Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المراقبة والمحاسبة

الكاتب

أ.د/ محمد سيد أحمد المسير

المراقبة والمحاسبة

ركز السادة الصوفية على المجاهدات النفسية كطريق للترقي الروحي، وصولًا إلى مقام المراقبة والمحاسبة، ومن ثم النفس المطمئنة. هذه المجاهدات تؤدي إلى استقرار القلب على طاعة الله، وملاحظة جلاله، ومحاسبة النفس على كل خاطرة ولحظة.

للصوفية مقامات وأحوال

والمقامات مكاسب يكتسبها العبد بالمجاهدة والمراقبة والمحاسبة ويستقر عليها المرء دهرًا من الزمن ثم يرقى إلى مقام آخر وذلك كمقام التوبة والشكر والرضا..

والأحوال مواهب ترد على القلب يسوقها الله تعالى لمن يشاء من عباده من غير اكتساب، ولا استقرار لها، فهي كالبرق الخاطف وذلك كالشوق والسرور والقبض والبسط..

والمدخل الصحيح لكل المقامات والأحوال هو المجاهدة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:٦٩].

وعندما تكلم الإمام أبو حامد الغزالى (ت٥٠٥هـ) عن المراقبة والمحاسبة في ربع المنجيات من كتابه "إحياء علوم الدين"، بدأ يسوق الآيات القرآنية التي تتعلق بإثبات الميزان يوم القيامة، وتلقى كتاب الأعمال الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وتوفية كل نفس جزاء ما كسبت.. ثم قال:

فعرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون فى الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات".

ثم ربط ذلك بالصبر والمرابطة أخذاً من الآية الكريمة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:٢٠٠].

وجعل الإمام أبو حامد الغزالى للمرابطة ستة مقامات هى:

١- المشارطة.          ٢- المراقبة.        ٣- المحاسبة.          

 ٤- المعاقبة.    ٥- المجاهدة.                ٦- المعاتبة. 

ويعنى بهذه المقامات أن العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولاً، فيوظف عليها الوظائف، ويشترط عليها الشروط، ويرشدها إلى طريق الفلاح ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطريق..

ويعقب ذلك المراقبة للنفس وهي على درجتين:

أ- مراقبة المقربين من الصديقين، وهي أن يصير القلب مستغرقًا بملاحظة الجلال الإلهى، منكسرًا تحت الهيبة، فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلاً.

ب- مراقبة الورعين من أصحاب اليمين، وهم قوم غلب يقين إطلاع الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال، بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال، متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال..

ويتمثل الصوفى قول القائل:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل *  خلوت ولكن قل علىّ رقيــب

                ولا تحسبن الله يغفل ساعـــة      * ولا أن ما تخفيه عنه يغيــب                  

ألم تر أن اليوم أسرع ذاهــب  * وأن غداً للناظرين قريـــب

وعقب المراقبة تأتي المحاسبة فيجب على العبد أن يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق وفي آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها..

ولذلك قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- : "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا" . (في كتاب "عوارف المعارف للإمام السهروردي ـ الجزء الثانى، ط دار المعارف، ص٢٧١ نسبة هذا القول إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب -رضي الله عنه- .)

فإذا وجد المرء تقصيرًا من النفس فيما اشترطه عليها وجب عليه معاقبة النفس بعقوبة من جنس ما اقترفت، فمن أكل لقمة شبهة عاقب بطنه بالجوع، ومن نظر إلى محرم عاقب عينه بمنع النظر كلية، وهكذا كل طرف من أطراف بدنه يمنعه من شهوته.

ويسوق الإمام الغزالي مرويات في هذا الشأن منها: 

أن رجلاً من العُباد كلم امرأة فلم يزل حتى وضع يده على فخذها ثم ندم. فوضع يده على النار..!!

وأن رجلاً خرج من صومعته مفتوناً بامرأة فأدركه الله بسابقة رحمة وعصمه فندم، ولما أراد العودة إلى الصومعة قال: هيهات هيهات! رِجْلٌ خرجت تريد أن تعصى الله تعود معي في صومعتى، لا يكون والله ذلك أبدًا فتركها معلقة في الصومعة تصيبها الأمطار والرياح والثلج والشمس حتى تقطعت فسقطت.!!

وتأتي المرابطة الخامسة وهي المجاهدة فإذا حاسب المرء نفسه فرآها قد قارفت معصية فينبغي أن يعاقبها بالعقوبات، وإن رآها تتوالى بحكم الكسل في شيء من الفضائل، أو ورد من الأوراد فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها ويلزمها فنونًا من الوظائف جبرًا لما فات منه وتدراكًا لما فرط..

وتأتى المرابطة الأخيرة وهي المعاتبة وهي مبنية على أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى الشر، فرارة من الخير، وقد أمرنا الله تعالى بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها، فإذا أهملت جمحت وشردت ولم يظفر بها بعد ذلك، وإن لازمتها التوبيخ والمعاتبة كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة الداخلة في زمرة عباد الله راضية مرضية . [راجع كتاب إحياء علوم الدين، جـ٤، ص٢٩٥: ٣٢٨، تحقيق محمد عبد القادر عطا، ط مكتبة دار التقوى].

ولنا تعليق يسير على هذا المنهج الغزالي:

١- إن مرحلة المعاقبة بالصورة التي أمثلها الإمام الغزالي ليست مقبولة شرعاً، فليس من حق التائب أن يضع يده في النار حتى تحترق أو يمد رجله في المطر والشمس حتى تتساقط، فهذه عقوبات غير شرعية، ورحمة الله تعالى بالتائب أيسر من ذلك كله..

٢-  إن مسألة زيادة الأوراد والأعمال في مرحلة المعاتبة لا تقف عند حد العبادة بالمفهوم الفقهي، فإن التقرب إلى الله تعالى قد يكون بإماطة الأذى عن الطريق، وإعانة الرجل على دابته وسقاية الحيوان الأعجم، ورعاية الأرامل واليتامى، وفي صحيح الحديث أن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: «السَّاعِي على الأرمَلة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله»، قال أبو هريرة: وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر.   

 هذا وقد تنوعت وتعددت أقوال الصوفية في المراقبة والمحاسبة، فقد نقل الإمام القشيري (ت٤٦٥هـ) ما يلي . ( الرسالة القشيرية، جـ١، ص٢١٦، تحقيق د. عبد الحليم محمود، د. محمود بن الشريف، ط دار المعارف.)

سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: من زين ظاهره بالمجاهدة حَسَّن الله سرائره بالمشاهدة، واعلم أن من لم يكن فى بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة.

وقال الحسن القزاز: بنى هذا الأمر على ثلاثة أشياء: ألا تأكل إلا عند الفاقة، ولا تنام إلا عند الغلبة، ولا تتكلم إلا عند الضرورة.

وقال أبو محمد المرتعش: حججت كذا وكذا حجة على التجريد (أي: بلا زاد ولا راحلة) فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبًا بحظي، وذلك أن والدتي سألتني يوماً أن أستقي لها جرة ماء، فثقل ذلك على نفسي فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كانت لحظٍ وشوب لنفسي، إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع.

وقال ذو النون المصري: إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء:

الأول: ضعف النية بعمل الآخرة.

الثاني: صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم.

الثالث: غلبهم طول الأمل مع قرب الأجل.

الرابع: آثروا رضا المخلوقين على رضا الخالق.

الخامس: اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم- وراء ظهورهم.

السادس: جعلوا قليل زلات السلف حجة لأنفسهم ودفنوا كثير مناقبهم.

ونقل الإمام السهروردي أقوالاً عن مشايخ الصوفية في المراقبة والمحاسبة منها . (لمة الشيطان ووسوسته ولمة الملك إلهامه.)

قال أبو يزيد: علامة الانتباه خمس: إذا ذكر نفسه افتقر، وإذا ذكر دينه استغفر، وإذا ذكر الدنيا اعتبر، وإذا ذكر الآخرة استبشر، وإذا ذكر المولى اقشعر.

 وسئل الواسطى: أي الأعمال أفضل؟ قال: مراعاة السر، والمحاسبة في الظاهر، والمراقبة في الباطن، ويكمل أحدهما الآخر، وبهما تستقيم التوبة.

وقال أبو عثمان المغربي: أفضل ما يلزم الإنسان في هذا الطريق المحاسبة، وسياسة العمل بالعلم، وإذا صحت التوبة صحت الإنابة.

ويمكن القول أن قضية المراقبة والمحاسبة ـ انطلاقاً من القرآن والسنة:

قاعدتها الأصيلة: حب الله ورسوله..

ومدخلها الصحيح: التوبة النصوح..

وسبيلها الواضح: الترقى بالنفس وتزكيتها..

وسياجها المنيع: الخوف من العذاب والجحيم.

وغايتها المثلى: الفردوس والنعيم المقيم.

الترقى بالنفس

النفس الإنسانية واحدة لكنها لها صفات فتسمى باعتبار كل صفة باسم خاص، وهي على الترتيب التنازلي هكذا:

النفس المطمئنة:

ويشرحها ابن القيم بقوله: اطمأنت إلى ربها بعبوديته ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه والرضا به والسكون إليه، فإن سمة محبته وخوفه ورجائه منها قطع النظر عن محبة غيره وخوفه ورجائه، فيستغني بمحبته عن حب ما سواه، وبذكره عن ذكر ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه.

فالطمأنينة إلى الله سبحانه حقيقة ترد منه سبحانه على قلب عبده تجمعه عليه وترد قلبه الشارد إليه حتى كأنه جالس بين يديه، يسمع به ويبصر به ويتحرك به ويبطش به.

فتسرى تلك الطمأنينة في نفسه وقلبه ومفاصله وقواه الظاهرة والباطنة تجذب روحه إلى الله، وتلين جلده وقلبه ومفاصله إلى خدمته والتقرب إليه..

النفس اللوامة:

اختلف الناس فيها هل هي من التلوم وهو التردد، فهي كثيرة التقلب، فسبحان مقلب القلوب، أو من اللوم؟ وإذا كانت من اللوم فهل هي خاصة بالمؤمن يراجع نفسه دائمًا أو هي عامة، فالمؤمن من يلوم نفسه على ارتكاب المعصية والشقي يلوم نفسه على فوات حظها وهواها؟

وهل ذلك في الدنيا أو في الآخرة، حيث يلوم كل إنسان نفسه. إن كان محسنًا فلم لم يستزد، وإن كان مسيئًا فلم لم يتب؟ كل هذه الأقوال حق ولا تنافي بينها لكن ابن القيم يقدم تفسيره فيقول: اللوامة نوعان:

لوامة ملومة وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها الله وملائكته.

لوامة غير ملومة وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره في طاعة الله، مع بذله جهده، فهي غير ملومة..

وأشرف النفوس من لامت نفسها فى طاعة الله واحتملت ملام اللائمين في مرضاته، فلا تأخذها فيه لومة لائم، فهذه قد تخلصت من لوم الله، وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها ولم تحتمل في الله ملام اللوام فهي التى يلومها الله عز وجل.

النفس الأمارة:

وهي الجانب الشرير من الإنسان وقرينها الشيطان يعدها الأمانى الكاذبة ويقذف فيها بالباطل ويأمرها بالسوء والفحشاء. وفى حديث رواه النسائي والترمذي وأخرجه ابن حبان عن ابن مسعود-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن للشيطان لمَّة بابن آدم وللملك لمَّة" (لمَّة الشيطان ووسوسته ولمَّة الملك إلهامه). 

فأما لمَّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمَّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان، ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (البقرة:٢٦٨) (راجع شرح ابن القيم لهذه النفوس الثلاثة فى كتابه "الروح"، ص٢٢٠: ٢٣٠، ط دار الندوة الجديدة، بيروت. )

الخلاصة

اهتم السادة الصوفية اهتمامًا كبيرًا بالمجاهدات النفسية التي ترقيهم في مراقي الترقي مع الله سبحانه وتعالى حتى يصلوا إلى استقرار مقام المراقبة والمحاسبة ومن ثم إلى الأنفس المطمئنة التي يستوي عندها الظاهر والباطن وتصبح مجبولة على طاعة الله سبحانه وتعالى ومراقبته والمراقبة تتنوع بتنوع القائم بها فمنها مراقبة المقربين من الصديقين، وهي أن يصير القلب مستغرقًا بملاحظة الجلال الإلهي، منكسرًا تحت الهيبة، فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلاً وهناك مراقبة الورعين من أصحاب اليمين، فعرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها فى الخطرات واللحظات".

موضوعات ذات صلة

تُعدّ التوبة من أعظم أبواب الرحمة الإلهية، وهي: عودة العبد الصادقة إلى الله تعالى بالندم والإقلاع عن الذنب.

"الغيب" عند الصوفية هو ما ستره الله عن عباده ثم يكشفه ويمنحه لقلوب الأولياء الصادقين.

يُمثل الفناء والبقاء أعلى المقامات الصوفية، حيث يُعرّف الفناء بأنه سقوط الأوصاف المذمومة وغياب العبد عن شهود نفسه والخلق لاستغراقه في الحق.

موضوعات مختارة