في البداية لابد من التأكيد على أن الصوفية جميعًا يذهبون
إلى أن الله -سبحانه -قد اصطفي من عباده فئة "أودع فيها لطائف أسراره وأنواره
لاستبصار ما ضمنه من دقيق إشاراته وخفي رموزه بما لوح لأسرارهم من مكنوناته،
فوقفوا بما خُصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم". (القشيري: لطائف الإشارات، المجلد
الأول، ص ٢٣)
ولقد ذكر السلمي في
تفسيره، نقلاً عن جعفر الصادق، القول: "كتاب الله على أربعة أسماء: العبادة،
والإشارة، واللطائف، والحقائق. فالعبادة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف
للأولياء، والحقائق للأنبياء". (نقلاً عن كامل
الشيبى في كتابه "الصلة بين التصوف والتشيع، ص ٤١٨)
وقد سبق أن ذكرنا أن الوقوف عند الظاهر والسعي إلى فهمه
هو فحوى "التفسير"، أما تجاوز الظاهر إلى الباطن وفهمه والتعبير عنه بلغة
رمزية هو التأويل بعينه.
على أن المرء يمكن أن
يجتهد في أي فن من العلوم ويكون له في هذا الفن شأن كبير اللهم إلا في التصوف الذي
هو في عرف الصوفية "اصطفاء من الله": أما أن تكون مستنبطا للإشارة من
العبارة فهذه خصوصية فريدة لابد أن يسبقها إجتباء إلهي. ويضيف القشيري في لطائفه
"إما أن تُقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر، فهذه مسألة
ينبغي أن تقترن بجهود مضنية في تصفية النفس والقلب من كل العلائق وتخليتهما عن كل
الشواغل الدنية وتحليتهما بكل الأوصاف السنية".(لطائف الإشارات،
المجلد الأول، ص ٢٣.)
فيما يتعلق بالحروف
المقطعة في أوائل السور، يرى القشيرى أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا
الله. ومع هذا سمح لنفسه الاجتهاد في بعضها، فقال – على سبيل المثال –
"الم": الألف من اسم الله، واللام تدل على اللطيف، والميم تدل على اسم
المجيد والملك.
وقيل الألف تدل على
اسم الله، واللام على اسم "جبريل" والميم تدل على اسم "محمد" -صلى الله عليه وسلم- .
ويضيف القشيري: إن الألف من بين سائر الحروف
انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف تتصل بها، إلا أحرف
يسيرة.
فلينتبه العبد عند
تأمل هذه الصفة لاحتياج الخلق بجملتهم إليه واستغنائه عن الجميع. (المرجع
السابق، جـ١، ص ٢٩.)
وفي تأويله لـ
"بسم الله" يقول: الباء: بره بأوليائه، والسين: سره مع أصفيائه، والميم
مننه على أهل ولايته. (المرجع السابق، ص
٤٤.)
وفي موضع لاحق يقول:
"وقوم عند سماع بسم الله تذكروا بالبراء، براءة الله -سبحانه وتعالى -من كل
سوء، وبالسين سلامته سبحانه عن كل عيب، وبالميم مجده سبحانه بعز وصفه. وآخرون
يذكرون عند الباء: بهاءه، وعند السين: سناءه، وعند الميم: ملكه.
وعن تأويل قوله تعالى: {كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }(البقرة: ٢٨).
يقول القشيري: وكنتم أمواتًا..
يعنى نطفة أجزاؤها متساوية فأحياكم بشرًا، اختص بعض أجزاء النطفة بكونه عظما
وبعضها بكونه لحما، وبعضها بكونه شَعْرا... ثم يُميتكم بأن يجعلكم عظامًا ورفاتًا،
ثم يُحيكم بأن يحشركم بعدما صرتم أمواتًا، ثم إليه تُرجعون، أى إلى ما سبق حكم من
السعادة والشقاوة.
ويقال: كنتم أمواتًا
بجهلكم عنا، ثم "أحياكم" بمعرفتكم بنا، ثم يُميتكم عن شواهدكم، ثم
يُحييكم به بأن يأخذكم عنكم، ثم إليه تُرجعون أي: يحفظ أحكام الشرع بإجراء الحق..
ويقال: "كنتم
أمواتا" لبقاء نفوسكم، فأحياكم بفناء نفوسكم، ثم يُميتكم عنكم عن شهود ذلك
لئلا تُلاحظوه، فيفسد عليكم، ثم يُحيكم بأن يأخذكم عنكم، ثم إليه تُرجعون في قبضته
سبحانه وتعالى.
ويقال: يحبس عليهم
الأحوال: فلا حياة بالدوام، ولا فناء بالكلية، كلما قالوا: هذه حياة وبينا (لعلها
وبينما) هم كذلك – إذا أدل عليهم فأفناهم فإذا صاروا إلى الفناء أثبتهم وأبقاهم.
فهم أبدًا بين نفي وإثبات، وبين بقاء وفناء، وبين صحو ومحو، كذلك جرت سننه سبحانه
معهم. (لطائف الإشارات، جـ١، ص ٧٣.)
وعن تأويل قوله
سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي
وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } (التوبة:١١٦) يقول القشيري: سُننه سبحانه أن يجذب أولياءه
عن شهود مُلْكِه إلى رؤية مِلْكِه ثم يأخذهم من مطالعة ملكه إلى شهود حقه، فيأخذهم
من رؤية آياته إلى رؤية صفاته، ومن رؤية صفاته إلى شهود ذاته. (المرجع
السابق، جـ١، ص ١١٢.)
وعن
قوله سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ
مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا
كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ} (البقرة:١١٤) .
يقول القشيري: الإشارة هنا إلى أن الظالم
من خَرَّب أوطان العبادة بالشهوات، وأوطان العبادة نفوس العابدين. وخرَّب أوطان
المعرفة بالمنى والعلاقات، وأوطان المعرفة قلوب العارفين وخَـرَّب أوطــان المحبـــة
بالحــظـــوظ والمساكنات، وهي أرواح الواجدين، وخرّب المشاهدات بالالتفات إلى
القربات وهي أسرار الموحدين. (المرجع السابق، جـ١، ص
١١٥ – ١١٦.)
وعن
قوله سبحانه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ }(البقرة: ١٥٢)
يقول القشيري: الذكر استغراق
الذاكر في شهود المذكور ثم استهلاكه في وجود المذكور، حتى لا يبقى منك أثر يذكر،
فيقال: قــد كــان مرةً فلان. "فاذكــرونــي أذكــركــم" أي كونـــوا
مستهلكين في وجودنا نذكركم بعد فنائكم عنكم... وطريقة أهل العبارة: {فاذكروني}
بالموافقات، "أذكركم.. بالكرامات". وطريقة أهل الإشارة: "فـاذكـــرونــي"
بتــــرك كــل حـــظ، "أذكركم" بأن أقيمكم بحقى بعد فنائكم عنكم.
"فاذكروني" بقطع العلائق "أذكركم" بنعوت الحقائق. (لطائف
الإشارات، المجلد الأول، ص ١٣٧.)
أما على الجانب الآخر
أقصد الفلاسفة الإشراقيين وبعض رجالات التصوف فإنه يصعب حصر هؤلاء من جهة، كما
يصعب سرد كل اجتهاداتهم بشيء من التفصيل، من جهة أخرى.
فلا شك أن قصة
"حي بن يقظان" تُمثل، بصورة أو أخرى، علاقة الإنسان بالله، سواء كان هذا
الإنسان فيلسوفًا، أو فيلسوفًا إشراقيًا، أو متصوفًا، كما هو الحال بالنسبة لكل
من: ابن طفيل، وابن سينا، ثم السهروردي.
كذلك لابد من أن نشير هنا إلى "رسالة
الطير" لكل من ابن سينا، والغزالي، فضلاً عن "منطق الطير" لفريد
الدين العطار... حيث تتسم هذه الأعمال الكبرى بالأسلوب الرمزي، الأمر الذي يتطلب
اللجوء إلى آلية التأويل لفك "شفرات" بعض رموز هذه التجربة، حتى يتمكن
المرء – إن استطاع – ولوج هذا النفق الطويل الذي يصعب دخوله... وحتى إن دخله المرء
فإنه يصعب عليه السَّيْر فيه، وحتى إنْ سار فيه، فثمة شك كبير في أن يصل إلى
النهاية، رغم المعاناة التي عاناها وعاينها طوال هذه الرحلة التي قد تتوج بالكشف
والمشاهدة والفناء حيث البقاء.
ولقد وقف نفر من كبار
رجالات التصوف عند أربع محطات كبرى (درجات) من مراحل التوحيد:
الدرجة الأولى من درجات التوحيد هي درجة من
يقولون لا إله إلا الله، وهي درجة سائر الناس ممن لا يضيفون الألوهية إلا إلى
الله.
الدرجة الثانية من درجات التوحيد هي درجة من
يقولون: لا هو إلا هو، وهؤلاء ينفون عن "الهو" الإلهي كل أنواع
"الهو" أعني أنه لا أحد غيره "هو" يقدر على أن يسميه
"هو" لأن كل "هو" يصدر عنه ويشتق منه.
الدرجة الثالثة من درجات التوحيد هي درجة من
يقولون: لا أنت إلا أنت. والذين ينطقون بهذا أسمى من السابقين، لأنهم لا يسمون
الله بضمير الغائب وكأنه شيء غائب، وينكرون كل "أنت" تريد أن تشهد على
نفسها بهذا.
الدرجة الرابعة والأخيرة، هي درجة
من يقول: "لا أنا إلا أنا"، مع ملاحظة أن الأنا عند الصوفي ليس هذا
"الأنا" الذي يقول "أنا"، وإنما هو الأنا الذي فُصل عن الأنا
"أنا" تجاوزًا من الله إلى الإنسان، أي تقال على الإنسان على سبيل
المجاز. (راجع شخصيات قلقة في الإسلام، ص ١٢١.)
هذه الدرجات الأربع
تأتي مطابقة لما سبق أن نادى وجاهر به البسطامي (٢٦١هـ) حيث قال إنه قد حج مرة
فرأى البيت، ثم حج مرة ثانية فرأى البيت وصاحبه، وفي الحجة الثالثة لم ير البيت
ولا صاحبه.. والحج هنا رمز للسفر الروحي. (راجع: التصوف
الثورة الروحية في الإسلام، ص ١٧٩).