ومع هذا، فثمة اتفاق على أن أهم المقامات: التوبة،
الورع، الزهد، الفقر، الصبر، التوكل، الرضا، الشكر، الرجاء، الخوف، المحبة، الإنابة، محاسبة النفس، الإرادة، الصدق، الإخلاص...
أما أهم الأحوال فنجد: القرب،
الهيبة والأنس، القبض والبسط، والحياء، الصحو والسكر، الفناء (المحو) والبقاء، الشوق، ومن
الملاحظ أن ثمة تداخلًا كبيرًا بين المقامات والأحوال كما سبق أن أشرنا، فالرجاء
والخوف يمكن أن يكونا من المقامات ويكونا أيضًا من الأحوال، وقس على هذا الرضا
والمحبة ...، إلخ.
ولقد ذكر السهروردي في
"عوارف المعارف" في غير موضع أن الأحوال متداخلة مع
المقامات حيث قال: "ولا يلوح للعبد حال من مقام أعلى مما هو فيه إلا وقد قرب
ترقيه إليه، فلا يزال العبد يرقى إلى المقامات بزائد الأحوال، فعلى ما ذكرنا يصبح
تداخل المقامات والأحوال، حتى التوبة فيها حال ومقام، وفي الزهد حال ومقام،
والتوكل حال ومقام، وفي الرضا حال ومقام"
[عوارف المعارف ص٤٧١- ٤٧٢].
بقي أن نشير إلى أن المؤرخين اختلفوا فيما بينهم بشأن
مصادر التصوف الإسلامي، أَنَشَأ تحت تأثير عوامل خارجية غير إسلامية أم أنه كان قراءة إسلامية محضة لبعض آيات الذكر الحكيم وسنة الرسول، ولا
شك أن الصوفية أنفسهم قد انحازوا ودافعوا عن أن الطريق الذي سلكوه في تجربتهم يرجع
إلى أصول إسلامية محضة.
ولهذا نجد أن الصوفي حينما يتكلم عن مجاهدة النفس وعن
منازلها من مقامات وأحوال إنما يجعل عمدته القرآن والسنة وسيرة الصحابة والتابعين، ففيما يتعلق بمجاهدة النفس نجد قوله تعالى: {أَمَّا
مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ٭ فَإِنَّ الْجَنَّةَ
هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: ٤٠- ٤١] وفيما يتعلق
بمقام التقوى أشار الصوفية إلى قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:
١٣] وإلى الزهد بقوله: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: ٧٧] وإلى التوكل بقوله
سبحانه وتعالى: {وَمَنْ
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ
جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق:
٣] وإلى الشكر بقوله: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ
كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: ٧]
وفيما يتعلق بالصبر نجد قول الحق: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: ١٥٥] وإلى الرضا
بقوله سبحانه: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ
يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
[المائدة: ١١٩] وإلى الحياء بقوله سبحانه: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: ١٤] وإلى المحبة بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ
يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ
يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: ٥٤] وهذه الآية
– على سبل المثال – بنى الصوفية عليها مذهبهم في الحب الإلهي بنوعيه: حب الله
للإنسان، وحب الإنسان لله.
من الآيات
الكريمة التي أيد بها الصوفية مذهبهم نجد قول الحق: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ
الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:١٧] هذه الآية يقرأها الصوفية على الوجه الآتي: إن الله
وحده هو الفاعل المطلق الذي يصدر عنه ويردَّ إليه كل الأفعال ومنها المقامات
والأحوال وأن العبد من الرب بمثابة القلم الذي يمسك به ويحركه وتجري به يده فيكتب
ما يشاء. [د. محمد
مصطفى حلمي، الحياة الروحية والإسلام ص: ٢٧، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة
١٩٧٠م].
ومنها قوله
سبحانه: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي
زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ
مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا
يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ
لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
[النور: ٣٥] وقوله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ١١٥]. والصوفية
يتخذون من هاتين الآيتين دعامة يقيمون عليها مذاهبهم ووحدة الوجود ووحدة الشهود
وتجلى الله في مخلوقاته [المرجع
السابق ص: ٢٨].
أما عن
الأحوال فقد أشار إليها القرآن الكريم بطريقة أو بأخرى كما يرى الصوفية، فقد
ذكر سبحانه: {تَتَجَافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: ١٦] وقال: {مَنْ
كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ} [العنكبوت:٥] {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا
الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: ٣٤].
أما أن
الرسول الكريم كان سراجًا في سماء التصوف، فهذا أمر أكَّده الصوفية كي يؤكدوا
شرعية التصوف الإسلامي، فإذا تجاوزنا سيرة الرسول الكريم قبل البعثة التي تؤكد
صدقة وأمانته وطهارته، وإذا تجاوزنا حادثة الإسراء والمعراج وهي أيضًا تؤكد عند
الصوفية تجربتهم الروحية الحية من كشف وسفر وفناء، إذا تجاوزنا ذلك ووقفنا أمام ما
كان يأخذ به الرسول نفسه من تقشف في الملبس والمأكل، ومن عكوف على العبادة والتهجد،
حتى لقد نهاه الله عن المبالغة في ذلك بقوله سبحانه: {طه ٭ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
الْقُرْآنَ لِتَشْقَي} [طه: ١- ٢].
وقد أشـار
الدكتور مصطفى حلمي إلى أن ما كان يقبل عليه
الرسول ويدعو إليه من تعبد وتزهد وتقشف وتقوى وخوف وصبر وشكر ورضا، ألفينا كلامه
وعمله في ذلك كله فياضين بالمعاني التي يمكن أن تُعد منبعًا لما أخضع الصوفية
أنفسهم له من رياضات ومجاهدات، ولما كانوا يتقبلونه فيه من المنازل والمقامات التي
هي عندهم سبيل العبد إلى تصفية نفسه وتنقية قلبه، وعونه على الفناء عن نفسه وبقائه
بربه وشهود له. [أ.د/ محمد مصطفى حلمي: الحياة
الروحية في الإسلام ص١٨، وراجع كذلك ص١٢ وما بعدها، ١٧، ١٨ -٢٠].
وفضلا عما سبق فإن الإسلام
نفسه -كما يرى نيكلسون- قد مهد الطريق للتصوف من
باب آخر، وهو أن الدين الإسلامي دين من أهم أركانه الإيمان بالحياة الآخرة
وبالعذاب لمن طغى وعصى وتكبر، وبالنعيم لمن آمن واهتدى، وهذا الإيمان المتعلق
بالحياة الآخرة من شأنه أن يفرض على الإنسان سلوكًا معينًا تمثل هذا في التجربة
الصوفية عند المسلمين. [راجع: د. فيصل عون: التصوف الإسلامي في الطريق والرجال،
ص: ٨٢- ٨٧، مكتبة سعيد رأفت ١٩٨٣م القاهرة].