Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المقامات والأحوال

الكاتب

ا.د/ فيصل عون

المقامات والأحوال

المقامات درجات يصل إليها العبد بجهده وإرادته، في مقابل الأحوال التي هي هبة وعطايا وأفضال من الحق لا دخل للعبد فيها، ومن الصوفية من قال: "إن المقامات والأحوال كلها منح وعطايا من الله لا دخل للفرد فيها" وباختصار فإن كل المقامات والأحوال هي في النهاية ما منَّ الله به على عبده.

معنى المقام والحال

يقول عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته: "إن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميز عن سائر الحيوان بالإدراك، وإدراكه نوعان: إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم، وإدراك للأحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض والبسط، والصوفي -أو المريد أو السالك أو المسافر- في مجاهدته وعبادته، لابد أن تنشأ له عن كل مجاهدة "حال" هي نتيجة لتلك المجاهدة". [ابن خلدون: المقدمة ص١٠٦٣ تحقيق د. علي عبد الواحد وافي، لجنة البيان العربي سنة ١٩٦٠م].

هذا فحواه أن التصوف تجربة ذاتية لا يعرفها إلا صاحبــــها، وهذه التجربـــــة لا تعتمد – في الأساس – على الحس والعقل، وإنما تعتمد في المقام الأول على البصيرة أو القلب أو عين السر أو الحدس، ومن ثم فإن مصدر المعرفة هنا ومعياره مصدر ذاتي محض لا يصل إليه حس، ولا ينفع معه عقل أو برهان.

وقد أعطى أبو حامد الغزالي للقلب أهمية قصوى في المعرفة الصوفية وشبهه بحوض، هذا الحوض يمكن أن يأتيه الماء من على سطحه بواسطة الأنهار والأمطار وفي هذه الحالة لا يكون الماء نقيًا، وقد نسعى إلى حفر أعماق هذا الحوض (البئر) حتى نصل إلى الماء الصافي الموجود في عمق هذا البئر، عندئذ يكون الماء صافيًا نقيًا.

هذا هو حال التجربة الصوفية؛ القلب له بابان: باب مفتوح على عالم الحواس والمعقولات (عالم الملك والشهادة) وباب مفتوح على عالم الملكوت؛ وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة؛ ولذلك فإن الفرق بين علوم الأولياء (الصوفية) وبين علوم الحكماء يكمن في أن علوم الأولياء تأتي من داخل القلب، من الباب المنفتح على عالم الملكوت، أما علوم العلماء والحكماء فتأتي عن طريق أبواب الحواس ومسالك العقل البرهاني.

على أن هذه التجربة الروحية أصلها – كما قال ابـــن خلدون – الطاعة والإخلاص، ويتقدمها الإيمان ويصاحبـــــها وتنشأ عنها الأحــوال، والصفـات نتائج وثمرات، ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى أن يتوصل إلى مقام التوحيد والعرفان.

ولكي تؤتي التجربة الصوفية أكلها لابد لها من شرطين:

الإرادة والاجتهاد من جهة، والتوفيق الإلهي من جهة أخرى، وبغير هذين الشرطين لا نكون أمام تجربة روحية مثمرة وحيَّة.

والسالك أو المسافر إلى الله هو من توجه قلبه إلى الحق سبحانه، على حد تعبير القاشاني، ذلكم أن النفس إذا استقامت على الواجب وصانت طباعها، وتأدبت بآداب الله عز وجل من زم جوارحها، وحفظ أطرافها، وجمع حواسها سهل على السالك إصلاح أخلاقها وتطهير الظاهر منها والفراغ مما لها، وعزوفها عن الدنيا وإعراضها عنها، فعند ذلك يمكن العبد مراقبة الخواطر وتطهير السرائر، وهذا هو "علم المعرفة".

ثم وراء هذا – كما يقول الكلاباذي علـــوم الخـــواطـــــر وعلـــوم المشـــاهـــدات والمكاشفات، وهي التي تختص بعلم الإشارة، وهو الذي تفردت به الصوفية، وإنما قلنا: "علم الإشارة" لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن العبارة عنها على التحقيق، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد، ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وحل تلك المقامات [الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف ص١٠٥ تحقيق محمد أمين النواوي ط١ سنة ١٩٣٩م مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة].

وكما هو واضح نجد أن الطريق الصوفي يمر بمراحل متعددة قبل أن يصل صاحبه إلى مبتغاه (الفناء حيث البقاء)، هذه المراحل تتمثل عند الصوفية فيما يعرف بالمقامات والأحوال؛ ذلك أن المعرفة بالنفس الإنسانية وبأحوالها وبأخلاقها وتطهيرها إنما تقوم على العبادة والرياضة والمجاهدة، وكل مجاهدة وعبادة ورياضة ينشأ عنها كما يقول الصوفية حال، فإن استقر صار مقامًا وإلا فهو حال.

والمقام عند الصوفي هو درجة أو رتبة يكون العبد فيها بين يدي الله عز وجل لشأن ما يقوم في داخله من رياضة ومجاهدة وعبادة وانقطاع إلى الله، وقد جاء في القرآن: {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: ١٤] وكذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} [الصافات: ١٦٤].

الفرق بين المقام والحال

يقول القشيري: "المقام ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب مما يتوصل إليه بنوع تصرف، ويتحقق به بضرب تطلب ومقامات تكلف، فمقام كل أحد موضع إقامته عند ذلك، وما هو مشتغل بالرياضة له، وشرطه أن لا يرتقي من مقام إلى مقام آخر ما لم يستوف أحكام ذلك المقام؛ فإن من لا قناعة له لا يصح له التوكل، ومَنْ لا توكل له لا يصح له التسليم، وكذلك مَن لا توبة له لا تصح له الإنابة، ومَن لا ورع له لا يصح له الزهد.

أما الحال فهو معنى يرد على القلب من غير تعمد منهم (الصوفية) ولا اجتلاب ولا اكتساب لهم، من طرب أو حزن أو قبض أو شــــوق أو انزعـــاج، فالأحـــوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من عين الوجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود، وصاحب المقام ممكن في مقامه وصاحب الحال مترق عن حاله". [الرسالة القشيرية ص٣٢ – مكتبة محمد علي صبيح د. ت].

وفي هذا السياق يقول القاشاني: إن الأحوال هي المواهب الفائضة على العبد من ربه: إما واردة عليه ميراثًا للعمل الصالح المزكي للنفس، المصفي للقلب، وإما نازلة من الحق امتنانًا محضًا، وإنما سميت أحوالا لتحول العبد بها من الرسوم الخلقية ودركات البعد إلى الصفات الحَقِّية ودرجات القرب". [كمال الدين عبد الرزاق القاشاني: اصطلاحات الصوفية ص: ٢٦، تحقيق محمد كمال جعفر].

 وهذا ما أكده الهجويري بقوله في "كشف المحجوب": اعلم أن كل ما هو من المقام يعتبر من الأعمال، وكل ما هو من الحال يعد من الأفضال، فصاحب المقام إنما هو قائم بمجاهدته، وصاحب الحال إنما هو فانٍ عن نفسه، ويكون قيامه بحال يخلقه الله تعالى فيه. [الهجويري: كشف المحجوب ٢/ ٤٠، وراجع: قاسم غني: نشأة التصوف الإسلامي ١/٢٩٤- ٢٩٥].

وإذا كان المألوف في كتب الصوفية أن المقامات درجات يصل إليها العبد بجهده وإرادته في مقابل الأحوال التي هي هبة وعطايا وأفضال من الحق لا دخل للعبد فيها، أقول: إن من الصوفية من قال: "إن المقامات والأحوال كلها منح وعطايا من الله لا دخل للفرد فيها". [نقلا من دراسات في التصوف والأخلاق للدكتور أحمد عبد الرحيم السايح، ودكتورة عائشة المناعي ص١١٥ وما بعدها – دار الثقافة – الدوحة – ط ١ سنة ١٩٩١م].

يقول السهروردي صاحب العوارف: "إن منازل السائرين أو السالكين (المقامات والأحوال) كلها مواهب لا مكاسب، إذ المكاسب محفوفة بالمواهب، والمواهب محفوفة بالمكاسب فالأحوال مواجيد والمقامات طرق المواجيد، ولكن في المقامات طرقها". [عبد القاهر السهروردي: عوارف المعارف ص٤٧٠- ٤٧٢ – دار الكتاب العربي – بيروت – ط٢ سنة ١٩٨٣م].

وباختصار فإن رأي السهروردي ومن على شاكلته يمكن أن يلخص في العبارة التالية: إن كل المقامات والأحوال هي في النهاية ما منَّ الله به على عبده.

يقول الحكيم الترمذي: "إن القلب إن كان مع الله تعالى على الفنية تكون على الأحوال والمقامات ... والمريد يطلب الأحوال والمراد تطلبه الأحوال، فاللهَ اللهَ، لا تدخل خلوته حتى تعرف أين مقامك وقوتك من سلطانك". [الحكيم الترمذي في معرفة الأسرار: ٤].

ونطالع في كتاب "كشف المحجوب" للهجويري: "اعلم أن المقام بضم الميم هو الإقامة، وبفتح الميم (المقام) محل الإقامة، وهذا التفصيل في لفظ المقام سهو وخطأ؛ فالمقام بضم الميم في اللغة العربية إنما هو الإقامة ومحل الإقامة، والمقام بضم الميم هو القيام ومحل القيام، وليس محل إقامة العبد في طريق الحق وتقدير حق المقام ومراعاته لذلك المقام حتى يحترمه ويدرك كماله بقدر ما تيسر للإنسان، ولا يجوز أن يتجاوز عن مقامه من غير أن يؤدى حقه" [الهجويري: كشف المحجوب ٢/٤٠نقلا عن د/ قاسم غني: نشأة التصوف الإسلامي ١/٢٩٤- ٢٩٥ – النهضة المصرية – سنة ١٩٧٠م].

أما عن حصر المقامات والأحوال عند الصوفية فليس ثمة موقف واحد منها، إذ يصعب حصر كل منها وبخاصة إذا أدركنا من جهة أن مواهب الحق لا تنحصر، والأحوال مواهب وهي متصلة بكلمات الله التي ينفد البحر دون نفادها، وتنفد أعداد الرمال دون أعدادها، والله المنعم المعطي [عوارف المعارف: ٤٧٣] ومن جهة أخرى فإن كل تجربة صوفية هي تجربة فردية لا يمكن أن تعمم، ولما كان الصوفية لا حصر لهم، فإنه يترتب على ذلك أن عطايا الحق وهباته ومنحه لا يمكن أن تكون متناهية.

أهم المقامات والأحوال

ومع هذا، فثمة اتفاق على أن أهم المقامات: التوبة، الورع، الزهد، الفقر، الصبر، التوكل، الرضا، الشكر، الرجاء، الخوف، المحبة، الإنابة، محاسبة النفس، الإرادة، الصدق، الإخلاص...

أما أهم الأحوال فنجد: القرب، الهيبة والأنس، القبض والبسط، والحياء، الصحو والسكر، الفناء (المحو) والبقاء، الشوق، ومن الملاحظ أن ثمة تداخلًا كبيرًا بين المقامات والأحوال كما سبق أن أشرنا، فالرجاء والخوف يمكن أن يكونا من المقامات ويكونا أيضًا من الأحوال، وقس على هذا الرضا والمحبة ...، إلخ.

ولقد ذكر السهروردي في "عوارف المعارف" في غير موضع أن الأحوال متداخلة مع المقامات حيث قال: "ولا يلوح للعبد حال من مقام أعلى مما هو فيه إلا وقد قرب ترقيه إليه، فلا يزال العبد يرقى إلى المقامات بزائد الأحوال، فعلى ما ذكرنا يصبح تداخل المقامات والأحوال، حتى التوبة فيها حال ومقام، وفي الزهد حال ومقام، والتوكل حال ومقام، وفي الرضا حال ومقام"  [عوارف المعارف ص٤٧١- ٤٧٢].

بقي أن نشير إلى أن المؤرخين اختلفوا فيما بينهم بشأن مصادر التصوف الإسلامي، أَنَشَأ تحت تأثير عوامل خارجية غير إسلامية أم أنه كان قراءة إسلامية محضة لبعض آيات الذكر الحكيم وسنة الرسول، ولا شك أن الصوفية أنفسهم قد انحازوا ودافعوا عن أن الطريق الذي سلكوه في تجربتهم يرجع إلى أصول إسلامية محضة.

ولهذا نجد أن الصوفي حينما يتكلم عن مجاهدة النفس وعن منازلها من مقامات وأحوال إنما يجعل عمدته القرآن والسنة وسيرة الصحابة والتابعين، ففيما يتعلق بمجاهدة النفس نجد قوله تعالى: {أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ٭ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: ٤٠- ٤١] وفيما يتعلق بمقام التقوى أشار الصوفية إلى قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: ١٣] وإلى الزهد بقوله: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: ٧٧] وإلى التوكل بقوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: ٣] وإلى الشكر بقوله: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: ٧] وفيما يتعلق بالصبر نجد قول الحق: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: ١٥٥] وإلى الرضا بقوله سبحانه: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: ١١٩] وإلى الحياء بقوله سبحانه: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: ١٤] وإلى المحبة بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: ٥٤] وهذه الآية – على سبل المثال – بنى الصوفية عليها مذهبهم في الحب الإلهي بنوعيه: حب الله للإنسان، وحب الإنسان لله.

من الآيات الكريمة التي أيد بها الصوفية مذهبهم نجد قول الحق: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:١٧] هذه الآية يقرأها الصوفية على الوجه الآتي: إن الله وحده هو الفاعل المطلق الذي يصدر عنه ويردَّ إليه كل الأفعال ومنها المقامات والأحوال وأن العبد من الرب بمثابة القلم الذي يمسك به ويحركه وتجري به يده فيكتب ما يشاء. [د. محمد مصطفى حلمي، الحياة الروحية والإسلام ص: ٢٧، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ١٩٧٠م].

ومنها قوله سبحانه: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: ٣٥] وقوله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ١١٥]. والصوفية يتخذون من هاتين الآيتين دعامة يقيمون عليها مذاهبهم ووحدة الوجود ووحدة الشهود وتجلى الله في مخلوقاته [المرجع السابق ص: ٢٨].

أما عن الأحوال فقد أشار إليها القرآن الكريم بطريقة أو بأخرى كما يرى الصوفية، فقد ذكر سبحانه: {تَتَجَافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: ١٦] وقال: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت:٥] {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: ٣٤].

أما أن الرسول الكريم كان سراجًا في سماء التصوف، فهذا أمر أكَّده الصوفية كي يؤكدوا شرعية التصوف الإسلامي، فإذا تجاوزنا سيرة الرسول الكريم قبل البعثة التي تؤكد صدقة وأمانته وطهارته، وإذا تجاوزنا حادثة الإسراء والمعراج وهي أيضًا تؤكد عند الصوفية تجربتهم الروحية الحية من كشف وسفر وفناء، إذا تجاوزنا ذلك ووقفنا أمام ما كان يأخذ به الرسول نفسه من تقشف في الملبس والمأكل، ومن عكوف على العبادة والتهجد، حتى لقد نهاه الله عن المبالغة في ذلك بقوله سبحانه: {طه ٭ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَي} [طه: ١- ٢].

وقد أشـار الدكتور مصطفى حلمي إلى أن ما كان يقبل عليه الرسول ويدعو إليه من تعبد وتزهد وتقشف وتقوى وخوف وصبر وشكر ورضا، ألفينا كلامه وعمله في ذلك كله فياضين بالمعاني التي يمكن أن تُعد منبعًا لما أخضع الصوفية أنفسهم له من رياضات ومجاهدات، ولما كانوا يتقبلونه فيه من المنازل والمقامات التي هي عندهم سبيل العبد إلى تصفية نفسه وتنقية قلبه، وعونه على الفناء عن نفسه وبقائه بربه وشهود له. [أ.د/ محمد مصطفى حلمي: الحياة الروحية في الإسلام ص١٨، وراجع كذلك ص١٢ وما بعدها، ١٧، ١٨ -٢٠].

وفضلا عما سبق فإن الإسلام نفسه -كما يرى نيكلسون- قد مهد الطريق للتصوف من باب آخر، وهو أن الدين الإسلامي دين من أهم أركانه الإيمان بالحياة الآخرة وبالعذاب لمن طغى وعصى وتكبر، وبالنعيم لمن آمن واهتدى، وهذا الإيمان المتعلق بالحياة الآخرة من شأنه أن يفرض على الإنسان سلوكًا معينًا تمثل هذا في التجربة الصوفية عند المسلمين. [راجع: د. فيصل عون: التصوف الإسلامي في الطريق والرجال، ص: ٨٢- ٨٧، مكتبة سعيد رأفت ١٩٨٣م القاهرة].

الخلاصة

المقامات هي درجات روحية يصل إليها الصوفي بجهده ومجاهدته، مثل التوبة والزهد والتوكل. أما الأحوال فهي هبات إلهية وعطايا من الله ترد على القلب دون سعي من العبد، مثل الشوق والقبض والبسط. ورغم هذا التمييز، يرى بعض الصوفية أن كليهما في النهاية منحة إلهية يمنّ الله بها على عباده.

موضوعات ذات صلة

نشأ مصطلح "الحب الإلهي" في التصوف الإسلامي بالقرن الثاني الهجري على يد رابعة العدوية، التي نقلت العبادة من دافع الخوف والطمع إلى دافع الحب الخالص لله. 

البسط والقبض حالتان صوفيتان مترابطتان، تمثلان مظهرًا لأسماء الله الحسنى "القابض والباسط".

الغَيبَة من غاب عن الشيء وهي في اصطلاح الصوفية  غيبة القلب عن علم ما يجري وتشمل غيبة السالك عن الرسوم لقوة نور الكشف في القلب والغيبة عن النفس.

موضوعات مختارة