لكننا نجد تحليلاً أدق لهذا الموضوع في
"منازل السائرين " للهروي (المتوفي ٤٨١ هـ)،
الذى أهتمَّ بتحرير مفهوم "الخوف " وبيان درجاته الثلاث، وهي: درجة العامة
الذين يخافون من العقوبة، ودرجة أهل المراقبة، الخائفين من المكر وسلب لذة الحضور،
ثم درجة أهل الخصوص، وهي أعلى درجات الخوف وفيها يسمى الخوف: "هيبة"، وهؤلاء
يخافون من " الإعراض " بعد " الإقبال "، وتبلغ هذه الدرجة ذروة
سنامها في أنموذج النبي - ﷺ - لأنه "لا إقبال
أتم من إقباله " فلا خوف أشد من خوفه، وهنا يشير الصوفية إلى حديث مسلم: «… إني لأتقاكم لله وأخشاكم
له» (رواه مسلم).
وتمتاز معالجة القشيري (ت ٤٦٥ هـ) لموضوع الخوف بشيء غير قليل من المنهجية وتنظيم الأفكار.
وربما ظل تعريف القشيري للخوف هو التعريف الثابت في كتابات من جاءوا بعده وكتبوا في مصطلح "الخوف
" مثل: الإمام الغزالي، والقاشاني، والجرجاني، وابن عربي وغيرهم. وقد مزج القشيري-
كعادته- في شرح هذا المصطلح بين "البُعد الصوفي العرفاني" المتمثل في أقوال
الصوفية وتجاربهم وحكايات الخائفين ومأثوراتهم، وبين «البعد الشرعي» المرتكز على آيات من
القرآن وأحاديث
من السنة الصحيحة (انظر على سبيل المثال - حديث عائشة الذي أورده القشيري من جامع الترمذي:
أبواب التفسير، باب: ومن سورة المؤمنين، حديث ٣١٧٥.ط. دار السلام. الرياض، ١٤٢٠ -١٩٩٩).
غير أن أوفى دراسة عن الخوف وأعمقها في التراث الصوفي نجدها عند الإمام الغزالي (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) في كتابه: الإحياء؛ فقد تناول فيها - بإسهاب - حقيقة الخوف وبيان درجاته، وفضيلته، وهل الأفضل: الخوف أو الرجاء؟ وأيضا: علاج الخوف ودواءه، وبيان أحوال الخائفين من الأنبياء والصالحين، وغير ذلك.
مراجع الاستزادة:
١- التعرف لمذهب أهل التصوف الكلاباذي: ٩٧-٩٨، ط. عيسى الحلبي. مصر ١٣٨٠ه - ١٩٦٠ه.
٢- الرسالة، للقشيري:
٦٤-٦٧ ط. مصطفي الحلبي- القاهرة ١٣٥٩ه -١٩٤٠ م
٣- منازل السائرين (بشرح القاشاني) عبد الله الأنصاري: ١٠٦ - ١٠٩، تحقيق محسن بيدارخر، ط. إيران
١٤١٣ هـ
٤- إحياء علوم الدين الغزالي ٤: ٥٢ ١ ٠ ١٨٥، ط. عيسى الحلبي، القاهرة، بدون تاريخ.
٥- لطائف الإعلام بإشارات أهل الإلهام، عبد الرازق القاشاني، ١: ٤٥٦ - ٤٥٨، تحقيق سعيد عبد الفتاح، ط. دار الكتب
المصرية ١٩٩٥.م.