ومن الجدير بالذكر أن ارتداء المريد الخرقة من
شيخه إن جاء بعد فترة تدريب شاقة، أثبت فيها المريد صلاحية وتأدب بآداب الخدمة
والصحبة والإرادة، وراقب نفسه وقلبه كان الإلباس تحقيقا. أما إن لبسها بمجرد
القدوم على شيخ رآه أو خبره لمدة وجيزة، دون أن يتأهل المريد بالشيخ تأهلا مناسبا
فإن الارتداء مجرد تقليد يتحول إلى التحقيق بعد الصلاحية والأهلية والسلوك الصادق.
[ج١ كشف المحجوب ٢٥١].
والصوفية لا يبتدعون بل يستدلون أو
يستأنسون لتقاليدهم. ومن باب الاستئناس في ذلك استدلالهم بحديث أم خالد قالت:
أُتِيَ النَّبيُّ -صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ - بثيابٍ فيها خَميصةٌ سَوداءُ صغيرةٌ،
فقالَ: مَنْ تَرَوْنَ أَكْسو هذه؟ فسَكَتَ القومُ، فقالَ رسولُ اللهِ -صلّى اللهُ
عليه وسلَّمَ-: ائتوني بأُمِّ خالدٍ. قالتْ: فأَتى بي فأَلْبَسَنيها بيدِهِ، وقال:
أَبْلي وأَخْلِفي. يقولها مرَّتينِ، وجَعَلَ يَنظُرُ إلى عَلَمٍ في الخَميصةِ
أَصفَرَ وأَحمَرَ، ويقولُ: يا أُمَّ خالدٍ، هذا سَنا. والسَّنا بلسانِ الحبشةِ
الحسَنُ.: قال الحاكم في المستدرك صحيح على شرط البخاري ومسلم [المقدسي: صفة
التصوف ٤٤].
ولكن هذا الحديث ليس نصا في إلباس الخرقة الأمر
الذي جعل السهروردي يعترف بأنه: "لا خفاء في أن لبس الخرقة على الهيئة التي
يعتمدها الشيخ في هذا الزمان لم يكن في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه
الهيئة والاجتماع والاعتداد لها من استحسان الشيوخ، وأصله من الحديث ما
رويناه". [عوارف المعارف ٩٣ ]
يشير إلى حديث أم خالد، فالأصل ثابت
وهو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتفظ بأثواب معينة وألبسها غير واحد من
الصحابة. [قواعد التصوف ٩٦]. غير أن تلك الحالات لم تكن رديفة مبايعة أو مع توبة
بأن وقعت مثلا يوم الفتح في إحدى البيعات لذا جعلناها استئناسا ولم نعتبرها دليلا
وهو ما اعتمده السهروردي كذلك. واعتمادا على الاستئناس والاستحسان أرجع المشايخ
إلباس الخرقة إلى علم الرواية كما فعلوا في البيعة لتلازمهما؛ قال الشيخ زروق:
(لباس الخرقة ومناولة السبحة، وأخذ العهد، والمصافحة والمشابكة من علم الرواية)
[قواعد ٩٦].
ويقصدون بالرواية هنا (رفع الأذن في
ذكر أو لبس خرقة أو نحو ذلك إلى من أظهره الله على يديه أو إلى النبي -صلى الله
عليه وسلم- وبذا يتضح أن الرواية أو السلسلة عندهم خاصة بسند الطريق. لا سند
الحديث الذي يصل عن طريقه متن الحديث إلى من رواه، أو رفعه. [الشيخ السايح: بغية
المستفيد ٢١١].
ومن أمثلة ذلك إثبات أن الشيخ أبا
العباس القصاب لبس الخرقة من يد محمد بن عبد الله الطبري، من يد أبى محمد الجريري،
والجريري من الجنيد، والجنيد من السري السقطي، والسرى من معروف الكرخي، والكرخي من
داود الطائي، والطائي من حبيب العجمي والعجمي من الحسن البصري، والبصري من أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي من يد المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. [ابن المنور:
اسرار التوحيد ٦٨].
ولبس عبد الله الرومي الخرقة من أبي
النجيب السهروردي ضياء الدين عبد القاهر بن عبد الله، ولبسها أبو النجيب من عمه،
وعمه من والده محمد بن عبد الله، وهذا من الشيخ السايح إلى فرج الزنجاني حتى تنتهي
إلى سلسلة الجنيد أيضا. [السخاوي تحفة الألباب ٢١٤]
وأخذ إمام القراء والنحويين نور الدين
أبو الحسن علي بن يوسف بن جرير من معضاد بن فضل اللخمي الشطوفي المقرئ القادري
البيعة والخرقة من الشيخ العارف أبي إسحاق إبراهيم من محمد البغدادي، والبغدادي من
الشيخ عماد الدين أبي صالح نصر من الشيخ تاج الدين عبد الرازق، من القطب العارف الشيخ عبد القادر الكيلاني وهو لبسها من سلسلته المشهورة. [أسرار التوحيد ٥٠].
وربما تأخرت الخرقة عن البيعة كما حدث لأبي سعيد بن أبي الخير الذي أخذ العهد من أبي الفضل حسن، ولكن الشيخ حسن لم يلبسه الخرقة حتى التقى بالشيخ أبي عبد الرحمن السلمي فتقلد منه الخرقة، وكان أبو عبد الرحمن قد تقلدها من النصر أباذي، والنصر أباذي من الشبلي، والشبلي من الجنيد ، والجنيد من السرى إلى آخر السلسة، وهذا يدل على أن البيعة شرط أقوى من لبس الخرقة في سلوك الطريق، وأن الانخراط يمكن أن يتحقق بالبيعة وحدها صاحبتها الخرقة، أو تأخرت، أو لم توجد أصلاً، لبس المريد الصوف أو لم يلبسه وارتدى من الحلال ما يريد، كل ذلك جائز ولكن الشرط عندهم هو العهد ابتداء.