مفهوم الخلوة يختلف بين المعنى اللغوي والفقهي والصوفي، وجميعها تدور حول فكرة الانفراد والانعزال، لكن لكل منها غاية وأحكام مختلفة.
مفهوم الخلوة يختلف بين المعنى اللغوي والفقهي والصوفي، وجميعها تدور حول فكرة الانفراد والانعزال، لكن لكل منها غاية وأحكام مختلفة.
لغةً: انفراد الإنسان بنفسه أو بغيره، أو بمعنى: المكان الذي يتم فيه ذلك، ومنه قول أنس بن مالك -رضي الله عنه- جاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصارِ إلى رَسولِ اللهِ -صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-، قالَ: «فَخَلا بها رَسولُ اللهِ صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ» [رواه البخاري] [صحيح البخاري - كتاب النكاح باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية] أي: ابتعد منفردًا بها بحيث لا يسمع الحاضرون شكواها، لا بحيث يغيب عن أبصارهم.
واصطلاحًا: للفظ الخلوة استعمالان:
١ - استعمال فقهى بمعنى انفراد الرجل بالمرأة في مكان يبعد أن يطلع عليهما فيه أحد.
وخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه حرام، لما روى عن ابن عباس -رضى الله عنهما-، أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يقول: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» (رواه البخاري المصدر السابق. كتاب النكاح باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، ومسلم) [صحيح مسلم - كتاب النكاح باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره] كما روى عن ابن عمر من خطبة لعمر -رضى الله عنهما – «أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (رواه الترمذي في سننه) [سنن الترمذي، أبواب الفتن، باب في لزوم الجماعة، وقال عنه هذا حديث حسن صحيح]
ولا يلزم الزوجة أن تمكن الزوج من نفسها في غير خلوة، ولا يجوز له أن يطلب ذلك منها.
والخلوة عند المالكية نوعان:
أ - خلوة الاهتداء، وهي: أن يوجد الزوج معها وحدها في محل ترخى الستور على نوافذه إن كانت ستور، وغلق الباب الموصل لهما، بحيث لا يصل إليهما أحد.
ب - وخلوة الزيارة، وهي: أن تزوره في بيته، أو يزورها في بيتها، أو يزور الاثنان شخصًا آخر في بيته.
وعند الحنفية: الخلوة الصحيحة التي تترتب عليها أحكام الزوجية هي: أن يجتمعا في مكان، وليس هناك مانع يمنعهما من الوطء، لا حسًا، ولا شرعًا، ولا طبعًا. ولاختلاف المذاهب في اعتبارات الخلق وأحوالها وأحوال أطرافها، والربط بينهما وبين الآيات القرآنية من مثل قوله تعالى: {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ} [النساء ٤] وقوله: {لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ * وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة ٢٣٦، ٢٣٧] وقوله: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ} [الأحزاب٤٩]، لاختلاف المذاهب في ذلك اختلفت بعض أحكامها فيما يتعلق بإيجاب المهر كله، أو نصفه، أو إسقاطه، وكذلك في المتعة والعدة والنسب عند حدوث الولد، والإحصان، وحرمة من تحرم بالزواج، إلى غير ذلك من الأحكام.
استعمال صوفي بمعنى محادثة السر الذي هو محل المشاهدة - مع الحق بحيث لا يرى غيره، وهذه حقيقتها، أما صورتها فهي ما يتوصل به إلى تحقيق ذلك.
وهذا يرجع إلى منهجهم في مجاهدة النفس؛ حيث يرون أن الخلوة أعون للمريد على التركيز في عبادته حتى يمحو ما في نفسه من ذميم الصفات، ويحصل على صفو العلاقة بالله سبحانه وتعالى، فمن وجد في نفسه القوة أن يكون مع الناس بجسمه ومع الحق وحده بروحه وسره، فالخلطة والاجتماع له أفضل، وللمشايخ في المفاضلة بين الخلوة والمخالطة ترجيحات تعود إلى تقدير أحوال المريد، وهم يرجعون في شأن الخلوة إلى ما روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، في حديث بدء الوحي [صحيح البخاري - كيف كان بدء الوحي]، أنه -صلى الله عليه وسلم- حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة -رضى الله عنها- فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.
وقد وضعوا للخلوة شروطا لكي تثمر ثمارا صحيحة، فما كان منها وفقا لقواعد الشرع وصدق المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثمر تنوير القلب، والزهد في الدنيا، وحلاوة الذكر، والمعاملة لله بالإخلاص لذلك يحتاج المريد إلى تعلم م يلزمه من علوم الشريعة قبل الدخول في الخلوة.
وما لم يستوف المريد شروطها فإنها توقعه في فتنة أو بلية، وقد تنتج له صفاء في النفس يستعان به على اكتساب علوم الرياضة، مما يعتنى به الفلاسفة وأمثالهم، وقد يوجد عندهم ما يشبه في صورته أحوال المتابعين للشرع، فيكون في حقهم مكرا واستدراجا، ولا يصح للمريد أن يغتر بشيء من ذلك حتى لو مشى على الماء أو طار في الهواء؛ لأن من تعلق بخيال، أو قنع بمحال، ولم يحكم أساس خلوته في الإخلاص فإنه يدخل الخلوة بالزور، ويخرج بالغرور، ويسلبه الله لذة العبادة، ويفتضح في الدنيا والآخرة.
وكثيرًا ما يكتفون في الخلوة بأربعين يومًا يسمونها الأربعينية؛ رجاء أن ينسحب حكم الأربعين على جميع الزمان بحيث تجعل المداومة فيها على شيء خلقًا كالخلق الأصلي الغريزي واعتمدوا في تحديد الأربعينية على حديث رواه مكحول قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ تَعَالَى العِبَادَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ على لِسَانِهِ» [ حلية الأولياء لأبى نعيم الأصفهاني] وهو حديث ضعيف الإسناد إلا أن الصوفية يؤيدون معناه بما ورد في القرآن الكريم عن موسى -عليه السلام- حيث يقول: {وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ} [الأعراف ١٤٢] ففيها إشارة إلى الاستعداد البدني والنفسي خلالها بمزيد عبادة وتبتل من أجل استقبال واردات الحق.
ومن أصولهم أن من يدخل الخلوة ينبغي أن يكون خاليًا من جميع الأفكار إلا ذكر الله، ومن جميع المرادات إلا مراد ربه، بصرف النظر عما يمكن أن يقع دون نظر إلى شيءٍ سواه، وإلا فُتن بهواه.
الخلوة الصوفية تهدف إلى تنقية النفس بشرط الالتزام بشرع الله، ويوجد تحذير من الدخول فيها دون إخلاص أو علم لتجنب الوقوع في الغرور والضلال، كما ترتبط الخلوة ببعض الأحكام مثل المهر والعدة في الآيات القرآنية.