Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العهد والخرقــة عند الصوفية (١)

الكاتب

أ. د / عبد الله يوسف الشاذلي

العَهــد والخرقــة عند الصوفية (1)

العهد هو ميثاق بين طرفين والعهد الصوفي يكون بين المريد والشيخ وهو يعني البيعة التي تكون بين الشيخ والمريد وقد أخذ الله سبحانه وتعالى العهد على جميع الأنبياء وقد بايع الني -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بيعة الرضوان المسماة ببيعة الشجرة ولقد سجل القرآن الكريم مبايعة النساء له صلوات ربي وسلامه عليه، ويعتبر العهد في المجال الصوفي مأخوذ من تلك الأدلة.

مفهوم العهد

العهد لغة: الكلمة مشتقة من عهد فلان إلى فلان عهدا أي: ألقاه إليه، وأوصاه بحفظه وبالقيام به، فهي لفظ يرتبط بالجانب العملي، ومقتضاه ضرورة الإيصاء والنهوض والحفظ والالتزام. ولما كان هذا المقتضي للعهد العملي لا يتحقق إلا بالإدراك، اتصلت الكلمة في مدلولها اللغوي بالعلم والمعرفة؛ فيقال عهد الشيء عرفه، والأمر كما عهدت؛ أي: كما عرفت. وهو قريب العهد بكذا أى قريب العلم به. وعهدى بك مساعدا للضعفاء بمعنى أني أعلم ذلك، فالجذر والمصدر يشتملان على الجانب العملي والنظري معا. كما أنهما يكونان بين طرفين: طرف يعطي ويوحي ويلزم وآخر يتلقى ويقوم ويلتزم بحيث نقول أعهده أيي أعطاه عهدا، ومثلُه عاهده واعتهده: تفقده وتردد إليه يجدد العهد به، وتعاهدا تحالفا، وتعهد الشيء التزمه. وتعهد به التزم به، والمتعهد المحافظ على العهد والملتزم به يفعله وينفذه. [القاموس المحيط ج١ ٣٢٠ ، والمعجم الوسيط ج٢ ٦٣٣– ٦٣٤].

 وقد عرفه الراغب الأصفهانى فقال: (العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال) [المفردات ٥٩١]

 ولعل المعنى الذي أشار إليه الراغب ملاحظ في جانب العهد الصوفى، إذ يوجد شيخ مر بتجربة سابقة قائمة على العلم، مبنية على الإخلاص والاستقامة، يأخذ العهد على "مريد" يود أن يسلك نفس الطريق، فيلزمه الشيخ ويوصيه بالمعرفة الشرعية الأولية اللازمة للسير على الطريق، ويطالبه بالمحافظة على الواجبات والآداب، ويراقبه عن كثب وكذلك يفعل المريد التزاما ومراعاة لأحواله، وإتباعا لأوامر شيخه. ونظرًا لانطباق المعاني اللغوية الواردة في الاشتقاقات، والمفهوم الاصطلاحي السابق بين طرفي التربية الصوفية، نجد أن رجال الطريق دققوا في اختيار المصطلح من جهة اللغة حتى يتناسب مع مقصودهم.

البيعة في معنى العهد

ومن الألفاظ التي تقترب دلالتها في بعض مشتقاتها من العهد لفظة البيعة، ترجع في جذرها اللغوي إلى بايع، فيقال بايعه عقد معه البيع والبيعة، وبايعه على الشيء، أو الأمر أي عاهده عليه. والبيعة تدل على عقد التولية للسلطان أو عقد العهد بين طرفين كالبيع وكالعهد بين الشيخ والمريد . [أقرب الموارد ج١/ ٧٠]

وتتضمن البيعتان بذل الطاعة للسلطان، أو الشيخ والرضوخ لهما وكذا كل بيعة في معناهما. وأنت ترى في لفظة البيعة أنها دلت على المحسوس إذا استخدمت في بيع السلع. وعلى المعنوي إذا استعملناها في العهود على أمور معنوية، شأنها شان أصلها عَهِدَ في دلالتها على المحسوسات والمعنويات.

 العقد توثيق للعهد والبيعة: وتبدو لفظة العهد مرحلة أولية للعلاقة بين طرفين هذا مع عموميتها وشمولها بصورة أكثر من غيرها، ثم تأتي لفظة البيعة لتؤكد مضامين العهد، وتحث على البذل الالتزام. وأخيرا توثق كلمة العقد ما في معنى اللفظتين السابقتين توثيقا شديدا. بحيث تكون الثالثة بمثابة التسجيل لما اتفق عليه في مضمون العهد والبيعة.

الاستعمال القرآنى للفظ العهد:

قوله جل جلاله يحث بنى إسرائيل على طاعته بعد تذكيره بنعمه عليهم: {يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ}  [البقرة: ٤٠]، وقوله في صفات المؤمنين: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ} [الرعد:٢٠] ، {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ} [ النحل: ٩١] وعهد الله الذى يجب وفاؤه إما أن يراد به عهد الذرية وهو الإقرار بالربوبية في: {وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} [الأعراف: ١٧٢]. أو العهد على الأنبياء أن يبلغوا رسالات الله {وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا}  [الأحزاب: ٧ ]، {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ}[آل عمران:١٨٧ ].

 وأحيانا يقال هي: اسم جنس تشمل جميع عهود الله وهي أوامره ونواهيه ووصاياه كافة، ويدخل في ذلك الالتزام بالفرائض وتجنب المعاصي. وإتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سنته، والوفاء بنصرته، وحفظ الحدود. وعدم الاعتداء على الحرمات والأعراض والدماء، إلى غير ذلك مما حدده الشرع نصًا، أو قياسا، أو ما ركز في العقول من الحجة على توحيده سبحانه، فإنه بمثابة ما وصاهم به ووثقه عليهم خبرا. [تفسير القرطبى ٢٨٣، ٣٥٣٦، ٣٧٨٥]

أما عهد الله للأنبياء في مثل قوله جل جلاله: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ} [الأعراف: ١٣٤]. وقوله: {وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا} [طه:١١٥]. وقوله: {أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} [يس: ٦٠]،  فالمراد بعهده للأنبياء هو الاصطفاء والنبوة، والوصايا، وما استودعه لديهم من العلوم والمعارف، وعهده لبني آدم هو وصاياه لهم على لسان الأنبياء، أو ما أودعه في عقولهم وفطرهم من الدلائل على الربوبية والألوهية.[الجامع لأحكام القرآن ٢٧٠٧ ، ٤٢٩١ ، ٥٤٩١].

 وقد يعاهد المرء ربه بأن يلتزم بطاعة له تطوعا أو استقامة على ما أمر لقوله تعالى: {وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ}[التوبة: ٧٥] . وقوله: {وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا} [الأحزاب: ١٥] .

 أما مادة البيعة فقد استعملها القرآن في مواضع منها: قوله جل شأنه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا}[الفتح: ١٠]،  ومثلها آية (١٨) من نفس السورة، والآيتان نزلتا في بيعة الرضوان أو الشجرة عندما أرسل النبى -صلى الله عليه وسلم- خراش بن أمية الخزاعى إلى قريش يبلغهم أن النبى -صلى الله عليه وسلم- ما جاء إلا للبيت الحرام فعقروا ناقته وردوه ردا غير حسن، فأرسل عثمان بن عفان، وطال أمده فظنوه قد قتل فنادى مناد للرسول -صلى الله عليه وسلم-: البيعة، ولما توافدوا واجتمعوا بايعهم النبى -صلى الله عليه وسلم- على الصبر عند لقاء العدو، وألا يفروا، وبارك الحق جل جلاله تلك البيعة بالرضا وإنزال السكينة عليهم.

 ولعل قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ}[الممتحنة: ١٢ ] التي عرفت ببيعة النساء تعتبر دليلاً قويًا، وسندًا هامًا للمبايعة المعروفة بين رجال الطريق ومريديهم، وذلك لأنه – صلوات الله وسلامه – عليه بعد أن فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال شرع في مبايعة النساء وهو على الصفا، وقد بايع الجميع على أمور دينية هامة ليس منها القتال.

العهد فى المجال الصوفى:

إن العهد يلقى من طرف أعلى يكون مبلغا لرسالة، أو داعيًا لديانة، من نبي يبلغ عن الله، أو تابع وعالم يدعو إلى دين نبيه، والنبي مصطفى ومختار، وله من المنزلة والمكانة ما له عند الله، ويشترط في التابع أو العالم أو الداعية أو الولي أن يكون مقتديا مؤتسيا بالمتبوع في علمه وعمله وورعه، وأن يكون له من الرعاية الإلهية ما يفتح الله له بها القلوب، وتنجذب إليه بسببها البصائر قبل الأبصار. 

ويتبين مما سبق أن الطرف الثاني المريد يحتاج إلى العهد إما لأنه يدخل في الهداية من جديد، أو أنه قد أصابته غفلة، فيعاهد لليقظة والنشطة، وتصل العهود والعقود بين الطرفين. وتربط بينهما رباط التقدير والإجلال والاحترام، وتحث كلها على طاعة التكليفات وضرورة تنفيذ أوامرها واجتناب نواهيها، وأصل ذلك وأساسه الإيمان، ثم الفرائض والعزائم. وإذا كانت البيعة، أو العهد، تطالب والعاصي والغافل بالطاعة فإن ابن البنا السرقسطي في منظومته على حق عندما قال ناظمًا: فإن أتى القوم أخو فتون وقال يا قوم أتقبلونِ تقبلوه صادقا أو كاذبًا إذ كان محتومًا عليهم واجبا والسرقسطي في هذين البيتين يحبذ قبول المريد على أي حال كان من الطاعة أو المعصية ومن الصدق في الإقبال أو الكذب، فإن اطلع مفتون على أمر ولي من أولياء الله، ثم جاءه طالبًا إرشاده وجب قبوله، لأن فيه زيادة الطاعة للمطيع، وهداته له إلى طريق الوصول، ولا يجوز رده؛ لأن في رده كتما للعلم من ناحية، وإعانة له إن كان عاصيا على المعصية من ناحية أخرى، والإعانة على المعصية معصية، وحتى لو كان كاذبا في طلبه فهم يمنعون رفضه، ويوجبون قبوله بغية أن يقلل هذا من فساده، وربما خالط الصالحين، فصلح بصلاحهم. [ابن عجيبة : الفتوحات الإلهية ٢٣٩]

 وإذا جاء الطالب إلى الشيخ، جلس أمامه بانكسار وأدب معظما له بفؤاد خال من الشبهات والريب، متوجها بقلبه وكليته إليه، مستعدًا لقبول ما يلقى عليه، فيتصافحان باليمين يردد المريد نطق المربي صيغة العهد، ويشهد الله والملائكة على كل ما يقول وما يتلقاه. ويأمره شيخه أولاً بالتوبة والندم على ما فعل ويعزم على اجتناب المعاصي " ويحزم القصد والإرادة على أداء الحقوق لله وللخلق، ويجتهد في المستقبل ليعوض تقصير ما مضى، ويعلن الفرار الدائم من الفتن، ثم يأمره شيخه باقتباس العلم الشرعى اللازم للسلوك إن لم يكن قد حصله، وعندئذ يلزم شيخه إن كان أهلاً لذلك " أو يصرفه الأستاذ إلى من يُعلِّمه وإنما لزم الطلب لأنه لا يجوز للمريد عند الصوفية أن يُقْدِم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. 

وبعد تحصيل المطلوب من العلم يسلك طريق النسك على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والحج، والقيام ببقية الفرائض والسنن والشرائع المسنونة " والأذكار الموصلة، ويتعهد نفسه بكل ما يصلح جوارحه وظاهره كله، ويلزم الخلوة والعزلة، والصمت والجوع حتى يتطهر باطنه ويفرغ قلبه من كل ما سوى ربه. وفى كل ذلك ومعه يلزم طريق الصحبة لأنها حصن من الانقلاب والرجوع عما عزم عليه.} الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية لإبن البنا السرقسطي [٢٤٢، ٢٤٠].

ومما هو جدير بالذكر هنا أن المصافحة عند العهد هي لدى الصوفية من علم الرواية، أي أنها متلقاة بطريق التسلسل من شيخ إلى شيخ حتى تصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذلك حرص من رجال الطريق على أن يكون طريقهم بحقائقه ورسومه مسندا إلى خير البرية صلوات الله وسلامه عليه، ثم إنها ليست رسما وشكلاً مستحبا فحسب وإنما هي معدودة من الأركان بحيث يلتزم بها الخلف نقلا عن السلف ووصلاً بهم. ولما كانت على هذا النحو؛ فقد حرص كل شيخ ان يثبت النسبة لقبضته، وأن يحفظها ويَعرِّفها لمريديه حتى صارت معلومة عند أبناء كل طريق بحيث يسهل ذكرها بدءا من أبعد المريدين زمنًا إلى أقربهم من السلسلة ومنبعها. وعلى سبيل المثال فأبو علي الدقاق شيخ القشيري يقول (أخذت هذا الطريق عن النصر أباذى ، والنصر أباذي عن الشبلي، والشبلي عن الجنيد، والجنيد عن السري السقطي، والسرى عن معروف، ومعروف عن داود الطائي وداود لقي التابعين). [القشيرى: الرسالة ٢٩٧]

والقشيري المتوفي (٤٦٥ هـ) يعلن أنه أخذ طريقه عن أبى علي الدقاق بسلسلته السابقة [رسائل القشيرى ٥] والشيخ أبو سعيد فضل الله ابن أبي الخير محمد بن أحمد الميهني أخذ عن أبي الفضل حسن عن أبي نصر السراج الطوسي، والطوسي عن أبي محمد المرتعش، والمرتعش عن الجنيد، والجنيد عن السرى إلى آخر السلسلةأيضًا}أسرار التوحيد ٤٣{ أما الشيخ الصالح الجعبرى الواعظ أبو إسحاق إبراهيم بن معضاد بن شدادج الجهنى الجعبرى فقد أخذ عن الشيخ الصالح شبيب بن أبي الفتح الشرطي، وشبيب عن الشيخ ندا، والشيخ ندا عن الشيخ عقيل المنبِجي، وهو صحب سلمة السروجي، والسروجي صحب أبا سعيد الخراز، والخراز صحب أبا على البلوطي، والبلوطي عن علي بن عليل الرملي، والرملي عن والده، ووالده عن عمار السعدي، والسعدي عن أبي يوسف العناني، والعناني عن محمد بن يعقوب الشيباني والشيباني عن والده يعقوب، ويعقوب عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. [تحفة الألباب ٣٨]

وهكذا تتوالى السلاسل حسب مبايعة المشايخ، وقد تجمع السلسلة أكثر من شيخ؛ أي ربما تشترك عدة طرق في سلسلة واحدة. وأحيانًا يتوحد مصدر السلسة، فينفرد علي بن أبي طالب بالنصيب الأكبر، وأخرى تنتهي بصحابي غيره، كما سبق، والمهم أن تصل الحلقات إلى الصحابة ومنهم إلى رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه-، وبذا وجدت سلاسل متعددة ومنابع كثيرة أيضًا. 

نقض العهد:

فأنت ترى أن صفة الوفاء بالعهد مطلقا سواء كان مع الله أو مع الخلق، جاءت في سياق البر الذي بدأ بالإيمان واستطرد إلى التكليفات والأخلاق. ولا ينبغي لمن عاهد أن يتحايل أو يقصر في الوفاء بل يلزمه حق التوفية مع التقوى والمراقبة وعدم الغدر والخيانة، في شىء مما عاهد عليه، وترك الفتور والخمول. فإن هو قام به على النحو المطلوب نال درجة الحب من الله سبحانه، ويشعر القرآن المعاهد بأن عقده الذي ألزم به نفسه، وأصبح مسؤولية في عنقه، فعليه أن يفي به دائما ولا يضيعه.

 ولقد لام الله بعض أهل الكتاب على نقضهم لعهودهم، فقال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} [البقرة: ١٠٠]، ويشترون بالعهد والأيمان: {نَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: ٧٧] وبالتتبع لأحوال البشرية والإحاطة بهم يقول جل جلاله: {وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ} [الأعراف:١٠٢]. ونقض العهد في أصل الإيمان ردة عن الحق في حكم الظاهر، ونقض البيعة في طريق السلوك والإرادة ردة عن السعي نحو الحقيقة عند أهل الباطن. وتظل التربية قائمة، والانتقال والتدرج مستمرين على يد الشيخ، وفي ظل تجربة منصهرة محتدمة وحارة فعالة، حتى تترقرق حواس السالك، وتشف ماديته، ويصفو قلبه، وتزكو نفسه، فتنقشع حجبه، وتتوالى عليه الموارد، ومن الذين عبروا عن تلك الرحلة وما تثمره من غايات عرفانية الإمام القرطبي في تفسيره ، عند قوله تعالى: {يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ} (البقرة:٤٠)، قال: "أوفوا بعهدي في أداء الفرائض على السنة والإخلاص أوف بقبولها منكم ومجازاتكم عليها" وتلك حالة عموم المؤمنين، ثم انتقل إلى حال الخواص فقال: "أوفوا بعهدي في العبادات أوف بعهدكم أوصلكم إلى منازل الرعايات" أو (أوفوا بعهدي في حفظ آداب الظواهر أوف بعهدكم بتزيين سرائركم) [الجامع لأحكام القرآن: ٢٨٢-٢٨٣].

والوفاء بالعهد أمارة لوفاء الله تعالى للأوفياء حسب كل درجة من درجات الوفاء للعامة أو الخاصة أو خاصة الخاصة. إذا تفرس الشيخ المريد ووجد فيه الأهلية الكافية، وبدت لديه أمارات الصدق بعد أن يمر بسنوات التدريب الثلاثة: سنة لخدمة الخلق، وأخرى للحق، وثالثة يراعى فيها قلبه، أو لم يمر ولكن جاء صادقا طائعا تائبا يلبسه شيخه الخرقة البهية، ويأمره مع ذلك بالتوبة والتطهير، ويذكره بأنه نائب عن الله وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- في البيعة ألبسه الخرقة، وهي عمامة أو غطاء للرأس بصفة معينة ولون معين، وأنه يلبسها إياه كما لبسها الشيخ من شيوخه السابقين.

لبس الخرقة:

  ومن الجدير بالذكر أن ارتداء المريد الخرقة من شيخه إن جاء بعد فترة تدريب شاقة، أثبت فيها المريد صلاحية وتأدب بآداب الخدمة والصحبة والإرادة، وراقب نفسه وقلبه كان الإلباس تحقيقا. أما إن لبسها بمجرد القدوم على شيخ رآه أو خبره لمدة وجيزة، دون أن يتأهل المريد بالشيخ تأهلا مناسبا فإن الارتداء مجرد تقليد يتحول إلى التحقيق بعد الصلاحية والأهلية والسلوك الصادق. [ج١ كشف المحجوب ٢٥١].

والصوفية لا يبتدعون بل يستدلون أو يستأنسون لتقاليدهم. ومن باب الاستئناس في ذلك استدلالهم بحديث أم خالد قالت: أُتِيَ النَّبيُّ -صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ - بثيابٍ فيها خَميصةٌ سَوداءُ صغيرةٌ، فقالَ: مَنْ تَرَوْنَ أَكْسو هذه؟ فسَكَتَ القومُ، فقالَ رسولُ اللهِ -صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: ائتوني بأُمِّ خالدٍ. قالتْ: فأَتى بي فأَلْبَسَنيها بيدِهِ، وقال: أَبْلي وأَخْلِفي. يقولها مرَّتينِ، وجَعَلَ يَنظُرُ إلى عَلَمٍ في الخَميصةِ أَصفَرَ وأَحمَرَ، ويقولُ: يا أُمَّ خالدٍ، هذا سَنا. والسَّنا بلسانِ الحبشةِ الحسَنُ.: قال الحاكم في المستدرك صحيح على شرط البخاري ومسلم [المقدسي: صفة التصوف ٤٤].

 ولكن هذا الحديث ليس نصا في إلباس الخرقة الأمر الذي جعل السهروردي يعترف بأنه: "لا خفاء في أن لبس الخرقة على الهيئة التي يعتمدها الشيخ في هذا الزمان لم يكن في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه الهيئة والاجتماع والاعتداد لها من استحسان الشيوخ، وأصله من الحديث ما رويناه".  [عوارف المعارف ٩٣ ] 

يشير إلى حديث أم خالد، فالأصل ثابت وهو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتفظ بأثواب معينة وألبسها غير واحد من الصحابة. [قواعد التصوف ٩٦]. غير أن تلك الحالات لم تكن رديفة مبايعة أو مع توبة بأن وقعت مثلا يوم الفتح في إحدى البيعات لذا جعلناها استئناسا ولم نعتبرها دليلا وهو ما اعتمده السهروردي كذلك. واعتمادا على الاستئناس والاستحسان أرجع المشايخ إلباس الخرقة إلى علم الرواية كما فعلوا في البيعة لتلازمهما؛ قال الشيخ زروق: (لباس الخرقة ومناولة السبحة، وأخذ العهد، والمصافحة والمشابكة من علم الرواية) [قواعد ٩٦].

ويقصدون بالرواية هنا (رفع الأذن في ذكر أو لبس خرقة أو نحو ذلك إلى من أظهره الله على يديه أو إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وبذا يتضح أن الرواية أو السلسلة عندهم خاصة بسند الطريق. لا سند الحديث الذي يصل عن طريقه متن الحديث إلى من رواه، أو رفعه. [الشيخ السايح: بغية المستفيد ٢١١].

ومن أمثلة ذلك إثبات أن الشيخ أبا العباس القصاب لبس الخرقة من يد محمد بن عبد الله الطبري، من يد أبى محمد الجريري، والجريري من الجنيد، والجنيد من السري السقطي، والسرى من معروف الكرخي، والكرخي من داود الطائي، والطائي من حبيب العجمي والعجمي من الحسن البصري، والبصري من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي من يد المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. [ابن المنور: اسرار التوحيد ٦٨].

ولبس عبد الله الرومي الخرقة من أبي النجيب السهروردي ضياء الدين عبد القاهر بن عبد الله، ولبسها أبو النجيب من عمه، وعمه من والده محمد بن عبد الله، وهذا من الشيخ السايح إلى فرج الزنجاني حتى تنتهي إلى سلسلة الجنيد أيضا. [السخاوي تحفة الألباب ٢١٤]

وأخذ إمام القراء والنحويين نور الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن جرير من معضاد بن فضل اللخمي الشطوفي المقرئ القادري البيعة والخرقة من الشيخ العارف أبي إسحاق إبراهيم من محمد البغدادي، والبغدادي من الشيخ عماد الدين أبي صالح نصر من الشيخ تاج الدين عبد الرازق، من القطب العارف الشيخ عبد القادر الكيلاني وهو لبسها من سلسلته المشهورة. [أسرار التوحيد ٥٠]. 

وربما تأخرت الخرقة عن البيعة كما حدث لأبي سعيد بن أبي الخير الذي أخذ العهد من أبي الفضل حسن، ولكن الشيخ حسن لم يلبسه الخرقة حتى التقى بالشيخ أبي عبد الرحمن السلمي فتقلد منه الخرقة، وكان أبو عبد الرحمن قد تقلدها من النصر أباذي، والنصر أباذي من الشبلي، والشبلي من الجنيد ، والجنيد من السرى إلى آخر السلسة، وهذا يدل على أن البيعة شرط أقوى من لبس الخرقة في سلوك الطريق، وأن الانخراط يمكن أن يتحقق بالبيعة وحدها صاحبتها الخرقة، أو تأخرت، أو لم توجد أصلاً، لبس المريد الصوف أو لم يلبسه وارتدى من الحلال ما يريد، كل ذلك جائز ولكن الشرط عندهم هو العهد ابتداء.

البيعة واجبة الالتزام

قد ينظر إلى عهد الصوفية على أنه تنشيط وتذكير، أو إفاقة من غفلة، ولكن رجال الطريق يرونه عقدا إلزاميًا يُلزم المتعاقدين بكل بنوده، من ثم فلا بد للمريد من حفظ عهوده مع الله، وطالما أنه واجب النفاذ. وأن قدرات الإنسان محدودة، فقد أثار القشيري مسألة هامة تتعلق بحالة اللزوم مع المحدودية في القدرة، إذ يقول: "ولا ينبغي للمريد أن يعاهد الله تعالى على كل شىء باختياره ما أمكنه، فإن في لوازم الشرع ما يستوفي منه كل وسع" ومعناه أن القربات الشرعية كثيرة ومتنوعة، وأنه سبحانه سن من الطاعات والعبادات ما يفي بإصلاح النفوس، على اختلاف قدراتها وتعددها وما دامت حكمة الله قد تعلقت بإيفاء النفوس حدها وحقها فى الإصلاح، وما لجميعها يفوق ما لواحدة منها فلا يليق إلا أن يأخذ من القربات ما يستطيعه وما يتحمله؛ حتى يقدر على الوفاء به، والقيام بواجبات العهد الذي قطعه على نفسه، وحول هذا اللزوم يقول جل شأنه في صفة أهل البر: {لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ}[البقرة: ١٧٧]  {بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ}  (آل عمران:٧٦) {وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا}  (الإسراء: ٣٤).

الخلاصة

العهد الصوفي هو ميثاق يربط بين المريد والشيخ، وهو بمثابة البيعة التي تعني الالتزام والطاعة. يأخذ الصوفية هذا المفهوم من القرآن الكريم وسنة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي أخذ العهد على الأنبياء وبايع الصحابة والنساء. يلتزم المريد بالعهد لتربية نفسه وتزكيتها، وهو واجب يجب الوفاء به لضمان السير الصحيح في طريق الحق.

موضوعات ذات صلة

التصوف الإسلامي هو ظاهرةٌ روحيةٌ إنسانيةٌ عامة، تعتمد على القلب وتستعصي على الفهم العقلاني

التصوف الإسلامي هو ظاهرةٌ روحيةٌ إنسانيةٌ عامة، تعتمد على القلب وتستعصي على الفهم العقلاني.

يمثل موقف الصوفية من قضيتي الجبر والقدر أحد أبرز الجوانب العقدية التي تكشف عمق نظرتهم إلى العلاقة بين الإرادة الإلهية واختيار الإنسان.

موضوعات مختارة