Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزهــــــــــد

الكاتب

أ.د. فتحي أحمد عبد الرازق.

الزهــــــــــد

الزهد هو سمة المسلمين الأوائل، وخاصة في عصر النبي وأصحابه. والزهد له مكانة عظيمة في الدين، فهو أساس العبادة والطاعة، وله علاقة وثيقة بمقامات إيمانية أخرى كالإخلاص والتوكل والرضا. وفي السياق الصوفي، يُعتبر الزهد مقامًا شريفًا من مقامات اليقين، وأول خطوة للساعين إلى الله.

تعريف الزهد لغة واصطلاحًا

الزهد في اللغة: زَهَدَ وزَهِدَ وزَهُد وزُهْدًّا: أعرض عن الشيء، وترك الميل إليه، والزاهد في الشيء: الراغب عنه، الراضي منه بالزهيد.

وفي التنزيل العزيز: {​وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} [يوسف: ٢٠] فقد وصفت الآية بائعي يوسف -عليه السلام-  بالزهد فيه طمعًا فيما هو أحب عندهم من يوسف-عليه السلام-  ورغبة في العوض، وقد جرت العادة بتخصيص اسم الزهد بمن يزهد في الدنيا. [راجع ابن منظور: لسان العرب، المعجم الوسيط - مادة زهد، الغزالي: إحياء علوم الدين٤/٢٣٠، عيسى الحلبي- القاهرة].

وفي الاصطلاح: أنواع ودرجات، ظاهر وباطن، فرض ونفل، قربة وضرورة وخشية، والزاهدون عوام وخواص، وقد عبَّر عنه الفلاسفة كما عبر عنه أهل الحديث والفقهاء والصوفية، فابن سينا (ت: ٤٢٨هـ) في الإشارات والتنبيهات يفرق بين الزاهد والعابد والعارف، ويصف زُهد العامة وزُهد الصوفية؛ حيث يقول: "المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها يخص باسم الزاهد، والمواظب على فعل العبادات من القيام والصيام ونحوهما يخص باسم العارف، وقد يتركب بعض هذه مع بعض، والزهد عند غير العارف معاملة ما، كأنه يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة، وعند العارف تنزه ما عما يشغل سره عن الحق، وتكبر على كل شيء غير الحق [ينظر ابن سينا: الإشارات والتنبيهات٤/٥٧-٥٩، ط٢- دار المعارف ١٩٦٨]

وفي اصطلاح أهل الحديث: اتباع العلم، والقيام بأحكام الشرع، وأخذ الشيء من وجهه، ووضعه في حقه [أبو طالب المكي: قوت القلوب ١/٢٦٧، ٢٧٠-الميمنية- القاهرة ١٣١٠هـ، إحياء علوم الدين ٤/٢٤٢] وهو فرض الزهد، وهو الزهد الظاهر.

وعبر عنه الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨هـ) بأنه ترك الرغبة فيما لا ينفع من الآخرة وقسمه تقسيمه إلى باطن وظاهر، ووسع دائرته المشروعة، فجعل متعلقه المحرمات والمكروهات والمباحات التي لا يستعان بها على طاعة الله تعالى.

فقد قال: "الزهد المشروع: ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة، وثقة القلب بما عند الله، فهذا صفة القلب، وأما في الظاهر فترك الفضول التي لا يستعان بها على طاعة الله تعالى من مطعم، وملبس، ومال، وغير ذلك" [الإمام ابن تيمية: مجموع الفتاوى١٠/٢١، ٦٤٢، وزارة الشئون الإسلامية- السعودية ١٩٩٥] وقد ربطه بالأمر والنهي، وربط الرغبة بالشرع، وقد قصد بذلك تمييز الزهد الشرعي المحمود عن غيره، والرغبة الشرعية عن غيرها [المصدر السابق: ١٠/٢١، ٥١١، ٦١٦، ٦١٩]  

الزهد في اصطلاح الصوفية: اصطلح السادة الصوفية على وضع لفظة الزهد في بُغْض الدنيا والإعراض عنها [الجرجاني: التعريفات].

وقد عبَّروا عن هذا المعنى بعبارات كثيرة، ومصطلحات متنوعة، وذكروا إشارات شتى تعبر عن مقام زهدهم؛ وذلك نظرًا لتفاوت مقاماتهم، وتنوع أحوالهم وأذواقهم ومواجيدهم، ولاختلاف حاجاتهم مع كمال معارفهم، فنطق كل عن وقته، وأشار إلى زهده حسب حاله وشاهده، أو حسب حاجته، والأحوال تترقى، والأذواق تتنوع، والحاجات تختلف، فلابد من اختلاف العبارات وتعدد الإشارات، وقد جرت عادتهم بذلك، مما يعد دليلًا على سلامة أذواقهم المتفاوتة وأحوالهم المترقية.

قال أبو محمد رُويم بن أحمد (ت: ٣٠٣هـ): "لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا، فإن اصطلحوا هلكوا" [السلمي: طبقات الصوفية:٤٢- كتاب الشعب ٩٢/١٣٨٠هـ].

فمن الزهاد الأوائل ومشايخ الصوفية مَنْ نظر إلى بعض أقسام الزهد فأشار إلى ما كان منه غالبًا على نفسه وحسب حاله، ومنهم من نظر إلى من يخاطبه، فخاطبه بما يناسبه، ومنهم من زهد لفراغ القلب عن الشغل، وجعل هَمَّه في طاعة الله وذكره، ومن زهد لخفة الظهر وسرعة المرور على الصراط إذا حُبِس أصحاب الأثقال للسؤال، ومَنْ زهد خوفًا من النار ورغبة في الجنة وشوقًا إليها.

وقد جاءت أكثر عباراتهم تشير إلى الزهد الباطني، الذي هو مقام من مقامات سلوكهم ولو بوجه من الوجوه، وأكثرها متقارب المعنى.

ومن عبارات الأئمة والمشايخ في معنى الزهد:

· قال أويس القرني (ت: ٣٧هـ): "الزهد: ترك الطلب للمضمون، أي الرزق".

· وقال الحسن البصري (ت: ١١٠هـ): "الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال: هذا أفضل مني" هذا إشارة إلى اقتران الزهد بالتواضع، وإلى نفي الجاه والعجب.

· وسئل الإمام الزهري (ت: ١٢٤هـ) عن الزهد، فقال: "ما لا يغلب الحرام صبره، ولا يمنع الحلال شكره، بمعنى الصبر عن الحرام، والشكر على الحلال".

· وقال مالك بن دينار (ت: ١٣١هـ): "إن الزهد بعد المقدرة" قيل له: أنت زاهد؟ قال: "كيف أكون أنا زاهدًا، ولي جبة وكساء، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فتركها".

· وقال وهيب بن الورد المكي (ت: ١٥٣هـ): "الزهد في الدنيا: أن لا تأسى على ما فاتك منها، ولا تفرح بما أتاك منها".

·  وقال سفيان الثوري (ت: ١٦١هـ): "قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء، وهو جامع لجميع الشهوات".

· وقال عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١هـ): "الثقة بالله تعالى مع حب الفقر".

· وقال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧هـ): "الرضا عن الله تعالى".

· وقال أبو سليمان الداراني (ت: ٢١٥هـ): "الزهد عندنا: ترك كل شيء يشغلك عن الله تعالى".

· وقال بشر الحافي (ت: ٢٢٧هـ): "الزهد في الدنيا: هو الزهد في الناس، وهذا إشارة إلى الزهد في الجاه خاصة".

· وقال الإمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١هـ): "قصر الأمل، واليأس مما في أيدي الناس".

· وسئل سري السقطي (ت: ٢٥١هـ) عن الزاهد، فقال: "أن يخلو قلبه مما خلت منه يداه".

· وسئل حمدون القصار (ت: ٢٧١ هـ) عن الزهد، فقال: "الزهد عندي أن لا تكون بما في يدك أسكن قلبا منك بضمان سيدك".

· وقال عمرو بن عثمان المكي (ت: ٢٩١هـ): "رأس الزهد وأصله في القلوب: احتقار الدنيا واستصغارها، والنظر إليها بعين القلة".

· وقال أبو العباس أحمد بن مسروق (ت: ٢٩٧هـ): "الزاهد الذي لا يملكه مع الله سبب".

· وقال الجنيد (ت: ٢٩٧هـ): "الزهد: خلو الأيدي من الأملاك والقلوب من التتبع (الطلب) ".

· وقال رويم بن أحمد (ت: ٣٠٣هـ): "ترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا".

· وقال عبد الله بن الجلاء (ت: ٣٠٦هـ): "من استوى عنده المدح والذم فهو زاهد".

· وسئل محمد بن الفضل البلخي (ت: ٣١٩هـ) عن الزهد، فقال: "النظر إلى الدنيا بعين النقص، والإعراض عنها تعززًا وتظرفًا، فمن استحسن من الدنيا شيئا فقد نبه على قدرها".

· وقال أبو بكر الشبلي (ت: ٣٣٤هـ): "تحويل القلب من الأشياء إلى رب الأشياء".

· وقال أبو محمد جعفر بن محمد الخلدي (ت: ٣٤٨هـ): "مَنْ أراد أن يزهد فليزهد أولًا في الرياسة، ثم ليزهد في قدر نصيب نفسه ومراداتها".

· وقال الإمام الهروي (ت: ٤٨١هـ): "إسقاط الرغبة عن الشيء بالكلية".

[الأقوال المذكورة في كتاب فيه معنى الزهد والمقالات لابن الأعرابي: ٥٤،٥٦، ٥٧، ٧٤/دراسة ومراجعة د. عامر النجار/ دار الكتب المصرية١٩٩٨، السراج الطوسي: اللمع:٥١، المكتبة التوفيقية/ القاهرة، الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف:١١٠/ المكتبة الأزهرية للتراث/ط٣/١٩٩٢، قوت القلوب:١/٢٥٢، ٢٦٧، طبقات الصوفية: ٩، ٣٠، ٤١، ٤٨، ٥١، ٨٣، ١٠٧، الإمام القشيري: الرسالة القشيرية: ٦٠-٦٢/ مصطفى الحلبي/ط٢/١٩٩٥، إحياء علوم الدين: ٤/٢٤٢-٢٤٣، ابن قيم الجوزية: مدارج السالكين: ٢/١١-١٢، ١٤/ت: عماد عامر/ دار الحديث/ القاهرة٢٠٠٣]

     والجامع من الأقاويل المذكورة، الكامل في نفسه، وإن لم يكن فيه تفصيل- حسب رأي الإمام الغزالي (ت: ٥٠٥هـ) في الإحياء- ما قاله أبو سليمان الداراني: "ترك كل شيء يشغلك عن الله تعالى" [إحياء علوم الدين٤/٢٤٣].

مشروعية الزهد:

كان الزهد هو السمة العامة للمسلمين في القرون الأولى، وقد تحقق في أسمى صوره في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام وتابعيهم، فقد كان رسولنا -صلى الله عليه وسلم-  المثل الأعلى والقدوة الحسنة للزهد، وتبعه بإحسان أصحابه الكرام رضي الله عنهم، وقد ظل الزهد السمة الغالبة في عصر التابعين وتابعيهم حتى امتزج بالجوع والفقر والعبادة والتصوف، فصار للزهاد عدة أسماء، يسمون بالشام الجوعية، وبالبصرة الفقرية، بخراسان المغاربة، ويسمون أيضا الصوفية والفقراء، ثم اندمج في التصوف، وسمي الزهاد بالصوفية نسبة إلى الصوف؛ لأنه غالب لباسهم [مجموع الفتاوى: ١٠/٣٦٨-٣٦٩].

والزهد الإسلامي يستند إلى الأمر والنهي الشرعيين، وينطلق من هدي الشرع؛ فقد هدى القرآن الكريم في آيات كثيرة، ودعا النبي-صلى الله عليه وسلم- في أحاديث متعددة إلى الزهد في الدنيا والترغيب في الآخرة؛ وذلك بالكشف عن حقيقة الدنيا، وبيان أنها دار ابتلاء واختبار، وأنها ظل زائل لا قيمة له، وأن متعها سريعة الزوال، وما عليها إنما هو زينة وتفاخر، والتحذير من الانغماس فيها، والوعيد على إيثارها، مع المقارنة بينها وبين الدار الآخرة، والتنبيه إلى أن الآخرة هي دار القرار، وأنها خير وأبقى.

اشتمل القرآن الكريم على آيات كثيرة تزهد الناس في الدنيا، وتصرفهم عنها، وترغبهم في الآخرة، ومن ذلك: قوله تعالى: {إنمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس:٢٤].

في الآية مثل ضربه الله تعالى لمن يغتر بالدنيا ويتمسك بها، ويعرض عن الآخرة، شبَّه فيه حال الدنيا من الزوال والفناء مع زخرفها وزينتها بحال النبات حين عظم الانتفاع به جاءه أمر الله وأصابته آفة؛ فصارت الزروع هالكة كأنها ما حصلت، وخلفت الحسرة والألم لأهلها.

   وكذلك عاقبة المغتر بالدنيا المتمسك بها، عندما تعظم رغبته فيها يأتيه الموت، وتفوته لذات الدنيا وطيباتها، فيعظم حزنه وتشتد حسرته عليها، وهو معنى قوله تعالى: {فلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُون} [الأنعام:٤٤] أي: خاسرون للدنيا بعد أن أنفقوا فيها أعمارهم، وخاسرون للآخرة.

ولما حذر الباري – تعالى – الغافلين من الميل إلى الدنيا والاغترار بها ونفَّرهم من الانغماس فيها عقَّب ذلك في الآية التي بعدها بالترغيب في الدار الآخرة، فقال تعالى [الكهف: ٤٥-٤٦] في الآية الأولى مثل ضربه الله تعالى للمغترين بالدنيا المفترين بأموالهم وجاههم، ينبه إلى حقارة الدنيا وزوالها، فمع ظهورها في غاية الحسن والنضارة تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء، وما كان كذلك لا يبتهج به العاقل ولا يغتر.

وفي الآية الثانية: المال والبنون زينة الحياة الدنيا، وما كان كذلك فهو غرور يمر ولا يبقى كالهشيم حين تذروه الرياح.

يقول الإمام الفخر الرازي (ت: ٦٠٦هـ) في تفسيره الكبير في تفسير الآية المذكورة: "لما بيَّن تعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء، مشرفة على الزوال والبوار والفناء؛ بيَّن تعالى أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا والمقصود إدخال هذا الجزء تحت الكل، وما كان كذلك فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به أو يفرح بسببه أو يقيم له في نظره وزنا".

وقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف:٤٦] أي: يبقى ما كان من زاد الآخرة وهو الطاعات، فإن خيرات الدنيا منقضية، وخيرات الآخرة باقية، والباقي خير من المنقضي؛ أي: أفضل ثوابا وأفضل أملا من ذي المال والبنين دون عمل صالح.

وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: ١٨-١٩].

{الْعَاجِلَةَ}: الدار العاجلة، وهي الدنيا، {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ}: لم نعطه منها إلا ما نشاء، {لمن نريد}: الفوز بالدنيا ليس لكل أحد رغب فيها وتمسك بها، بل لا يحصل إلا لمن نريد، فكثير من الناس يعرضون عن الآخرة ويطلبون الدنيا ولا يحصل لهم الفوز بها، بل يحرمون من الدنيا ومن الآخرة.

وفي ذلك زجر عظيم للمغترين بالدنيا الغافلين عن الآخرة، وتنبيه لهم بأنه ربما فاتتهم الدنيا وفاتتهم الآخرة، وكانوا من الأخسرين أعمالا.

{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا}: أراد الآخرة، وعمل لها عملها من الطاعات. 

ويظهر في الآية تقييد العمل بإرادة الآخرة؛ أي: ثواب الآخرة، إشارة إلى أن حصول هذه الإرادة وهذه النية شرط في الانتفاع بذلك العمل، فإن لم تحصل هذه الإرادة يكون العمل مردودًا لا يوصل إلى ثواب الآخرة.

 {وسعى لها سعيها}: قيد آخر يظهر في الآية، وهو اشتراط أن يكون العمل من أعمال الآخرة من الطاعات وأنواع العبادات المشروعة، فإن كثيرا من الناس يتقربون إلى الله تعالى بأعمال باطلة مردودة؛ لأنها ليست من أعمال الآخرة.

 {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}: أي كان عملهم مقبولًا، أو مضاعفًا.

وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى:٢٠] في الآية مقارنة بين من أراد الآخرة وعمل لها عملها ومن أراد الدنيا وعمل لها عملها من وجوه:

فمريد ثواب الآخرة مقدم في الذكر على من يريد منافع الدنيا، تنبيهًا على فضله، ومريد حرث الآخرة نعطه حرثه ونزد له في حرثه، أما مريد حرث الدنيا فنعطه بعض حرثه، فقوله تعالى: {نؤته منها} ومن للتبعيض؛ أي بعض حرث الدنيا، ولا نؤتيه كل ما يريد.

والآية نصت على أن مريد حرث الدنيا لا نصيب له في الآخرة، أما مريد حرث الآخرة فالآية سكتت عن نصيبه في الدنيا نفيًا أو إثباتًا، تنبيهًا على أن الأصل والمقصود لذاته هو الآخرة، أما الدنيا وهي دار ابتلاء فلا قيمة لوجودها مع الأصل، ولا وجه لاقتران ذكرها بذكره.

ثم إن الآية عبرت عن منافع الدنيا وعن منافع الآخرة بالحرث، وهو لا يأتي إلا بعد جهد ومشقة، والعاقل يصرف جهده إلى ما هو أنفع، وهو حرث الآخرة، فإنه يزداد، أما حرث الدنيا فإنه ينقص ويفنى، ونظائر الآيات المذكورة كثير.

هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في التزهيد في الدنيا

دعا النبي-صلى الله عليه وسلم- إلى الزهد في الدنيا، والتقليل من شأنها، والترغيب في الآخرة في أحاديث كثيرة جاء فيها ذم النبي-صلى الله عليه وسلم- عبد الدينار والدرهم، وتخوفه على أمته من زهرة الدنيا، وبيان قدر الدنيا بأنها لا تساوي موضع سوط في الجنة، وأنها أهون على الله تعالى من جدي معيب ميت، ونظائر ذلك[ينظر: صحيح البخاري الأحاديث: ٢٨٨٦، ٦٤١٦، ٦٤٢٧، ٢٨٣٤، ٦٤١٥، صحيح مسلم الأحاديث: ٢٩٥٦، ٢٩٥٧، ٢٨٥٨، ٢٧٤٢].

وقد ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أمثلة رائعة تطبيقا لتعاليم الشرع بالإعراض عن زهرة الدنيا وابتغاء الآخرة في كل الجوانب الحياتية، فقد وردت الأخبار التفصيلية في وصف معيشة النبي -صلى الله عليه وسلم-  وأصحابه، ومن ذلك: ما ورد أن النبي-صلى الله عليه وسلم- وجد في بيته قدحًا من اللبن فدعا إليه أهل الصفة، وأنه -صلى الله عليه وسلم- خرج من الدنيا ولم يشبع من الخبز الشعير، وأن أهله كان يأتي عليهم الشهر ولا يوقدون نارا، وأن فراشه -صلى الله عليه وسلم- كان من أدم وحشوه ليف، وأنه كان يلبس الغليظ من الثياب، وكذلك أصحابه الكرام. [ينظر: صحيح البخاري الأحاديث: ٦٤٥٢، ٦٤٥٤، ٦٤٥٥، ٦٤٥٨، ٥٤١٣، ٥٤١٤، ٥٤١٥، ٦٤٥٦، ٦٤٥٣، ٢٤٢، وصحيح مسلم الأحاديث: ٢٩٧٧، ٢٠٨٠، ٢٩٦٨مكرر(٢) وسنن الترمذي الأحاديث: ٢٣٧٧، ٣٦٧٥، ٣٦٩٩].

 وقد وردت الأخبار الكثيرة في صور زهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في كتب السنة وغيرها.

الزهد فضيلة أمر الله تعالى بها، وهدى إليها رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-  وسلفنا الصالح رضي الله عنهم، وهو رأس كل خير وطاعة، ومفتاح الرغبة في الآخرة؛ قال سفيان الثوري والفضيل ابن عياض: جعل الشر كلّه في بيت وجعل مفتاحه الرغبة في الدنيا، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا [قوت القلوب: ١/٢٥٨].

وقد قيل: "من سمي باسم الزهد في الدنيا، فقد سمي بألف اسم محمود، ومن سمي باسم الرغبة في الدنيا فقد سمي بألف اسم مذموم [اللمع للأشعري ٥٠]

والزاهد حبيب الله تعالى كما أن الراغب في الدنيا متعرض لبغض الله تعالى، وعلى لسان المشايخ: إذا أردت أن يحبك الله فازهد في الدنيا، فالزهد سبب محبة الله، وبه يصير الزاهد حبيب الله، وقد روي أنه كان يقال: "الورع يبلغ بالعبد إلى الزهد في الدنيا، والزهد يبلغ به إلى حب الله تعالى.

وسئل أبو محمد عبد الله بن محمد المرتعش النيسابوري (ت: ٣٢٨هـ): بماذا ينال العبدُ حبَّ الله تعالى؟ فقال: "ببغض ما أبغض الله، وهي الدنيا والنفس" [كتاب فيه معنى الزهد: ٨٠، طبقات الصوفية: ٨٦].

والزاهد يعطيه الله فوق ما يريد، وتحصل له الآخرة، وتخدمه الدنيا.

قال أبو عثمان الحيري (ت: ٢٩٨هـ): "إن الله يعطي الزاهد فوق ما يريد، ويعطي الراغب دون ما يريد" [الرسالة القشيرية: ٦١].

وقال الإمام عبد القادر الجيلاني (ت: ٥٦١هـ) في فتوح الغيب: "وإذا أطعت الله بزهدك في الدنيا أو طلبك دار الآخرة كنت من خواص الله عزَّ وجلَّ وأهل طاعته ومحبته، وحصلت لك الآخرة وهي الجنة وجوار الله عزَّ وجلَّ وخدمتك الدنيا فيأتيك قسمك الذي قُدِّر لك منها، وإن اشتغلت بالدنيا وأعرضت عن الآخرة غضب الرب عليك ففاتتك الآخرة وتعاصت الدنيا عليك وتعسرت، وأتعبتك في إيصال قسمك إليك" [الإمام عبد القادر الجيلاني- فتوح الغيب: ٨٨-٨٩/ مصطفى الحلبي/ ط٢/١٩٧٣].

الزهد والطاعة ومقامات اليقين

الزهد أساس العبادة والطاعة، فبه يستعان على العبادة والطاعة وأخلاق الإيمان كلها؛ ولذلك جرى على لسان المشايخ القول بأن من لم يحكم أساسه في الزهد لم يصح منه شيء مما بعده.

وبهذا أشار الأئمة والمشايخ، فقد نقلوا عن أبي واقد الليثي (ت: ٦٨هـ) أنه قال: "تابعنا الأعمال فلم نجد شيئا أبلغ في طلب الآخرة من الزهد في الدنيا" وأنه قال: "ما وجدنا شيئا أعون على أخلاق الإيمان من الزهادة".

وقال عبد الله بن المبارك: "ما رأيت شيئا يقوى به على العبادة مثل الجوع والزهادة".

وكان بشر بن الحارث يقول: "لا تحسن التقوى إلا بزهد" وسئل معروف الكرخي (ت: ٢٠٠هـ) عن الطائعين بأي شيء قدروا على الطاعة؟ فقال: "بإخراج الدنيا من قلوبهم" [كتاب فيه معنى الزهد: ٧٩ – ٨٠، قوت القلوب: ١/٢٥٦، طبقات الصوفية: ٢٢].

ونقل أبو طالب المكي (ت: ٣٨٦هـ) عن بعضهم: "ليس عمل من أعمال البر يجمع الطاعات كلها إلا الزهد في الدنيا" [قوت القلوب: ١/٢٤٣].

والزهد عند الصوفية مقام شريف من مقامات اليقين، وهو أساس الأحوال والمقامات، وهو أول قدم القاصدين إلى الله، وصلته وثيقة بمقامات السالكين وأحوالهم وأخلاق الإيمان كلها، فهو يقتضي بعضها، وبعضها يقتضيه، وهو حال لبعضها، وبعضها حال له، وهو شرط لبعضها وبعضها شرط له، وهو ركن في بعضها، وبعضها وجه له، وبالجملة فهو كمال مراتب السلوك، وبه تتحقق سائر المقامات.

قال السهروردي (ت: ٦٣٢هـ): "وكلما بقي على العبد بقية في تحقيق المقامات كلها بعد توبته يستدركه بزهده في الدنيا" [الرسالة القشيرية: ٨١].

الزهد والقناعة:

القناعة في اللغة: الرضا بالقَسْم، يقال: قَنِعَ قَنَعا وقَناعة: رضي بما أعطى.

وفي اصطلاح الصوفية: قال الإمام أبو عبد الله بن خفيف (ت: ٣٧١هـ): "ترك التشوف إلى المفقود، والاستغناء بالموجود" وقيل: "السكون عند عدم المألوفات" [قوت القلوب: ١/٢٥١، كتاب فيه معنى الزهد. [الراغب الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة ١٦٥، طبعة الكليات الأزهرية، ط ١/١٩٧٣م].

وعلى هذا فالصلة بين الزهد والقناعة وثيقة، فهما يتقاربان معنى؛ فالقناعة: الرضا بما دون الكفاية، والزهد: الاقتصار على الزهيد، وهما يتقاربان، لكن القناعة تقال اعتبارا برضا النفس، والزهد يقال اعتبارًا بالمتناول لحظ النفس، بل إن القناعة طرف من الزهد وأساس له، فإنه لا يصح الزهد إلا لمن أعرض عن الدنيا وقنع منها بالكفاف، وعلى لسان الصوفية: القناعة أول باب الزهد، تنبيهًا على أن العبد يحتاج أولًا إلى قمع نفسه، والتحصن بالقناعة ليسهل له الزهد.

بل يشير بعضهم إلى أن القناعة وجه للزهد، فقد روي عن الفضيل بن عياض أنه حينما سئل ما الزهد في الدنيا؟ قال: "هو القناعة، وهو الغنى" [لسان العرب، التعريفات، مدراج السالكين: ٢/٢١].

الزهد والورع:

الورع في اللغة: التَّحَرُّجُ والتوقي عن المحارم، والرجل الورع: التقي المُتَحَرِّجُ.

وفي اصطلاح الصوفية: عرفه السيد الجرجاني (ت: ٨١٦هـ) بأنه: "اجتناب الشبهات خوفا من الوقوع في المحرمات" وعبر عنه الإمام الهروي بأنه توق مستقصى على حذر، وتحرج على تعظيم" [لسان العرب، التعريفات، مدراج السالكين: ٢/٢١].

وللسادة الصوفية إشارات في الورع تبدأ من ترك الشبهات إلى ترك الفضول إلى التورع عن أن يتشتت القلب من الله طرفة عين.

والصلة بين الورع والزهد وثيقة على ما جاء في إشارات السادة الصوفية، فالورع أول الزهد، وطرف منه، وهو يقتضي الزهد، ويوصل إليه، فقد قال أبو سليمان الداراني: "الورع أول الزهد، كما أن القناعة طرف من الرضا" وقال أبو نصر السراج الطوسي (ت: ٣٧٨هـ): "الورع يقتضي الزهد" وقال أبو زكريا يحيي بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨هـ): "كيف يكون زاهدًا من لا ورع له! تورع عما ليس لك ثم ازهد فيما لك".

بل في إشاراتهم ما يفيد أن الورع وجه للزهد، فقد جاء عن بعضهم أن الزهد: ترك ما لا يعني من الأشياء كلها، واستعمال ما يعني [كتاب فيه معنى الزهد: ٦٣، ٦٦، اللمع: ٥٠، طبقات الصوفية: ٢٦].

وفي بعض إشاراتهم: الزهد أعظم من الورع؛ وذلك من حيث إن الزهد قطع الكل، والورع اتقاء، وفي بعضها: أقصي مقام الورع أدنى مقام من الزهد، وفي كلام بعضهم: "الورع أكمل من الزهد من وجه، والزهد أكمل من وجه" وعند بعضهم الورع آخر مقام الزهد للعامة وأول مقام الزهد للمريد [الإمام الشعراني: الطبقات الكبرى: ١/٢٣٧ المكتبة التوفيقية، قوت القلوب: ١/٢٦٨، مدارج السالكين: ٢/٢١].

الزهد والتواضع:

التواضع في اللغة: التذلل والتخاشع، وفي اصطلاح الصوفية: قال الجنيد: "هو خفض الجناح وكسر (لين) الجانب".

وللسادة الصوفية إشارات إلى التواضع من حيثيات متنوعة:

   فقد قال رويم: "التواضع تذلل القلوب لعلام الغيوب، ونقل عن الفضيل بن عياض أنه قال: "أن تخضع للحق وتنقاد له، وتقبل الحق من كل من تسمعه". [لسان العرب، الوسيط مادة وضع التعرف لمذهب أهل التصوف: ١١٣، عوارف المعارف: ٢١٨، طبقات الصوفية:٩] وللزهد صلة قوية بالتواضع، ولمشايخ الصوفية إشارات تدل على أنه أساس الزهد أو أنه وجه له، أو قرين، أو أنه قسم منه، أو أنه سلوك للزاهد، فقد روي عن بعضهم أنه قال: "الزاهد بغير تواضع كالشجرة التي لا تثمر" وروي عن الحسن البصري أنه قال: "الزاهد هو الذي إذا رأى أحدًا قال هذا أفضل مني" وقد علَّق عليه الإمام أبو طالب المكي قائلا: "فذهب إلى أن الزهد هو التواضع" وأشار الإمام الغزالي بأن هذا تواضع ونفى الجاه والعجب، وهو بعض أقسام الزهد. [قوت القلوب: ١/٢٦٧، إحياء علوم الدين: ٣/٣٦١]  

الزهد والجود والسخاء:

   الجود في اللغة: السخاء والبذل، وكل واحد من الجود والسخاء يستعمل في موضع الآخر.

والجود صفة وخلق، والسخاء غريزة، بدليل أنهم صاغوا الفاعل من السخاء والشح على بناء الأفعال الغريزية فقالوا: سخي وشحيح، وفي الجود والبخل قالوا: جواد وباخل. [لسان العرب، القاموس المحيط للفيروزآبادي، المعجم الوسيط، الذريعة ٢١٧].

وفي اصطلاح الصوفية: قال الإمام القشيري: "حقيقة الجود: أن لا يصعب عليه البذل".

والسادة الصوفية يستعملون الجود في معنى السخاء، والسخاء في معنى الجود، إلا أن السخاء عندهم في مرتبة أولى فوقها الجود، وفوق الجود الإيثار [الرسالة القشيرية: ١٢٣].

وبين الزهد والجود والسخاء صلة قوية؛ فعلامة الزهد السخاء بالموجود، والزهد وجه للجود والسخاء، وذلك من حيث إن إنفاق المال هو الإعراض عن السعادة المحبوبة إلى النفس المسمى بالزهد.

ثم إن الزاهد لا يصح زهده إلا إذا أخرج ما كان موجودا عنده مع خلوّ قلبه منه، فلا يصح الزهد فيه مع تبقيته للنفس، فإن تبقيته دليل الرغبة فيه، والرغبة تنافي الزهد، ومن أمسك الشيء -وإن أظهر الزهد فيه -فلا مقام له في الزهد.

والجود أول الزهد ووصف الزاهد؛ أشار إلى ذلك المشايخ:

قال الإمام أبو طالب المكي: "لا يكون البخيل زاهدا؛ لأن أول الزهد الجود، وقال: "فالسخاء وصف الزاهد، ولا يكون الزاهد إلا سخيّا، والبخل وصف الراغب، ولا يكون الحريص إلا بخيلًا، ولا يكون البخيل زاهدًا؛ لأن الزهد يدعو إلى إخراج الشيء، والبخل يدعو إلى إمساكه، فنفس السخاء زهد، فلذلك ذمّ البخل لأنه رغبة في الدنيا" [قوت القلوب: ١/١١٠، ٢٥١].

الزهد والفقر:

الفقر في اللغة: الحاجة والعَوَز.

وفي اصطلاح الصوفية: حقيقته ألا يستغني إلا بالله، ورسمه: عدم الأسباب كلها وقد عبَّر عنه بعضهم بأنه: اسم للبراءة من الملكة، وعند بعضهم: ألا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء، بحيث تكون كلك لله [لسان العرب، الوسيط، الرسالة القشيرية: ١٣٤، مدارج السالكين:٢/٣٥٤، ٣٥٧].

وللسادة الصوفية إشارات متنوعة إلى حقيقة الفقر، ونعت الفقير الصادق، من ذلك:

سُئِل أبو الحسن النُّوري (ت: ٢٩٥هـ) عن الفقير الصادق؟ فقال: "الذي لا يتهم الله تعالى في الأسباب، ويسكن إليه في كل حال" وقال: "نعت الفقير السكون عند العدم، والبذل والإيثار عند الوجود" وسُئل أبو محمد رويم عن حقيقة الفقر، فقال: "أخذ الشيء من جهته، واختيار القليل على الكثير عند الحاجة" وقال: "الفقر عدم كل موجود، وترك كل مفقود".

وسُئل يوسف بن الحسين الرازي (ت: ٣٠٤هـ) عن الفقير الصادق فقال: "من آثر وقته، فإن كان فيه تطلع إلى وقت ثان لم يستحق اسم الفقر" [التعرف لمذهب أهل التصوف:١١٢، طبقات الصوفية: ٣٩، ٤٢، ٤٤].

وعلى ما ذكرنا من إشارات يظهر ارتباط الزهد بالفقر واقترانه به، بل أشار مشايخ الصوفية إلى معانقة الزهد للفقر واستناده إليه؛ فقد قال السراج الطوسي: "الزهد يقتضي معانقة الفقر واختياره" وأشار أبو طالب المكي إلى أن الفقير الذي لا شيء يوجد له يتحقق له مقام من الزهد في المعدوم إذا قام بشرطه؛ وهو أن لا يحب وجود الشيء ولا يأسى على فقده، أو يكون مغتبطًا بعدمه مسروًرا بفقره، وأن من كان بهذا الوصف حسب له جميع ذلك زهدا وكان له بأحد هذه المعاني ثواب الزاهدين وإن لم يكن للدنيا واجدًا، وهذا زهد الفقراء الصادقين، وهو التحقق بالفقر.

وقال: "والفقر باب الآخرة وأصل الزهد والتواضع المحمود" [اللمع: ٥١، قوت القلوب: ١/٢٤٩، ٢/١٩٤].

وهو فقر وزيادة، أشار السهروردي إلى أن الزهد يجتمع مع الفقر، وأنه فقر وزيادة، فقال: "فإذا تاب توبة نصوحا، ثم زهد في الدنيا حتى لا يهتم في غدائه لعشائه، ولا في عشائه لغدائه، ولا يرى الادخار، ولا يكون له تعلق هم بغد، فقد جمع في هذا الزهد والفقر، والزهد أفضل من الفقر، وهو فقر وزيادة".

وأشار بعضهم إلى أنه يتحقق بحب الفقر واختياره، واختيار الفقر هو الزهد [عوارف المعارف ٤٣٦، قوت القلوب ١/٢٤٧].

الزهد والصبر والشكر:

الصبر في اللغة: التجلد، وأصله الحبس، يقال: صَبَر يصبِر صبْرا: تجلد وحبس نفسه عند الجزع، ويقال: صَبَر على الأمر: احتمله ولم يجزع، وصبر عنه: حبس نفسه عنه، وصبر نفسه حبسها وضبطها.

والشكر: الكشف والإظهار والزيادة، يقال: شَكِرَت الدابة تَشْكَر شَكَرًا على وزن سمنت تسمن سمنًا: إذا ظهر عليها أثر العلف.

والصبر في اصطلاح الصوفية: عرَّفه الإمام ابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١هـ) بأنه: "حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وعبَّر عنه الإمام الغزالي: بأنه ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى، وأشار إلى أن حقيقته وكماله: الصبر عن كل حركة مذمومة، وحركة الباطن أولى بالصبر، ونقل الإمام عبد القادر الجيلاني عن ذي النون المصري (ت: ٢٤٥هـ) أنه قال: "التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحة المعيشة" [لسان العرب، الوسيط، مدارج السالكين: ٢/١٢٩، إحياء علوم الدين: ٤/٦٨، ٧٩، عبد القادر الجيلاني: الفنية لطالبي طريق الحق ٢/١٩٦، مصطفى الحلبي ١٩٥٦م].

والشكر عندهم: الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، وعبَّر عنه الإمام الغزالي بأنه: معرفة النعمة من المنعم، والفرح الحاصل بإنعامه، والقيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه [الرسالة القشيرية:٨٨، إحياء علوم الدين: ٤/٨٦].

والصبر والشكر عند الصوفية قرناء كالخوف والرجاء؛ ولذلك غالبا ما يقرنون بينهما تحت عنوان واحد، فعلى لسانهم أن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، والصبر والشكر حالان، ومقامان متداخلان، يقول أبو طالب المكي: "واعلم أن الشكر داخل في الصبر، والصبر جامع للشكر" ويقول: "وقد يكون الصبر والشكر حالين وقد يكونان مقامين، فمن كان مقامه الصبر كان حاله الشكر عليه، فهو أفضل؛ لأنه صاحب مقام، ومن كان مقامه الشكر كان حاله الصبر عليه، فحاله مزيد لمقامه، فقد صار الصبر مزيدا للشاكر في مقامه " [قوت القلوب: ١/٢٠٠-٢٠١].

وأمّا عن ارتباط الزهد بهما: ففي إشارات الصوفية ما يدل على ذلك:

فهما حقيقة الزهد؛ فقد سُئل الإمام الزهري ما الزهد؟ فقال: من لم يغلب الحرام صبره، ولم يمنع الحلال شكره.

وروي عن أحمد بن أبي الحواري (ت: ٢٣٠هـ) أنه قال: قلت لسفيان بن عيينة (ت: ١٩٨هـ): ما الزهد في الدنيا؟ قال: "من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر" قلت: يا أبا محمد، قد أنعم عليه فشكر، وابتلي فصبر، وجليس النعمة كيف يكون زاهدًا؟ فضربني بيده، وقال: "اسكت، من لم تمنعه النعماء من الشكر، ولا البلوى عن الصبر، فذلك الزهد" [كتاب فيه معنى الزهد: ٥٥، ٥٩، قوت القلوب ١/٢٦٧].

والصبر وجه للزهد؛ وذلك من حيث إن الصبر النفسي الذي هو صبر عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى إن كان عن فضول العيش سمي زهدا ويضاده الحرص [إحياء علوم الدين: ٤/٧٠].

ورأس الزهد؛ فقد روي عن بعضهم أنه قال: "من رضي الدنيا من الآخرة حظًا فقد أخطأ حظ نفسه، والصبر على الدنيا رأس الزهد فيها.

وطريقه: قال المكي: "فمن صبر عن الطمع في الخلق أخرجه الصبر إلى الورع، ومن صبر عن الورع في الدين أدخله الصبر في الزهد".

وحال الزاهدين؛ قال المكي: "ومن الصبر صون الفقر وإخفاؤه، والصبر على بلاء اللّه تعالى في طوارق الفاقات، وهذا حال الزاهدين الراضين".

ورزق الزاهد؛ قال المكي: "واعلم أن الزهد لا ينقص من الرزق ولكنه يزيد في الصبر ويديم الجوع والفقر فيكون هذا رزقا للزاهد من الآخرة" [كتاب فيه معنى الزهد: ٦٦، قوت القلوب: ١/١٩٥، ١٩٨، ٢٦١].

الزهد والرضا:

الرضا في اللغة: ضد السخط، يقال: رضيَه وبه وعنه وعليه رِضًا ورضاءً ورِضوانا: اختاره وقبله.

وفي اصطلاح الصوفية:

قال المحاسبي (ت: ٢٤٣هـ): سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وقال ذو النون المصري: سرور القلب بُمرِّ القضاء، وقال الجنيد: ترك الاختيار، وقال ابن خفيف: سكون القلب إلى أحكامه، وموافقة القلب بما رضي الله به واختاره. [لسان العرب، الوسيط، الرسالة القشيرية: ٩٨، اللمع: ٥٧، التعرف لمذهب أهل التصوف: ١١٩].

والصلة بين الزهد والرضا وثيقة؛ ففي إشارات السادة الصوفية ما يدل على أن الرضا وجه للزهد، أو أصل له أو قرين، أو أنه حال للزاهد.

الزهد وجه للرضا؛ روي عن عبد الله بن عبد العزيز العمري (ت: ١٨٤هـ) والفضيل بن عياض أنهما ذهبا إلى أن الزهد: الرضا.

وقال بعض مشايخ الصوفية: الدنيا ما شغل القلب واهتم به؛ فجعلوا الزهد ترك الاهتمام وطرح النفس تحت تصريف الأحكام، وهذا هو التفويض والرضا، ونقل أبو طالب المكي عن بعضهم أن الزهد إنما هو ترك التدبير والاختيار، والرضا والتسليم لاختياره شدة كان أو رخاء.

ويجمع التوكل والرضا، وقرين للرضا، قال المكي: "شرف الحَسَن الذي رفض الدنيا على الذي طلبها فأصابها، فوصل بها رحمه وقدم بها لنفسه" لأن مقام الزهد يجمع التوكل والرضا، وأشار إلى أن التوكل يجمع المقامين الزهد والرضا؛ استنادًا إلى ما جاء في الأثر: أن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد اللّه أوثق منك بما في يدك، وقال: "هذا هو التوكّل" ثم قال: "وأن يكون ثواب المصيبة أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك" وقال: "هذا هو الرضا والزهد، فقد جمع التوكل المقامين معا".

والرضا حال الزاهد؛ قال أبو طالب المكي: "والرضا باليسير من الأشياء حال من الزهد" [كتاب فيه معنى الزهد: ٥٧، طبقات الصوفية: ٩، قوت القلوب: ١/٢٥٠، ٢٦٧، ٢٦٩، ٢/٧]

الزهد والتوكل:

التوكل في اللغة: مشتق من الوكالة، وَكَل إليه الأمر وَكْلًا: سلمه وفوضه إليه، وَكَلَ بالله وتوَكَّل على الله: استَسْلم إِليه.

وفي اصطلاح الصوفية: قال ذو النون المصري: "ترك تدبير النفس، والانخلاع من الحول والقوة" وقال الهروي: "كلة الأمر إلى مالكه، والتعويل على وكالته" [لسان العرب، الوسيط، الرسالة القشيرية:٨٣، مدارج السالكين: ٢/١٠٥].

وصلة الزهد بالتوكل وثيقة، فالزهد يشبه التوكل، وقد عقد أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب مبحثا تحت عنوان: "ذكر تشبيه التوكل بالزهد" قال فيه: "اعلم أنّ التوكل لا ينقص من الرزق شيئا، ولكنه يزيد في الفقر ويزيد في الجوع والفاقة، فيكون هذا رزق المتوكّل، ورزق الزاهد من الآخرة على هذا الوصف المخصوص، من حرمان نصيب الدنيا، وحمايته عن التكاثر منها والتوسع فيها، فيكون التوكل والزهد سبب ذلك، فيكون ما صرفه عنه من الدنيا زيادة له في الآخرة من الدرجات العلى" [قوت القلوب: ٢/٢٨].

وفي إشاراتهم ما يدل على تداخل الزهد والتوكل، وأن الزهد يحقق التوكل:

قال أبو طالب المكي: "فالزهد يدخل في التوكل" ونقل قول سهل (ت: ٢٨٣هـ): "الزهد كلّه باب من التوكّل" وقوله: "أول الزهد التوكل".

وقال أبو سليمان الداراني: "آخر أقدام الزاهدين أول أقدام المتوكلين" [المصدر السابق: ١/٢٥٢، ٢/٣، طبقات الصوفية:٢١].

 وقال السهروردي: "فإذا صح زهد العبد صح توكله أيضا؛ لأن صدق توكله مكنه من زهده في الموجود" وقال: "والزاهد يتحقق فيه التوكل؛ لأنه لا يزهد في الموجود إلا لاعتماده على الموعود، والسكون إلى وعد الله تعالى هو عين التوكل" [عوارف المعارف: ٤٣٥-٤٣٦].

وبعضهم أشار إلى أن التوكل شرطٌ في الزهد؛ فقد روي عن أويس القرني t أنه قال: "إذا خرج الزاهد يطلب ذهب الزهد عنه" وقد علَّق عليه الإمام الغزالي في الإحياء قائلًا: "ما قصد بهذا حد الزهد، ولكنه جعل التوكل شرطا في الزهد" [إحياء علوم الدين: ٤/٢٤٢]

الزهد والإخلاص:

الإخلاص في اللغة: خَلَصَ يَخْلُص خُلُوصا: صفا وزال شَوْبه، وأَخْلَصَ الشيءَ صفّاه ونقاه من شوبه، وأَخْلَص للّه دِينَه: أَمْحَضَه.

وفي اصطلاح الصوفية: إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد.

ومعناه: أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصنُّع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس ونحو ذلك، وقال رويم: "ارتفاع رؤيتك من الفعل" وقال الهروي: "تصفية العمل من كل شوب" [لسان العرب، الوسيط، الرسالة القشيرية: ١٠٤، التعرف لمذهب أهل التصوف:١١٦، مدارج السالكين: ٢/٧٧].

والصلة بين الزهد والإخلاص وثيقة، فالزهد حقيقة الإخلاص، والإخلاص وجه له، ويدل على ذلك عبارات المشايخ فقد روى أبو طالب المكي عن بعضهم: أنه ذهب إلى أن الزهد هو المراقبة والمراقبة هي الإخلاص، وقال: "وذهبت طائفة إلى أن الزهد في الدنيا فريضة على المؤمنين؛ لأن حقيقة الإخلاص هو الزهد عندهم فأوجبوه من حيث أوجبوا على المؤمنين الإخلاص" ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: "الإخلاص هو الزهد" [قوت القلوب: ١/٢٦٨]

والإخلاص وجه من ثلاثة أوجه للزهد؛ فقد روي عن بعضهم أنه أشار إلى أن الزهد على ثلاثة أوجه:

أولها: أن تخلص العمل لله والقول، فلا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني: ترك ما لا يصلح، والعمل بما يصلح، والثالث: الحلال أن تزهد فيه، وهو تطوع، وهو أدناه.

وقيل: "أفضل الأعمال ما أريد به وجه الله".

وقد علَّق عليه أبو سعيد بن الأعرابي (ت: ٣٤١هـ) فقال: "هذا من الزهد، وهو داخل في باب الإخلاص، ولا بد من الإخلاص في الزهد في كل شيء". [كتاب فيه معنى الزهد: ٦٤، ٧٤]

الزهد والإحسان:

الإحسان في اللغة: ضد الإساءة، يقال: أحسن الشيء إذا أجاد صنعه وأتقنه، وأحسن إليه وبه: فعل ما هو حسن.

وفي التنزيل العزيز: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: ٩٠].

وفي الاصطلاح: فسَّره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». [الراغب الأصفهاني: معجم مفردات القرآن الكريم، لسان العرب، والوسيط، حديث سؤال النبي-صلى الله عليه وسلم- متفق عليه: صحيح البخاري ٤٩، صحيح مسلم ٨ مكرر]

وعند الصوفية: المراقبة؛ فإن الإحسان عندهم اسم لمقام يكون العبد فيه ملاحظًا لآثار أسماء الحق وصفاته، فيتصور في عبادته كأنه بين يدي الله تعالى [عبد الكريم الجيلي: الإنسان الكامل ٢/١٤٠، مصطفى الحلبي، ط/٤-١٩٨٠].

والمراقبة عندهم: علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه، واستدامته لهذا العلم، وقد عبَّر بعضهم عن حقيقة المراقبة بأنها ملاحظة الرقيب ودوام النظر بالقلب إليه، وانصراف الهم إليه، ومراقبة ما يبدو من أفعاله وأحكامه [الرسالة القشيرية: ٩٥ بشرح الأنصاري، إحياء علوم الدين: ٢/٤٢٢]

أما صلة الزهد بالإحسان فهي وثيقة وقوية، فقد سَمَّى الله تعالى الزاهدين محسنين ووضع عنهم السبيل فقال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: ٩٣].

وعلى هذا المعنى جاء تفسير قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف ٧]: قيل: أَزْهد في الدنيـــا، فصار الإحســان مقام الزاهدين، وهو وصف اليقين.

كذلك فسره الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما سئل ما الإحسان؟ فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه» يعني: على اليقين.

ولهذا أكد الصوفية أن الزهد حال الموقن؛ لأنه مقتضى يقينه.

وقد اشترطوا الزهد في مقام الإحسان؛ لأن من شرط المراقب لله تعالى أن لا يلتفت إلى الدنيا [قوت القلوب: ١/٢٤٢، الإنسان الكامل: ٢/١٤١].

جمهور الصوفية على أن الزهد على درجات هي أصناف له حسب تعلقه بالحكم التكليفي، وأن أوله هو الزهد في الحرام، ويليه في الرتبة الزهد في المباح، وأعلى مراتبه الزهد في الفضول، والفضول كل مالك فيه غنى.

وقد عبر السادة الصوفية عن درجات الزهد بإشارات متنوعة:

فقد روي عن إبراهيم بن أدهم (ت: ١٦١هـ) أنه قال: "الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، والفرض: الزهد في الحرام، والفضل: الزهد في الحلال، والسلامة: الزهد في الشبهات".

وقال أبو عثمان الحيري: "الزهد في الحرام فريضة، وفي المباح فضيلة، وفي الحلال قربة".

وروي عن الإمام أحمد ابن حنبل، أنه قال: "الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل عن الله تعالى وهو زهد العارفين".

وكذلك الإمام أبو طالب المكي رتبه في ثلاث درجات، سماها: زهد المسلمين وزهد الورعين وزهد الزاهدين.

والإمام الهروي صنَّفه بحسب أحوال الزاهدين ثلاثة أصناف: زهد قربة وهو للعامة، وزهد ضرورة وهو للمريد، وزهد خشية وهو للخاصة، مرتبة في ثلاث درجات: الأولى: الزهد في الشبهة، والثانية الزهد في الفضول، والثالثة وهي العليا: الزهد في الزهد [كتاب فيه معنى الزهد: ٥٨، طبقات الصوفية: ٤٠، الرسالة القشيرية: ٦٢].

الزهد في الزهد:

يطلق الزهد في الزهد عند جمهور الصوفية في الذي يزهد في زهده فلا يراه ولا ينظر إليه، وذلك من حيث إنه عرف أن الدنيا لا شيء، وقد أخرجها من قلبه ويده، فلا يرى أنه ترك شيئا.

وقد نقل ابن الأعرابي عن جماعة من الصوفية قولهم: "إن أول الزهد إخراج قدرها من القلب، وآخره خروج قدرها حتى لا يقوم لها في القلب قدر، ولا يخطر ببال رغبة فيها ولا زهد فيها".

وقد علَّق عليه أبو طالب المكي قائلًا: "وهذا لعمري هو الزهد في الزهد؛ لأنه زهد، ثم لم ينظر إلى زهده، فَزَهِدَه إذ لم ير شيئا؛ لأنه زهد في لا شيء" [كتاب فيه معنى الزهد: ٧٦، قوت القلوب: ١/٢٦٧].

وقد قيل: لما رأوا حقارة الدنيا زهدوا في زهدهم في الدنيا لهوانها عندهم.

وقال الشبلي: "الزهد: غفلة؛ لأن الدنيا لا شيء، والزهد في لا شيء غفلة".

ويطلق الزهد في الزهد في الذي يزهد في نفسه، حيث إن نفسه ماتت عن جميع حظوظها، وعن كل طمع حتى عن روحه، ولم يبق له ما يزهد فيه، فزهد في نفسه، وتعلق بربه ولم يشغله عنه شيء [كتاب فيه معنى الزهد: ٧٦، قوت القلوب: ١/٢٦٧].

والزهد في الزهد هو الدرجة الرابعة للزهد حسب قوته عند بعض مشايخ الصوفية، وهي أعلى درجات الزهد، وقد عبَّر بعضهم عن فضله، فقال أبو طالب المكي: "وهو أعز الأحوال في مقامات اليقين، وهو الزهد في النفس، لا الزهد لأجل النفس، ولا للرغبة في الزهد للزهد، وهذه مشاهدة الصديقين، وزهد المقربين عند وجد عين اليقين" [قوت القلوب: ١/٢٥٠].

وقال الشيخ عماد الدين الأموي الإسنوي (ت: ٧٦٤هـ) في حياة القلوب: "وهو زهد الغني، فإنه للأنبياء أيضا، ولمن اصطفاه الله تعالى من أتباعهم..، وهو أعسر حالات الزهد وأشقها وأجلها وأعظمها"..

وقال ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين: "فهذا زهد الخاصة" [حياة القلوب: ٢/١٣٠، مدارج السالكين ٢/١٨] وجعله بعضهم درجة ثالثة وأخيرة للزهد، فالإمام الهروي في منازل السائرين صنَّف الزهد في ثلاث درجات؛ جعل الثالثة والعليا منه: الزهد في الزهد، وذهب إلى أنه يتحقق بثلاثة أشياء:

١.    استحقار ما زهد فيه.

٢.    استواء الحالات فيه عنده، بحيث يستوي عنده ترك ما زهد فيه وأخذه.

٣.  الذهاب عن شهود الاكتساب، ناظرًا إلى وادي الحقائق، بمعنى: أنه لا يرى أنه اكتسب بزهده درجة عند الله، أو بمعنى أنه يشاهد الباري تعالى بالعطاء والمنع، فلا يرى أنه ترك شيئا ولا أخذ شيئا، بل الله تعالى هو المعطي المانع، فيذهب بمشاهدة الفعال وحده عن شهود كسبه وتركه، فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي الحقيقة غاب عن شهود اكتسابه، وهو معنى قوله: "ناظرا إلى وادي الحقائق.

وكذلك الإمام الغزالي جعله في الدرجة الثالثة وهي العليا: أن يزهد في زهده، فلا يرى زهده؛ إذ لا يرى أنه ترك شيئا، وقال هذا هو الكمال في الزهد وسببه كمال المعرفة [المصدر السابق: ٢/١٤-١٨، إحياء علوم الدين: ٢/٢٣٩-٢٤٠].

الزهد في الزهد عند السهروردي:

يرى الإمام السهروردي في عوارف المعارف معنى آخر للزهد في الزهد غير ما ذكرناه، حيث يقول: "وعندي أن الزهد في الزهد غير هذا، (إشارة إلى الذين زهدوا في الدنيا لحقارتها عندهم، وزهدوا في زهدهم لهوان المزهود فيه) وإنما الزهد في الزهد بالخروج من الاختيار في الزهد؛ لأن الزاهد اختار الزهد وأراده، وإرادته تستند إلى علمه، وعلمه قاصر، فإذا أقيم في مقام ترك الإرادة، وانسلخ من اختياره، كاشفه الله تعالى بمراده، فيترك الدنيا بمراد الحق لا بمراد نفسه، فيكون زهده بالله تعالى حينئذ، أو يعلم أن مراد الله تعالى منه التلبس بشيء من الدنيا، فما يدخل بالله في شيء من الدنيا لا ينقص عليه زهده، فيكون دخوله في الشيء من الدنيا بالله وبإذن منه زهدًا في الزهد، ويرى أن الزاهد في الزهد يستوي عنده وجود الدنيا وعدمها، إن تركها تركها بالله، وإن أخذها أخذها بالله، وقال: "وقد رأينا من العارفين من أقيم في هذا المقام" [عوارف المعارف: ٤٤٢].

الزهد في زهد الزهد:

   وهو ما يسمى بالزهد الثالث، وقد أشار الإمام السهروردي إلى أنه مقام آخر في الزهد فوق مقام الزهد في الزهد، وقال: "وهو لمن يرد الحق إليه اختياره لسعة علمه وطهارة نفسه في مقام البقاء، فيزهد زهدًا ثالثًا، ويترك الدنيا بعد أن مكن من ناصيتها، وأعيدت عليه موهوبة، ويكون تركه الدنيا في هذا المقام باختياره، واختياره من اختيار الحق، فقد يختار تركها حينًا تأسيًا بالأنبياء والصالحين، ويرى أن أَخْذَها في مقام الزهد رفق أدخل عليه لموضع ضعفه عن درك شأو الأقوياء من الأنبياء والصديقين، فيترك الرفق من الحق بالحق للحق، وقد يتناوله باختياره رفقا بالنفس بتدبير يسوسه فيه صريح العلم، وهذا مقام التصرف لأقوياء العارفين". [المصدر السابق:٤٤٢-٤٤٣]

نهاية مقام الزهد:

ذهبت طائفة من الصوفية إلى أنه لا نهاية للزهد؛ لأنه يقع عن نهاية معارفهم بدقائق أبواب الدنيا، وجمهور الصوفية على أن مقام الزهد له أول وله آخر، وتدل إشاراتهم على ذلك، ومنها:

قال أبو سليمان الداراني: "الورع أول الزهد" وقال: "آخر أقدام الزاهدين أول أقدام المتوكلين" وكان سهل يقول: "أول الزهد التوكل وأوسطه إظهار القدرة" وكان يقول: "أقصى مقام في الورع أدنى مقام من الزهد" وسئل حاتم الأصم (ت: ٢٣٧هـ) عن الزهد؟ فقال: "أوله الثقة، وأوسطه الصبر، وآخره الإخلاص".

وقال أبو طالب المكي: "وأوّل الزهد دخول غمّ الآخرة في القلب" ونقل عن بعضهم: أن نهاية الزهد أن تزهد في كل شيء. [قوت القلوب: ١/٢٤٩، ٢٥٢، ٢٦٥، ٢٦٨، كتاب فيه معنى الزهد: ٦٣، طبقات الصوفية: ٢١].

متعلق الزهد:

يتوقف العلم بحقيقة الزهد على العلم بمتعلقه، ومتعلقه هو المرغوب عنه المزهود فيه، وهو في التفصيل أشياء كثيرة، قال الإمام الغزالي في الإحياء: "ولعل المذكور فيه يزيد على مائة قول". [إحياء علوم الدين: ٤/٢٤١].

ويرجع ذلك إلى تعدد الأقوال في حقيقة الدنيا؛ إذ هي متعلق الزهد، ومن هذه الأقوال:

قال الفضيل بن عياض: "الزهد هو القناعة فكانت الدنيا عنده هي الحرص والشره" وقال سفيان الثوري: "هو قصر الأمل" فكانت الدنيا عنده طول الأمل، وقال بعضهم: "الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف، بقدر ما تملك من بطنك كذلك تملك من الزهد" فكانت الدنيا عنده الشبع وأكل الشهوات، وكان أبو سليمان الداراني يقول: "الدنيا كلّ ما يشغلك عن اللّه تعالى" فكان الزهد عنده التفرغ للّه تعالى، وقال بشر بن الحارث: "الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس". [قوت القلوب: ١/٢٥٢].

هذه الأقوال ونظائرها ليست متخالفة، وإنما تتفاوت بالإجمال والتفصيل.

وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أصناف المشتهيات ووصف حبها بالتزين، وأشار إلى أن حبها إنما هو متاع الحياة الدنيا.

قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: ١٤] وفي آية أخرى جمع الله تعالى المشتهيات في خمسة أصناف، فقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [الحديد: ٢٠] وفي آية أخرى ردها تعالى إلى اللعب واللهو، فقد قال تعالى:  {إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٌ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ} [محمد: ٣٦] وفي آية أخرى ردها الله تعالى إلى الهوى؛ فقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: ٣٧-٤١] والهوى لفظ يشمل جميع حظوظ النفس في الدنيا، فينبغي أن يكون الزهد فيه. [قوت القلوب: ١/٢٤٥-٢٤٦، إحياء علوم الدين: ٤/٢٤١].

أصناف الزهد وعلاماته وتعريف المتزهد

أصناف الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه ودرجاته:

يتنوع الزهد بحسب المرغوب فيه، ويتفاوت الزهاد في مقاماتهم لأي شيء زهدوا إلى أصناف متفاوتة، فمنهم من زهد خوفا من اللّه تعالى، ومنهم من زهد رجاء موعود اللّه تعالى، ومنهم من زهد حياء من اللّه تعالى، ومنهم من زهد حبّا للّه تعالى.

وقد صنَّف الإمام الغزالي الزهد حسب المرغوب فيه ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: زهد الخائفين، وهو أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار، ومن سائر الآلام كعذاب القبر، ومناقشة الحساب، وخطر الصراط، وسائر ما بين يدي العبد من الأهوال.

والثاني: زهد الراجين، وهو أن يزهد رغبة في ثواب الله ونعيمه، واللذات الموعودة في جنته من الحور والقصور وغيرها.

والثـالـث: زهـد المحبـيـن، وهـو أن لا يكون له رغبة إلا في الله وفي لقائه، فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها، ولا إلى اللذات ليقصد نيلها والظفر بها، بل هو مستغرق الهم بالله تعالى.

والصنف الأول من الأصناف المذكورة هو أدنى درجات الزهد بحسب المرغوب فيه، وهو زهد الخائفين، وهؤلاء كأنهم رضوا بالعدم لو أعدموا، فإن الخلاص من الألم يحصل بمجرد العدم، والثالث هو أعلى الدرجات وهو زهد المحبين، وهم العارفون؛ لأنه لا يحب الله تعالى إلا من عرفه. [إحياء علوم الدين: ٤/٢٤٠-٢٤١].

علامات الزهد:

يكاد يجمع السادة الصوفية على أن أظهر علامات الزهد: قصر الأمل في الدنيا؛ فقد روي عن سفيان الثوري وأحمد ابن حنبل وغيرهما: أن الزهد في الدنيا إنما هو قصر الأمل، وقد حمل القول المذكور على أنه من أمارات الزهد، والأسباب الباعثة عليه والمعاني الموجبة له.

وروي عن شاه الكرماني (ت: ٣٠٠هـ) أنه قال: "علامة الزهد قصر الأمل". [الرسالة القشيرية: ٦١، طبقات الصوفية ص٤٥].

وقد جاء في إشارات السادة الصوفية علامات متنوعة للزهد والزهاد:

فقد روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: "علامة الزهد في الدنيا: الزهد في الناس" وسئل شقيق البلخي (ت: ١٩٤هـ) ما علامة صدق الزاهد؟ فقال: "أن يفرح بكل شيء فاته من الدنيا، ويغتم لكل شيء حصل له منها" وعند يحيي بن معاذ: "علامة الزهد: السخاء بالموجود، وعمل بلا علاقة، وقول بلا طمع، وعز بلا رئاسة" وقال ابن خفيف: "علامة الزهد: وجود الراحة في الخروج من الملك".

وقد جمع الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى -علامات الزهد الباطنة في ثلاث:

١- أن لا يفرح بموجود، ولا يحزن على مفقود، وهي علامة الزهد في المال.

٢- أن يستوي عنده ذامه ومادحه، وهي علامة الزهد في الجاه.

٣- أن يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة.

وردها إلى واحدة هي: استواء الفقر والغنى والعز والذل والمدح والذم، وذلك لغلبة الأنس بالله. [كتاب فيه معنى الزهد: ٦٢، الرسالة القشيرية: ٦١، إحياء علوم الدين: ٤/٢٥٦-٢٥٧]

المتزهد:

المتزهد: هو الذي يقيم زهده بلسانه دون عمل، ويكثر من ذم الدنيا عند أصحابها مع رغبته في مالهم، قال شقيقٌ البلخي: "الزاهد: الذي يقيمُ زُهْدَه بفعله، والمُتَزَهِّدُ الذي يقيمُ زُهدَه بِلِسانهِ" وروي عن يوسف بن الحسين الرازي أنه قال: "أَرْغَبُ النَّاسِ في الدُّنيا أكثرُهُم ذَمًّا لها عِنْد أبنائها؛ لأَنَّ المذمَّةَ لها حِرْفَه عندهم". [طبقات الصوفية: ١٨، ٤٤].

وقد جعل بعضهم للمتزهد مقاما في الزهد من وجه؛ وذلك من حيث إنه يعمل في أسبابه من التقلل، ويحمل على نفسه بالزهد؛ قال أبو طالب المكي: "التزهد: أن يعمل في أسباب الزهد ليحصل الزهد، وذهب إلى أن المتزهد غير الزاهد، وهو الذي يتصنع للزهد ويعمل في أسبابه من التقلّل ورثاثة الحال في كل شيء، فمثله مثل المتصبر الذي يكون له مقام من الصبر". [قوت القلوب: ١/١٩٩، ٢٥١].

وبعضهم جعل التزهد الدرجة الأولى من الزهد، وجعله مبدأ الزهد من وجه؛ فقد قال الإمام الغزالي: "اعلم أن الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوته على درجات ثلاث: الدرجة الأولى وهي السفلى منها: أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة، ولكنه يجاهدها ويكفها، وهذا يسمى المتزهد، وهو مبدأ الزهد في حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد...، والمتزهد على خطر، فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا، وإلى الاستراحة بها في قليل أو كثير". [إحياء علوم الدين: ٤/٢٣٩].

الخلاصة

 الزهد هو السمة العامة للمسلمين في القرون الأولى، وقد تحقق في أسمى صوره في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام وتابعيهم، مقام الزهد له مكانة عظيمة في ديننا،وله علاقة وثيقة ببقية المقامات والأحوال الأخرى مثل علاقته بمقام الإحسان، ومقام الإخلاص، ومقام التوكل، ومقام الرضا، ومقام الشكر، ومقام التواضع.  والزهد أساس العبادة والطاعة، فبه يستعان على العبادة والطاعة وأخلاق الإيمان كلها، والزهد عند الصوفية مقام شريف من مقامات اليقين، وهو أساس الأحوال والمقامات، وهو أول قدم القاصدين إلى الله.

موضوعات ذات صلة

التصوف هو بُعد روحي وأخلاقي في التجربة الإسلامية، يعبر عن نزعة الإنسان نحو السمو على المادة والسعي إلى الصفاء الروحي.

التوبة: هي أساس التطهير الروحي والارتقاء في درجات القرب الإلهي، ورؤية السادة الصوفية للتوبة شاملة.

تعتبر الخشية من أعلى الدرجات التي يمكن أن يصل إليها العبد، وتقترن بالرجاء في رحمة الله تعالى

موضوعات مختارة