Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الفتوة

الكاتب

أ. د/ أحمد الطيب

الفتوة

يرجع تاريخ مصطلح الفتوة إلى العصر الجاهلي، ثم جاء الإسلام فأقر كثير من أخلاق الفتوة الجاهلية، ولكن بعدما هذبها وحولها من فضائل فردية أو قبلية إلى أخلاق دينية تطلب من أفراد المجتمع الجديد ولغايات أسمى من غايات المجتمع الجاهلي. وتُشير الفتوة إلى الشهامة، الكرم، النجدة، الإيثار، المروءة، والشجاعة في الحق، ونصرة الضعيف، وإعانة المحتاج، والدفاع عن المظلوم، وغير ذلك من الكمالات الإنسانية التي دعا إليها الدين الحنيف.

مفهوم الفتوة

يرجع تاريخ هذا المصطلح إلى العصر الجاهلي، حيث تغنى شعراؤه بالفتوة، مثل طرفة بن العبد وغيره، وكانوا يعنون بها طائفة من الأخلاق تجتمع فيمن يسمى بالفتى، مثل: الكرم والشجاعة والفروسية والنجدة، إضافة إلى أخلاق سلبية، مثل اللهو ومعاقرة الخمر وما إليها.. ويشتبه مصطلح «الفتوة» بمصطلح «المروءة» من حيث المعنى، وإن كانت الأولى تطلق على الشباب، بينما تطلق الثانية على المكتملين من الرجال. وبعض الباحثين يرى أن معنى الفتوة أعم من معنى المروءة، وبعضهم يقول: إنهم لفظان مترادفان.

ولما جاء الإسلام أقر كثير من أخلاق الفتوة الجاهلية، ولكن بعدما هذبها وحولها من فضائل فردية أو قبلية إلى أخلاق دينية تطلب من أفراد المجتمع الجديد ولغايات أسمى من غايات المجتمع الجاهلي. ولذلك أخذ معنى «الفتوة» في صدر الإسلام منعطفا متميزا، وإن ظل شبيها في بعض الوجوه بما كان عليه في الجاهلية: فقد بقيت أخلاق الشهامة والكرم وحماية الضعيف كما هي، واندثرت لأخلاق التي تتنافي مع قيم الدين مثل القبلية واللهو والخمر.

وقد استعمل لفظ «الفتى» مفرد أ أو مضافاً للمبالغة في الوصف بالفتوة، فكان يقال: «فتى الفتيان» أو ««فتى العرب، أو «شيخ الفتيان» أو «سيد الفتيان».. ثم طرأت تغيرات جذرية - في العصور المتأخرة - على مفهوم «االفتوة) نتيجة للتطور السياسي والاجتماعي للدولة الإسلامية، وعاد السلوك الجاهلي - من جديد - سمة بارزة فيمن يتصف بالفتوة، وأصبح اللهو والغناء والسكر والتشبيب بالنساء من أخلاق الفتيان وشمائلهم، كما أصبحت «العيارة» و«الشطارة» و«قطع الطريق» مرادفات للفتوة..

وفي تطور لاحق تحولت الفتوة - في ظل الحكم التركي - إلى تنظيم حركي شكل خطرا أمنيا وسياسيا ملحوظا، وأصبح للفتوة جمعيات لها لباس وطعام وطريقة حياة خاصة، كما كان لها من بينها «قضاة» يسمى الواحد منهم: «قاضى الفتيان».

     ويقول المؤرخون: إنه رغم الانحراف الخلقي الذي ساد حركة الفتيان في العصور المتأخرة، فإن أخلاق الرجولة مثل: النجدة والإيثار والموت من أجل الغير، وما إلى ذلك، ظلت الطابع العام لهذه الحركة. هذا والمعلومات التاريخية مضطربة اضطرابا شديدا في وصف «الفتوة» في عصورها المتأخرة، وبحيث يصعب على الباحث تحديد ملامح أو قسمات مشتركة لحركة الفتوة والفتيان.

المعنى الصوفي لمصطلح الفتوة

أما مصطلح «الفتوة» بالمعنى الصوفي فإنه وإن كان يختلف عن المعنى التاريخي: الجاهلي والعربي، من حيث المنطلق والغاية إلا أنه مرتبط أشد الارتباط بالمعنى الخلقي المستمد من معنى الفتوة، وهو: المروءة. وقد حمل هذا لتشابه كثيرا من الباحثين على التفتيش عن علاقة تأثير وتأثر بين الفتوة بالمعنى التاريخي. والفتوة بمعناها الصوفي، واكتشفوا أن الفتوة العربية اتصلت بالتصوف منذ مراحله الأولى، وأن العراق وفارس كان المهد الأول لظهور مصطلح «الفتوة» بالمعنى الصوفي، وقد روى أن «الحسن البصري» تسمى بهذا الاسم، وأطلق عليه لقب: «سيد الفتيان»، ورغم أن اسم «الفتوة» لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ولا في لسان السلف.

    فيما يقول ابن القيم [مدارج السالكين، ٢: ٢٤١- القاهرة ١٣٧٥ه/١٩٥٦ - ورغم إنكار ابن القيم أن تكون الفتوة مما تكلم فيه السلف، فإنه ينقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن الفتوة فقال: "ترك ما تهوى لما تخشى"؛ فإننا نجد عند شيوخ التصوف ما يشبه اقتباس «منزلة الفتوة» من الآيات الكريمة التي ورد فيها اسم «فتى» و«فتية»: فقد افتتح الإمام القشيري كلامه في باب «الفتوة» بذكر قوله تعالى: {إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى} [الكهف: ١٣] وكذلك فعل صاحب منازل السائرين.

 ويعد إبراهيم عليه السلام هو الفتى، على الحقيقة، عند الصوفية، استنادا إلى قوله تعالى: {قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ} [الأنبياء: ٦٠] وفتوته في كسر الأصنام أنموذج لفتوة الصوفي في كسر صنم النفس، لكن كمال الفتوة. عندهم. لا يتحقق إلا للنبي -صلى الله عليه وسلم-.

وبعض الصوفية خاصة الشيعة يقولون: إن آدم وإبراهيم ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- ثم من بعدهم: الإمام علي وسلمان الفارسي هم الرواد الأوائل للفتوة، وبعضهم يضيف شخصيات تاريخية متأخرة، مثل: صلاح الدين الأيوبي. وللفتوة تعريفات وتحديدات كثيرة، تختلف باختلاف مشارب الصوفية وأذواقهم (انظر الرسالة للقشيري ص ١١٣-١١٤ط الحلبي ١٣٥٩ه/١٩٤٠م)، وكلها يهدف إلى الغاية نفسها التي يهدف إليها كل صوفي وهي: صفاء النفس، إلا أن أخلاق الفتوة تنهج نهجا أصعب، يتناسب ومشقة تطهير النفس تطهيرا كاملا.

 ومما قيل في تعريف «الفتوة» ما جاء في شرح المنازل من أنها: «اسم لمقام القلب الصافي عن صفات النفس»، وأنها نوع من زيادة الهدى بعد الإيمان، ويقول الصوفية: إن موسى -عليه السلام- لما سأل ربه عن الفتوة، قال: «أن ترد نفسك إليّ طاهرة كم قبلتها مني طاهرة».

وخلاصة معنى الفتوة فيما يقول الهروي الأنصاري: «ألا تشهد لك فضلا ولا ترى لك حقا» وهي على درجات ثلاث:

الدرجة الأولى: «ترك الخصومة، والتغافل عن الزلة، ونسيان الأذية».

والثانية: «أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجنى عليك».

الثالثة: التحرر في السلوك من طلب دليل العقل «فمن طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال لم يحل له دعوى الفتوة»، ويمكن القول بأن «الإيثار» أو «نكران الذات» هو المحور الذي تدور عليه بقية الفضائل الأخلاقية التي يشترطها الصوفية فيمن يمنح لقب «الفتى».. والفتوة - عند الصوفية - من باب الأخلاق، وليست من باب الأحوال ولا المقامات.

مراجع الاستزادة:

١- الفتوة عند العرب أو أحاديث الفروسية والمثل العليا عمر الدسوقي القاهرة ١٩٥٩م.

٢- أهل الفتوة والفتيان في المجتمع الإسلامي المستشرق ألكساندر خاتشا تريان، بيروت ١٩٩٨م.

٣- شرح منازل السائرين للقاشاني، ط. قم - إيران ١٣ ٤ ١ه. -١.٦٦- 


الخلاصة

تعتبر الفتوة مفهومًا متطورًا عبر التاريخ، بدأ في العصر الجاهلي كصفات مثل الكرم والشجاعة، ثم هذبه الإسلام، وفي العصور المتأخرة انحرف ليصبح مرتبطًا ببعض السلوكيات السلبية. أما في التصوف، فتركز الفتوة على الأخلاق العالية مثل الإيثار ونكران الذات، بهدف تطهير النفس وصفائها، وهي ليست مجرد حالة عابرة بل هي مقام أخلاقي ثابت.

موضوعات ذات صلة

يرى التصوف الإسلامي أن الشريعة والحقيقة وجهان لحقيقة واحدة، فالشريعة هي ظاهر الدين والحقيقة باطنه.

العلاقة الوطيدة بين الدين والتصوف تكشف عن الدور الذي يلعبه التصوف في إبراز الجانب الروحي العميق للدين.

الصمت ليس مجرد حبس للسان؛ بل هو عبادةٌ خفيّة تتهذّب بها الأرواح، وتصفو بها الأسرار، وبه يفتح الله على عباده من أبواب الحكمة ما لا يُفتَح لأهل اللغو والثرثرة.

موضوعات مختارة