الزهد أساس العبادة والطاعة، فبه يستعان
على العبادة والطاعة وأخلاق الإيمان كلها؛ ولذلك جرى على لسان المشايخ القول بأن
من لم يحكم أساسه في الزهد لم يصح منه شيء مما بعده.
وبهذا أشار الأئمة والمشايخ، فقد نقلوا
عن أبي واقد الليثي (ت: ٦٨هـ) أنه قال: "تابعنا الأعمال فلم نجد
شيئا أبلغ في طلب الآخرة من الزهد في الدنيا" وأنه قال: "ما وجدنا شيئا أعون على أخلاق
الإيمان من الزهادة".
وقال عبد الله بن
المبارك: "ما رأيت شيئا يقوى به على العبادة مثل الجوع والزهادة".
وكان بشر بن الحارث يقول: "لا تحسن التقوى
إلا بزهد" وسئل معروف الكرخي (ت: ٢٠٠هـ) عن الطائعين بأي
شيء قدروا على الطاعة؟ فقال: "بإخراج الدنيا من قلوبهم" [كتاب فيه معنى الزهد: ٧٩ – ٨٠، قوت القلوب:
١/٢٥٦، طبقات الصوفية: ٢٢].
ونقل أبو طالب المكي (ت: ٣٨٦هـ) عن بعضهم: "ليس
عمل من أعمال البر يجمع الطاعات كلها إلا الزهد في الدنيا" [قوت القلوب: ١/٢٤٣].
والزهد عند الصوفية مقام
شريف من مقامات اليقين، وهو أساس الأحوال والمقامات، وهو أول قدم القاصدين إلى
الله، وصلته وثيقة بمقامات السالكين وأحوالهم وأخلاق الإيمان كلها، فهو يقتضي
بعضها، وبعضها يقتضيه، وهو حال لبعضها، وبعضها حال له، وهو شرط لبعضها وبعضها شرط
له، وهو ركن في بعضها، وبعضها وجه له، وبالجملة فهو كمال مراتب السلوك، وبه تتحقق
سائر المقامات.
قال السهروردي (ت: ٦٣٢هـ): "وكلما بقي
على العبد بقية في تحقيق المقامات كلها بعد توبته يستدركه بزهده في الدنيا" [الرسالة القشيرية: ٨١].
الزهد والقناعة:
القناعة في اللغة: الرضا بالقَسْم، يقال:
قَنِعَ قَنَعا وقَناعة: رضي بما أعطى.
وفي اصطلاح الصوفية: قال الإمام أبو عبد الله بن
خفيف (ت: ٣٧١هـ): "ترك التشوف إلى المفقود، والاستغناء بالموجود" وقيل: "السكون عند عدم المألوفات" [قوت القلوب: ١/٢٥١، كتاب فيه معنى الزهد. [الراغب الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة ١٦٥، طبعة الكليات الأزهرية، ط
١/١٩٧٣م].
وعلى هذا فالصلة بين الزهد
والقناعة وثيقة، فهما يتقاربان معنى؛ فالقناعة: الرضا بما دون الكفاية، والزهد:
الاقتصار على الزهيد، وهما يتقاربان، لكن القناعة تقال اعتبارا برضا النفس، والزهد
يقال اعتبارًا بالمتناول لحظ النفس، بل إن القناعة طرف من الزهد وأساس له، فإنه لا
يصح الزهد إلا لمن أعرض عن الدنيا وقنع منها بالكفاف، وعلى لسان الصوفية: القناعة
أول باب الزهد، تنبيهًا على أن العبد يحتاج أولًا إلى قمع نفسه، والتحصن بالقناعة
ليسهل له الزهد.
بل يشير بعضهم إلى أن
القناعة وجه للزهد، فقد روي عن الفضيل بن عياض أنه حينما سئل ما الزهد في
الدنيا؟ قال: "هو القناعة، وهو الغنى" [لسان العرب، التعريفات، مدراج السالكين: ٢/٢١].
الزهد والورع:
الورع في اللغة: التَّحَرُّجُ والتوقي عن
المحارم، والرجل الورع: التقي المُتَحَرِّجُ.
وفي اصطلاح الصوفية: عرفه السيد الجرجاني (ت: ٨١٦هـ) بأنه: "اجتناب
الشبهات خوفا من الوقوع في المحرمات" وعبر عنه الإمام الهروي بأنه توق مستقصى على حذر، وتحرج على تعظيم" [لسان العرب، التعريفات، مدراج السالكين: ٢/٢١].
وللسادة الصوفية إشارات في
الورع تبدأ من ترك الشبهات إلى ترك الفضول إلى التورع عن أن يتشتت القلب من الله
طرفة عين.
والصلة بين الورع والزهد
وثيقة على ما جاء في إشارات السادة الصوفية، فالورع أول الزهد، وطرف منه، وهو يقتضي الزهد، ويوصل إليه، فقد قال أبو سليمان
الداراني: "الورع
أول الزهد، كما أن القناعة طرف من الرضا" وقال أبو نصر السراج
الطوسي (ت: ٣٧٨هـ): "الورع يقتضي الزهد" وقال أبو زكريا يحيي بن
معاذ الرازي (ت: ٢٥٨هـ): "كيف
يكون زاهدًا من لا ورع له! تورع عما ليس لك ثم ازهد فيما لك".
بل في إشاراتهم ما يفيد أن
الورع وجه للزهد، فقد جاء عن بعضهم أن الزهد: ترك ما لا يعني من الأشياء كلها،
واستعمال ما يعني [كتاب فيه معنى الزهد: ٦٣، ٦٦، اللمع: ٥٠، طبقات الصوفية:
٢٦].
وفي بعض إشاراتهم: الزهد
أعظم من الورع؛ وذلك من حيث إن الزهد قطع الكل، والورع اتقاء، وفي بعضها: أقصي
مقام الورع أدنى مقام من الزهد، وفي كلام بعضهم: "الورع أكمل من الزهد من
وجه، والزهد أكمل من وجه" وعند بعضهم الورع آخر مقام الزهد للعامة وأول مقام الزهد للمريد [الإمام
الشعراني: الطبقات الكبرى: ١/٢٣٧ المكتبة التوفيقية، قوت القلوب: ١/٢٦٨، مدارج
السالكين: ٢/٢١].
الزهد والتواضع:
التواضع في اللغة: التذلل
والتخاشع، وفي اصطلاح الصوفية: قال الجنيد: "هو خفض الجناح وكسر (لين)
الجانب".
وللسادة الصوفية إشارات إلى
التواضع من حيثيات متنوعة:
فقد
قال رويم: "التواضع تذلل القلوب لعلام الغيوب، ونقل عن الفضيل بن عياض أنه قال: "أن تخضع
للحق وتنقاد له، وتقبل الحق من كل من تسمعه". [لسان العرب،
الوسيط مادة وضع التعرف لمذهب أهل التصوف: ١١٣، عوارف المعارف: ٢١٨، طبقات
الصوفية:٩] وللزهد صلة قوية بالتواضع، ولمشايخ الصوفية إشارات تدل على أنه أساس الزهد
أو أنه وجه له، أو قرين، أو أنه قسم منه، أو أنه سلوك للزاهد، فقد روي عن بعضهم أنه
قال: "الزاهد بغير تواضع كالشجرة التي لا تثمر" وروي عن الحسن البصري أنه قال: "الزاهد هو
الذي إذا رأى أحدًا قال هذا أفضل مني" وقد علَّق عليه الإمام أبو طالب المكي قائلا: "فذهب إلى أن الزهد هو
التواضع" وأشار الإمام الغزالي بأن هذا تواضع ونفى الجاه
والعجب، وهو بعض أقسام الزهد. [قوت القلوب: ١/٢٦٧، إحياء علوم الدين: ٣/٣٦١]
الزهد والجود والسخاء:
الجود في اللغة: السخاء والبذل، وكل واحد من الجود والسخاء
يستعمل في موضع الآخر.
والجود صفة وخلق، والسخاء
غريزة، بدليل أنهم صاغوا الفاعل من السخاء والشح على بناء الأفعال الغريزية
فقالوا: سخي وشحيح، وفي الجود والبخل قالوا: جواد وباخل. [لسان العرب، القاموس
المحيط للفيروزآبادي، المعجم الوسيط، الذريعة ٢١٧].
وفي اصطلاح الصوفية: قال الإمام القشيري: "حقيقة الجود: أن لا
يصعب عليه البذل".
والسادة الصوفية يستعملون
الجود في معنى السخاء، والسخاء في معنى الجود، إلا أن السخاء عندهم في مرتبة أولى فوقها
الجود، وفوق الجود الإيثار [الرسالة القشيرية: ١٢٣].
وبين الزهد والجود والسخاء
صلة قوية؛ فعلامة الزهد السخاء بالموجود، والزهد وجه للجود والسخاء، وذلك من حيث
إن إنفاق المال هو الإعراض عن السعادة المحبوبة إلى النفس المسمى بالزهد.
ثم إن الزاهد لا يصح زهده
إلا إذا أخرج ما كان موجودا عنده مع خلوّ قلبه منه، فلا يصح الزهد فيه مع تبقيته
للنفس، فإن تبقيته دليل الرغبة فيه، والرغبة تنافي الزهد، ومن أمسك الشيء -وإن
أظهر الزهد فيه -فلا مقام له في الزهد.
والجود أول الزهد ووصف
الزاهد؛ أشار إلى ذلك المشايخ:
قال الإمام أبو طالب المكي: "لا يكون البخيل
زاهدا؛ لأن أول الزهد الجود، وقال: "فالسخاء وصف الزاهد، ولا يكون الزاهد إلا
سخيّا، والبخل وصف الراغب، ولا يكون الحريص إلا بخيلًا، ولا يكون البخيل زاهدًا؛
لأن الزهد يدعو إلى إخراج الشيء، والبخل يدعو إلى إمساكه، فنفس السخاء زهد، فلذلك
ذمّ البخل لأنه رغبة في الدنيا" [قوت القلوب: ١/١١٠،
٢٥١].
الزهد والفقر:
الفقر في اللغة: الحاجة والعَوَز.
وفي اصطلاح الصوفية: حقيقته ألا
يستغني إلا بالله، ورسمه: عدم الأسباب كلها وقد عبَّر عنه بعضهم بأنه: اسم للبراءة
من الملكة، وعند بعضهم: ألا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء، بحيث تكون كلك لله [لسان العرب،
الوسيط، الرسالة القشيرية: ١٣٤، مدارج السالكين:٢/٣٥٤، ٣٥٧].
وللسادة الصوفية إشارات متنوعة إلى حقيقة الفقر،
ونعت الفقير الصادق، من ذلك:
سُئِل أبو الحسن النُّوري (ت: ٢٩٥هـ) عن الفقير
الصادق؟ فقال: "الذي لا يتهم الله تعالى في الأسباب، ويسكن إليه في كل حال" وقال: "نعت الفقير السكون عند العدم، والبذل
والإيثار عند الوجود" وسُئل أبو محمد رويم عن حقيقة الفقر، فقال: "أخذ
الشيء من جهته، واختيار القليل على الكثير عند الحاجة" وقال: "الفقر عدم كل موجود، وترك كل مفقود".
وسُئل يوسف بن الحسين
الرازي (ت: ٣٠٤هـ) عن الفقير الصادق فقال: "من آثر وقته، فإن كان فيه تطلع
إلى وقت ثان لم يستحق اسم الفقر" [التعرف لمذهب أهل
التصوف:١١٢، طبقات الصوفية: ٣٩، ٤٢، ٤٤].
وعلى ما ذكرنا من إشارات
يظهر ارتباط الزهد بالفقر واقترانه به، بل أشار مشايخ الصوفية إلى معانقة الزهد
للفقر واستناده إليه؛ فقد قال السراج الطوسي: "الزهد يقتضي معانقة الفقر
واختياره" وأشار أبو طالب
المكي إلى أن الفقير الذي لا شيء يوجد له يتحقق له مقام من الزهد في المعدوم إذا
قام بشرطه؛ وهو أن لا يحب وجود الشيء ولا يأسى على فقده، أو يكون مغتبطًا بعدمه
مسروًرا بفقره، وأن من كان بهذا الوصف حسب له جميع ذلك زهدا وكان له بأحد هذه
المعاني ثواب الزاهدين وإن لم يكن للدنيا واجدًا، وهذا زهد الفقراء الصادقين، وهو
التحقق بالفقر.
وقال: "والفقر باب
الآخرة وأصل الزهد والتواضع المحمود" [اللمع:
٥١، قوت القلوب: ١/٢٤٩، ٢/١٩٤].
وهو فقر وزيادة، أشار
السهروردي إلى أن الزهد يجتمع مع الفقر، وأنه فقر وزيادة، فقال: "فإذا تاب
توبة نصوحا، ثم زهد في الدنيا حتى لا يهتم في غدائه لعشائه، ولا في عشائه لغدائه،
ولا يرى الادخار، ولا يكون له تعلق هم بغد، فقد جمع في هذا الزهد والفقر،
والزهد أفضل من الفقر، وهو فقر وزيادة".
وأشار بعضهم إلى أنه يتحقق
بحب الفقر واختياره، واختيار الفقر هو الزهد [عوارف المعارف ٤٣٦، قوت
القلوب ١/٢٤٧].
الزهد والصبر والشكر:
الصبر في اللغة: التجلد، وأصله الحبس،
يقال: صَبَر يصبِر صبْرا: تجلد وحبس نفسه عند الجزع، ويقال: صَبَر على الأمر:
احتمله ولم يجزع، وصبر عنه: حبس نفسه عنه، وصبر نفسه حبسها وضبطها.
والشكر: الكشف والإظهار والزيادة،
يقال: شَكِرَت الدابة تَشْكَر شَكَرًا على وزن سمنت تسمن سمنًا: إذا ظهر عليها أثر
العلف.
والصبر في اصطلاح الصوفية: عرَّفه الإمام ابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١هـ) بأنه: "حبس
النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وعبَّر
عنه الإمام الغزالي: بأنه ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى، وأشار
إلى أن حقيقته وكماله: الصبر عن كل حركة مذمومة، وحركة الباطن أولى بالصبر، ونقل
الإمام عبد القادر الجيلاني عن ذي النون المصري (ت: ٢٤٥هـ) أنه قال: "التباعد
عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحة
المعيشة" [لسان العرب، الوسيط،
مدارج السالكين: ٢/١٢٩، إحياء علوم الدين: ٤/٦٨، ٧٩، عبد القادر الجيلاني: الفنية
لطالبي طريق الحق ٢/١٩٦، مصطفى الحلبي ١٩٥٦م].
والشكر عندهم: الاعتراف بنعمة المنعم على
وجه الخضوع، وعبَّر عنه الإمام الغزالي بأنه: معرفة النعمة من المنعم، والفرح
الحاصل بإنعامه، والقيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه [الرسالة القشيرية:٨٨،
إحياء علوم الدين: ٤/٨٦].
والصبر والشكر عند الصوفية
قرناء كالخوف والرجاء؛ ولذلك غالبا ما يقرنون بينهما تحت عنوان واحد، فعلى لسانهم
أن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، والصبر والشكر حالان، ومقامان متداخلان، يقول
أبو طالب المكي: "واعلم أن الشكر داخل في الصبر، والصبر جامع للشكر" ويقول: "وقد يكون الصبر والشكر حالين وقد
يكونان مقامين، فمن كان مقامه الصبر كان حاله الشكر عليه، فهو أفضل؛ لأنه صاحب
مقام، ومن كان مقامه الشكر كان حاله الصبر عليه، فحاله مزيد لمقامه، فقد صار الصبر
مزيدا للشاكر في مقامه "
[قوت
القلوب: ١/٢٠٠-٢٠١].
وأمّا عن ارتباط الزهد بهما:
ففي إشارات الصوفية ما يدل على ذلك:
فهما حقيقة الزهد؛ فقد سُئل
الإمام الزهري ما الزهد؟ فقال: من لم يغلب الحرام صبره، ولم يمنع الحلال شكره.
وروي عن أحمد بن أبي
الحواري (ت: ٢٣٠هـ) أنه قال: قلت لسفيان بن عيينة (ت: ١٩٨هـ): ما الزهد في
الدنيا؟ قال: "من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر" قلت: يا أبا محمد، قد أنعم عليه فشكر، وابتلي
فصبر، وجليس النعمة كيف يكون زاهدًا؟ فضربني بيده، وقال: "اسكت، من لم تمنعه
النعماء من الشكر، ولا البلوى عن الصبر، فذلك الزهد" [كتاب فيه معنى الزهد: ٥٥، ٥٩، قوت القلوب ١/٢٦٧].
والصبر وجه للزهد؛ وذلك من
حيث إن الصبر النفسي الذي هو صبر عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى إن كان عن فضول
العيش سمي زهدا ويضاده الحرص [إحياء علوم الدين: ٤/٧٠].
ورأس الزهد؛ فقد روي عن
بعضهم أنه قال: "من رضي الدنيا من الآخرة حظًا فقد أخطأ حظ نفسه، والصبر على
الدنيا رأس الزهد فيها.
وطريقه: قال المكي: "فمن صبر عن الطمع في
الخلق أخرجه الصبر إلى الورع، ومن صبر عن الورع في الدين أدخله الصبر في الزهد".
وحال الزاهدين؛ قال المكي: "ومن الصبر صون الفقر
وإخفاؤه، والصبر على بلاء اللّه تعالى في طوارق الفاقات، وهذا حال الزاهدين
الراضين".
ورزق الزاهد؛ قال المكي: "واعلم أن الزهد لا
ينقص من الرزق ولكنه يزيد في الصبر ويديم الجوع والفقر فيكون هذا رزقا للزاهد من
الآخرة" [كتاب فيه معنى الزهد:
٦٦، قوت القلوب: ١/١٩٥، ١٩٨، ٢٦١].
الزهد والرضا:
الرضا في اللغة: ضد السخط،
يقال: رضيَه وبه وعنه وعليه رِضًا ورضاءً ورِضوانا: اختاره وقبله.
وفي اصطلاح الصوفية:
قال المحاسبي (ت: ٢٤٣هـ): سكون القلب تحت
مجاري الأحكام، وقال ذو النون المصري: سرور القلب بُمرِّ القضاء، وقال الجنيد: ترك الاختيار، وقال ابن
خفيف: سكون القلب إلى أحكامه، وموافقة القلب بما رضي الله به واختاره. [لسان العرب،
الوسيط، الرسالة القشيرية: ٩٨، اللمع: ٥٧، التعرف لمذهب أهل التصوف: ١١٩].
والصلة بين الزهد والرضا
وثيقة؛ ففي إشارات السادة الصوفية ما يدل على أن الرضا وجه للزهد، أو أصل له أو
قرين، أو أنه حال للزاهد.
الزهد وجه للرضا؛ روي عن عبد الله بن عبد العزيز العمري (ت: ١٨٤هـ) والفضيل بن عياض أنهما ذهبا إلى أن الزهد: الرضا.
وقال بعض مشايخ الصوفية: الدنيا ما شغل القلب واهتم به؛ فجعلوا الزهد ترك الاهتمام
وطرح النفس تحت تصريف الأحكام، وهذا هو التفويض والرضا، ونقل أبو طالب المكي عن
بعضهم أن الزهد إنما هو ترك التدبير والاختيار، والرضا والتسليم لاختياره شدة كان
أو رخاء.
ويجمع التوكل والرضا، وقرين للرضا،
قال المكي: "شرف الحَسَن الذي رفض الدنيا على الذي
طلبها فأصابها، فوصل بها رحمه وقدم بها لنفسه" لأن مقام الزهد يجمع التوكل والرضا، وأشار إلى أن
التوكل يجمع المقامين الزهد والرضا؛ استنادًا إلى ما جاء في الأثر: أن الزهد في
الدنيا أن تكون بما في يد اللّه أوثق منك بما في يدك، وقال: "هذا هو التوكّل" ثم قال: "وأن يكون ثواب المصيبة أرغب منك
فيها لو أنها بقيت لك" وقال: "هذا هو الرضا
والزهد، فقد جمع التوكل المقامين معا".
والرضا حال الزاهد؛ قال أبو طالب المكي: "والرضا باليسير من الأشياء حال من الزهد" [كتاب فيه معنى الزهد: ٥٧، طبقات الصوفية: ٩، قوت
القلوب: ١/٢٥٠، ٢٦٧، ٢٦٩، ٢/٧]
الزهد والتوكل:
التوكل في اللغة: مشتق من
الوكالة، وَكَل إليه الأمر وَكْلًا: سلمه وفوضه إليه، وَكَلَ بالله وتوَكَّل على
الله: استَسْلم إِليه.
وفي اصطلاح الصوفية: قال ذو النون
المصري: "ترك تدبير النفس، والانخلاع من الحول والقوة" وقال الهروي: "كلة الأمر إلى
مالكه، والتعويل على وكالته" [لسان
العرب، الوسيط، الرسالة القشيرية:٨٣، مدارج السالكين: ٢/١٠٥].
وصلة الزهد بالتوكل وثيقة،
فالزهد يشبه التوكل، وقد عقد أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب مبحثا تحت عنوان: "ذكر
تشبيه التوكل بالزهد" قال فيه: "اعلم أنّ
التوكل لا ينقص من الرزق شيئا، ولكنه يزيد في الفقر ويزيد في الجوع والفاقة، فيكون
هذا رزق المتوكّل، ورزق الزاهد من الآخرة على هذا الوصف المخصوص، من حرمان نصيب
الدنيا، وحمايته عن التكاثر منها والتوسع فيها، فيكون التوكل والزهد سبب ذلك،
فيكون ما صرفه عنه من الدنيا زيادة له في الآخرة من الدرجات العلى" [قوت القلوب: ٢/٢٨].
وفي إشاراتهم ما يدل على
تداخل الزهد والتوكل، وأن الزهد يحقق التوكل:
قال أبو طالب المكي: "فالزهد يدخل في
التوكل" ونقل قول سهل (ت: ٢٨٣هـ): "الزهد
كلّه باب من التوكّل" وقوله: "أول الزهد
التوكل".
وقال أبو سليمان
الداراني: "آخر أقدام الزاهدين أول أقدام المتوكلين" [المصدر السابق: ١/٢٥٢، ٢/٣، طبقات الصوفية:٢١].
وقال السهروردي: "فإذا صح زهد العبد
صح توكله أيضا؛ لأن صدق توكله مكنه من زهده في الموجود" وقال: "والزاهد يتحقق فيه التوكل؛ لأنه لا
يزهد في الموجود إلا لاعتماده على الموعود، والسكون إلى وعد الله تعالى هو عين
التوكل" [عوارف
المعارف: ٤٣٥-٤٣٦].
وبعضهم أشار إلى أن التوكل
شرطٌ في الزهد؛ فقد روي عن أويس القرني t أنه
قال: "إذا خرج الزاهد يطلب ذهب الزهد عنه" وقد علَّق عليه الإمام الغزالي في الإحياء قائلًا: "ما
قصد بهذا حد الزهد، ولكنه جعل التوكل شرطا في الزهد" [إحياء علوم الدين: ٤/٢٤٢]
الزهد والإخلاص:
الإخلاص في اللغة: خَلَصَ
يَخْلُص خُلُوصا: صفا وزال
شَوْبه، وأَخْلَصَ الشيءَ صفّاه ونقاه من شوبه، وأَخْلَص للّه دِينَه: أَمْحَضَه.
وفي اصطلاح الصوفية: إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد.
ومعناه: أن يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصنُّع لمخلوق، أو
اكتساب محمدة عند الناس ونحو ذلك، وقال رويم: "ارتفاع رؤيتك من الفعل" وقال الهروي: "تصفية العمل من كل شوب" [لسان العرب،
الوسيط، الرسالة القشيرية: ١٠٤، التعرف لمذهب أهل التصوف:١١٦، مدارج السالكين:
٢/٧٧].
والصلة بين الزهد والإخلاص وثيقة، فالزهد حقيقة الإخلاص، والإخلاص وجه له، ويدل
على ذلك عبارات المشايخ فقد روى أبو طالب المكي عن بعضهم: أنه ذهب إلى أن الزهد هو المراقبة والمراقبة
هي الإخلاص، وقال: "وذهبت طائفة إلى أن الزهد في الدنيا فريضة على المؤمنين؛
لأن حقيقة الإخلاص هو الزهد عندهم فأوجبوه من حيث أوجبوا على المؤمنين الإخلاص" ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: "الإخلاص هو الزهد" [قوت
القلوب: ١/٢٦٨]
والإخلاص وجه من ثلاثة أوجه للزهد؛ فقد روي عن بعضهم أنه
أشار إلى أن الزهد على ثلاثة أوجه:
أولها: أن تخلص العمل لله والقول، فلا يراد بشيء منه
الدنيا، والثاني: ترك ما لا يصلح، والعمل بما يصلح، والثالث: الحلال أن تزهد فيه، وهو تطوع، وهو أدناه.
وقيل: "أفضل الأعمال ما أريد به وجه الله".
وقد علَّق عليه أبو سعيد بن
الأعرابي (ت: ٣٤١هـ) فقال:
"هذا من الزهد، وهو داخل في باب الإخلاص، ولا بد من الإخلاص في الزهد في كل
شيء". [كتاب فيه معنى الزهد: ٦٤، ٧٤]
الزهد والإحسان:
الإحسان في اللغة: ضد الإساءة، يقال: أحسن الشيء إذا أجاد صنعه وأتقنه، وأحسن إليه وبه: فعل
ما هو حسن.
وفي التنزيل العزيز: {إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: ٩٠].
وفي الاصطلاح: فسَّره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «أَنْ
تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». [الراغب الأصفهاني: معجم
مفردات القرآن الكريم، لسان العرب، والوسيط، حديث سؤال النبي-صلى الله عليه وسلم- متفق عليه: صحيح البخاري
٤٩، صحيح مسلم ٨ مكرر]
وعند الصوفية: المراقبة؛ فإن الإحسان
عندهم اسم لمقام يكون العبد فيه ملاحظًا لآثار أسماء الحق وصفاته، فيتصور في عبادته كأنه بين يدي الله تعالى [عبد الكريم
الجيلي: الإنسان الكامل ٢/١٤٠، مصطفى الحلبي، ط/٤-١٩٨٠].
والمراقبة عندهم: علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه، واستدامته لهذا
العلم، وقد عبَّر بعضهم عن حقيقة المراقبة بأنها ملاحظة الرقيب ودوام النظر بالقلب
إليه، وانصراف الهم إليه،
ومراقبة ما يبدو من أفعاله وأحكامه [الرسالة القشيرية: ٩٥ بشرح الأنصاري،
إحياء علوم الدين: ٢/٤٢٢]
أما صلة الزهد بالإحسان فهي وثيقة وقوية، فقد سَمَّى
الله تعالى الزاهدين محسنين ووضع عنهم السبيل فقال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ
وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}
[التوبة:
٩٣].
وعلى هذا المعنى جاء تفسير قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ
زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف ٧]: قيل: أَزْهد في الدنيـــا، فصار الإحســان مقام
الزاهدين، وهو وصف اليقين.
كذلك فسره الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما سئل ما الإحسان؟ فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه» يعني: على اليقين.
ولهذا أكد الصوفية أن الزهد حال الموقن؛ لأنه مقتضى
يقينه.
وقد اشترطوا الزهد في مقام الإحسان؛ لأن من شرط المراقب
لله تعالى أن لا يلتفت إلى الدنيا [قوت القلوب:
١/٢٤٢، الإنسان الكامل: ٢/١٤١].
جمهور الصوفية على أن الزهد على
درجات هي أصناف له حسب تعلقه بالحكم التكليفي، وأن أوله هو الزهد في الحرام، ويليه في الرتبة الزهد
في المباح، وأعلى مراتبه الزهد في الفضول، والفضول كل مالك فيه غنى.
وقد عبر السادة الصوفية عن درجات الزهد بإشارات متنوعة:
فقد روي عن إبراهيم بن أدهم (ت: ١٦١هـ) أنه قال: "الزهد ثلاثة أصناف: فزهد
فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، والفرض: الزهد في الحرام، والفضل: الزهد في الحلال، والسلامة: الزهد في
الشبهات".
وقال أبو عثمان الحيري: "الزهد في الحرام فريضة، وفي المباح فضيلة، وفي
الحلال قربة".
وروي عن الإمام أحمد ابن حنبل، أنه قال: "الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو
زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل
عن الله تعالى وهو زهد العارفين".
وكذلك الإمام أبو طالب المكي رتبه في ثلاث درجات، سماها: زهد المسلمين وزهد الورعين
وزهد الزاهدين.
والإمام الهروي صنَّفه بحسب أحوال الزاهدين ثلاثة أصناف: زهد قربة وهو للعامة، وزهد ضرورة وهو للمريد، وزهد خشية وهو للخاصة، مرتبة في ثلاث
درجات: الأولى: الزهد في الشبهة، والثانية الزهد في الفضول، والثالثة وهي العليا:
الزهد في الزهد [كتاب فيه معنى الزهد:
٥٨، طبقات الصوفية: ٤٠، الرسالة القشيرية: ٦٢].
الزهد في الزهد:
يطلق الزهد في الزهد عند جمهور الصوفية في الذي يزهد في
زهده فلا يراه ولا ينظر إليه، وذلك من حيث إنه عرف أن الدنيا لا شيء، وقد أخرجها من قلبه ويده، فلا يرى
أنه ترك شيئا.
وقد نقل ابن الأعرابي عن جماعة من الصوفية قولهم: "إن أول الزهد إخراج قدرها من القلب، وآخره خروج قدرها حتى لا يقوم لها في القلب قدر، ولا
يخطر ببال رغبة فيها ولا زهد فيها".
وقد علَّق عليه أبو طالب المكي قائلًا: "وهذا لعمري هو الزهد في الزهد؛ لأنه زهد،
ثم لم ينظر إلى زهده،
فَزَهِدَه إذ لم ير شيئا؛ لأنه زهد في لا شيء" [كتاب فيه معنى الزهد:
٧٦، قوت القلوب: ١/٢٦٧].
وقد قيل: لما رأوا حقارة الدنيا زهدوا في زهدهم في الدنيا لهوانها عندهم.
وقال الشبلي: "الزهد: غفلة؛ لأن
الدنيا لا شيء، والزهد في لا شيء غفلة".
ويطلق الزهد في الزهد في الذي يزهد في نفسه، حيث إن نفسه
ماتت عن جميع حظوظها، وعن كل طمع حتى عن روحه، ولم يبق له ما يزهد فيه، فزهد في
نفسه، وتعلق بربه ولم يشغله عنه شيء [كتاب فيه معنى الزهد: ٧٦، قوت القلوب:
١/٢٦٧].
والزهد في الزهد هو الدرجة الرابعة للزهد حسب قوته عند بعض مشايخ الصوفية،
وهي أعلى درجات الزهد، وقد عبَّر بعضهم عن فضله، فقال أبو طالب المكي: "وهو أعز الأحوال في مقامات اليقين، وهو الزهد في
النفس، لا الزهد لأجل النفس، ولا للرغبة في الزهد للزهد، وهذه مشاهدة الصديقين،
وزهد المقربين عند وجد عين اليقين" [قوت القلوب: ١/٢٥٠].
وقال الشيخ عماد الدين الأموي الإسنوي (ت: ٧٦٤هـ) في حياة القلوب: "وهو زهد الغني، فإنه
للأنبياء أيضا، ولمن اصطفاه الله تعالى من أتباعهم..، وهو أعسر حالات الزهد
وأشقها وأجلها وأعظمها"..
وقال ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين: "فهذا زهد الخاصة" [حياة
القلوب: ٢/١٣٠، مدارج السالكين ٢/١٨] وجعله بعضهم درجة ثالثة وأخيرة للزهد، فالإمام الهروي في
منازل السائرين صنَّف الزهد في ثلاث درجات؛ جعل الثالثة والعليا منه: الزهد في
الزهد، وذهب إلى أنه يتحقق بثلاثة أشياء:
١. استحقار ما زهد
فيه.
٢. استواء الحالات
فيه عنده، بحيث يستوي عنده ترك ما زهد فيه وأخذه.
٣. الذهاب عن شهود
الاكتساب، ناظرًا إلى وادي الحقائق، بمعنى: أنه لا يرى أنه اكتسب بزهده درجة عند
الله، أو بمعنى أنه يشاهد الباري تعالى بالعطاء والمنع، فلا يرى أنه ترك شيئا ولا
أخذ شيئا، بل الله تعالى هو المعطي المانع، فيذهب بمشاهدة الفعال وحده عن شهود
كسبه وتركه، فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي الحقيقة غاب عن شهود
اكتسابه، وهو معنى قوله: "ناظرا إلى وادي الحقائق.
وكذلك الإمام الغزالي جعله في الدرجة الثالثة وهي العليا: أن يزهد في زهده، فلا يرى زهده؛ إذ لا يرى أنه ترك شيئا، وقال هذا هو الكمال في
الزهد وسببه كمال المعرفة [المصدر السابق: ٢/١٤-١٨، إحياء علوم الدين:
٢/٢٣٩-٢٤٠].
الزهد في الزهد عند السهروردي:
يرى الإمام السهروردي في عوارف المعارف معنى آخر للزهد في الزهد غير ما ذكرناه، حيث يقول: "وعندي
أن الزهد في الزهد غير هذا، (إشارة إلى الذين زهدوا في الدنيا لحقارتها عندهم،
وزهدوا في زهدهم لهوان المزهود فيه) وإنما الزهد في الزهد بالخروج من الاختيار في
الزهد؛ لأن الزاهد اختار الزهد وأراده، وإرادته تستند إلى علمه، وعلمه قاصر، فإذا
أقيم في مقام ترك الإرادة، وانسلخ من اختياره، كاشفه الله تعالى بمراده، فيترك
الدنيا بمراد الحق لا بمراد نفسه، فيكون زهده بالله تعالى حينئذ، أو يعلم أن مراد
الله تعالى منه التلبس بشيء من الدنيا، فما يدخل بالله في شيء من الدنيا لا ينقص
عليه زهده، فيكون دخوله في الشيء من الدنيا بالله وبإذن منه زهدًا في الزهد، ويرى
أن الزاهد في الزهد يستوي عنده وجود الدنيا وعدمها، إن تركها تركها بالله، وإن
أخذها أخذها بالله، وقال: "وقد رأينا من العارفين من أقيم في هذا المقام"
[عوارف
المعارف: ٤٤٢].
الزهد في زهد الزهد:
وهو ما يسمى بالزهد الثالث، وقد أشار الإمام السهروردي إلى أنه مقام آخر في الزهد فوق مقام الزهد في الزهد، وقال: "وهو لمن يرد الحق
إليه اختياره لسعة علمه وطهارة نفسه في مقام البقاء، فيزهد زهدًا ثالثًا، ويترك
الدنيا بعد أن مكن من ناصيتها، وأعيدت عليه موهوبة، ويكون تركه الدنيا في هذا
المقام باختياره، واختياره من اختيار الحق، فقد يختار تركها حينًا تأسيًا
بالأنبياء والصالحين، ويرى أن أَخْذَها في مقام الزهد رفق أدخل عليه لموضع ضعفه عن
درك شأو الأقوياء من الأنبياء والصديقين، فيترك الرفق من الحق بالحق للحق، وقد
يتناوله باختياره رفقا بالنفس بتدبير يسوسه فيه صريح العلم، وهذا مقام التصرف
لأقوياء العارفين". [المصدر السابق:٤٤٢-٤٤٣]
نهاية مقام الزهد:
ذهبت طائفة من الصوفية إلى أنه لا نهاية للزهد؛
لأنه يقع عن نهاية معارفهم بدقائق أبواب الدنيا، وجمهور الصوفية على أن مقام الزهد له أول وله آخر، وتدل إشاراتهم على ذلك، ومنها:
قال أبو سليمان الداراني: "الورع أول الزهد" وقال: "آخر أقدام
الزاهدين أول أقدام المتوكلين" وكان سهل يقول: "أول الزهد التوكل وأوسطه إظهار القدرة"
وكان يقول: "أقصى مقام في الورع أدنى مقام من الزهد" وسئل حاتم الأصم
(ت: ٢٣٧هـ) عن الزهد؟ فقال: "أوله الثقة، وأوسطه الصبر، وآخره الإخلاص".
وقال أبو طالب المكي: "وأوّل الزهد دخول غمّ الآخرة في القلب" ونقل
عن بعضهم: أن نهاية الزهد أن تزهد في كل شيء. [قوت القلوب:
١/٢٤٩، ٢٥٢، ٢٦٥، ٢٦٨، كتاب فيه معنى الزهد: ٦٣، طبقات الصوفية: ٢١].
متعلق الزهد:
يتوقف العلم بحقيقة الزهد على العلم بمتعلقه، ومتعلقه هو المرغوب عنه المزهود فيه، وهو
في التفصيل أشياء كثيرة، قال الإمام الغزالي في الإحياء: "ولعل المذكور فيه يزيد على مائة قول". [إحياء علوم
الدين: ٤/٢٤١].
ويرجع ذلك إلى تعدد الأقوال في حقيقة الدنيا؛ إذ هي متعلق
الزهد، ومن هذه الأقوال:
قال الفضيل بن عياض: "الزهد هو القناعة فكانت الدنيا عنده هي الحرص
والشره" وقال سفيان الثوري: "هو قصر الأمل" فكانت الدنيا عنده طول
الأمل، وقال بعضهم: "الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف، بقدر ما تملك من
بطنك كذلك تملك من الزهد" فكانت الدنيا عنده الشبع وأكل الشهوات، وكان أبو سليمان
الداراني يقول: "الدنيا
كلّ ما يشغلك عن اللّه تعالى" فكان الزهد عنده التفرغ للّه تعالى، وقال بشر بن الحارث: "الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس". [قوت القلوب: ١/٢٥٢].
هذه الأقوال ونظائرها ليست متخالفة، وإنما تتفاوت بالإجمال والتفصيل.
وقد
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أصناف
المشتهيات ووصف حبها بالتزين، وأشار إلى أن حبها إنما هو متاع الحياة الدنيا.
قال
تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ
مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}
[آل
عمران: ١٤] وفي آية أخرى جمع الله تعالى المشتهيات في
خمسة أصناف، فقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ
ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ
عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [الحديد: ٢٠] وفي آية أخرى ردها تعالى إلى اللعب واللهو، فقد قال
تعالى: {إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٌ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ}
[محمد:
٣٦] وفي آية أخرى ردها الله تعالى إلى الهوى؛ فقال تعالى: {فَأَمَّا
مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ
الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ
الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:
٣٧-٤١] والهوى لفظ يشمل جميع حظوظ النفس في الدنيا، فينبغي أن يكون
الزهد فيه. [قوت
القلوب: ١/٢٤٥-٢٤٦، إحياء علوم الدين: ٤/٢٤١].