الحرية في الإسلام تُعنى بمصطلحات، مثل النية
والقصد والإرادة، والاستطاعة والقدرة والاختيار، والفعل والكسب والمسئولية، فكل
هذه العناصر هي أركان الحرية، ولكي نفهم نظرية الحرية عند الصوفية لابد أن
نُلم بتصورهم لهذه الأركان أو العناصر:
١- النية: النية عند الصوفية ركن من أركان الإيمان، وهي
عقل القلب، ويلزم منها الإخلاص لقبول العمل، معتمدين في ذلك على قوله صلى الله
عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ،
وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ
وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِه،ِ وَمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى
مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» [متفق عليه].
فالنية هي فعل القلب واعتقاده، وهي في باطن
الإنسان، وهو موضع النظر والعمل، وقد تعارف الصوفية في أواخر القرن الثالث الهجري
على مصطلح (القصود)، ومعناه عندهم صدق الإرادات والنيات المقرونة بالنهوض إلى
الله.
قال أحمد بن أبي الحواري (ت: ٣٢٠هـ):
"من قصد في قصوده غير الحق فقد عظمت استهانته بالحق" [اللمع].
فالنية الحسنة هي أن يكون الإنسان يريد الله بجميع أعماله
وأفعاله وحركاته كلها ظاهرها وباطنها.
فالإنسان مثاب في المقام الأول على
إرادته، وما ينشأ عنها من قصود ورغبات ونيات، أما الحركات والسكنات التي تحدث في أعمال
الجوارح وتنشأ عنها الأفعال فهي عندهم فعل الله، والنية هي التي تكسب العمل النسبة
إلى معاني الخير والشر.
ولعل الصوفية كانوا يقصدون بالنية
توجيه الإرادة السابقة للعمل إلى هدف واحد مع اختلاف الأعمال والعبادات، وهذا
الهدف هو رضاء الله تعالى وابتغاء محبته؛ ولذلك قالوا: "إن النية روح العمل
وقلب المؤمن، والنية أول القصد، والنية هي إرادة العاقل وغايته من عمله، فكأنها
العلة الغائبة في نفس وعقل الفاعل قبل أن يقوم بالفعل، والنية في باطن الإنسان
وقلبه، ومن ثَمَّ فهي موضع نظر رب العالمين من سر العبد". [قوت القلوب، مشكلة الحرية عند الفلاسفة والصوفية في الإسلام]
والتستري لا يعطي قيمة للعمل في حد
ذاته، بل القيمة الخُلقية تكمن في النية، فالعمل مع فساد النية مردود على صاحبه،
والنية الخالصة مع تخلف العمل، بسبب عجز أو فقد استطاعة يجازى عليها المرء كمن أتم
العمل سواء بسواء، أما الإرادة التي يتم بها الفعل، والتي تعتبر النية نتاجًا خالصًا
لها، فهي منسوبة للإنسان وهذا ينقلنا إلى موضوع الإرادة.
٢- الإرادة والاختيار:
حرية الإرادة عند الصوفية تختلف اختلافًا
كبيرًا عما لدى غيرهم، فهم يبدأون الحديث عن الإرادة، ثم ينتهون بإسقاط الإرادة؛
ذلك أن كثيرًا من الصوفية يجاهدون أنفسهم ويترقون في الأحوال والمقامات بالإرادة،
ثم في نهاية الطريق يفنون عن أنفسهم ليتحقق لهم البقاء بالله، وهم يسقطون تدبيرهم
مع الحق حتى يتولى الحق تدبير أفعالهم وأعمالهم، فهذا مرادهم من المجاهدة وهدفهم
من الفناء، ويثبت القشيري للإنسان إرادة، والإرادة عنده سابقة على كل فعل، بحيث
يمكن اعتباره علة، وإنما سميت هذه الصفة إرادة؛ لأن الإرادة مقدمة كل أمر، فما لم
يرد العبد شيئًا لم يفعل. [الرسالة]
والصوفية اعتدوا عمليًّا بحرية الإرادة
الإنسانية بما يفرضونه على أنفسهم من أنواع المجاهدات والرياضات، وألوان الزهد
والتقشف، وضروب العبادة والمناجاة إلى غير ذلك من أنواع القربات، وهذا يعني أن الإرادة
عندهم هي: عنصر الحركة في الطريق، وأساس الوجود والمعرفة، بها يثبت الصوفي وجوده،
ويبلغ مطلوبه، ويتصل بربه فهي نقطة البدء ونقطة النهاية لا يبدأ المريد إلا بها،
ولا يمكن أن يصل بدونها، وهي من المتصوفة بمثابة العقل عند الفلاسفة، وما التصوف
إلا ثمرة وجدان حي وإرادة قوية، فالذوق الصوفي ليس عملًا من أعمال العقل، وإنما هو
مظهر من مظاهر الوجدان والإرادة.
والتجربة الصوفية كلها سلسلة من
الحركات الوجدانية والإرادية، والصوفي أولًا وأخيرًا مريد. [في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق]
وبعد أن يصل الصوفي بإرادته إلى هذا الطريق عليه أن يتخلى عن إرادته لكي
يترك كل شيء لله، فالله هو المريد في الحقيقة لكل شيء.
وقد قسم بعض الصوفية الإرادة إلى ثلاث
درجات:
الدرجة الأولى: ذهاب عن العادات بصحبة العلم، وتعلق
بأنفاس السالكين مع صدق القصد، وخلع كل شاغل عن الإخوان ومشتت من الأوطان.
الدرجة الثانية: تقطع بصحبة الحال وترويح
الأنس، والسير بين القبض والبسط.
الدرجة الثالثة: ذهول مع صحة الاستقامة، وملازمة
الرعاية على تهذيب الأدب.
وقد ظن بعض السالكين من الصوفية أن
الطريقة الكاملة للتصوف هي ألا يكون للعبد إرادة أصلًا، وهذ ليس ما عناه مشايخ
الصوفية لما نادوا بالتجرد عن الإرادة، كقول البسطامي: أريد ألا أريد، لما قيل له
ماذا تريد؟ والصوفية لما توجهوا إلى مرضاة الله، فإنهم أرادوا لأنفسهم ما أراده
الله لهم، ودعاهم إليه، فنبذوا الدنيا، وفضَّلوا الآخرة.
يقول القشيري: المريد في عرف هذه الطائفة من لا
إرادة له، فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدًا [الرسالة].
وهذا يدل على مدى تمسك الصوفية بإثبات
الإرادة الإنسانية؛ لأن من لا إرادة له لا يستطيع أن يتركها إرضاءً لله، أما من له
إرادة وتركها لإرادة الله، فهو الصوفي الحق؛ ولذا يقول الواسطي: أول مقام المريد:
"إرادة الحق سبحانه وتعالي بإسقاط الإرادة". [المصدر السابق]، وهذا المقام من أعلى مقامات الصوفية،
ومن هنا لزمت استقامة المريد العابد بإرادته واختياره على الطريق الذي اختاره الله
له مع الالتزام بأحكام العبودية، وهو ما أكده الكلاباذي قائلًا: "اختار
المؤمن الإيمان وأحبه واستحسنه وأراده، وآثره على ضده، وكره الكفر وأبغضه واستقبحه
ولم يرده، وآثر عليه ضده" [التعرف
لمذاهب التصوف].
إن كثيرًا من الصوفية يجاهدون أنفسهم،
ويفنون إرادتهم حتى يفنوا عن أنفسهم؛ ليتحقق لهم البقاء بالله، ويسقطون تدبيرهم
حتى يتولى الحق تدبير أفعالهم وأعمالهم، فهذا مرادهم من المجاهدة، وهدفهم من الفناء؛
لأن فناء العبد عن صفاته وإرادته، هو بقاؤه بصفات الله وإرادته، ومن ثَم ينصح
الشيخ عبد القادر الجيلاني أحد أتباعه قائلًا: "افن عن الخلق بإذن
الله تعالى، وعن هواك بأمر الله تعالى، وعن إرادتك بفعل الله تعالى، وحينئذ تصلح
أن تكون وعاء لعلم الله تعالى" [فتوح الغيب].
وليس معنى ذلك غياب الدور الإنساني أو
الإرادة الإنسانية فيما يجريه الحق تعالي، وإنما هي اجتهادات من بعض الصوفية الذين
ينسبون الفعل الإنساني لله تعالي، ولكنهم لا ينكرون إرادة الإنسان، ولا ينفون عنه صفة
الإرادة، خاصة في بداية سلوك الطريق أو خوض التجربة الصوفية.
وهذا تأكيد على أهمية المجاهدة النفسية في ترقي
المقامات، والتحقق بالأحوال، فالإرادة هي: بدء طريق السالكين، وهي اسم لأول منزلة
القاصدين إلى الله تعالى، وسميت هذه الصفة إرادة؛ لأن الإرادة مقدمة كل أمر، فما
لم يرد العبد شيئًا لم يفعله، وهذ التضارب الذي قد يفهم من موقف الصوفية من
الإرادة يجب أن يفهم على أساس: هل حديثهم عن هذه الإرادة في بداية الطريق الصوفي
أم في نهايته؟
فإذا كان في بدايته فهم يؤكدون دور
العبد في القيام بأفعاله وإرادته في ذلك، وإن كانت لدى بعضهم عبارات وأقوال تنفي
عن المريد إرادته وأفعاله فهي في مرحلة الفناء والبقاء مع الله.
٣- القدرة والاستطاعة: يفرق الصوفية في القدرة
بين نوعين من القدرة، قدرة قديمة لله تعالى، وقدرة حادثة للإنسان وهي كما يقول عبد
الكريم الجيلي: "القدرة قوة ذاتية لا تكون إلا لله، وهي صفة نفسية بها
ظهرت الربوبية، والقدرة الموجودة فينا تسمى قدرة حادثة" [الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل].
ويعتبر الصوفية أن إثبات الاختيار الحر
مقوم أساسي في إثبات حرية العبد، ووقوعه تحت المساءلة، وتوقيع الجزاء في الآخرة،
ونجدهم يثبتون مقومًا آخر من مقومات الحرية يتمثل في إثباتهم لاستطاعة الإنسان على
تحقيق ما يختار وقدرته عليه، فهم علموا وأيقنوا أن الله استخلفهم في الأرض، وأنهم في
دار اختبار وبلوى، وخلقوا للاختبار في هذه الدار، ومن ثَمَّ فإن الاستطاعة تظهر في
المفهوم الصوفي من خلال فهمهم للغاية من خلق الإنسان ووجوده في هذه الأرض؛ لكي
يحقق معنى الابتلاء.
فالله سبحانه أعطى العبد ومكنَّه،
فأصبح قادرًا مستطيعًا فاعلًا، فأمرَه سبحانه بالتواضع واللين، فإذا تذكر العبد
نعم الله عليه، وعلم أن حوله وقوته وقدرته واستطاعته من الله، زال عنه الكبر،
ولزمه الخضوع والتواضع.
كما أنهم أثبتوا استطاعة الإنسان وعُلوه
على ما دونه من المخلوقات المسخرة له، وأثبتوا للإنسان استطاعة خلقها الله له، هي
استطاعة وقدرة حادثة لكي تتم بها أفعاله، والجوارح الظاهرة هي أدوات الاستطاعة التي
تحول الفعل من النية والقصد والإرادة الداخلية والاختيار إلى التحقق الفعلي من
خلال القدرة والاستطاعة، فتحول الاستطاعة والقدرة والإرادة من حيز النية إلى حيز
التحقق المادي الظاهري، وتصير الإرادة لها فعل خارجي ظاهر وملموس، يحاسب عليه
الإنسان، وبه يكتسب المدح أو الذم، والثواب أو العقاب.
يرى الصوفية -كما حكى عنهم الكلاباذي-
أن الاستطاعة يخلقها الله لهم مع أفعالهم، لا تتقدمها ولا تتأخر عنها، ولا يوجد
الفعل إلا بها [التعرف لمذهب أهل التصوف].
وفهم الاستطاعة على هذا النحو يبطل وصف الإنسان بأن له قوة مستقلة
يفعل بها ما يشاء؛ مما لا يُوحي بإمكانية حدوث فعل خارج عن قضاء الله وقدره؛ ولذلك
فالاستطاعة ليست قبل الفعل، ولكنها مقارنة للفعل؛ أي حينما يشتغل العبد بأمرٍ ما
يريده، ويهم بعمله يهبه الله القدرة، ويخلق له هذ الفعل أيضًا.
وتحديد وقت مقارنة القدرة للفعل يحدد
موقف المفكر من الجبر أو الاختيار، فهناك من رفض وجود تلازم بين القدرة والفعل،
وكان هذا هو موقف الجبرية، وهناك من قال بسبق القدرة للفعل، وأنها هي المحدثة
للفعل، وهي قدرة على فعل الضدين، وهذا هو موقف القدرية والمعتزلة، وهناك من قال
بتلازم القدرة للفعل، وهم أهل الكسب.
أما الصوفية فهي تثبت للإنسان قدرة،
ولكنها ليست سابقة للفعل، وهي -أيضًا- ليست صالحة للضدين، بل هي قدرة على فعل
واحد، وهي قدرة حادثة يخلقها الله للإنسان لحظة الفعل.
ومن هنا كان الصوفية أقرب في تصورهم
إلى الأشاعرة القائلين بالكسب، وهذا راجع في أغلب الظن إلى أن كثيرًا من الصوفية
كانوا من أصحاب الاتجاه الأشعري، مثل القشيري والغزالي؛ ولذا يعبر القشيري
عن هذا الكسب بقوله: "إن الله خالق أكساب العبد، والعبد مكتسب لأفعاله،
وللعبد قدرة هي استطاعة تصلح للكسب، ولا تصلح للخلق والإبداع، فالله خالق غير
مكتسب والعبد مكتسب ليس بخالق".
[الآراء الكلامية والصوفية]
والصوفية لا يعتبرون الاستطاعة البشرية
هي الأعضاء والجوارح، بل هي عرض يرد على الإنسان من الخارج، فهي ليست قوة أو ملكة
دائمة في النفس البشرية، ولا هي -أيضًا- سلامة الأعضاء، وهذا ما أكده الكلاباذي
بقوله: لو كانت الاستطاعة هي الأعضاء السليمة لاستوى في الفعل كل ذي أعضاء سليمة [التعرف
لمذاهب أهل التصوف]،
ولكن هذه القوة متفاضله بين الزيادة والنقصان، وفي وقت دون وقت، وهي غير باقية،
ولا تصلح لأفعال متعددة.
ويستدلون على ذلك بقصة موسى عليه
السلام مع العبد الصالح، وقوله تعالى على لسان العبد الصالح: {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: ٦٧]، ومعلوم أن ثمة استطاعات لأفعال أخرى قام بها موسى عليه السلام، وهناك
أفعال أخرى ليست في استطاعته، ومن ثم فاستطاعة الإنسان ليست قوة أو قدرة ذاتية
مستقلة ومصاحبة له طيلة حياته، بل هي واردة عليه من الخارج، حادثة فيه، وهي عارضة
له.
وينفرد التستري عن سائر الصوفية
في فهم الاستطاعة البشرية؛ حيث رأى أنها قبل الفعل وأثناءه وبعده، ولكنه مع ذلك
يؤكد عدم استقلال الاستطاعة البشرية عن القدرة الإلهية؛ لأن الاستطاعة تكون خاضعة
للإرادة الإلهية أثناء الفعل، وهذا حرص منه على تأكيد المسئولية الخلقية للإنسان.
وبصرف النظر عن اختلاف الصوفية حول
الكسب، فإنهم يلتقون عند ضرورة تحرر النفس من التعلق بالأسباب، فذلك عندهم يتنافى
مع صريح الحرية.
وأخيرًا فالحرية عند الصوفية لا تنحصر في
الاختيار الحر، ولكنها تعني تحرر النفس من الهوى، ومن التعلق بالدنيا ولذاتها.
إن معنى الحرية لا ينفصل عن معنى
العبودية، والحرية ليست في موقف عدم الاكتراث في الاختيار، ولكن عدم الاكتراث إزاء
علائق الدنيا وأحوالها، فيستوي لدى الصوفي كل شيء من شدة ورخاء أو منع وعطاء، ولا
يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود، فهو يتجرد من الرغبة في الدنيا، ويتهيأ للآخرة.
وهي -أيضًا- ليست حالة انفصال بين
الإنسان وبين أسباب الحياة أو متع الدنيا، وإنما هي في البعد عن التعلق بنعيم الآخرة
جزاء على الجهاد والعمل، فالآخرة وإن كانت خيرًا وأبقى ففي طلب نعيمها أو خشية
جحيمها مظهر آخر لرغبات النفس، ولكي يكون الإنسان حرًّا فقط يجب ألا تستعبده أعراض
الدنيا ولا أعراض الآخرة.