Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الخواطر

الكاتب

أ. د/ أحمد عرفات القاضي

الخواطر

يُعد الخاطر صوتًا داخليًا يَرِدُ على النفس، ويُمثل منبهًا يثير كوامن الفطرة ويحفز الإنسان على التفكير والعمل، ويختلف مفهوم الخاطر بين الفرق الإسلامية، حيث يرى بعضهم أنه أداة أساسية للمعرفة والتكليف، بينما يراه آخرون مجرد جزء من عملية تتطلب الوحي والنصوص الشرعية

مفهوم الخاطر ودوره في حياة الإنسان

الخاطر: من مقومات العلم والمعرفة، وهو أمر يرد على النفس فيقع عند ذلك مشاعر تحفز الإنسان إلى البحث أوالعمل، وهو ما يعبرون عنه أحيانًا بالخوف الذي يعرفه الإنسان من نفسه، عند وقوع الخاطر في قلبه [انظر القاضي عبد الجبار: المغني ١٢/٣٩].

والخاطر: هو الصوت الداخلي الذي يرد على النفوس فينبهها إلى وجوب معرفة الله، وذلك أمر مركوز في فطرة الإنسان وهو مناسب للحنيفية التي خلق الله عباده عليها.

فالخاطرعبارة عن منبه يثير كوامن الفطرة فيعود الإنسان الغافل إلى حقيقة نفسه، ويتنبه إلى معرفة ربه ويزداد العالم علمًا ومعرفةً بخالقه.

ولا يخفى دور الخاطر في تربية الإنسان ومعرفته باعتباره منبهًا داخليًا يجيش في داخل الإنسان فيذكره دائمًا بحاجته إلى ربه وافتقاره إليه، ويعرفه أن كماله الحقيقي في عبوديته لله -عزوجل، وبذلك تتحقق للإنسان راحته النفسية ويقينه واستقراره العقلي والقلبي، فهو نوع من أنواع التعلم الذاتي، وهذا أمر له أهميته لدى القدماء والمحدثين.

الخاطر عند المتكلمين والصوفية

وموضوع الخاطرتناوله المتكلمون والصوفية، فعرض له المعتزلة عند الحديث عن وجوب النظر في معرفة الله تعالى.

الخاطرعند المعتزلة: الخاطرعبارة عن: هاتف أو منبه داخلي يطرأ للإنسان فيحدث عندها الإحساس بوجوب النظر في معرفة الله، وما يتبعه من الخوف من تركه، نظرًا لما يترتب على الترك من مضار تتصل بالدين كالعقاب والذم وما شاكلهما.

ولا ينشأ الخاطر في عقل العاقل من جهة العادة كتلك الأمورالتي نشأ عليها واختبرها ومارسها.

كما تمارس الصناعات وتصرف الناس، فيعرف بذلك المقاصد، ويترتب عند ذلك في نفسه العلوم بالصناعات، فلا بد إذن من ورود أمارة عليه لكي يخاف عندها فيلزمه النظر، وتلك الأمارة هو تنبيه الداعي والخاطر؛ لأنهما يفيدانه ما يخاف عنده من العقاب بترك النظر، ويدلانه على ما ترتب في عقله من الإشفاق الذي يجده فاعل القبيح والنقص الذي يختص به، فإنه لا يأمن من مضرة عظيمة تنشأعنه فيخاف عند ذلك.

فهذا الخوف لا بد فيه من أمر حادث لعدم جريان العادات به وذلك الأمر الحادث هو الخاطر أو الداعي الذي ينبه الإنسان إلى وجوب العلم، وذهب الجبائيان إلى أن التنبيه - أي الموجه للإنسان من خارجه - يقوم مقام الخاطر في وجوب النظر. [انظر القاضي عبد الجبار: المغني ١٢/ ٣٨٦وما بعدها]

رؤية ماسينيون في الخاطر

ويرى ماسينيون أن مصطلح الخاطر، وما يتصل به من مصطلحات كالاعتقاد والقصد وميل الطبع، مصطلحات إسلامية محضة من اختراع فلاسفة الإسلام، وأن المعتزلة هم أول من قالوا بهذا المصطلح حيث فرق أبو الهذيل العلاف بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح. [انظر ماسينيون: تاريخ الاصطلاحات الفلسفية ٩٨]

وإن كان البغدادي قد ذهب إلى أن المعتزلة قد أخذوا القول بالخواطر ودعائها إلى النظر والاستدلال عن البراهمة، وساعدوا البراهمة في قولهم بالتكليف من جهة الخواطر. [انظر البغدادي: أصول الدين ٢٦، ٢٧، ١٥٥، ١٥٦]

الخاطر عند المعتزلة

أنصار التعلم الذاتي، ورغم هذا فإن الجاحظ لم ينكر دور التربية في تغيير السلوك وتعديله.

(٨) الخاطر والحدس: كما أن حديث المعتزلة عن الخاطر أيضًا هو نفسه ما عرف لدى الفلاسفة المحدثين باسم الحدس وخاصة عند برجسون.

يقول أندريه كريسون: "فإن الحدس عند برجسون أو الإدراك المباشر- أو الإدراك الداخلي - لايستطيع الوصول إلى الحقيقة المطلقة إلا بشرط أن يتخلص من كل تحليل ومن كل تفريق إلى عوامل، ومن كل عملية ذات طابع عددي ورياضي [أندريه كريسون: برجسون ٢٦ وقارن روجيه باستيد: مبادىء علم الاجتماع الديني ٢٤]

فالحدس لا يتحقق المطلوب منه إلا إذا خلى الإنسان نفسه له، واستطاع أن يتخلص من كل تأثير خارجي وهذا ما عبر عنه روجيه باستيد بأن الحدس لا يكون إلا إذا انتزع الإنسان نفسه من تأثير البيئة الخارجية، وأن ينسى لحظة ما زوده به المجتمع من عادات عقلية أوعاطفية [انظر روجيه باستيد: مبادئء علم الاجتماع الديني ٢٤]، ويرى برجسون "أن كل إنسان يستطيع أن يجرب ذلك بنفسه، فيهتدي بذلك إلى الحق، فيقول: ومن المستطاع، بل من الواجب، أن يجري كل شعور فردي هذه التجربة على نفسه، قبل كل شئ، وعلى هذا النحو يهتدي إلى العثور في ذاته على الوجود المطلق، دون أن يستخدم أساليب التحليل وجميع الوسائل العلمية العادية وسوف يتيح له ذلك أن ينتقل من الوجود الذاتي المطلق، إلى الوجود المطلق لجميع الأشياء". [اندريه كريسون: برجسون ٢٦]

أي أن الإنسان حينما ينزع نفسه من كل تأثير، ويستبطن ذاته يستطيع أن يتعرف من خلال شعوره الداخلي أو فطرته إلى معرفة أن لذاته صانعًا، هذا الصانع هوالخالق لكل شئ في الوجود، وبذلك يتوصل من ذاته إلى معرفة الوجود المحيط به، وهذا هو ما يتحقق بالنظر الذي هو نتيجة للخاطر، فيولد العلم والمعرفة، وأول ما يولده هو العلم بالله، ولهذا فإن الحدس - أو الخاطر - يعد فتحًا عقليًا - كما يرى برجسون - يكشف لنا عن المستقبل، ويفتح لنا آفاق الوجود، وفي هذا يقول كريسون موضحا ذلك: "وفي الواقع لا يتجلى الحدس فحسب على أنه إدراك الفرد لذاته إدراكًا شعوريًا بل أنه يعد أيضًا انعطافًا عقليًا أي انعطافًا يكشف عن المستقبل، ويفتح لنا آفاقًا على الوجود الدفين للموجودات الآخرى، كما يزيح الستار عن أعمق بواطن كياننا الذاتي، ويؤكد لنا برجسون أن هذه الطريقة تتيح للمرء أن ينتقل بشعوره إلى كنه شئ ما، لكي يتطابق تمامًا على ما ينطوي عليه هذا الشئ من وجود خاص به وحده، ومن ثم فلا نستطيع التعبير عنه، مما يجعله بحثًا ميتافيزيقيًا يكشف عما ينطوي عليه من طبيعة جوهرية خاصة به". [اندريه كريسون: برجسون ٢٦ وما بعدها]

فالخاطر أو الحدس بما يثيره من كوامن الفطرة، يفتح أمام الإنسان آفاقًا جديدة للمعرفة ويحرك عقله للتأمل والتفكر في حقيقة وماهية هذه الموجودات.

ولقد تحدث ماكسي مولر قبل برجسون عن الحدس، محاولًا العثورعلى حل وسط بين نظرية الوحي عند المسيحيين، التي كانت لا تبدو في نظر الباحثين قائمة على أساس علمي كاف، وبين الوثنية الساذجة التي قال بها "كونت" وذلك بجعل أصل الحدس نوعًا من الوحي الذاتي، أي الحدث بوجود اللانهائي، وكان رأيه أن الدين، إن هو إلا تلك اللغة التي يعبر بها الناس عن هذا الغامض الذي يأتيهم عن طريق حواسهم وقلوبهم [اندريه كريسون: برجسون ٢٦ وما بعدها]، فمولر قصر الوحي على الخاطر المنبثق من داخل الإنسان فقط دون الوحي السماوي الذي يهبط على الأنبياء والرسل، من لدن رب العالمين، وواضح أن مولر- ومن تابعه على هذا الرأي - كان متأثرًا بالحياة الثقافية في عصره في أوروبا، حيث سادت مع بداية عصر التنوير الدعوة إلى إرجاع كل شئ إلى الطبيعة، ومحاولة طمس أي أثر للقول بوجود خالق للكون، وما فيه من أشياء وموجودات وكان ذلك الاتجاه هو الأقوى والأكثر شهرة وتأثيرًا [انظر: الإنسان بين المادية والإسلام ٤٧-٥٤]، والفرق بين الخاطر عند المعتزلة والحدس عند المعاصرين، أن الخاطر عند المعتزلة منبه يثير فطرة الإنسان لينظر في نفسه وفي الآفاق فيتولد له العلم بالله الخالق، فالخاطر أحد مقومات العلم بالله، أما الحدس فقد أرادوا أن يعرفوا عن طريقه حقيقة الإنسان بعد قطع علاقته بالله الخالق، ورفض الإيمان بالوحي والأديان في بداية عصر النهضة نتيجة لتعنت الكنيسة ووقوفها بشدة أمام العلوم الحديثة وتحريمها، وتكفير من يشتغلون بها، وبالتالي لم يستطيعوا تفسير حقيقة الإنسان باعتباره خليفة الله في أرضه ولا وصل بهم الحال في هذا الاتجاه إلى مرحلة اليقين والاستقرار؛ لأنهم قطعوا الطريق على الخاطر وما يولده من العلم بالله عن طريق النظر في النفس والآفاق باستثناء بعض الحالات مثل برجسون التي لم يكتب لها النجاح والاستمرارنتيجة لطغيان المذاهب المادية التي سترت حقائق الألوهية.

(٩) الخاطر والفطرة: لقد ربط مفكروا الإسلام بين الخاطر أو الواردات التي ترد على النفوس، وبين الفطرة، فأبوطالب المكي يرى أن الخواطر من كوامن الفطرة [انظر المكي: قوت القلوب ١/٧٦]، ويرى أحد العلماء "أن الله فطرعباده على محبته ومعرفته، وهذه هي الحنيفية التي خلق الله عباده عليها "وعلى هذا فالعلم الحاصل بتيسير الله – تعالى - وهدايته، وإلهامه وجعله في قلب العبد بدون استدلال يسميه هؤلاء - يقصد المتكلمين ـ علمًا ضروريًا، وإن كان ابن حزم وأمثاله لا يسمونه ضروريًا، فهذا نزاع لفظي" [انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٤٣]، وهذا الكلام يؤكد أن الإلهام الذي يتولد عن الخاطر هو المولد للعلم اليقيني، وليس جدل المتكلمين، كما يؤكد صواب حد المعتزلة للعلم بأنه ما يقتضي سكون النفس، وثلج الصدر، وطمأنينة القلب.

ويستشهد بأن الإلهام هو: المولد للعلم اليقيني، وليس الجدل بما ذكره عن أبي العباس المقدسي، حينما دخل عليه فخر الدين الرازي، وأحد كبار المعتزلة، فقالا له: كيف تعلم علم اليقين، ونحن نتناظر من وقت كذا إلى وقت كذا وكلما أقام حجة أبطلتها، وكلما أقمت حجة أبطلها؟ فقال لهما: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين، فقالا له: فبين لنا ما هذا اليقين، فقال: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، وتعجبًا من هذا الجواب؛ لأنه بين أن ذلك من العلوم الضرورية التي تلزم القلب لزوما لا يمكنه مع ذلك دفعها، ثم سألاه عن الطريق إلى هذه الواردات، فقال لما: بأن تسلكا طريقتنا التي نأمركم بها، فاعتذر الرازي، وأما المعتزلي فقال: أنا محتاج إلى هذه الواردات فإن الشبهات قد أحرقت قلبي، فأمره الشيخ بما يفعله من العبادة والذكر، وما تبع ذلك، ففتح الله عليه بهذه الواردات [السابق ٧/٤٣٠، ٤٣١] فهذه الواردات هي الخواطر التي ترد على النفوس فتزكي نور الفطرة التي خلق الله عليها عباده، ويزداد ورود هذه الخواطر، كما يزداد تأثيرها في الفطرة بالمواظبة على الذكر والمداومة على العبادة، كما أوصى بذلك الشيخ المقدسي، وكما يستفاد من آية النور{نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ} [النور: ٣٤]  [انظر ابن القيم : التفسير القيم ٣٧٩، وقارن ابن عطاء الله : الحكم العطائية ٢/١١١، والشعراني : اليواقيت والجواهر ١/١٦٦، والشافعي: التصوف ٧، والتفتازاني: ابن عطاء الله السكندري وتصوفه ٢٦٩-٢٧٢، والآية ٣٥ من سورة النور]، بأنه نور الفطرة الصحيحة والإدراك السليم، ونور الوحي والكتاب، وبإضافة أحد النورين إلى الآخر يزداد العبد نورًا على نور، وعندها يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يأتيه نور الوحي ثم يبلغه، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة.

وهكذا فإن الخاطر عند المعتزلة كما يتضح من خلال حديثهم السابق من مقومات العلم والمعرفة وهو أمر يرد على النفوس فيحفزها إلى البحث في النفس والآفاق عن أصل الخلق والخالق، عن طريق النظر الذي يولد المعرفة، وبذلك يصل الإنسان إلى اليقين بالله والثقة به، وينعكس ذلك على سلوكه ومعاملته مع الآخرين فيكون حافزًا له على العمل على تنمية المجتمع وتطويره.

وقيمة الخاطر ومكانته بالنسبة للعلم والتربية عند المعتزلة تتضح من نظرتهم إليه على أنه أقوى من الخبرالمفرد، حتى إن بعضهم ذهب إلى أن الإنسان لا يكون مكلفًا إلا إذا وردت عليه علامات الخاطر من الخوف الذي يؤدي إلى النظر المولد لمعرفة الله عن طريق البحث في النفس والآفاق.

وبالتالي ذهبوا إلى أن الإنسان البالغ العاقل يصبح مكلفًا مسئولًا عن أعماله إن خيرًا فخيروإن شرًا فشر عن طريق الخاطر وإن لم تصله دعوة الرسل، وهذا القول من المعتزلة أوبعضهم له شواهد كثيرة تؤكده كما أشرنا.

كما أن هذا القول يعكس نظرة المعتزلة المتفائلة إلى الإنسان على أنه مخلوق زوده الله بالملكات والأدوات التي توصله إلى المعرفة بالخالق سبحانه وتعالى، وأنه مفطور على الخير، وأن الخاطر أحد كوامن الفطرة.

وهذا يتسق مع منهج المعتزلة العقلي ونظرتهم إلى العقل على أنه أساس معرفة حسن الأشياء وقبحها باعتبار أن العقل أحد مظاهر الفطرة.

كما يتفق أيضًا مع مذهبهم العام في الأخلاق على اعتبار أن الأساس الخلقي لديهم هو الإحساس الذاتي النابع من داخل الإنسان، فالخاطر أحد طرق التربية والمعرفة، وهو طريق هام ومكمل للعوامل الخارجية والمكتسبة بالعلم والتدريب.

وتتميز نظرة المعتزلة للخاطر - باستثناء الجاحظ ومن وافقه ـ في القول بأن المعرفة طباع في النظر إليه على أنه أحد طرق العلم وأنواعه، وليس كل أنواع العلم والمعرفة، وبالتالي لم يقصروا العلم والمعرفة على طريق واحد بعينه، هذا كما أن نظرة الجاحظ ومن وافقه إلى المعرفة على أنها طباع، لم تنف دور التربية في تعديل السلوك، وتنميته وتطويره.

الخاطر عند الأشاعرة

حديث الأشاعرة عن الخاطر ورد مجرد إشارات عابرة هنا وهناك، ولم يخصصوا له - فيما نعلم - مبحثًا مستقلًا، كما فعل المعتزلة، حيث خصص له القاضي عبد الجبار جزءًا كبيرًا في المجلد الثاني عشر من المغني.

والخاطرعند الأشاعرة عرض وليس بجسم [انظر البغدادي: أصول الدين ٤٥]، وهم في هذا موافقون لرأي أبي الهذيل العلاف والجبائيين من المعتزلة، أنصار القول بعرضية الخاطر ومخالفون لرأي النظام الذي ذهب إلى أن الخاطر جسم.

والأشاعرة - كما يرى البغدادي - يوافقون أبا هاشم الجبائي في قوله: بأن الخاطر: الداعي إلى النظر والاستدلال من قبل الله - تعالى، جار مجرى الأمر، وهو قول عندهم، إلا أن أبا هاشم كان يرى أنه قول خفي، والأشاعرة يرون أنه قول جلي مضافًا إلى الله – تعالى - بلا واسطة، وقد أضافه الجبائي إلى الله -تعالى - أو إلى ملك، ويشترط البغدادي ضرورة كون ذلك الملك المكلف بإلقاء الخاطر مقرونًا بمعجزة تدل على صدقه. [انظر البغدادي: أصول الدين ٢٧] وما بعدها.

الخاطر عند الجويني

والخاطر عند الجويني أحد السبل المفضية إلى العلم عن طريق إيجابه النظر، ويرى أن ذلك يعلم عقلًا، فيقول: "فالعقل يقضي باختيار سبيل النجاة وإيثار تجنب المهلكات، فإذا كان السبيل المفضي إلى العلم بوجوب النظر اختلاج الخواطر في النفس، وتعارض الجائزات في الحدس، فمن ذهل عن هذه الخواطر وغفل عن هذه الضمائر، فلا يكون عالمًا بوجوب النظر". [الجويني: الإرشاد ١٠]

لكن الخاطر عند الأشاعرة لا يكفي في حصول كون الإنسان مكلفًا؛ لأن شرط الواجب عندهم - كما يرى الجويني - ثبوت السمع الدال عليه مع تمكن المكلف من الوصول إليه، فإذا ظهرت المعجزات، ودلت على صدق الرسل الدلالات فقد تقرر الشرع، واستمر السمع المنبئ عن وجوب الواجبات وحظر المحظورات، ولا يتوقف وجوب الشيء على علم المكلف به، ولكن الشرط تمكن المخاطب من تحصيل العلم به". [الجويني: الإرشاد ١٠، ١١]

 فلا بد من ثبوت التكليف شرعًا، مع سهولة الوصول إليه، والتمكن من معرفته، وظهور المعجزات المؤيدة للرسل والدالة على صدقهم.

الخاطر عند الغزالي

أما الخواطر عند الغزالي فهي: آثار تحدث في قلب العبد تبعثه على الفعل أو الترك وحدوث جميعها في القلب من الله – تعالى - إذ هو خالق كل شئء [الغزالي: روضة الطالبين ٩٠]

وعلى هذا فخاطر الشر عند الغزالي - والأشاعرة عمومًا - يقع في قلب العبد بواسطة الشيطان، لكنه فعل الله - تعالى - لأنه لا خالق إلا الله تعالى، وتكون مسئولية الإنسان عن الكسب المترتب على الخاطر فحسب.

ويستشهد بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطانِ لَمَّةً بابنِ آدمَ، وللمَلِكِ لَمَّةً، فأما لمةُ الشيطانِ فإيعادٌ بالشرّ، وتكذيبٌ بالحقِّ، وأمّا لَمَّةُ الملَك فإيعادٌ بالخيرِ، وتصديقٌ بالحقِّ، فمَن وَجَدَ ذلك فلْيَعْلَمْ أنه مِن اللهِ تعالى، فلْيَحْمَدِ اللهَ، ومِن وَجَدَ الأخرى فلْيَتَعَوَّذْ باللهِ من الشيطانِ ثم قرأ: {ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ}»  [البقرة: ٢٦٨] [الحديث: انظر الترمذي، كتاب تفسير السور ٢، ٣٥، الآية ٢٦٨ من سورة البقرة] أما عن أهمية الخواطر وقيمتها المعرفية والتربوية، فيقول: "إنما يتطلع إلى معرفة اللمتين وتميزالخواطر طالب مريد يتشوق إلى ذلك تشوق العطشان إلى الماء، لما يعلم من وقع ذلك وخطره وفلاحه وصلاحه وفساده، ويكون ذلك عبدًا مرادًا بالحظوة بصفو اليقين ومنح الموقنين، وأكثر التشوق إلى ذلك للمقربين ومن أخذ به في طريقهم، ومن أخذ في طريق الأبرار قد يتشوق إلى ذلك بعض التشوق؛ لأن التشوق إليه يكون على قدر الهمة والطلب والإرادة، والحظ من الله الكريم، ومن هو في مقام عامة المؤمنين، والمسلم لا يتطلع إلى معرفة اللمتين ولا يهتم بتمييز الخواطر، ومن الخواطر ما هي رسل الله – تعالى - إلى العبد، كما قال بعضهم: لي قلب إن عصيته عصيت الله، وهذا حال عبد استقام قلبه، واستقامة القلب لطمأنينة النفس، وفي طمأنينة النفس يأس الشيطان" [الغزالي: الإحياء ٥/٢٢٦]، وينبغي على المريد السالك طريق التربية أن يداوم على هذه الحالة من الطمأنينة بالذكر والرعاية، فللذكر نور يتقيه الشيطان كاتقاء الإنسان للنار، وقد ورد في الخبر: "أن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، إذا ذكر الله – تعالى - تولى وخنس، وإذا غفل التقم قلبه فحدثه ومنَّاه".

وقال تعالى: ﴿وَمَن یَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَیِّضۡ لَهُۥ شَیۡطَٰنࣰا فَهُوَ لَهُۥ قَرِینࣱ ﴾ [الزخرف٣٦] وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰۤئِفࣱ مِّنَ ٱلشَّیۡطَٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]، فبالتقوى وجود خالص الذكر، وبها ينفتح بأبه، ولا يزال العبد يتقي حتى يحمي الجوارح من المكاره ثم يحميها من الفضول وما لا يعنيه، فتصير أقواله وأفعاله ضرورة، ثم تنتقل تقواه إلى باطنه ويطهر الباطن ويقيده عن المكاره، ثم من الفضول حتى يتقي حديث النفس.

قال سهل بن عبد الله: "أسوأ المعاصي حديث النفس"، ويرى الإصغاء إلى ما تحدث به النفس ذنبًا فيتقيه، ويتقد القلب عند هذا الاتقاء بالذكر اتقاد الكواكب في كبد السماء ويصير القلب سماء محظوظًا بزينة كواكب الذكر، فإذا صار كذلك بعد الشيطان، ومثل هذا العبد يندر في حقه الخواطر الشيطانية ولماته، ويكون له خواطر النفس ويحتاج إلى أن يتقيها ويميزها بالعلم؛ لأن منها خواطر لا يضر إمضاؤها، كطالبات النفس بحاجاتها، وحاجاتها تنقسم إلى الحقوق والحظوظ، ويتعين التمييز عند ذلك واتهام النفس بمطالبات الحظوظ.  [الإحياء ٥/٢٢٦]

ومن الآداب التي يجب على المريد السالك طريق التربية مراعاتها عند الاشتباه بين خاطر الحق، وخاطرالحظ: إنزال الخاطر بمحرك النفس وخالقها وبارئها وفاطرها، وإظهارالفقر والفاقة إليه، والاعتراف بالجهل، وطلب المعرفة والمعونة منه، فإنه إذا أتى بهذا الأدب يغاث ويعان، ويتبين له هل الخاطر لطلب حظ أو طلب حق؟ فإن كان للحق أمضاه، وإن كان للحظ نفاه، وهذا التوقف إذا لم يتبين له الخاطر بظاهر العلم؛ لأن الافتقار إلى باطن العلم عند فقد الدليل في ظاهرالعلم، ثم من الناس من لا يسعه في صحته إلا الوقوف على الحق دون الحظ، وإن أمضى خاطرًا يصير ذلك ذنب حاله فيستغفر منه، كما يستغفر ذلك من الذنوب [الإحياء ٥/٢٢٦، ٢٢٧]، لكن خاطر الحظ ليس دائمًا ذنبًا ولا تهمة، فهو حسن بالنسبة للذين استقرت حالتهم النفسية، ووصلوا إلى مرحلة النفس المطمئنة؛ لأن مثل هذا العبد يكون على بصيرة من أمره، ومثل هذا العبد الذي من شأنه تمييز خواطر النفس أن تكثر لديه خواطر الحق وخواطرالملك، ويسقط لديه خاطر الشيطان إلا نادرًا لضيق مكانه من النفس؛ لأن الشيطان يدخل للإنسان بطريق اتساع النفس، واتساع النفس يكون باتباع الهوى والإخلاد إلى الأرض، ومن ضايق النفس على التمييز بين الحق والحظ ضاقت نفسه وسقط محل الشيطان إلا نادرًا لدخول الابتلاء عليه.

أما المريدون الذين يترقون في الأحوال حتى مرحلة الفناء، فإن هؤلاء تنقطع عنهم الخواطر؛ لأن الخواطر تستدعي وجودًا، وفي الفناء ينتقي خاطر الحق لمكان القرب، ويبعد خاطر النفس لبعد النفس في هذه الحالة، ويتخلف خاطر الملك عن صاحب الحال كتخلف جبريل في ليلة المعراج عن الرسول - صلى الله عليه وسلم. [السابق ٥/٢٢٧]

ويقسم الغزالي الخواطر إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: يحدثه الله – تعالى - في قلب العبد ابتداءً، ويقال له: الخاطر فقط.

القسم الثاني: يحدث موافقًا لطبع الإنسان ويقال له: خاطر النفس.

القسم الثالث: يحدث عقب دعوة الشيطان فينسب إليه، ويقال له: الوسواس.

القسم الرابع: يحدثه الله ويقال له الإلهام. [روضة الطالبين ٩٠، وقارن الإحياء ٥/٢٢٧]

وينبغي ألا نخلط بين القسمين الأول والأخير، وهذا سنوضحه عند الحديث عن الخاطر والإلهام، فالخاطر الذي يكون من قبل الله – تعالى - ابتداءً على نوعين:

الأول: قد يكون خيرًا إكرامًا وإلزامًا للحجة.

الثاني: قد يكون شرًا امتحانًا.

أما الخاطر الذي يكون من قبل الملهم فلا يكون إلا بخير، إذا هو ناصح مرشد وعلى العكس منه الخاطر الذي يكون من قبل الشيطان؛ لأنه لا يكون إلا بشر إغواء، وربما يكون بالخير مكرًا منه واستدراجًا.

أما الخاطر الذي يكون من قبل هوى النفس فلا يكون إلا بالشر، وقد يكون بالخير لكنه خير لا لذاته [انظر روضة الطالبين ٩٠]، أما سبب اشتباه الخواطر فيرى الغزالي أنها لأحد أربعة أمور هي:

١ - ضعف اليقين.

٢ - قلة العلم بمعرفة النفس.

٣ - متابعة الهوى.

٤- - محبة الدنيا.

ومن عصم عن هذه الأمور الأربعة يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان، ومن ابتلي بها لا يعلمها ولا يطلبها، وإن انكشاف بعض الخواطر دون بعض فبسبب وجود بعض هذه العوائق دون بعض، وأقوم الناس بتمييز الخواطر أقومهم بمعرفة النفس. [انظر الغزالي: الإحياء ٥/٢٢٨]

ويرى أن العلماء وضعوا موازين ثلاثة للتفرقة بين خاطر الخير، وخاطر الشر وهي:

١ - أن يعرض على الشرع فإن وافق جنسه فهو خير، وإن كان بالضد إما برخصة أو بشبهة فهو شر.

٢ - فإن لم يظهر بذلك فيعرض على الاقتداء بالصالحين، فإن كان موافقا لهم فهو خير وإلا فهو شر.

٣- فإن لم يظهر بذلك فيعرض على النفس والهوى، فإن كان مما تميل إليه النفس ميل الطبع، لا ميل رجاء إلى الله -تعالى - فهو شر. [انظر الروضة ٩١]

ويذكر الغزالي أنه لكي يعرف خاطر الشر إن كان من قبل الشيطان، أو من قبل النفس، أو من قبل الله – تعالى - فينبغي النظر فيه من ثلاثة أوجه:

الأول: إن وجد ثابتًا راتبًا مصممًا على حالة واحدة فهو من الله - تعالى، أو من هوى النفس، وأما إن وجد مترددًا مضطربًا فهو من الشيطان.

الثاني: إن وجد عقب ذنب أحدثه العبد فهو من الله – تعالى - عقوبة له، أما إن لم يكن عقب ذنب من العبد فهو من الشيطان.

الثالث: إن كان لا يضعف ولا يقلل من ذكرالله – تعالى - ولا يزول فهو من هوى النفس، وإن كان يضعف من ذكر الله فهو من الشيطان [انظر الروضة ٩١]، وكذلك خاطر الخير إذا أردت أن تعرف إن كان من الله – تعالى - أو من الملك، فيجب النظر في ذلك من ثلاثة أوجه:

١ - إن كان مصممًا على حالة واحدة، فهو من الله – تعالى - أما إن كان مترددًا فهو من الملك؛ لأنه بمنزلة ناصح.

٢ - إن كان عقب اجتهاد وطاعة من العبد فهو من الله - تعالى، وإلا فهو من الملك. [انظر الروضة ٩٢]

٣ - إن كان في الأصول والأعمال الباطنة، فهو من الله – تعالى - أما إن كان في الفروع والأعمال الظاهرة فهو من الملك. [انظر الروضة ٩٢]

وحديث الغزالي عن الخاطر يقترب من حديثه، وحديث الصوفية عن الإلهام والعلم اللدني وهذا ما سنوضحه فيما يلي:

الخاطر والإلهام: ربط الصوفية بين العلم والإيمان، فأبو طالب المكي مثلًا يرى أنهما لا يفترقان ويستدل على ذلك بقوله - تعالى: ﴿یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتࣲۚ﴾ [المجادلة: ١١] بأنه – تعالى - جعل المؤمنين علماء، وأن الواو في كلمة "والذين" للمدح وليست للجمع، وأن العرب إذا مدحت بالأوصاف أدخلت الواو للمبالغة، فقالوا: فلان العاقل والعالم والأديب، وقد سمى عبد الله بن رواحه العلم إيمانًا، فكان يقول لأصحابه: "اقعدوا بنا نؤمن ساعة فيتذاكرون علم الإيمان" [المكي: قوت القلوب ٢/٤٣] وكان ابن خفيف يقول لأتباعه: اقتدوا بخمسة من الشيوخ المحاسبي، والجنيد، ورويم، وابن عطاء، وعمرو بن عثمان؛ لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق [انظر ابن خفيف: سيرة ابن خفيف ١٠٩ وما بعدها]

الإلهام ودوره في تربية المريد عند الصوفية

والإلهام أحد طرق التربية والتعليم عند الصوفية، فقد ذهب الغزالي إلى أن العلم الإنساني يحصل من طريقين:

أحدهما: التعلم الإنساني وهو طريق معهود ومسلك محسوس، وأمر مقرر لدى جميع العقلاء.

ثانيهما: وهو التعلم الرباني ويكون على وجهين:

أولهما: التعلم من خارج، وهو تحصيل العلم عن طريق الوحي.

والثاني: التعلم من داخل، وهو الإلهام، وذلك عن طريق استفادة النفس الإنسانية من النفس الكلية، وهي أشد تأثيرًا وأقوى تعليمًا من جميع العقلاء، والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة، كالبذر في الأرض، ودور الإلهام التربوي في ذلك هو تنبيه النفس الكلية للنفس الإنسانية على قدر صفائها وقبولها وقوة استعدادها.

والإلهام أثر الوحي، فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي، والإلهام هو تعريضه، والعلم الحاصل عن الوحي يسمى علمًا نبويًا، أما الذي يحصل عن الإلهام فيسمى علمًا لدنيًا، والعلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس الإنسانية، وبين البارئ - سبحانه وتعالى - فهو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف [انظر الغزالي: الرسالة اللدنية ١١٢: ١١٦] "فإذا أراد الله بعبد خيرًا رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس التي هي اللوح، فيظهر فيها أسرار بعض المكنونات وانتقش فيها معاني تلك المكنونات فتعبر النفس عنها كما تشاء لمن يشاء من عباده، وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدني، وما لم يبلغ الإنسان هذه المرتبة لا يكون حكيمًا؛ لأن الحكمة من مواهب الله -تعالى: ﴿وَمَن یُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِیَ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وذلك لأن الواصلين إلى مرتبة العلم اللدني مستغنون عن كثرة التحصيل وتعب التعليم فيتعلمون قليلًا ويعلمون كثيرًا ويتبعون يسيرًا ويستريحون طويلًا" [الرسالة اللدنية:١١٧، ١١٨]، وباب الإلهام لا ينسد، ومدد نوره لا ينقطع؛ لدوام حاجة النفس الإنسانية إلى تأكيد وتجديد وتذكير، وهذا رحمة من الله بعباده يرزق من يشاء بغير حساب، وهذا العلم اللدني الذي هو سريان نور الإلهام يحدث للمرء بثلاثة أوجه:

١ - تحصيل جميع العلوم وأخذ الحظ الوافر من أكثرها.

٢ - الرياضة والمراقبة الصحيحة، وقد أشار إلى هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «مَن عمِلَ بما يَعلَمُ أَورثَهُ اللَّهُ عِلمَ ما لَم يعلَمْ».

٣ - التفكر فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم ثم تفكرت في معلوماتها بشروط التفكر ينفتح عليها باب من الغيب، ويصير من ذوي الألباب [انظر السابق :١٢٢] 

وحديث الغزالي عن الخواطر وتقسيمها، يبدو فيه أثر الصوفية، ولهذا رأينا أن نشير سريعًا إلى الخاطر عند واحد من أعلامهم السابقين عليه، وهو المكي، وذلك؛ لأنه تحدث عن الخاطر بتفصيل ووضوح ودقة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الغزالي قد تأثر به بوجه عام حتى قيل إن الإحياء نسج على منوال بعض مؤلفات المكي [أنظر عبد الحميد مدكور: أبو طالب المكي ومنهجه الصوفي ١٤١-١٥٤، ماجستير بكلية دار العلوم].

٨الخاطرعند المكي

لقد أفرد الصوفية مكانًا كبيرًا في مؤلفاتهم للحديث عن الخواطر ويقال: إن أول من نبه على الخاطر هو سهل بن عبد الله التستري [انظر ماسينيون: تاريخ الاصطلاحات الفلسفية ٩٧]، والمكي يرى أن الخاطر: إلقاء وقذف من الله – تعالى - في قلب العبد [انظر المكي: قوت القلوب ١/١٦٨]، فيقول: "إن جمل الخواطر ستة هي حدود القلب وقوادحه من وراء خزائن الغيب وملكوت القدرة وهي جنود الله – تعالى - عقيدة وسلطان منه مبين، والقلب خزانة من خزائن الملكوت، قد أودعه مقلبه من لطائف الرغبوت والرهبوت، وشعشع فيه من أنوار العظمة والجبروت، ما شاء لأهل الرفيق الأعلى وذوي الملكوت الأدنى". [السابق ١/١٦٩]

فالخواطر هي إلقاء من الله – تعالى - إلى قلوب عباده، وهي بما تنبه عليه من العلم، وما تكشفه للإنسان من الغفلة أشبه بالجنود الذين يحرسون عقيدة الله وسلطانه في قلب المسلم، فالخاطر هو الجندي أيضًا الذي يحرس عقيدة الإنسان ويحمي سلطان هذه العقيدة في داخله من وساوس النفس والشيطان، وهي عنده ستة أنواع:

١ - خاطر النفس.

٢ - خاطر العدو.

وهذان النوعان لا يعدمهما عموم المؤمنين، وهما مذمومان محكوم لهما بالسوء، لا يردان إلا بالهوى، كما أنهما ضد العلم.

٣ - خاطر الروح.

٤ - خاطر الملك.

وهذان النوعان لا يعدمهما خصوص المؤمنين، وهما محمودان لا يردان إلا بحق وبما يدل عليه العلم.

٥ - خاطر العقل.

وهو متوسط بين هذه الأربعة يصلح للمذمومين، فيكون حجَّة على العبد لمكان تمييز العقل وتقسيم المعقولات؛ لأن العبد يدخل في هواه بشهوة جعلت له واختيار لا يعسر عليه من حيث لا إجبار، ويصلح أيضًا للمحمودين فيكون شاهدًا للملك ومؤيدًا لخاطر الروح، ويثاب العبد في حسن النية وصدق المقصد.

ويرى أن وجود خاطر العقل مع النفس والعدو تارة، ومع الروح والملك تارة أخرى، حكمة من الله – تعالى - لصنعته، وإتقان لصنعه، ليدخل العبد في الخير والشر بوجود معقول وصحة شهود وتمييز، فيكون عاقبة ذلك من الجزاء والعقاب عائدًا له وعليه.

٦ - خاطراليقين: وهو روح الإيمان والعلم النفيس يردان إليه، ويصدران عنه.

وهذا الخاطر مخصوص بخصوص لا يجده إلا الموفقون، وهم الشهداء والصديقون، ولا يرد إلا بحق وإن خفي وروده ودق، ولا يقدح إلا بعلم اختيارالمراد، وأن لطفت أدلته وبطن وجه الاستدلال به [السابق ١/١٦٩ وما بعدها]، ويربط المكي بين الخاطر والفطرة والعلم، باعتبار الخاطر من كوامن الفطرة، فيقول: "وليس يكاد علم اليقين يقدح في معدن العقل؛ لأن علوم العقل مخلوقات، ولا يكاد ينتجه الفكر ولا يخرجه التدبر فما انتجته الأفكار واستخرجته الفطرة من الخواطر والعلوم فتلك علوم العقل، وهي كشوف المؤمنين ومحمودات لأهل الدين، فأما خاطر اليقين فإنه يظهر من عين اليقين، ينادي به العبد مناداة، ويبغته مفاجأة؛ لأنه مخصوص به مراد مقصود به محبوب، متولي به مطلوب، لا يجده إلا عارف أو خائف أومحب، ومن سوى هؤلاء فبحاله محجوب". [السابق ١/١٧٦]

وحديث المكي السابق عن الخاطر واضح فيه أن يضع الخاطر باعتباره نوعًا من الإلهام أو العلم اللدني، وفي هذا رد على من قال: إن المكي يدخل الخاطر في موضوع الإرادة [انظر ماسينيون: تاريخ الاصطلاحات الفلسفية ٩٧، ٩٨]، اللهم إلا إذا قصد بذلك كون الإرادة تدخل في باب العلم، وبهذا يعتبر مقدمة للإرادة، ومنشطًا ومنبهًا للنية، وموقظًا لها، وليس داخلًا في بابها أو جزءًا منها.

وهويقسم الخاطر إجمالًا إلى نوعين:

النوع الأول: خاطر الخيروهو الإلهام من خزائن الله، ويشمل خاطر اليقين، والروح، والملك.

النوع الثاني: خاطرالشر وهو وسواس، وهو من خزائن الأرض، ويشمل خاطر العقل والنفس والعدو وذلك؛ لأن النفس ترابية خلقت من الأرض فهي تميل إلى التراب، والروح روحانية خلقت من الملكوت فهي ترتاح إلى العلو. [انظر المكي: قوت القلوب ١/١٧٩-١٨٧]

الخاطر عند الرازي

يرى الرازي أن وسوسة الشياطين وإلهام الملك متعلقة بالعلم والإدراك، وهي المرحلة الأولى من الفعل، مثال ذلك أن الإنسان يكون ناسيًا لما في المعصية من اللذة والطيب والراحة فالشيطان يذكره بهذه الحالة، أو كان ناسيًا لما في الطاعة من البهجة والسعادة وآثارها التامة الكاملة، فالملك يذكره ذلك. [انظر المطالب العالية ٧/٣٢٩، ٣٣٠]

ويستشهد على ذلك بما أخبربه القرآن الكريم عن الشيطان أنه قال: ﴿وَمَا كَانَ لِیَ عَلَیۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّاۤ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِیۖ فَلَا تَلُومُونِی وَلُومُوۤا۟ أَنفُسَكُمۖ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، ويرى أنه يتفرع على ذلك القول فيما يلي:

أ - أن الشيطان لا يقوى على إلقاء الوسوسة إلا بإعانة من القوى المزاجية، والقوى النفسانية وذلك؛ لأن الناس مختلفون في الميل إلى بعض الأشياء، والنفرة عن بعض الأشياء، فالذي يريده هذا يبغضه ذاك، والعكس صحيح، وأقسام هذه الاختلافات بحسب الرغبة في المال والجاه، وبحسب أقسام المطعومات والمشروبات والمنكوحات، فإذا أراد الشيطان حمله على الأفعال القبيحة ذكره بما فيها من المكروهات التي ينفر طبعه عنها. [انظرالرازي: المطالب العالية ٧/٣٣٠ وما بعدها]

ب -أن الفرق بين خواطر الرحمة والملك، وخواطر الشيطان أن السعادة العقلية المتعلقة بالروحانيات أفضل وأكمل من السعادة المتعلقة بالماديات، فكل ما دعا الإنسان إلى شئ من الروحانيات فهو داعية الملك والرحمة، وكل ما دعاه إلى شئ من لذات هذا العالم وخيراته فهو داعية الشيطان، ويرى أن لا بد من تنبيه حتى لا تحدث المغالطة في ذلك.

فربما ظن في الفعل أنه من خاطرالملك والرحمة، وقد لا يكون كذلك، بل يكون داعية شيطانية مثل مواظبة بعض الناس على علوم الحقيقة والزهد الخالص في الدنيا، ويظن أنه داعية رحمانية، مع أن الأمر قد يكون غير ذلك، وذلك إذا كان يقصد من وراء هذا العلم المباهاة على الأقران وطلب الرئاسة في الحياة الدنيا، وقد يظن في الخاطر أنه من الشيطان مثل ترك الالتفات إلى الأمور المعتبرة في العرف والعادة لكن قد لا يكون كذلك إذا كان مقصوده منه فطم النفس عن الالتفات إلى هذه الدنيا وطيباتها [انظرالرازي: المطالب العالية ٧/٣٣١]، وعلى هذا يجب في كل فعل في القلب ميل إليه أن ينظر فيه، فإن كان المقصود الأخيرمنه: التوجه إلى عالم الغيب فهو الداعية الرحمانية، وإن كان المقصود منه رعاية مصلحة من مصالح هذا العالم الجسماني، فهو الداعية الشيطاني". [انظرالرازي: المطالب العالية ٧/٣٣١]

فالرازي ركز على الخاطر وصلته بالفعل باعتباره نوعًا من العلم الذي يعد المرحلة الأولى من الفعل الإنساني.

يتضح لنا مما سبق أن الخاطر وصلته عند الأشاعرة أحد الدواعي إلى النظر والاستدلال، وأنه من قبل الله – تعالى - وهو جار مجرى الأمر، وهو يتفق مع رأي أبي هاشم الجبائي من المعتزلة في هذا.

وهو أحد الطرق المفضية إلى العلم عن طريق إيجابه النظر الذي يفيد العلم، وهذا مما يعلم عقلًا - كما يرى الجويني - باعتبار أن العقل يقضي باختيار سبيل النجاة وتجنب المهلكات.

أما الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في الخاطر فيتضح في نظرة الأشاعرة إلى الخاطر على أنه لا يكفي وحده لحصول كون الإنسان مكلفًا؛ لأن شرط وجوب التكليف عندهم ثبوت ذلك بالسمع الدال عليه مع تمكن المكلف من الوصول إليه.

أما المعتزلة فيرون أن الخاطر يكفي وحده في حصول كون الإنسان العاقل البالغ مكلفًا مسئولًا عن أعماله، وإن لم تصله دعوة الرسل؛ لأنه يحرك الإنسان إلى النظر في النفس والآفاق فيتولد لديه العلم بالله وبحسن الأشياء وقبحها، وهي أمور تدرك لديهم بالعقل، ولا يشترط فيها ورود الشرع.

أما القيمة التربوية للخاطر لدى الأشاعرة فتتضح في أن معرفة الخواطر وتمييزها إنما يتطلع إليها الإنسان الذي يريد معرفة أثر الخواطر في فلاح الإنسان وصلاحه إذا كانت الخواطر إيمانية، أو في فساد الإنسان وهلاكه إذا كانت الخواطر شيطانية.

ولهذا يجب على الإنسان المسلم مداومة الذكر؛ لأن الذكر نور يتقيه الشيطان، كما يجب عليه مراقبة النفس ومحاسبتها واتهامها وقمعها وحفظها من وسوسة الشيطان حتى يصير ذلك سلوكًا للإنسان ينعكس في حياته وتعامله مع الآخرين.

وتتميز نظرة الأشاعرة والصوفية إلى الخاطر - كما وردت لدى الغزالي - في أنها نظرة دقيقة توضح ما يجب على المسلم العاقل السالك طريق التربية عند اشتباه الخواطر، فيحددها الغزالي بعرضها على الشرع واللجوء إلى الله وطلب المعونة منه بالاستغفار والذكر.

حتى تتضح له السبل ويصل إلى اليقين بالله - عز وجل، ويرى أن سبب ذلك هو بُعد العبد عن الله، وبالتالي تسيطر عليه حالة من ضعف اليقين، وحب الدنيا، ومتابعة الهوى، بينما يرى الرازي أن طريق معرفة الخواطر وتمييزها هو النظر إلى السعادة الناتجة عنها، فإن كانت سعادتها عقلية متعلقة بالروحانيات فهي سعادة أكمل وأفضل وهي ناتجة عن خاطر الرحمة، أما إذا كانت السعادة متعلقة بالماديات واللذات الدنيوية فهي ناتجة عن خاطرالشيطان.

فالخاطر لدى كل من المعتزلة والأشاعرة - أحد طرق العلم ووسائله، وهو طريق يقيني، فالعلم الذي يولده الخاطر علم يقيني يؤدي إلى استقرار النفس وطمأنتها عن طريق معرفة الله، وعلى هذا يتفق الفريقان إلى أن الخاطر أحد طرق التربية، فإذا كان للعلم طريق خارجي مكتسب بالحواس وبالعقل، فإن له طريقًا داخليًا، أيضًا وهو الخاطر، وهذا الطريق الداخلي أشد تأثيرًا، وأقوى تعليمًا من الطريق الخارجي، وتتوقف درجة استفادة الإنسان من هذا النوع الثاني على صفاء النفس وقوة استعدادها.

وإذا كان الخاطر طريقًا هامًا لدى المتكلمين من الفريقين إلى المعرفة وأحد طرق التربية، فإنه أهم الطرق وأفضلها لدى الصوفية، ولهذا أولوا هذا الجانب عنايتهم فتحدثوا عن طريق تحصيله، والشروط اللازمة لذلك.

وبذلك يمكن تريية الإنسان وتنميته داخليًا وخارجيًا عن طريق تربية النفس وتعويدها على فعل الخير والتزام الشرع، وعلى اكتساب العلوم وتطويعها بما يخدم مجتمعه وأمته، ويحقق لهما السعادة والخير في الدنيا والآخرة.

النظرة الإسلامية في تربية الإنسان

فالنظرة الإسلامية في تربية الإنسان كما تتضح من نظرة المعتزلة والأشاعرة إلى العلم والخاطر نظرة متكاملة تسعى إلى تنمية الإنسان وتربيته داخليًا وخارجيًا، وتركز على كل الملكات وتفتح أمامها الطريق بما ينميها ويصل بها إلى أسمى درجات الكمال، فتفتح المجال واسعًا أمام العقل للتأمل والتدبر والاكتشاف، وتعمل على تربيته بالجدل والتمرين على مناقشة الأمور كاملة، كما تفسح المجال أمام النفس وتربيتها وتعويدها على الخيرات بالتزام الأوامر الشرعية والانتهاء عن النواهي التي حرمها الشرع والتي لا ينتج عنها إلا فساد المجتمع وتدميره، وتربي السلوك البشري وما يشمله من قول وفعل وعمل بتعويده على التزام الصدق في القول والفعل والعمل حتى يصير ذلك عادة وإلفًا يألفها الإنسان المسلم ويسير في حياته على ضوئها، فيصبح لبنة صالحة في بناء المجتمع السليم الذي يسعى أفراده إلى ما ينمي حياتهم بالعمل الجاد ويطور مجتمعهم إلى الأفضل، ويحقق لهم النجاح في معركة البقاء.

الخلاصة

الخاطر هو منبه داخلي يوقظ الإنسان للتفكير في معرفة الله، وتختلف الفروق الإسلامية في فهمه حيث يراه المعتزلة سببًا كافيًا للتكليف وإن لم تصله دعوة الرسل، بينما يرى الأشاعرة أنه وإن كان يوجب النظر، إلا أنه لا يكفي وحده لإثبات التكليف دون وجود الشرع، بينما الصوفية فيعتبرونه واردًا إلهيًا يزكي الفطرة ويقود المريد في رحلته الروحية

موضوعات ذات صلة

تُطلق الفطرة على معنيين أساسيين: الاستعداد الفطريّ والميل الطبيعيّ الذي يُولد عليه الإنسان لقبول الإيمان وإفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة؛

ورد لفظ «الإيمان» ومشتقاته فى القرآن الكريم والسنة المطهرة مئات المرات

العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين

موضوعات مختارة