أما مصطلح «الفتوة» بالمعنى الصوفي فإنه
وإن كان يختلف عن المعنى التاريخي: الجاهلي والعربي، من حيث المنطلق والغاية إلا
أنه مرتبط أشد الارتباط بالمعنى الخلقي المستمد من معنى الفتوة، وهو: المروءة. وقد
حمل هذا لتشابه كثيرا من الباحثين على التفتيش عن علاقة تأثير وتأثر بين الفتوة
بالمعنى التاريخي. والفتوة بمعناها الصوفي، واكتشفوا أن الفتوة العربية اتصلت
بالتصوف منذ مراحله الأولى، وأن العراق وفارس كان المهد الأول لظهور مصطلح
«الفتوة» بالمعنى الصوفي، وقد روى أن «الحسن البصري»
تسمى بهذا الاسم، وأطلق عليه لقب: «سيد الفتيان»، ورغم أن اسم «الفتوة» لم يرد في
القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ولا في لسان السلف.
فيما
يقول ابن القيم [مدارج السالكين، ٢: ٢٤١- القاهرة ١٣٧٥ه/١٩٥٦ - ورغم إنكار ابن القيم أن تكون الفتوة مما تكلم فيه السلف، فإنه ينقل
عن الإمام أحمد أنه سئل عن الفتوة فقال: "ترك ما تهوى لما تخشى"؛ فإننا نجد عند شيوخ
التصوف ما يشبه اقتباس «منزلة الفتوة» من الآيات الكريمة التي ورد فيها اسم «فتى»
و«فتية»: فقد افتتح الإمام القشيري كلامه في باب
«الفتوة» بذكر قوله تعالى: {إِنَّهُمۡ
فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى} [الكهف: ١٣] وكذلك فعل صاحب منازل
السائرين.
ويعد إبراهيم عليه السلام هو الفتى، على
الحقيقة، عند الصوفية، استنادا إلى قوله تعالى: {قَالُواْ
سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ} [الأنبياء: ٦٠] وفتوته في كسر الأصنام أنموذج
لفتوة الصوفي في كسر صنم النفس، لكن كمال الفتوة. عندهم. لا يتحقق إلا للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وبعض الصوفية خاصة الشيعة
يقولون: إن آدم وإبراهيم ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- ثم من بعدهم: الإمام علي وسلمان الفارسي هم
الرواد الأوائل للفتوة، وبعضهم يضيف شخصيات تاريخية متأخرة، مثل: صلاح الدين الأيوبي.
وللفتوة تعريفات وتحديدات كثيرة، تختلف باختلاف مشارب الصوفية وأذواقهم (انظر الرسالة للقشيري ص
١١٣-١١٤ط الحلبي ١٣٥٩ه/١٩٤٠م)، وكلها يهدف إلى الغاية نفسها
التي يهدف إليها كل صوفي وهي: صفاء النفس، إلا أن أخلاق الفتوة تنهج نهجا أصعب،
يتناسب ومشقة تطهير النفس تطهيرا كاملا.
ومما قيل في تعريف «الفتوة»
ما جاء في شرح المنازل من أنها: «اسم لمقام
القلب الصافي عن صفات النفس»، وأنها نوع من زيادة الهدى بعد الإيمان، ويقول
الصوفية: إن موسى -عليه السلام- لما سأل ربه عن الفتوة، قال: «أن ترد نفسك إليّ طاهرة
كم قبلتها مني طاهرة».
وخلاصة
معنى الفتوة فيما
يقول الهروي الأنصاري: «ألا تشهد لك فضلا ولا ترى
لك حقا» وهي على درجات ثلاث:
الدرجة الأولى: «ترك الخصومة، والتغافل عن
الزلة، ونسيان الأذية».
والثانية: «أن تقرب من يقصيك، وتكرم من
يؤذيك، وتعتذر إلى من يجنى عليك».
الثالثة: التحرر في السلوك من طلب دليل
العقل «فمن طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحل له دعوى الفتوة»، ويمكن
القول بأن «الإيثار» أو «نكران الذات» هو المحور الذي تدور عليه بقية الفضائل
الأخلاقية التي يشترطها الصوفية فيمن يمنح لقب «الفتى».. والفتوة - عند الصوفية -
من باب الأخلاق، وليست من باب الأحوال ولا المقامات.
مراجع الاستزادة:
١- الفتوة عند العرب أو
أحاديث الفروسية والمثل العليا عمر الدسوقي القاهرة ١٩٥٩م.
٢- أهل الفتوة والفتيان في
المجتمع الإسلامي المستشرق ألكساندر خاتشا تريان، بيروت ١٩٩٨م.
٣- شرح منازل السائرين للقاشاني،
ط. قم - إيران ١٣ ٤ ١ه. -١.٦٦-