت عيونُ البصائر فليستْ
تصبير، وانطمست رسوم الطريق فليستْ تسلك، وغاب المخبر وانقطع الخبر" (رسائل القشيري رسالة السماع ٦١-٦٢
تحقيق منير محمد حسن).
ويقول المقري عن صوفية عصره: "طمسوا لآلاء العزِّ،
فجعلوا القصائد مسائل، والرسائل وسائل، والمقطعات مرقعات، فآل أمره إلى ما آل" .(نفح الطيب ج٢ ٥.)
وإذ أخذنا في الاعتبار نقد الطوسي والقشيري وهما متقدمان، وجمعنا
إليهما الجيلاني والسهروردي والدباغ وهم من أبناء القرن السادس والسابع، أدركنا أن النقد
الداخلي للتصوف بدأ على ألسنة المؤلفين مبكرًا، كما قام به أرباب الأقوال في فترات
متقدمة عن هؤلاء المؤلفين. والقصد والنية من وراء النقد ليس هو التشهير والهدم بل
التصحيح والتقويم وإعادة الاستقامة للطريق، والأخذ بيد المريدين إلى نهج أسلافهم
في العلم والسلوك والأحوال.
وما يخصنا هنا هو ما يتصل بالزي والرسم، فقد وضح لدينا
لوم الناقدين له باعتباره شكلاً يخلو من الحقيقة، وهي المطلب الأسمى لرجال الطريق
الذين لا يقرون من المقامات والآداب إلا ما وافق الشرع وأوصل إلى الحقائق
المنشودة، والأحوال المطلوبة، وكل قاعدة أو رسم فلابد أن يكون منوطا بالغايات العليا
من وراء السلوك علما وعملاً، وإن صحت النية، وشحذت الإرادة وقويت المجاهدة، وكثرت
الطاعة ودقت الاستقامة، وتجرد الإخلاص، وبدت البوادي، وانقطعت العوادي، صح للمريد
بعد ذلك أن يلبس الشعار وان يرتدي الدثار، يقول الداراني: إذا لم يبق في القلب من
الشهوات شيء جاز للمريد "أن يتدرع عباءة ويلزم الطريق لأن العباءة علم من أعلام الزهد" (نيكلسون: فى التصوف الإسلامى
٤٩).
وهو نفسه ما قرره القشيري بعد نقده السابق في قوله: "يا
أخى لا يغرنك ما ترى من ظاهر الرسم وموجود الاسم فعند مطالبة الحقائق يفتضح أهل
الرسم، ولا يوزن من الأعمال إلا خوارقه،
ولا يصح من الأحوال إلا حقائقه. ولا ينفع من الدعاوى إلا ما كان مقدورا بصدق المعالى". (رسالة السماع ٦٢..)
والشريعة مستقاة من الوحي، والوحي رباني، فالرب منزل
الوحي، والنبي متلقيه، والسنة منه وشرحه، فمن أخذ الوحي والحق، وتمسك بالسنة شريعةً،
وجد في السير والسلوك طريقةً، وتخلص من شوائب البشرية تخلية، أتته البوادي والرقائق
والدقائق حقيقة، جاز له بعد ذلك أن يتزيى بما جرى عليه القضاء لبسه، والله فوق
الكل هداية، ورسوله الحبيب -صلى الله عليه وسلم- إمام الجميع أسوة، والمخلصون
من صحابته وأتباعه والعلماء والشيوخ للكل قدوة، ونداؤهم في الآذان والقلوب للصاغين
دعوة. والله الهادى إلى سواء
السبيل.