Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الرمز والتأويل عند الصوفية

الكاتب

أ.د/ فيصل عون

التأويل

التجربة الصوفية هي حالة وجدانية وشخصية لا يمكن تعميمها أو إثباتها علميًا، وتعتمد على الحدس لا على الحس والعقل. هذا التفرد يجعل الصوفية يجدون صعوبة في التعبير عنها باللغة العادية، فيلجأون إلى الرمزية والإشارة. لذلك، يصبح التأويل ضرورة لفهم أقوالهم وكتاباتهم. 

مفهوم التجربة عند الصوفية

مفهوم التجربة بالمعنى العلمي يختلف كل الاختلاف عن مفهوم "التجربة" في فضاء التصوف بوجه عام.

 ذلكم أن التجارب في ميدان العلم من صفاتها أنها تعمم، وتتكرر، لما لها من صفة "الموضوعية" حيث يتم بالضرورة التحقق من صدقها أو عدم صدقها. أما فيما يخص الحياة الروحية فإن التجربة تبدأ من "الفرد" وتنتهي عنده، لأنها شديدة الخصوصية، ومن ثم فإن من صفاتها الذاتية والأساسية أنها لا يمكن أن "تُعمم" حيث يستحيل التحقق من صدقها أو عدم صدقها.

إن التجربة الصوفية، أو لنقل حالة الوجد التي يحياها الصوفي، لا تعتمد على حسٍ أو عقلٍ، بل على حدس خاص. إنها حالة شعورية خالصة من المحال نقلها إلى الآخر. لهذا لا يحق لأحد أن يحكم بالصدق أو الكذب على مثل هذه الحالات الشعورية الوجدانية، ولعل ذلك راجع إلى عدم وجود معيار أو مقياس يمكن – على ضوئه – أن نتحقق من صدق الصوفي أو عدم صدقه.

علينا في هذا الصدد: إما أن نُصدق الصوفي فيما يقول ويفعل، أو لا نُصدقه. على أنه لا يحق لنا أن نطالبه بإقامة "البرهان" و "الدليل" على ما يقول، وعلى ما يعانيه ويعاينه.

لقد تجاوز الصوفي مرحلة البرهان (العقل)؛ ولهذا يقول أبو العلا عفيفي: "إن الناس في أمر الصوفي بين شيئين إما أن يُصَدِّقوا ما يُخبرهم به (الصوفي)، أو يَضْربوا بكلامه عرض الحائط". (أبو العلا عفيفي: التصوف الثورة الروحية في الإسلام، ص١٤)

ولما كانت نقطة انطلاق الصوفية هي "الحدس"، ترتب على ذلك عجز الصوفية جميعًا عن التعبير، تعبيرًا حقيقيًا، عن تجربتهم الروحية لأن اللغة، فضلاً عن أنها وعاء الفكر، فإنها في واقع الأمر، إما أن تعتمد على المحسوسات مباشرة، وإما إن تستند، في نهاية المطاف، إلى أمور حسية. إن الصوفية جميعًا لا يعترفون بالحس والعقل كمصدرين وحيدين للمعرفة يمكن الاطمئنان إليهما، والاعتماد عليهما في "ولوج الحياة النورانية الخالصة".

ولما كان الهدف الذي يسعى إليه الصوفية جميعًا هو حالة من حالات العيان المباشر، حيث يتم المحو، حيث الفناء، ومن ثم البقاء، فإن هذه الحالة لا تحدث إلا بعد تجاوز الصوفي مرحلتي الحس والبرهان (العقل).

إن الصوفية يسعون إلى حالة من حالات التوحد، سواء كان وحدة شهود، أو وحدة وجود، وهذه حالة من المستحيل أن يُعبِّر عنها الصوفي بلغة حسية، لكن الصوفي، في عين الوقت، يجد نفسه مضطرًا إلى التعبير عن هذه التجربة الفريدة التي هي شديدة الخصوصية وشديدة التفرد بلغة حِسية.

هنا تكمن المفارقة: حالة الوجد حالة ذاتية، من المحال التعبير عنها، لكن الأمر يقتضي، في عين الوقت، أن يبوح الصوفية بما يشعرون به، ولهذا فإنهم يلجئون إلى اللغة "الحسية".

الرمزية من سمات لغة الصوفية

إذا كان الأمر كذلك فإن من سمات لغة "الصوفية" أنها لغة "رمزية"، ولهذا "إذا تحدثت رابعة العدوية (على سبيل المثال) عن الحب الإلهي، أو القديسة كاترين عن "الزواج الروحي" قلنا: هذا شعور جنسى مُقَنّع.

وإذا قال أبو اليزيد البسطامي: إنه رأى في المنام أنه ضرب خيمته بجوار العرش، قلنا: هذا الرجل يهذي .. وإذا ذكر الصوفية كلمة "النكاح" .. أو "الخمر"، أو ما ماثل ذلك، قلنا: هؤلاء قوم محرومون، استولى عليهم سلطان شهوة مكبوتة. وكذلك إذا تغنوا بحب "ليلى" و"سعدي"، وبجمال الثغر، وسواد الشعر، وامتشاق القوام، قلنا: قوم استغرقوا في المادية ولذائذها".

لهذا كثرت اتهامات الصوفية في أقوالهم في الحب الإلهي عن أحد طريقين: إما عدم تأويل هذه الأقوال، أو إساءة تأويلها قصدًا أو عن غير قصد. (التصوف الثورة الروحية في الإسلام، ص ٢٤٩ – ٢٥٠)

على ضوء ذلك فإن الصوفي لا غنى له عن لغة الرمز والإشارة، واصطناع أساليب التمثيل، والتصوير، لكي يُترجم عن أحواله ويعبر عن مواجيده وأذواقه، مهما يكن في لغة الرمز من قصور عن التعبير، لأن موضوعات تجاربه خارجة عن نطاق الموضوعات الحسية والعقلية التي تُعبر عنها اللغة الوضعية الاصطلاحية. [المرجع السابق، ص ٢٤٩].

وهذا ما عبر عنه "ستيس" في كتابه "التصوف والفلسفة" بالقول: "إنَّ تعذر التعبير عن حقائق التصوف بألفاظ اللغة راجع أساسًا إلى أن اللغة مصبوبة في قوالب العقل، والصوفي بالضرورة يعيش في العالم المكاني – الزماني، حيث قوانين المنطق.

ولما كانت تجربته تنتمي إلى عالم آخر هو عالم الواحد لا الكثير، فهو حين ينتهي من تجربته ويريد أن ينقل مضمونها إلى الغير، من خلال عملية تذكر لها، تخرج الكلمات من فمه، فيدهش حين يجد نفسه يتحدث بالمتناقضات. وهنا يتهم اللغة بالقصور، ويعلن أن تجربته مما لا يمكن التعبير عنه". (التصوف والفلسفة، ص ٣٠٤-٣٠٥)

ولهذا فإننا في قراءتنا لأصحاب التصوف ينبغي أن نميز في أقوالهم بين ظاهر اللفظ وبين باطنه.

فالصوفي يتحدث عن الشهود فيصفه بأنه فيض من النور الإلهي الذي ينغمس وينكشف به سر الخليقة.

ويتحدث عن الحب فيصفه بأنه نار محرقة تنمحي فيها الشخصية الفردية ويفنى فيها المحب في المحبوب. ويتحدث عن الحرية فيصفها بأنها الانطلاق من قيود العبودية إلى سعة فناء السرمدية. ويشبَّه النفس بطائر يحن أبدًا إلى الرجوع إلى وطنه الأول. ويتحدث عن الخمر، والسكر، والساقي، وعن المغانى والأطلال.. وعن ليلى، ولبنى، وعزه، وسلمى، كما يتحدث عن الوصال، والعناق، والتلاقي، والفراق، والهجر، والأنس، والوحشة، وغير ذلك من ألفاظ الغزل الإنساني". (التصوف الثورة الروحية في الإسلام، ص ٢٤٨)

لهذا فإن من المألوف أن يلجأ الصوفية إلى هذا الأسلوب الرمزى للتعبير عن حالتهم الشعورية، هذا الأسلوب الذي يجمعهم جميعًا فيما بينهم من حيث الفهم المشترك لانتمائهم إلى فضاء واحد هو فضاء التصوف.

كيفية استخدام الأسلوب الرمزي عند الصوفية

وفضلاً عما سبق فإن الصوفية يلجأون إلى استخدام الأسلوب الرمزي كنوع من أنواع "التقية" حيث يستطيعون من خلال هذا الأسلوب وبواسطته التعبير عما يؤمنون به من جهة، وما قد يرغبون فيه من إيصال رسائل "فكرية" إلى من يحيطون بهم من جهةٍ أخرى، بحيث لا يتمكن المتربصون بهم من إيقاعهم في شراك الكفر والزندقة والهرطقة، فضلاً عن الخروج على الحكام .. لأن للصوفي، في نهاية المطاف، موقفًا واضحًا من مفهومي الحرية والعبودية، الأمر الذي له، بطبيعة الحال، أبعاده السياسية.

في هذا السياق يقول عبد الرحمن بدوي: إن عالم الأولياء (الصوفية) عالم رمزى خالص ابتدعته هذه الأرواح النبيلة العالية ليخلقوا للإنسان معاني جديدة على الأرض. إنهم كالشعراء يخلقون عوالم خاصة بهم يهرب إليها الإنسان، أو بالأحرى يحيا فيها الطامحون بأبصارهم إلى ما فوق التراب يأسًا من عالم الفعل والواقع، وشحذًا للهمم إلى عالم أسمى، عالم إنسانى مع ذلك.

والأولياء من أجل هذا يجذبون العلوي إلى الأرضي، ويرفعون الأرضي إلى العلوي، حتى يتألف من هذا المزيج الجديد عالم جديد يهيبون بالنفوس الظامئة إلى المُثل العليا أن تدخل فيه، ولو للحظات، من حياتهم اليومية؛ لهذا نراهم يُمجدون الإنسان في الله، ويُمجدون الله في الإنسان. إنهم يسعون إلى الباطن حينما يرون الناس عاكفين على الظاهر، ويطلبون الحقائق بينما يطلب غيرهم الوقائع. إننا نشاهد اللامعقول يصرخ في معظم أحداث الحياة ووقائعها، فكيف نريد منهم أن يقتصروا على العقل، ولا ينشدوا ملكة أخرى للإدراك. (عبد الرحمن بدوي: أبو مدين وابن عربي، مقال في الكتاب التذكاري عن محي الدين بن عربي، ص ١١٦، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة ١٩٦٩م)

لغة الصوفي إذًا هي لغة رمزية، وما دامت لغة رمزية فإن "التأويل" أمر لا مناص منه في قراءتنا لكتابات الصوفية وما فيها من شطْح، وسُكْر، وقبض، وبسط، ومحو، وفناء، ومشاهدة، ومعاينة، وتوحد...الخ.

يقول القشيري "اعلم أن من المعلوم أن كل طائفة من العلماء لهم ألفاظ يستعملونها، انفردوا بها عمن سواهم، تواطئوا عليها لأغراض، لهم فيها من تقريب الفهم على المخاطبين بها، أو تسهيل على أهل تلك الصنعة في الوقوف على معانيهم بإطلاقها. وهذه الطائفة يستعملون ألفاظًا، فيما بينهم، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم والإجماع والستر على من باينهم في طريقتهم لتكون معاني ألفاظهم مُسْتَبْهَمة على الأجانب غِيرَةً منهم على أسرارهم، أن تشيع في غير أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعةً بنوع تكلُّفٍ أو مجلوبةً بضرب تصرف، بل هي معانٍ أودعها الله تعالى قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم". (عبد الكريم القشيري: الرسالة القشيرية، ص ٣١)

مفهوم التأويل

ثمة تعريفات كثيرة للتأويل .. وكلها تُؤدى في النهاية إلى فهم واحد له.

 التأويل من حيث اللغة، مشتق من آل إليه .. رجع وصار. ويقال: آل الشيء: رده، وآل الرعية: ساسهم. أول الشيء: أرجعه. يقال في الدعاء، لمن فقد شيئا: أول الله عليك ضالتك. وأول الكلام: فسَّره، ورده إلى الغاية المرجوة منه. وآل الرؤيا عبرها، وآل الكلام أوله. (راجع ابن تيمية: الإكليل في المتشابه والتأويل، ص ٢٤)

وقيل: التأويل مصدر أوله يؤوله تأويلاً مثل حَوّلَ تحويلاً وعوّلَ تعويلاً، وقولهم آل يؤول: أى عاد إلى كذا ورجع إليه. (المعجم الوسيط، جـ١، ص٣)

وقيل أيضًا: التأويل في كلام العرب: المرجع والمصير ... مأخوذ من آل يؤول إلى كذا، أى صار إليه. وأولته: صيرته إليه. وقيل التأويل تفعيل من آل يؤول، وهو الذي يُستجار به في الشدة ويُفزع إليه عند عارض النائبة. فتأويل القرآن كذلك. [راجع: محمد سالم إقدير: العقائد الفلسفية المشتركة بين الفرق الباطنية، ص ٦٤]

التأويل اصطلاحا:

أما عن التأويل بالمعنى الاصطلاحي فنطالع في كتاب التعريفات للجرجاني:

التأويل في الأصل: الترجيح.

 وفي الشرع صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله، إذا كان المحتمل الذي يراه موافقًا للكتاب والسُنة، مثل قوله تعالى: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} (يونس، ٣١)، إن أراد به إخراج الطير من البيضة، كان تفسيرًا، وإن أراد به إخراج المؤمن من الكافر، أو العالم من الجاهل، كان تأويلاً. (التعريفات للجرجاني، ص ٤٣.).

مفهوم التفسير

وجاء في كشاف اصطلاحات الفنون "التفسير بيانُ لفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا. والتأويل توجيه لفظ متوجه إلى معانٍ مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة.

وقال الماتريدي: التفسير: القطع، القطع على أن المراد من اللفظ هذا ... والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون القطع...

وقال أبو طالب الثعلبي: التفسير بيان وضع اللفظ إما حقيقةً أو مجازًا، كتفسير الصراط بالطريق، والصّيْب بالمطر، والتأويل تفسير باطن اللفظ مأخوذ من الأول وهو الرجوع بعاقبة الأمور. فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد، لأن اللفظ يكشف عن المراد. والكاشف دليله كقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ} [الفجر:١٤] تفسيره أنه من الرصد، يقال: رصدته: رتبته والمرصاد مفعال منه. وتأويله التحذير من التهاون بأمر الله والغفلة عن الأُهْبة – والاستعداد للعرض عليه. وقيل: التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية". (كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، ص ١١٦)

وفي شرحه لهياكل النور للسهروردي، يقول: "الدواني": التأويل هو إرجاع صور الأوضاع الشرعية إلى عالمها، والمعاني التي هي لها، وكشف تلك الحقائق من تحت تلك الصور. (راجع هياكل النور للسهروردي الاشراقي، ص ١٠٤)

كذلك قيل: التأويل صرف الآية إلى معنى تحتمله إذا كان المحتمل الذي يوافق الكتاب والسُنة. ولذلك فهو يختلف باختلاف حال المؤول من صفاء الفهم ورتبة المعرفة. قال "أبو الدرداء": لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة. وهذا كل محرض لكل طالب صاحب همة أو يُصفي موارد الكلام ويفهم دقيق معانيه. (عبد المنعم الحني: معجم مصطلحات الصوفية، ص ٤١)

أما ابن تيمية فقال: التأويل في عُرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة، ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجح لدليل يقترن به. وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف ... والمتأول عليه وظيفتان: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه، وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر، (وهذا هو التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات)

وأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان: أحدهما تفسير الكلام أو بيان معناه.. فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفًا ..

والمعنى الثالث من قسمي التأويل هو نفس المراد بالكلام، فإن الكلام إن كان طلبًا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرًا... فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضيةً أو مستقبلةً". (ابن تيميه: الإكليل في متشابه التأويل، ص ٢٣ – ٢٤)

ويقول ابن قيم الجوزية: إن التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه فمرادهم به: التفسير والبيان. أما التأويل الشائع، في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه، هو صرف اللفظ عن ظاهره.

وعرفه الألوسي (شهاب الدين) بقوله: "إن التأويل إشارة قدسية ومعارف سبحانية تنكشف عن سجف العبارات للسالكين وتنهل سُحب الغيب على قلوب العارفين، وقيل: التأويل تفسير اللفظ بمعنى لا يدل عليه الظاهر بحيث يدل اللفظ على شيء ويفسر بشيء آخر.

وقيل أيضًا: التأويل: هو التحول، والانتقال من المعنى الظاهري والمباشر، المستفاد من النصوص الدينية، إلى معنى آخر عقلي ومجازي". (راجع محمد سالم إقدير: العقائد الفلسفية المشتركة بين الفرق الباطنية، ص ٦٦ – ٦٧.)

وورد في المعجم الفلسفي أن تأويل الكتب المقدسة تأويلاً رمزيًا يشير إلى معانٍ خفيةً.

هذه هي بعض تعريفات التأويل، والتي لاحظنا من خلالها أن فريقًا من العلماء والدارسين قد سوى – أحيانا – بين التأويل وبين التفسير، بينما أكد فريق آخر وجود اختلاف رئيسي بين المفهومين، أو إن شئت، المصطلحين.

 وهنا نؤكد على أن "التفسير" مشتق من الفسر، وهو البيان والكشف. ويقال هو مقلوب السفر، نقول: أسفر الصبح إذا أضاء. وقيل مأخوذ من التفسرة. إن التفسير يُعنى الكشف والإظهار. وفي الشرع توضيح معنى الآية وشأنها وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة. (التعريفات للجرجاني، ص ٥٥)

ويقول شهاب الدين السهروردي (أبو حفص عمر بن محمد): التفسير علم نزول الآية وشأنها وقصتها والأسباب التي نزلت فيها، وهذا محظور على الناس كافة القول فيه إلا بالسماع والأثر.

 وبهذا المعنى يرى السهروردي أن التفسير هنا مباين للتأويل، الذي هو عنده: صرف الآية إلى معنى تحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه يوافق الكتاب والسُنة. (شهاب الدين السهروردي: عوارف المعارف، ص ١٦٤)

وقيل كذلك عن التفسير إنه الشرح والبيان: الفسر الإبانة وكشف المغطى. واستفسرته سألته أن يُفسِّر لي. وقيل: التفسير كشف المراد عن اللفظ المُشْكِل. وقد ورد لفظ تفسير في موضع واحد في القرآن الكريم: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} (الفرقان: ٣٣)

والمقصود الوضوح والجلاء والبيان. (راجع محمد إقدير: العقائد الفلسفية، ص ٧٠)

بهذه الدلالة لمصطلح التفسير يكون علم التفسير علمًا يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي يحمل عليها حال التركيب وغير ذلك. كمعرفة النسخ، وسبب النزول، وقصة توضيح ما أُبهم في القرآن ونحو ذلك. أضف إلى هذا أن التفسير كعلم عُرف بأنه يبحث عن أحوال الكتاب العزيز من جهة نزوله، وسنده، وأدائه وألفاظه، ومعانيه المتعلقة بالألفاظ والمتعلقة بالأحكام. (العقائد النسفية، ص ٧٠.)

وقد ميز ابن تيمية بين التفسير والتأويل في عبارات موجزة، قائلاً: ثمة فرق بين معرفة الخبر وبين المُخْبَر بِه، فمعرفة الخبر هي معرفة تفسير القرآن، ومعرفة المُخْبَر به هي معرفة تأويله. (ابن تيمية: الإكليل في المتشابه من التأويل، ص ١٧.)

  إن الله -سبحانه -إنما أنزل القرآن ليُعلم ويُفهم، ويفقه، ويتدبر، ويتفكر فيه: محكمه ومتشابهه، وإن لم يعلم تأويله.

تأسيسًا على كل ما سبق نستطيع القول إن التفسير يتضمن من الجهة الاصطلاحية التأويل: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (الإسراء: ٣٥) أي: أحسن تفسيرًا. لكن هذا لا يعنى أن التفسير هو التأويل في كل الأحوال، لأن التأويل في نهاية المطاف ترجيح دلالة على دلالة أخرى أو عدة دلالات.

أما التفسير فإنه يعنى، في المقام الأول، بيان معنى اللفظ وإظهاره، وإجلائه.

ولهذا نحن نوافق على ما قيل من أن "التفسير خاص بالآيات المحكمات لتفصيل مجملها وشرح غامضها، أما التأويل فإنه ينصب على المتشابهات لبيان دلالتها الصحيحة.. ويكون التأويل للراسخين في العلم السِّرى الباطن... وأما أصحاب العلم الظاهر فليس لهم أن يؤولوا وإنما ميدانهم التفسير فقط".

في هذا السياق يقول حسن حنفي "التفسير Exegesis هو مجرد إخراج النص من حيز العبارة إلى حيز اللغة، والإعراب تفسير النص إلى الخارج، كما يعنى ذلك حرفا ex، في حين أن التأويل هو إدخال النص إلى الداخل، إلى أعماق النفس، كما يقتضي ذلك حرفا in.

 التفسير مهمة علماء التفسير وعلماء أصول الفقه، في حين أن التأويل من اختصاص علماء أصول الدين والفلاسفة والصوفية. (راجع: حسن حنفي: إشكالية التأويل، تحليل فينومينولوجي، ص ٢٤.)

ونطالع في دائرة المعارف الإسلامية أن الصوفية وإخوان الصفاء والشيعة والمدارس الفكرية التي لم تمرق من الإسلام(!!) ولكنها انحرفت، إلى حد ما، عن طريق السُنة، وجدوا جميعهم في التأويل أداةً صالحة لجعل آرائهم متفقة مع المعنى الحرفي للقرآن، بل ذهبوا إلى حد استنباط آرائهم من نصوصه.

وإلى جانب التفسير الحرفي لنصوص القرآن نشأ تفسير رمزي النزعة وَجَدَ في ثنايا القرآن أفكارًا بعيدةً عن المألوف".

التأويل ضرورة معرفية ودينية

إن التأويل، فيما نرى، ضرورة معرفية ودينية في آن واحد.

 ذلكم أن فهم النص، أي نص، سواء كان مقدسًا أو غير مقدس، لا يمكن أن يستقيم فهمه إلا بآلية التأويل، تلك الآلية التي تفرضها فرضًا طبيعة اللغة العربية بوجه خاص. أضف إلى هذا أن لغة القرآن الكريم، التي هي من عند الله الحكيم، الذي يخاطب العقل البشري القاصر والمحدود، تراعي تباين المتلقين للخطاب الديني، من حيث مستوياتهم الفكرية من جهة، كما أن هذه اللغة تتحدث، من جهة أخرى، عن أمور كثيرةٍ، ليست حسيةً، لكن لا مناص من استخدام اللغة الحسية في مخاطبة المبعوث إليهم الرسول، رحمة لهم من جهة رب العالمين. 

إن العقل البشري بوضعه هذا عاجز عن أن "يحيط علمًا" بفهم القرآن على حقيقته، ومن ثم يصعب عليه أن يقبض على الحقائق الكبرى الواردة في القرآن، سواء ما يتعلق بها وبالإنسان وبالكون ككل.

ولعل هذا كان الدافع لما صرح به "الكوثري" بالقول: إن من أبى التأويل في القرآن والسُنة فهو متحجر الدماغ جامد خامد، ومن توخى التأويل في الجميع فهو قرمطي هالك.

 وأهل الحق يرون الأخذ بالظاهر في محله والتعويل على التأويل في موضعه. والتأويل هو بيان مآل ما يحتاج إلى النذير من القول، وتبين ما يؤول إليه الكلام". (راجع المقدمة التي كتبها محمد زاهد الكوثري، من تحقيقه لرسالة "قانون التأويل للغزالي"، ص ٣)

إن التأويل أضحى أمرا ضروريا لأنه "يحقق الوئام النظرى بين الأنا والعالم، والاتساق بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. الذات تريد المعرفة بحواسها وذهنها والواقع عَصُّى عليها بعلاماته ودلالاته، هنا يأتى التأويل ليبنى الجسور المعرفية بين الذات والموضوع حتى يُصبح العالم مفهوما تستطيع الذات أن تعيش فيه وتتعامل معه". (حسن حنفي: إشكالية التأويل، ص ٢٤.)

بعد أن ذكر الغزالي في رسالته "قانون التأويل" الحاجة الملحة إلى آلية التأويل في فهم النص، تحدث عن خمس فئات من المؤوِّلين. يقول الغزالي: "بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر.

والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق. والمتوسطون انقسموا إلى من جعل المعقول أصلاً والمنقول تابعًا، فلم تشتد عنايتهم بالبحث عنه، وإلى من جعل كل واحدٍ أصلاً ويسعى في التأليف والتوفيق بينهما.

فهم إذن خمس فرق:

أ -الظاهريون، جرَّدوا النظر إلى المنقول.

ب -العقليون الخلص الذين لم يكترثوا بالنقل.

جـ -الذين جعلوا المعقول أصلاً (حيث) جحدوا الكثير.

د   -الذين جعلوا المنقول أصلاً، فظهر لهم التصادم بينه وبين المعقول.

هـ -الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحد منهما أصلاً مهمًا، المنكرة لتعارض العقل مع الشرع وكونه حقًا.

ويضيف الغزالي في عبارات، غاية في الدقة والموضوعية: من كَذَّبَ العقل، فقد كَذَب الشرع، إذ بالعقل عُرف صدق الشرع. ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبى والمتنبي، والصادق والكاذب. كيف يكذب العقل بالشرع وما ثبت الشرعُ إلا بالعقل. وهؤلاء هم – عند الغزالي – الفرقة المحقة. (الغزالي: قانون التأويل، ص ٧ – ١٠) 

ضوابط التأويل

على أن ثمة ضوابط ينبغي أن يراعيها كل من يلجأ في فهمه للنص إلى آلية التأويل. من أهم هذه الضوابط:

١- لا ينبغي الطمع في الاطلاع (التأويــــل) على كل شيء. قال تعالى: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} (الإسراء: ٨٥)، ومن ثم فإن تأويل البعض ليس حجة على نفي سائر الاجتهادات الأخرى، لأن الحقيقة المطلقة لا يمكن أن ينالها فرد، ومن ثم فإن المعرفة الإنسانية هي في النهاية معرفة نسبية.

٢- لا ينبغى التكذيب ببرهان العقل، لأن العقل لا يكذب، لأنه لو كذب فإنه يكذب في إثبات الشرع.

٣- الكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات. لأن الحكم على مراد الله -سبحانه -ومراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالظن والتخمين خطر. (الغزالي: قانون التأويل، ص ١١.)

٤- من ضوابط تأويل بعض آيات القرآن الكريم، بوجه خاص، أن يعلم المؤوِّل "أن القرآن منه ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وله وجوه: فمنه متشابه لاختلاف أوقاته في الواجب وفي الكائن، مما أخبر الله أنه كائن. ومنه متشابه والمعانى مختلفة. ومنه مقدم ومؤخر، ومنه خاص وعام، وموصول ومفصول، ومنه غريب اللغة، ومنه ما لا يعرف معناه إلاَّ بالسُّنَّة أو بالإجماع، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بعد تلاوة ما يأتي في سورته وأمثال... وغير ذلك. (المحاسبي (الحارث بن أسد): العقل وفهم القرآن، ص ٣٢٥ – ٣٢٦)

هذه الضوابط أكد عليها رجالات التصوف الكبار، حيث قال معظمهم:

أ – لا ينبغى أن يكون "الذوق" معارضًا للظاهر، نافيًا له، صادمًا للفظ القرآن.

ب – أن يكون للتأويل شاهد من الكتاب والسُنة.

جـ - ألا يعارضه عقلً ولا شرعُ.

د   -ألا يدعي الذائق كذب غيره.

هـ -ضرورة مراعاة مقاصد الشريعة، على أن تتحقق هذه المقاصد وفق ضوابط شرعية.

و -إن النص حاكم في نهاية المطاف على الواقع من خلال القيم الثابتة والمطلقة للنص، ومن ثم يغدو النص أداةً من أدوات إصلاح الواقع عن طريق قراءة جديدة تحافظ على أصول العقيدة، لكنها في عين الوقت، لا تحجر على العقل في تطلعه نحو المستقبل. ليس ثمة تفسير واحد للنص، أو تأويل أُحادى له، لأن التباين والتعدد، سمة رئيسية من سمات الجهد الإنساني. (راجع فيما سبق: صدر الدين القونوي: إعجاز البيان في تأويل القرآن، ص ٦٠)

لهذا لم يكن ابن عربي مخطئًا حين غلق باب الجهد بطبيعة التجربة الصوفية غلقًا محكما،ً لا يتأتى للجاهلين أن يخوضوا فيه. فذكر في "الرسالة الغوثية" أن الاتحاد حال، وأن من آمن بالاتحاد الذاتى قبل وقوع الحال فقد كفر.

 ومن أراد "التعبير عنه" بعد الوصول إليه فقد أشرك. وما ذكره كتاب "الجلالة" من أنك إذا سمعت بالاتحاد من أهل الله تعالى أو وجدته في مصنفاتهم فلا تفهم منه ما فهمت من الاتحاد الذي يكون بين الموجودين، فإن مرادهم من الاتحاد ليس شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي الكل به موجود، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به، معدوما بنفسه، لا من حيث أن له وجودًا خالصًا اتحد به فإنه محال". (نقلاً عن د. مجدي محمد إبراهيم في كتابه "التجربة الصوفية"، ص ١٣٩)

نماذج من تأويلات الصوفية

في البداية لابد من التأكيد على أن الصوفية جميعًا يذهبون إلى أن الله -سبحانه -قد اصطفي من عباده فئة "أودع فيها لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمنه من دقيق إشاراته وخفي رموزه بما لوح لأسرارهم من مكنوناته، فوقفوا بما خُصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم". (القشيري: لطائف الإشارات، المجلد الأول، ص ٢٣)        

ولقد ذكر السلمي في تفسيره، نقلاً عن جعفر الصادق، القول: "كتاب الله على أربعة أسماء: العبادة، والإشارة، واللطائف، والحقائق. فالعبادة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء". (نقلاً عن كامل الشيبى في كتابه "الصلة بين التصوف والتشيع، ص ٤١٨)

وقد سبق أن ذكرنا أن الوقوف عند الظاهر والسعي إلى فهمه هو فحوى "التفسير"، أما تجاوز الظاهر إلى الباطن وفهمه والتعبير عنه بلغة رمزية هو التأويل بعينه.

على أن المرء يمكن أن يجتهد في أي فن من العلوم ويكون له في هذا الفن شأن كبير اللهم إلا في التصوف الذي هو في عرف الصوفية "اصطفاء من الله": أما أن تكون مستنبطا للإشارة من العبارة فهذه خصوصية فريدة لابد أن يسبقها إجتباء إلهي. ويضيف القشيري في لطائفه "إما أن تُقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر، فهذه مسألة ينبغي أن تقترن بجهود مضنية في تصفية النفس والقلب من كل العلائق وتخليتهما عن كل الشواغل الدنية وتحليتهما بكل الأوصاف السنية".(لطائف الإشارات، المجلد الأول، ص ٢٣.)

فيما يتعلق بالحروف المقطعة في أوائل السور، يرى القشيرى أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. ومع هذا سمح لنفسه الاجتهاد في بعضها، فقال – على سبيل المثال – "الم": الألف من اسم الله، واللام تدل على اللطيف، والميم تدل على اسم المجيد والملك.

وقيل الألف تدل على اسم الله، واللام على اسم "جبريل" والميم تدل على اسم "محمد" -صلى الله عليه وسلم- .

 ويضيف القشيري: إن الألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف تتصل بها، إلا أحرف يسيرة.

فلينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة لاحتياج الخلق بجملتهم إليه واستغنائه عن الجميع. (المرجع السابق، جـ١، ص ٢٩.)             

وفي تأويله لـ "بسم الله" يقول: الباء: بره بأوليائه، والسين: سره مع أصفيائه، والميم مننه على أهل ولايته. (المرجع السابق، ص ٤٤.)       

وفي موضع لاحق يقول: "وقوم عند سماع بسم الله تذكروا بالبراء، براءة الله -سبحانه وتعالى -من كل سوء، وبالسين سلامته سبحانه عن كل عيب، وبالميم مجده سبحانه بعز وصفه. وآخرون يذكرون عند الباء: بهاءه، وعند السين: سناءه، وعند الميم: ملكه.

وعن تأويل قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }(البقرة: ٢٨).

يقول القشيري: وكنتم أمواتًا.. يعنى نطفة أجزاؤها متساوية فأحياكم بشرًا، اختص بعض أجزاء النطفة بكونه عظما وبعضها بكونه لحما، وبعضها بكونه شَعْرا... ثم يُميتكم بأن يجعلكم عظامًا ورفاتًا، ثم يُحيكم بأن يحشركم بعدما صرتم أمواتًا، ثم إليه تُرجعون، أى إلى ما سبق حكم من السعادة والشقاوة.

ويقال: كنتم أمواتًا بجهلكم عنا، ثم "أحياكم" بمعرفتكم بنا، ثم يُميتكم عن شواهدكم، ثم يُحييكم به بأن يأخذكم عنكم، ثم إليه تُرجعون أي: يحفظ أحكام الشرع بإجراء الحق..

ويقال: "كنتم أمواتا" لبقاء نفوسكم، فأحياكم بفناء نفوسكم، ثم يُميتكم عنكم عن شهود ذلك لئلا تُلاحظوه، فيفسد عليكم، ثم يُحيكم بأن يأخذكم عنكم، ثم إليه تُرجعون في قبضته سبحانه وتعالى.

ويقال: يحبس عليهم الأحوال: فلا حياة بالدوام، ولا فناء بالكلية، كلما قالوا: هذه حياة وبينا (لعلها وبينما) هم كذلك – إذا أدل عليهم فأفناهم فإذا صاروا إلى الفناء أثبتهم وأبقاهم. فهم أبدًا بين نفي وإثبات، وبين بقاء وفناء، وبين صحو ومحو، كذلك جرت سننه سبحانه معهم. (لطائف الإشارات، جـ١، ص ٧٣.)   

وعن تأويل قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } (التوبة:١١٦)   يقول القشيري: سُننه سبحانه أن يجذب أولياءه عن شهود مُلْكِه إلى رؤية مِلْكِه ثم يأخذهم من مطالعة ملكه إلى شهود حقه، فيأخذهم من رؤية آياته إلى رؤية صفاته، ومن رؤية صفاته إلى شهود ذاته. (المرجع السابق، جـ١، ص ١١٢.)           

وعن قوله سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ} (البقرة:١١٤) .      

 يقول القشيري: الإشارة هنا إلى أن الظالم من خَرَّب أوطان العبادة بالشهوات، وأوطان العبادة نفوس العابدين. وخرَّب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وأوطان المعرفة قلوب العارفين وخَـرَّب أوطــان المحبـــة بالحــظـــوظ والمساكنات، وهي أرواح الواجدين، وخرّب المشاهدات بالالتفات إلى القربات وهي أسرار الموحدين. (المرجع السابق، جـ١، ص ١١٥ – ١١٦.)

وعن قوله سبحانه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ }(البقرة: ١٥٢)

يقول القشيري: الذكر استغراق الذاكر في شهود المذكور ثم استهلاكه في وجود المذكور، حتى لا يبقى منك أثر يذكر، فيقال: قــد كــان مرةً فلان. "فاذكــرونــي أذكــركــم" أي كونـــوا مستهلكين في وجودنا نذكركم بعد فنائكم عنكم... وطريقة أهل العبارة: {فاذكروني} بالموافقات، "أذكركم.. بالكرامات". وطريقة أهل الإشارة: "فـاذكـــرونــي" بتــــرك كــل حـــظ، "أذكركم" بأن أقيمكم بحقى بعد فنائكم عنكم. "فاذكروني" بقطع العلائق "أذكركم" بنعوت الحقائق. (لطائف الإشارات، المجلد الأول، ص ١٣٧.)

أما على الجانب الآخر أقصد الفلاسفة الإشراقيين وبعض رجالات التصوف فإنه يصعب حصر هؤلاء من جهة، كما يصعب سرد كل اجتهاداتهم بشيء من التفصيل، من جهة أخرى.

فلا شك أن قصة "حي بن يقظان" تُمثل، بصورة أو أخرى، علاقة الإنسان بالله، سواء كان هذا الإنسان فيلسوفًا، أو فيلسوفًا إشراقيًا، أو متصوفًا، كما هو الحال بالنسبة لكل من: ابن طفيل، وابن سينا، ثم السهروردي.

 كذلك لابد من أن نشير هنا إلى "رسالة الطير" لكل من ابن سينا، والغزالي، فضلاً عن "منطق الطير" لفريد الدين العطار... حيث تتسم هذه الأعمال الكبرى بالأسلوب الرمزي، الأمر الذي يتطلب اللجوء إلى آلية التأويل لفك "شفرات" بعض رموز هذه التجربة، حتى يتمكن المرء – إن استطاع – ولوج هذا النفق الطويل الذي يصعب دخوله... وحتى إن دخله المرء فإنه يصعب عليه السَّيْر فيه، وحتى إنْ سار فيه، فثمة شك كبير في أن يصل إلى النهاية، رغم المعاناة التي عاناها وعاينها طوال هذه الرحلة التي قد تتوج بالكشف والمشاهدة والفناء حيث البقاء.

ولقد وقف نفر من كبار رجالات التصوف عند أربع محطات كبرى (درجات) من مراحل التوحيد:

الدرجة الأولى من درجات التوحيد هي درجة من يقولون لا إله إلا الله، وهي درجة سائر الناس ممن لا يضيفون الألوهية إلا إلى الله.

الدرجة الثانية من درجات التوحيد هي درجة من يقولون: لا هو إلا هو، وهؤلاء ينفون عن "الهو" الإلهي كل أنواع "الهو" أعني أنه لا أحد غيره "هو" يقدر على أن يسميه "هو" لأن كل "هو" يصدر عنه ويشتق منه.

الدرجة الثالثة من درجات التوحيد هي درجة من يقولون: لا أنت إلا أنت. والذين ينطقون بهذا أسمى من السابقين، لأنهم لا يسمون الله بضمير الغائب وكأنه شيء غائب، وينكرون كل "أنت" تريد أن تشهد على نفسها بهذا.

الدرجة الرابعة والأخيرة، هي درجة من يقول: "لا أنا إلا أنا"، مع ملاحظة أن الأنا عند الصوفي ليس هذا "الأنا" الذي يقول "أنا"، وإنما هو الأنا الذي فُصل عن الأنا "أنا" تجاوزًا من الله إلى الإنسان، أي تقال على الإنسان على سبيل المجاز. (راجع شخصيات قلقة في الإسلام، ص ١٢١.)

هذه الدرجات الأربع تأتي مطابقة لما سبق أن نادى وجاهر به البسطامي (٢٦١هـ) حيث قال إنه قد حج مرة فرأى البيت، ثم حج مرة ثانية فرأى البيت وصاحبه، وفي الحجة الثالثة لم ير البيت ولا صاحبه.. والحج هنا رمز للسفر الروحي. (راجع: التصوف الثورة الروحية في الإسلام، ص ١٧٩).

كيف نفهم بعض كلام الصوفية بالرمز

بهذا المعنى نستطيع أن نفهم قول الحلاج "اعلم أن العبد إذا وَحَّد ربه تعالى فقد أثبت نفسه، ومن أثبت نفسه فقد أتى بالشرك الخفي، وإنما الله تعالى هو الذي وَحَّد نفسه على لسان من يشاء من خلقه". (شخصيات قلقة في الإسلام، ص ١٢٣.)

ولا شك أن منظومة "منطق الطير" للعطار عمل صوفي كبير يكشف بجلاء عن معاناة النفس داخل البدن وسعيها الدائب والدائم للتحرر من أغلاله. هذا التحرر، أو لنقل تجاوزًا الخلاص، لا يتم إلا من خلال العلم والمعرفة، حيث تستطيع قلة قليلة من الطيور الوصول إلى المرحلة النهائية من مراحل التصوف.

جاءت منظومة "منطق الطير" للعطار مؤلَّفةً من مجموعة من المقالات، فحواها أن الطيور كلها اجتمعت، أو إن شئت، عقدت مؤتمرًا، ناقشت فيه "الطريق" التي يمكن أن يسلكوها للوصول إلى الإله الذي بيده وحده خلاصهم. هذا الإله الذي أسماه أحد الهداهد "السمِرغ" طالبًا منهم تحمل المشاق والصعاب التي يواجهونها في رحلتهم...

وما أن بدأت الرحلة حتى بدأت بعض الطيور تتقاعس عن مواصلة الرحلة، وبدأ الكثيرون يسوقون بعض المعاذير تلو المعاذير، كما هلك عدد كبير من الطير: إما لأنهم لم يُحسنوا الاستعداد للطريق، وإما لأنهم كانوا غير صادقين في سلوكهم، وشُغل آخرون بمفاتن الطريق ومحاسنه...، وأخيرًا تصل الرحلة إلى نهايتها حيث وصل عدد قليل جدًا لا يتعدى الثلاثين طائرًا إلى الحضرة. وهنا تتبلور الفكرة الرئيسية من المنظومة وهي فكرة الوحدة الشهودية بين السالك والحضرة العلية. (فريد الدين العطار: منطق الطير، ص ٣٣)

أما في رسالة "الغربة الغربية" للسهروردي، نجد أنه حاول أن يقرأ بعض الوقائع والحوادث التاريخية الواردة في القرآن قراءة رمزية صوفية. ففي مستهل رسالة "الغربة" يتحدث عن رسالة بعث بها إليه سجين الظلمات عبر حمامة جاءت بها من بلاد سبأ (سورة النمل:٢٢)

وهي رسالة من أبيه يقول له فيها إنهم يشيرون إليه بإشارات ولكنه لا يفهمها، وهم يدعونه ولكنه لا يأتي، ويأمرونه بأن يأوي إلى جبلهم ويبلغ أهله، وأن يركب السفينة (سورة الكهف:٧١)، ويقول: {وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ} [هود: ٤١] ... ويضيف السهروردي أنه في هذه القصة هو بعينه الغريب الذي اغترب في الغرب في قرية القيروان. {لَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا} (النساء:٧٥) الذين ألقوا به في أعماق بئر لا يسمح له بالخروج منه إلاَّ في الليل فقط... ولابد من الرحيل... الرحيل حقا والخروج من مصر... وبلوغ سيناء هو، بالنسبة إلى النفس، العود إلى "أبيه" الذي يسكن المشرق، كما تقول الآية {يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ * ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ}[الفجر،٢٨:٢٧]، لكن حذار أيتها النفس أن تفهمي من الوطن دمشق أو بغداد أو أي وطن آخر أرضي.  (راجع شخصيات قلقة في الإسلام، ص ١٢٧) 

الخلاصة

التجربة الصوفية هي حالة وجدانية وشخصية لا يمكن تعميمها أو إثباتها علميًا، وتعتمد على الحدس لا على الحس والعقل. هذا التفرد يجعل الصوفية يجدون صعوبة في التعبير عنها باللغة العادية، فيلجأون إلى الرمزية والإشارة. لذلك، يصبح التأويل ضرورة لفهم أقوالهم وكتاباتهم. 

والتأويل يختلف عن التفسير؛ فبينما يركز التفسير على المعنى الظاهر للفظ، يهدف التأويل إلى الكشف عن المعنى الباطن والخفي للنص، مع مراعاة ضوابط شرعية وعقلية. وقد استخدم الصوفية التأويل لقراءة نصوص دينية وتاريخية وفك رموزها، مثل: تأويل الحروف المقطعة أو قصص الأنبياء.

موضوعات ذات صلة

التَّجلِّي هو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، بحسب الغزالي.

الاصطلام عند الصوفية، فهو حالة من الفناء والغيبوبة التامة عن الوجود الذاتي والخلق بسبب استغراق القلب في تجليات الحق.

إن من أهم ما يتحامل به المغرضون على السادة الصوفيّة اتهامهم بأنهم يقولون بالحلول والاتحاد

موضوعات مختارة