Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحكمة

الكاتب

أ.د محمد عبد الغني شامة

الحكمة

الحكمة تعني الكلام الموافق للحق، وأحكم الشيءَ: أتقنه، وهي المرتبة الأعلى بعد أن تكتمل المعرفة لدى الإنسان، وقد ورد لفظ "الحكمة" في القرآن والسنة، وفي العهد القديم، وتعني أيضاً الفلسفة وهي: لفظة يونانية مركبة من الأصل "فيليا" أي محبة، و"صوفيا" أي الحكمة، أي أنها تعني: محبة الحكمة، ويعتبر الفيلسوف الإسلامي ابن رشد، أول من استخدم الحكمة في مقابل الشرع، وقد سمي أشهر مركز علمي في العالم الإسلامي بـ "بيت الحكمة".

تعريف الحكمة

الْحكْمَة جمعها حِكَم: الكلام الموافق للحق، وصواب الأمر وسداده، أو هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يُحْسِن دقائق الصناعات ويُتْقِنُها: حَكِيم. والحكيم يجوز أن يكون بمعنى الحاكم، مثل قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم، والْحُكْمُ الْحِكْمَةُ من الْعِلْم، والْحَكِيمُ: العالم وصاحب الحِكْمَة، وقد حَكُمَ أي صار حكيمًا. والْحُكْمُ: العلم والفقه، قال تعالى: {وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا} [مريم: ١٢].

أي عِلْمًا وفِقْهًا، والفعل: حَكَمَ حِكْمَةً: صار حكيمًا ويقال أيضًا: حَكُمَ وأحكم الشيءَ: أتقنه.

الحكمة ثمرة اكتمال المعرفة

والحكمة: هي أعلى المراتب التي يمكن أن يتوصل إليها الإنسان، فبعد أن تكتمل المعرفة تحصل الحكمة، وبالتالي فالحكيم أعلى شأنًا من الفيلسوف، والحكمة هي المرحلة التالية بعد الفلسفة، إنها ذروة الذرى وغاية الغايات.

الحكمة في القرآن الكريم

وقد وردت في القرآن الكريم في عشرين آية، منها قوله تعالى: {يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [البقرة: ٢٦٩]، وقوله: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ}  [النحل: ١٢٥]، وقوله: {ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدۡحُورًا} [الإسراء: ٣٩]، وقوله: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيد} [لقمان:١٢] وقوله: {وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ} [ص: ٢٠].

ذهب مقاتل إلى أن تفسير الحكمة في القرآن على ثلاثة أوجه:

أحدها: مواعظ القرآن.

وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم.

وثالثها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار [الرازي: التفسير الكبير ٧/٥٩].

الحكمة في السنة النبوية

جاءت كلمة الحكمة في أكثر من مائة حديث، من أشهرها: عن ابن عباس قال ضَمَّني النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى صدره وقال: «اللهُمَّ عَلِّمه الحِكْمة» [البخاري: ٣/١٣٧١، رقم ٣٥٤٦].

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها» [سنن الترمذي: ٥/٥١، رقم ٢٦٨٦]. وعن إسماعيل بن قيس قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «لاحسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها للناس» [مسند أبي يعلي: ١١/ ١١٩، رقم ٥٠٧٨].

وعن أُبي بن كعب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ مِنَ الشِّعر لحكمة» [سنن ابن ماجة: ٢/ ١٢٣٥، رقم ٣٧٥٥].

الحكمة في العهد القديم

وفي العهد القديم، سفر يسمى سفر الحكمة، ويلي سفر نشيد الإنشاد لسليمان الحكيم، وهو مكون من ١٩ إصحاحًا، كلها تفيض بأحاديث حكيمة عميقة المعاني الروحانية. وقد ورد هذا السفر ضمن أسفار التوراة في النسخة السبعينية المترجمة على اليونانية. وبرغم اعتراض الكنيسة الإنجيلية على قانونية هذا السفر وباقي أسفار المجموعة الثانية التي جمعت بعد عزرا الكاهن، إلا أنهم يمتدحونه بسبب بلاغته وسمو معانيه؛ فقد ورد على لسان الدكتور سمعان كهلون قوله: "والبعض الآخر، كسفر الحكمة وحكمة يشوع بن سيراخ، فهو على جانب عظيم من البلاغة وعمق المعاني الروحية" [د. سمعان كهلون: مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين، طبعة بيروت ١٩٣٧م ٣٠٣ ،٣٠٥]، وكذا قوله أيضًا على سفر الحكمة: "هذا السفر هو أجمل هذه الأسفار. وقد كُتِب بأسلوب يدل على تضلع تام من اللغة اليونانية، ويرجح أن كاتبه يهودي مصري، عاش بين عامي ١٥, ٥٠ قبل الميلاد، وكان ملمًا إلمامًا تامًا بالفلسفة اليونانية، وقصد به مقاومة أغلاظ الوثنية، ولاسيما عبادة الأصنام، وذلك بإظهاره سمو الحكمة المنبعثة عن خوف الله، وحفظ شريعته، ومعرفة طريقة الخلاص".

الحكمة والفلسفة

والحكمة مأخوذه من الفلسفة، وهي – أي الفلسفة– لفظة يونانية مركبة من الأصل "فيليا" أي: محبة، و "صوفيا" أي: الحكمة، أي أنها تعني: محبة الحكمة، واستخدمت للإشارة إلى السعي وراء المعرفة في مسائل جوهرية تتعلق بحياة الإنسان ومنها الموت والحياة والواقع والمعاني والحقيقة.

إن البحث في الفلسفة لا يرتبط بالحضارة اليونانية فحسب، فهي جزء من حضارة كل أمة، فإذا كانت في بادئ عهدها أيام "طاليس" تبحث عن أصل الوجود، والعالم، والمادة التي انبثق عنها، أو العناصر الأساسية التي تكون منها، فإن الفترة التي بدأت من أيام " سقراط" الذي وصفه "شيشرون" بأنه "أَنْزَلَ الفلسفة من السماء إلى الأرض" أي حوَّل التفكير الفلسفي من التفكير في الكون وموجده وعناصر تكوينه، إلى البحث في ذات الإنسان، فغَّير  بذلك كثيرًا من معالمها، وحوَّل نقاشاتها إلى طبيعة الإنسان وجوهره، والإيمان بالخالق والبحث عنه، واستخدام الدليل العقلي في إثباته، واستخدم "سقراط" الفلسفة في إشاعة الفضيلة والصدق والمحبة بين الناس.

إن تعريف الفلسفة بأنها محبة الحكمة له أكثر من دلالة: دلالة لغوية، وهي تتعلق بلغة الإغريق التي تم بها تركيب هذه الكلمة، ودلالة معرفية، وهي التي حددت التعريف وحصرته في: محبة الحكمة.

أما اليوم، حيث توفرت معارف متراكمة عبر العصور، وطرحت أسئلة وقضايا في العديد من المجالات بسبب التقدم الذي حققه الفكر البشري في مختلف نواحي الحياة، فلم يعد مفهوم الفلسفة هو حب الحكمة، فقد تغير هذا المفهوم فأصبح: إنتاج الحكمة.

الحكمة والشرع

وأول من استخدم الحكمة في مقابل الشرع هو الفيلسوف الإسلامي ابن رشد، وذلك في كتابه: "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، حيث ركز فيه على استعمال الحكمة "العقل" في تأويل النصوص الشرعية التي يتعارض ظاهرها مع مسلمات عقلية أو علمية. ولم يكن قصده أن الأدلة النقلية في الشريعة الإسلامية مقابلة للعقل تقابل الأضداد، كما فهم ذلك بعض المسلمين، فحاولوا تعديل العنوان إلى: "فصل المقال فيما بين حكمة الفلسفة وحكمة الشريعة من الاتصال" متوهمين أن هذا التعديل يزيل الفهم الخطأ بأن الحكمة اجتمعت كلها في الفلسفة، وأن الشريعة ليس فيها حكمة (أي استعمال العقل)، وذلك منافٍ للواقع؛ لأن المسلمين – ومنهم ابن رشد– يرون أن مقام العقل في الإسلام هو مكان عالٍ وفريد، ولا نظير  له في الأديان الأخرى، فالعقل في الإسلام هو مناط التكليف بكل الفرائض، بل إن العقل الإسلامي – هو القرآن الكريم– هو معجزة عقلية قبل أن يكون نصوصًا دينية، دعا العقل إلى التفكر في ملكوت الله بما فيه من أفلاك ونبات وحيوان، بل إنه حث الإنسان على التفكر في نفسه  ومسيرته في الحياة، وجعل العقل سلطانًا على اختياراته، يقول الإمام محمد عبده: "....فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحجة وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن لسلطته" [الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ٣/ ٣٠١].

بيت الحكمة

بيت الحكمة: أشهر مركز علمي في العالم الإسلامي، بل يُعَدّ من أشهر المراكز العلمية على مدى التاريخ البشري، أقيم في العصر العباسي في بغداد في عام ٨٢٥م على غرار الأكاديمية العلمية في جند يسابور، وارتبط تأسيس هذا البيت بتاريخ صناعة الورق في بغداد، حيث نشأت هذه الصناعة في ذلك الوقت، فكان في سوق الوراقين ١٠٠ محل، ليست للبيع فحسب بل كانت مراكز علمية، تعلم فيها كبار الكتاب والعلماء، وكان من أشهرهم: أحمد بن أبي طاهر (٨١٩-٨٩٣)، وأبو الفرج محمد ابن إسحاق (ت: ٩٩٥م).

بلغ نشاط بيت الحكمة في عهد المأمون ذروته الذي أولاه عناية فائقة، ووهبه كثيرًا من ماله ووقته، وكان يشرف على بيت الحكمة ويختار من العلماء المتمكنين من اللغات، وقد استقدم من قبرص خزانة الكتب، كما أرسل الوفود ليجلبوا له كتب العلوم المختلفة ومؤلفات الفلاسفة وكان يشرف على الترجمة حنين بن إسحاق الذي لم يكن الوحيد غير المسلم الذي يعمل في هذه الأكاديمية بل معه ٣٧ مسيحيًا، و ٨ من الصابئة، و ٩ يهود، كما ضمت الناسخين والخازنين الذين يتولون الكتب والمجلدين وغيرهم من العاملين.

كان بيت الحكمة خزانة كتب، ومركز ترجمة وتأليف، ومركزًا للأبحاث ورصد النجوم. ومن أهم ما في بيت الحكمة تعدد المصادر، وهي الكتب القديمة، والتراجم، والكتب التي أُلِّفَت للخلفاء، والكتب التي نُسِخت، مما جعلها مجمعًا علميًا. وظل بيت الحكمة قائمًا حتى اجتاح المغول بغداد سنة ٦٥٦هـ/١٢٥٨م، حيث تم تدمير معظم محتوياته في ذلك الوقت.

قالوا عن الحكمة

الحكمة هي أعلى شئ يمكن أن يمنحه الله للإنسان بعد الإيمان والتحلي بمكارم الأخلاق، وهي أمل كل الناجين.

الحكمة رأس العلوم، والأدب تلقيح الأفهام، ونتائج الأذهان.

قال المسيح عليه السلام: "إن الحكمة نور كل قلب".

من أقوال الإمام علي رضي الله عنه:

  • الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق".
  • الملوك حُكام على الناس، والحكماء هم حُكَّام على الملوك.
  • الفضائل أربع: الحكمة والشجاعة والاعتدال والعدالة.
  • سئل سقراط ذات مرة: لماذا اختاروك أحكم الحكماء في اليونان؟ أجاب قائلاً: ربما لأنني الرجل الوحيد الذي يعرف أنه لا يعرف شيئًا على الإطلاق.
  • قال أفلاطون: نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر.

الخلاصة

الحكمة هي معرفة الحق وصواب الأمر، وتُعتبر أعلى مراتب المعرفة التي يصل إليها الإنسان بعد اكتمالها. لقد ورد ذكرها في القرآن الكريم والسنة النبوية، وتشير إلى الفهم العميق والعلم النافع، وعلى مر العصور، تطور مفهوم الحكمة من "محبة الحكمة" (الفلسفة) ليصبح "إنتاج الحكمة" في العصر الحديث، وقد تجسدت عملياً في مؤسسات عظيمة مثل "بيت الحكمة" الذي كان مركزاً علمياً رائداً.

موضوعات ذات صلة

ابن رشد هو أحد أعلام الحضارة الإسلامية وأشهر فلاسفة الأندلس

السفسطةُ تيارٌ فكريّ نشأ في اليونان القديمة نتيجة عجزِ الفلسفة والسياسة عن تقديم تفسير مقنع للكون والحياة

كان التفكير النقدي ركيزة أصيلة في الحضارة الإسلامية

موضوعات مختارة