الخلة هي أعلى درجات المحبة، حيث تتخلل القلب وتُعبّر عن صداقة خالصة لا تشوبها شائبة، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- اختار الله سبحانه وتعالى خليلًا له، وهو ما يُميز مكانته الروحية عن أي صداقة بشرية.
الخلة هي أعلى درجات المحبة، حيث تتخلل القلب وتُعبّر عن صداقة خالصة لا تشوبها شائبة، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- اختار الله سبحانه وتعالى خليلًا له، وهو ما يُميز مكانته الروحية عن أي صداقة بشرية.
الخُلَّة لغة: الصداقة المختصة التي ليس فيها خلل، تكون في عفاف الحب، وجمعها خلال، وهي: الخَلالة والخِلالة والخُلولة والخُلالة، والخِلال والمخالَّةُ: المصادقة؛ وقد خالَّ الرجُلَ والمرأةَ مخالَّةً وخلالًا، وقوله عز وجل: {لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ} [البقرة:٢٥٤] يعني يوم القيامة: والخلة الصداقة، يقال: خاللتُ الرجل خلالًا، وقوله تعالى: {مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ} [إبراهيم: ١ ٣] قيل: هو مصدر خاللت، وقيل: هو جمع خلة كجلة وجلال، والخل. الود والصديق.
وقال اللحياني: إنه لكريم الخل والخلة، كلاهما بالكسر، أي كريم المصادقة والموادة والإخاء وفي الحديث: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ ذِي خُلَّةٍ مِنْ خُلَّتِهِ». [ذكره ابن أبي حاتم في العلل]
الخلة بالضم: الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي فى باطنه.
والخليل: الصديق، فعيل بمعنى مفاعل، وقد يكون بمعني مفعول، قال: وإنما قال ذلك: لأن خلته كانت مقصورة على حب الله تعالى، فليس فيها لغيره متسع ولا شركة من محاب الدنيا والآخرة، وهذه حال شريفة لا ينالها أحد بكسب ولا اجتهاد، فإن الطباع غالبة، وإنما يخص الله بها من يشاء من عباده مثل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ومن جعل الخليل مشتقًا من الخلة، وهي الحاجة والفقر، أراد إنني أبرأ من الاعتماد والافتقار إلى أحدٍ غيرالله عز وجل وفي رواية: أبرأ إلى كل خلٍ من خلته (بفتح الخاء وكسرها، وهما بمعنى الخلة والخليل) ومنه الحديث: «لَوْ كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أَخَوَّةُ الإِسْلاَمِ فَفَضَّلْتُهُ» [رواه مسلم] والحديث الآخر: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنظُرْ أَحَدُكُمْ مَن يُخَالِلُ» [رواه أبو داود والترمذي].
وقال ابن سيده: الخلّ: الصديق المختص، والجمع أخلال، والخليل كالخل، وقولهم في إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام خليل الله، قال ابن دريد: الذي سمعت فيه أن معنى الخليل الذي أصفي المودة وأصحها، قال ولا أزيد فيها شيئا لأنها في القرآن يعنى قوله تعالي: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:١٢٥]، والجمع أخلاء وخلان، والأنثى خليلة، والجمع خليلات، وقال الزجاج: الخليل المحب الذي ليس في محبته خلل.
وقوله عز وجل: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}، أي أحبه محبة تامة لا خلل فيها: قال: وجائز أن يكون معناه الفقير، أي: اتخذه محتاجًا فقيرًا إلى ربه، قال: وقيل للصداقة خلة لأن كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه، وقال ابن الأعرابي: الخليل الحبيب، والخليل الصادق، والخليل الناصح، والخليل الرفيق. [لسان العرب]
اصطلاحًا: تخلُّل مودة في القلب لا تدع فيه خلاءً إلا ملأته لما تخلله من أسرار إلهية، ومكنون الغيوب والمعرفة لاصطفائه عن أن يطرقه نظر لغيره، ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» [رواه البخاري]. وبالجملة فهي: تخلية القلب عما سوى المحبوب. [كشاف اصطلاحات الفنون]
ويقول لسان الدين بن الخطيب (٧٧٦ هـ) وأما الخُلَّة: فهو أن يتخلل الحب جميع الأعضاء واللحم والدم، وسُمّي المحبوب خليلًا (أي محبوبًا) [روضة التعريف بالحب الشريف]
ويعرفه ابن الدباغ (٦٩٦هـ) بقوله: "فأما مقام الخلة، فمعناها تخلل شمائل المحبوب روحانية المحب حتى تتكيف بها النفس والروح وسائر الجملة الإنسانية، فتتحرك أعضاء المحب عن إرادة المحبوب لمتحرك بها القلب فتستحيل المخالفة"، كما قال الشبلي:
قد تخلَّلتَ مَسْلَك الروح مني ولذا سُمِّي الخليلُ خليلًا
فإذا ما نطقتُ كنت حديثي وإذا ما سكتُ كنتُ غليلًا [الفتوحات المكية]
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» [سبق تخريجه.] يعني أن الذي أشرق في هذا من النور الإلهي هو الذي أشرق في الآخر لاتحاد محلهم، فكان دينهما واحدًا أي مطلوبهما وفهمهما الذي يدركان به الحقائق واحدًا، ولا يكون هذا التخلل إلا تابعًا للصفاء والخلوص الذي معناه زوال العوارض الزائدة عن لذوات حتى تبقي مجردة واحده" [مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب]
سُئل أبو عبد الله محمد بن خفيف عن الفرق بين الخُلَّة والمحبة، فقال: الخلة من تخلل الشيء في الشيء بالممازجة، كما قال الشبلي آنفًا والخلة درجة من درجات المحبة، يقول صاحب (عطف الألف): للمحبة أسماء، اشتقت من رتبها ودرجاتها، مختلفة الألفاظ والمعنى واحد، وبتزايدها تختلف أسماؤها..، فأولًا الألفة، وهي مأخوذة من ألفت الشيء إلى الشيء إذا جمعت بينهما، فالألفة على هذا من مقاربة القلب بالقلب، واتصال الحب بالقلب فإذا زادت بعض الزيادة تسمى أنسًا، وهو الرؤية، وهو مأخوذ من مداومة النظر إلى المحبوب مع سكون النفس إليه، ثم الود.
وسمي الوُدُّ حبًّا: لرسوخ ذكر محبوبه في قلبه، ثم المحبة، فإذا زادت بعض الزيادة صارت محبة حقيقية دون المجازية، وهي تمكن وجود لذات ذكر المحبوب في قلب المحب ثم الخلة، فإذا صارت زائدة على تلك بعض زيادة سميت خلة، والخليل في كلام العرب على وجوه: فالخليل الصاحب، والخليل الصديق..، والخليل الفقير (من الخلة) بفتح الخاء، ويقال: خللت الشيء إذا نظمته، وتخلل القوم، أي دخل بينهم، فاسم الخليل يحتمل جميع ذلك؛ لأنه صديق وصاحب، وفقير إليه ومحتاج إليه لا إلى غيره، وتخلل ذكر خليله في لحمه ودمه، لا يذكر سواه.
ومنه قول القائل:
خِلَّان نفسُهُما والروحُ واحدةٌ فلا يَمَلَّان طولَ الدهرِ ما اجتمَعا [المرجع السابق]
وفي معرض حديث (الديلمي) عن أصل المحبة وأنواعها، يذكر تقسيم شيوخه لها إلى ثلاثة أقسام:
أولها: محبة جبلية، والثانية: مكتسبة، والثالثة: موهبية.
ويفسر هذه الأقسام بقوله: إن الموهبية منها على ضربين، وهي من الله عز وجل ابتداءً.
فالوجه الأول منها في عقد الإيمان، وهي إحدى شرائطه، والوجه الثاني: محبة الواصلين من أهل المعرفة.
وهذه منه تعالى بدأت.. وهي المحبة التي منع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محلها لغير الله تعالى فقال: «لَوْ كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» [سبق تخريجه]. أي مالي فيها اختيار وكسب، ولو كانت مكتسبة لخصصت بها أبا بكر. [عطف الألف]
ويذكر هذا المعنى في موضعٍ آخر من كتابه مع مزيد إيضاح فيقول: قيل لرابعة: كيف حبك للرسول؟ قالت: إني أحبه، إلا أن حب الخالق شغلني عن حب المخلوق، قال أبو سعيد الأعرابي: معناه: إني أحب رسول الله إيمانًا وتصديقًا واعتقادًا؛ لأنه رسول الله، ولأن الله يحبه وأمر بحبه، وحبي الله فيه الشغل بدوام ذكره ومناجاته، والتلذذ بحلاوة كلامه، ونظره في القلوب على الدوام، مع ذكر نعمه.
والخلة ثابتة لنبينا -صلى الله عليه وسلم-، فقد أثبتها لنفسه في آخر خطبة قبل وفاته بخمسة أيام، وقال بعد حمد الله والثناء عليه: «إِنَّهُ قَدْ كَانَ لي فِيكُمْ إِخْوَةٌ وَأَصْدِقَاءُ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ أَتَّخِذَ مِنْكُمْ خَلِيلًا، وَلَوْ أَنِّي اتَّخَذْتُ مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» [رواه مسلم] كما أنها ثابتة لإبراهيم عليه السلام.
يذكر ابن عربي في (كتاب الإسراء) تحت عنوان: (مناجاة قاب قوسين) درجات السالك إلى الله، فيقول: "فعرج بي إلى سماء الكلام، فرأيت موسى عليه السلام فرحب بي وأقعدني، وعلى موضع الرفق نبهني، ثم قال لي: أنا الكليم المكلم القديم لو لم تلق الألواح، ما جررت برؤوس الأشباح، أنت عبد مكرم، ولدينا معظم، قلت له: أريد الخلة، قال: هي لمن سدّ عن الأنام الخَلَّة، قلت: أنا ذلك، قال: فارق إلى السماء السابعة أيها السالك، فهي سماؤها، وعليه قام عمادها وبناؤها، فرأيت صاحبها مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، فأدركني الجذل والسرور.. وأقيم لي في السدرة نهران ظاهران، ونهران باطنان، فالظاهران: قراءة الكتاب ووصل السنة، والباطنان: التوحيد والمنة " [رسائل ابن عربي] وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ كُنتُ مُتَّخِذًا فُلَانًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» من هذا الجنس، ومعناه: أني لو لم أكن قد ارتقيت عن هذه الرتبة، وكنت أتخذ باختياري خليلًا، لاتخذت أبا بكر، إلا أني قد جزت هذه الرتبة إلى ما فوقها؛ لأني أحببت الله [مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم لابن عربي].
ويفرق بعض مفكري الإسلام بين خلة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وخلة سيدنا إبراهيم -عليه السلام-، بأن خلة إبراهيم -عليه السلام- كانت مستفادة من حيث الباطن، من الخلة المحمدية الثابتة لحقيقته أولًا وآخرًا، كنبوته، بل نبوة جميع الأنبياء وكمالاتهم أيضًا كذلك، وكماله أصل جميع الكمالات، فخلته ذاتية كنبوته، وخلة غيره عرضية كنبوته؛ لذلك كان جميعهم تحت لوائه يوم القيامة" [مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم لابن عربي]
الخُلَّة درجة عالية من المحبة تتسم بالتخلل الكامل للقلب والعقل، بحيث يصبح المحبوب هو المهيمن على كل مشاعر وأفكار المحب، ويتم التأكيد على أن الخلة لا تصلح إلا لله وحده، وقد أشار النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك بقوله: «لَوْ كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللَّـهِ». [رواه مسلم]
يُعد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي، إذ يجسد تعلق القلب برحمة الله وطمعه في عفوه.
التصوف ينظر إلى الشكر باعتباره حالة وجودية تتجلى في القلب واللسان والجوارح.
العلاقة الوطيدة بين الدين والتصوف تكشف عن الدور الذي يلعبه التصوف في إبراز الجانب الروحي العميق للدين.