Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

موقف الصوفية من الجبرية والقدرية

الكاتب

أ. د/ منى أبو زيد

موقف الصوفية من الجبرية والقدرية

يمثل موقف الصوفية من قضيتي الجبر والقدر أحد أبرز الجوانب العقدية التي تكشف عمق نظرتهم إلى العلاقة بين الإرادة الإلهية واختيار الإنسان، فبينما انقسم المتكلمون بين الجبرية الذين نفوا عن الإنسان إرادته، والقدرية الذين بالغوا في إثباتها، سلك المتصوفة طريقًا وسطًا يقوم على مبدأ الجمع بين "الحق والخلق"، حيث يرون أن أفعال العبد تقع بقدرة الله دون أن تُسلب عنه مسؤوليته الأخلاقية، فالفعل عندهم مظهر لتجلي المشيئة الإلهية في الكون.

نقد الصوفية لمذهب الجبر

الجبر: هو نفي الفعل حقيقة عن العبد، وإضافته إلى الرب تعالى.

والجبرية أصناف، فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا، والجبرية المتوسطة هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة. [الملل والنحل]

 وممن ينطبق عليهم القول بالجبر الخالص (الجهمية)، وهم أتباع جهم بن صفوان.

ويرفض كثير من الصوفية هذا الاتجاه، ويعتبرون أصحابه شرًّا من القدرية، وأشد عداوة لله، ومناقضة لكتبه ورسله ودينه، وإن كانت هناك بعض الأقوال وردت عن عدد من الصوفية توحي بأن أصحابها من أهل الجبر، ولكن الغالبية العظمى من الصوفية ترفض أصحاب هذا الاتجاه، وترى أنهم أعداء الله حقًّا، وأولياء إبليس.

نقد الصوفية للقدرية

القدرية هم الذين ينفون الجبر، ويثبتون للإنسان فعلًا وإرادة ومشيئة، يكون بها الإنسان مسئولًا أمام الله عن أفعاله، وهؤلاء يشهدون أن هذه الجنايات والذنوب هم الذين أحدثوها، وأنها واقعة بمشيئتهم دون مشيئة الله تعالى، وأن الله لم يُقدر ذلك عليهم ولم يكتبها ولا شاءها، ولا خلق أفعالهم وأن العباد خالقون لأفعالهم بدون مشيئة الله، فالمعاصي والذنوب خلقهم لا أنها خلق الله.

ويرفض الصوفية هذا الاتجاه أيضًا؛ لأن الله قد حكم في تقديره على عبده بما يبغضه سبحانه ويكرهه، ويلوم ويعاقب عليه، وأنه لو شاء لعصمه منه ولحال بينه وبينه، وأنه سبحانه لا يُعصى قسرًا، ولا يكون في العالم شيء إلا بمشيئته.

فلله تعالى حكمة في ظهور المعاصي والذنوب، وهي من الآيات والحكم التي خلقها الله، ومن هذه الحكم: أنه لولا المعصية من أبي البشر بأكله من الشجرة لما ترتب على ذلك ما ترتب من وجود هذه الموجبات العظام للرب تعالى من امتحان خلقه وتكليفهم وإرسال رسله، وإنزال كتبه، وإظهار آياته وعجائبه، وتنويعها وتصريفها، فلو قُدر أن آدم لم يأكل من الشجرة لم يكن شيء من ذلك.

نشأة مفهوم الحرية عند الصوفية

 يكاد يكون التصوف المعتدل أصدق جوانب التصوف تمثيلًا للفكرة الصوفية لا من حيث اتساقه مع أحكام الشرع وتعاليم الدين فحسب، بل من حيث بُعده عن الأصول الأجنبية إذا قورن بالتصوف الفلسفي، ومن ثَمَّ كان معبرًا عن تيار إسلامي.

ومن المؤكد أن التصوف تجربة ذاتية للصوفي، ومن ثَمَّ فإنه من المتعذر أن تجمع الصوفية وحدة فكرية تؤلف بين أفرادها مبادئ وأصول عامة، ولا سيما موقفهم من مشكلة الحرية، فالصوفية مختلفون بين اتجاهات ومذاهب، وتجارب خاصة ذاتية، وهو أمر يتقبلونه بصدر رحب، ولعل هذا هو مقصد رويم حين قال: "الصوفية بخير ما تنافروا، فإن اصطلحوا فلا خير فيهم" [الفلسفة الأخلاقية].

لم تشكل الحرية عند أوائل الصوفية نظرية متكاملة، وإنما ظهرت لديهم في بعض العبارات وبعض الأبيات الشعرية، كما وجدت في الفكرة القائلة بأن الحياة سجن أو قبر، وكان الموت يعني عندهم التحرر من هذه الحياة؛ لأن الموت يقربهم من الله أكثر.

وقد تبنى الصوفية هذه الفكرة، ففي اليوم الذي توفي فيه داوود الطائي رأى أحدهم في منامه أنه سمعه يقول: "الآن خرجت من السجن"، وهكذا يبدو العالم سجنًا للذين يحبون الله تعالى، والحياة ليست في الحقيقة إلا سجنًا متصلًا.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال أنه على الرغم من اعتبار الحياة سجنًا والموت تحررًا، فإن حرية من هذا النوع لم تَقُد إلى أي شيء يرتبط بمصطلح الحرية وأبعاده أو مضامينه الدنيوية، وكان من المتوقع أن يصبح البُعد الميتافيزيقي للحرية قضية تُعنى بها النظرية الصوفية.

ثم يبدأ الاهتمام بالحرية فيما بعد، ويأخذ حيزًا في كتاباتهم وأفكارهم وأشعارهم، فيخصص القشيري فصلًا للحرية في رسالته، وهو فصل سيكون له تأثير كبير فيمن جاء بعده، بل إنه في هذا الفصل يجمع كثيرًا من أقوال الصوفية السابقين عن الحرية.

ومن أقوال الصوفية عن الحرية: قول الزقاق (ت٢٩٠هـ :٩٠٢م): "من كان في الدنيا حرًّا منها كان في الآخرة حرًّا منها"، وقيل للشبلي (ت ٣٣٤هـ/٩٤٥م): "ألا تعلم أنه رحمن؟ فقال بلى، ولكن منذ عرفت رحمته ما سألته أن يرحمني، ومقام الحرية عزيز"، وكان أبو العباس السياري (ت ٣٤٢هـ) يقول: لو صحت صلاة بغير قرآن لصحت بهذا البيت:

أتمنى على الزمانِ محالًا * * * أن ترى مقلتاي طلعةَ حُرٍّ

وقال أبو علي الدقاق (ت: ٤٠٦هـ/١٠٠٦م): "من دخل الدنيا وهو عنها حر ارتحل إلى الآخرة وهو عنها حر".

أما أقوال المشايخ في الحرية، فقال الحلاج (ت: ٣٠٩هـ/٩٢٢م): "إنك لا تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية".

وقال بشر الحافي: (ت: ٢٢٧هـ/٩٨٦م) "من أراد أن يذوق طعم الحرية، ويستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين الله تعالى".

وقال منصور بن إبراهيم المصري (ت: ٣٠٦هـ /٩١٨م) في شعره:

ما بقي في الإنس حر * * * لا ولا في الجن حر

قد مضى حر الفريقين * * * فحلو العيش مر

 وقال إبراهيم بن أدهم: "إن الحر الكريم يخرج من الدنيا قبل أن يخرج منها، وأضاف: لا تصحب إلا حرًّا كريمًا يسمع ولا يتكلم" [مفهوم الحرية في الإسلام].

وكل هذه الأقوال لم تشكل لدى الصوفية نظرية متكاملة، ولم تشغل حيزًا مهمًّا من كتاباتهم باستثناء بعض الأقوال والحكم.

وظل الأمر على هذا حتى جاء القشيري الذي أفرد الحرية بباب خاص في رسالته، وكان هذا غريبًا على صوفية هذا الزمان، فالكلاباذي (ت: ٣٨٠هـ / ٩٩٠م) الذي تُوفي في تاريخ مقارب لتاريخ وفاة القشيري وضع كتابًا حول الصوفية لم يفرد الحرية بباب خاص، وهكذا فإنه لا يمكن أن نتوقع وجود معلومات وافية حول المصطلح من المؤلفين السابقين للقشيري.

أما من جاء بعده من أمثال الإمام الغزالي (ت: ٥٠٥هـ /١١١١م) فقد كان واضح التردد في حديثه عن الحر والحرية في كتابه (الإحياء)، وقد أشار إلى المصطلح، وأدرك أبعاده الأخلاقية والسياسية، ويبدو أنه كان يعتبر الحرية قيمة في هذين المجالين فقط [المرجع السابق].

وعند ابن عربي (ت: ١٢٤٠م) تناول موضوع الحرية في كتابه (الفتوحات المكية)، وأفرد لها صفحات تُعد قليلة، إذا قورنت بضخامة كتابه، وتأتي هذه المناقشة لفكرة الحرية في أثناء عرضه للحياء والذكر، كما تناول هذه الفكرة أثناء حديثه عن الحرية في مقابل العبودية، الأمر الذي أدى إلى بحث مفصل في مصطلحين آخرين، هما (الغنى والفقر) اللذان يرتبطان بالحرية ارتباطًا وثيقًا في نظر ابن عربي ثم يخصص بعد ذلك فصلين آخرين للحديث عن (مقامات الحرية)، ويخصص فصلًا آخر يتناول أبعاد الحرية.

وبعد أن دخل مصطلح (الحرية) في أدبيات الصوفية على يد القشيري أصبح إهماله على ما يبدو غير ممكن. وهكذا أصبح موضوعًا لنقاش دائم، وأصبح على كل صوفي بعد ذلك أن يدلي برأيه في الحرية.

وقد ذهب بعض الغلاة من المنتسبين إلى التصوف إلى أن التحرر من أعباء الواجبات الدينية خطوة في طريق الحرية، وكان هناك ميل -أحيانًا- للاعتقاد بأن هناك حرية خاصة بمن يسمون الواصلين بالنخبة، تُخول لهم حق التخلي عن العبادات المفروضة، كما تُخول لهم حق ارتكاب بعض المعاصي، لكن بشكل عام فإن السيطرة كانت للموقف المعتدل، الذي كان له موقف قريب من اتجاه أهل السنة من الخلق في الغالب، وأحيانًا يميل إلى الاتجاه السلفي، وقد نلمح في بعض آرائهم بعضًا من الأفكار الأشعرية عن الكسب والاختيار وما إليها.

أركان الحرية الإنسانية

 الحرية في الإسلام تُعنى بمصطلحات، مثل النية والقصد والإرادة، والاستطاعة والقدرة والاختيار، والفعل والكسب والمسئولية، فكل هذه العناصر هي أركان الحرية، ولكي نفهم نظرية الحرية عند الصوفية لابد أن نُلم بتصورهم لهذه الأركان أو العناصر:

 ١- النية: النية عند الصوفية ركن من أركان الإيمان، وهي عقل القلب، ويلزم منها الإخلاص لقبول العمل، معتمدين في ذلك على قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِه،ِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» [متفق عليه].

فالنية هي فعل القلب واعتقاده، وهي في باطن الإنسان، وهو موضع النظر والعمل، وقد تعارف الصوفية في أواخر القرن الثالث الهجري على مصطلح (القصود)، ومعناه عندهم صدق الإرادات والنيات المقرونة بالنهوض إلى الله.

قال أحمد بن أبي الحواري (ت: ٣٢٠هـ): "من قصد في قصوده غير الحق فقد عظمت استهانته بالحق" [اللمع].

 فالنية الحسنة هي أن يكون الإنسان يريد الله بجميع أعماله وأفعاله وحركاته كلها ظاهرها وباطنها.

فالإنسان مثاب في المقام الأول على إرادته، وما ينشأ عنها من قصود ورغبات ونيات، أما الحركات والسكنات التي تحدث في أعمال الجوارح وتنشأ عنها الأفعال فهي عندهم فعل الله، والنية هي التي تكسب العمل النسبة إلى معاني الخير والشر.

ولعل الصوفية كانوا يقصدون بالنية توجيه الإرادة السابقة للعمل إلى هدف واحد مع اختلاف الأعمال والعبادات، وهذا الهدف هو رضاء الله تعالى وابتغاء محبته؛ ولذلك قالوا: "إن النية روح العمل وقلب المؤمن، والنية أول القصد، والنية هي إرادة العاقل وغايته من عمله، فكأنها العلة الغائبة في نفس وعقل الفاعل قبل أن يقوم بالفعل، والنية في باطن الإنسان وقلبه، ومن ثَمَّ فهي موضع نظر رب العالمين من سر العبد". [قوت القلوب، مشكلة الحرية عند الفلاسفة والصوفية في الإسلام]

والتستري لا يعطي قيمة للعمل في حد ذاته، بل القيمة الخُلقية تكمن في النية، فالعمل مع فساد النية مردود على صاحبه، والنية الخالصة مع تخلف العمل، بسبب عجز أو فقد استطاعة يجازى عليها المرء كمن أتم العمل سواء بسواء، أما الإرادة التي يتم بها الفعل، والتي تعتبر النية نتاجًا خالصًا لها، فهي منسوبة للإنسان وهذا ينقلنا إلى موضوع الإرادة.

٢- الإرادة والاختيار:

حرية الإرادة عند الصوفية تختلف اختلافًا كبيرًا عما لدى غيرهم، فهم يبدأون الحديث عن الإرادة، ثم ينتهون بإسقاط الإرادة؛ ذلك أن كثيرًا من الصوفية يجاهدون أنفسهم ويترقون في الأحوال والمقامات بالإرادة، ثم في نهاية الطريق يفنون عن أنفسهم ليتحقق لهم البقاء بالله، وهم يسقطون تدبيرهم مع الحق حتى يتولى الحق تدبير أفعالهم وأعمالهم، فهذا مرادهم من المجاهدة وهدفهم من الفناء، ويثبت القشيري للإنسان إرادة، والإرادة عنده سابقة على كل فعل، بحيث يمكن اعتباره علة، وإنما سميت هذه الصفة إرادة؛ لأن الإرادة مقدمة كل أمر، فما لم يرد العبد شيئًا لم يفعل. [الرسالة]

والصوفية اعتدوا عمليًّا بحرية الإرادة الإنسانية بما يفرضونه على أنفسهم من أنواع المجاهدات والرياضات، وألوان الزهد والتقشف، وضروب العبادة والمناجاة إلى غير ذلك من أنواع القربات، وهذا يعني أن الإرادة عندهم هي: عنصر الحركة في الطريق، وأساس الوجود والمعرفة، بها يثبت الصوفي وجوده، ويبلغ مطلوبه، ويتصل بربه فهي نقطة البدء ونقطة النهاية لا يبدأ المريد إلا بها، ولا يمكن أن يصل بدونها، وهي من المتصوفة بمثابة العقل عند الفلاسفة، وما التصوف إلا ثمرة وجدان حي وإرادة قوية، فالذوق الصوفي ليس عملًا من أعمال العقل، وإنما هو مظهر من مظاهر الوجدان والإرادة.

والتجربة الصوفية كلها سلسلة من الحركات الوجدانية والإرادية، والصوفي أولًا وأخيرًا مريد. [في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق]

 وبعد أن يصل الصوفي بإرادته إلى هذا الطريق عليه أن يتخلى عن إرادته لكي يترك كل شيء لله، فالله هو المريد في الحقيقة لكل شيء.

وقد قسم بعض الصوفية الإرادة إلى ثلاث درجات:

 الدرجة الأولى: ذهاب عن العادات بصحبة العلم، وتعلق بأنفاس السالكين مع صدق القصد، وخلع كل شاغل عن الإخوان ومشتت من الأوطان.

 الدرجة الثانية: تقطع بصحبة الحال وترويح الأنس، والسير بين القبض والبسط.

الدرجة الثالثة: ذهول مع صحة الاستقامة، وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب.

وقد ظن بعض السالكين من الصوفية أن الطريقة الكاملة للتصوف هي ألا يكون للعبد إرادة أصلًا، وهذ ليس ما عناه مشايخ الصوفية لما نادوا بالتجرد عن الإرادة، كقول البسطامي: أريد ألا أريد، لما قيل له ماذا تريد؟ والصوفية لما توجهوا إلى مرضاة الله، فإنهم أرادوا لأنفسهم ما أراده الله لهم، ودعاهم إليه، فنبذوا الدنيا، وفضَّلوا الآخرة.

 يقول القشيري: المريد في عرف هذه الطائفة من لا إرادة له، فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدًا [الرسالة].

وهذا يدل على مدى تمسك الصوفية بإثبات الإرادة الإنسانية؛ لأن من لا إرادة له لا يستطيع أن يتركها إرضاءً لله، أما من له إرادة وتركها لإرادة الله، فهو الصوفي الحق؛ ولذا يقول الواسطي: أول مقام المريد: "إرادة الحق سبحانه وتعالي بإسقاط الإرادة". [المصدر السابق]، وهذا المقام من أعلى مقامات الصوفية، ومن هنا لزمت استقامة المريد العابد بإرادته واختياره على الطريق الذي اختاره الله له مع الالتزام بأحكام العبودية، وهو ما أكده الكلاباذي قائلًا: "اختار المؤمن الإيمان وأحبه واستحسنه وأراده، وآثره على ضده، وكره الكفر وأبغضه واستقبحه ولم يرده، وآثر عليه ضده" [التعرف لمذاهب التصوف].

إن كثيرًا من الصوفية يجاهدون أنفسهم، ويفنون إرادتهم حتى يفنوا عن أنفسهم؛ ليتحقق لهم البقاء بالله، ويسقطون تدبيرهم حتى يتولى الحق تدبير أفعالهم وأعمالهم، فهذا مرادهم من المجاهدة، وهدفهم من الفناء؛ لأن فناء العبد عن صفاته وإرادته، هو بقاؤه بصفات الله وإرادته، ومن ثَم ينصح الشيخ عبد القادر الجيلاني أحد أتباعه قائلًا: "افن عن الخلق بإذن الله تعالى، وعن هواك بأمر الله تعالى، وعن إرادتك بفعل الله تعالى، وحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم الله تعالى" [فتوح الغيب].

وليس معنى ذلك غياب الدور الإنساني أو الإرادة الإنسانية فيما يجريه الحق تعالي، وإنما هي اجتهادات من بعض الصوفية الذين ينسبون الفعل الإنساني لله تعالي، ولكنهم لا ينكرون إرادة الإنسان، ولا ينفون عنه صفة الإرادة، خاصة في بداية سلوك الطريق أو خوض التجربة الصوفية.

 وهذا تأكيد على أهمية المجاهدة النفسية في ترقي المقامات، والتحقق بالأحوال، فالإرادة هي: بدء طريق السالكين، وهي اسم لأول منزلة القاصدين إلى الله تعالى، وسميت هذه الصفة إرادة؛ لأن الإرادة مقدمة كل أمر، فما لم يرد العبد شيئًا لم يفعله، وهذ التضارب الذي قد يفهم من موقف الصوفية من الإرادة يجب أن يفهم على أساس: هل حديثهم عن هذه الإرادة في بداية الطريق الصوفي أم في نهايته؟

فإذا كان في بدايته فهم يؤكدون دور العبد في القيام بأفعاله وإرادته في ذلك، وإن كانت لدى بعضهم عبارات وأقوال تنفي عن المريد إرادته وأفعاله فهي في مرحلة الفناء والبقاء مع الله.

 ٣- القدرة والاستطاعة: يفرق الصوفية في القدرة بين نوعين من القدرة، قدرة قديمة لله تعالى، وقدرة حادثة للإنسان وهي كما يقول عبد الكريم الجيلي: "القدرة قوة ذاتية لا تكون إلا لله، وهي صفة نفسية بها ظهرت الربوبية، والقدرة الموجودة فينا تسمى قدرة حادثة" [الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل].

ويعتبر الصوفية أن إثبات الاختيار الحر مقوم أساسي في إثبات حرية العبد، ووقوعه تحت المساءلة، وتوقيع الجزاء في الآخرة، ونجدهم يثبتون مقومًا آخر من مقومات الحرية يتمثل في إثباتهم لاستطاعة الإنسان على تحقيق ما يختار وقدرته عليه، فهم علموا وأيقنوا أن الله استخلفهم في الأرض، وأنهم في دار اختبار وبلوى، وخلقوا للاختبار في هذه الدار، ومن ثَمَّ فإن الاستطاعة تظهر في المفهوم الصوفي من خلال فهمهم للغاية من خلق الإنسان ووجوده في هذه الأرض؛ لكي يحقق معنى الابتلاء.

فالله سبحانه أعطى العبد ومكنَّه، فأصبح قادرًا مستطيعًا فاعلًا، فأمرَه سبحانه بالتواضع واللين، فإذا تذكر العبد نعم الله عليه، وعلم أن حوله وقوته وقدرته واستطاعته من الله، زال عنه الكبر، ولزمه الخضوع والتواضع.

كما أنهم أثبتوا استطاعة الإنسان وعُلوه على ما دونه من المخلوقات المسخرة له، وأثبتوا للإنسان استطاعة خلقها الله له، هي استطاعة وقدرة حادثة لكي تتم بها أفعاله، والجوارح الظاهرة هي أدوات الاستطاعة التي تحول الفعل من النية والقصد والإرادة الداخلية والاختيار إلى التحقق الفعلي من خلال القدرة والاستطاعة، فتحول الاستطاعة والقدرة والإرادة من حيز النية إلى حيز التحقق المادي الظاهري، وتصير الإرادة لها فعل خارجي ظاهر وملموس، يحاسب عليه الإنسان، وبه يكتسب المدح أو الذم، والثواب أو العقاب.

يرى الصوفية -كما حكى عنهم الكلاباذي- أن الاستطاعة يخلقها الله لهم مع أفعالهم، لا تتقدمها ولا تتأخر عنها، ولا يوجد الفعل إلا بها [التعرف لمذهب أهل التصوف].

 وفهم الاستطاعة على هذا النحو يبطل وصف الإنسان بأن له قوة مستقلة يفعل بها ما يشاء؛ مما لا يُوحي بإمكانية حدوث فعل خارج عن قضاء الله وقدره؛ ولذلك فالاستطاعة ليست قبل الفعل، ولكنها مقارنة للفعل؛ أي حينما يشتغل العبد بأمرٍ ما يريده، ويهم بعمله يهبه الله القدرة، ويخلق له هذ الفعل أيضًا.

وتحديد وقت مقارنة القدرة للفعل يحدد موقف المفكر من الجبر أو الاختيار، فهناك من رفض وجود تلازم بين القدرة والفعل، وكان هذا هو موقف الجبرية، وهناك من قال بسبق القدرة للفعل، وأنها هي المحدثة للفعل، وهي قدرة على فعل الضدين، وهذا هو موقف القدرية والمعتزلة، وهناك من قال بتلازم القدرة للفعل، وهم أهل الكسب.

أما الصوفية فهي تثبت للإنسان قدرة، ولكنها ليست سابقة للفعل، وهي -أيضًا- ليست صالحة للضدين، بل هي قدرة على فعل واحد، وهي قدرة حادثة يخلقها الله للإنسان لحظة الفعل.

ومن هنا كان الصوفية أقرب في تصورهم إلى الأشاعرة القائلين بالكسب، وهذا راجع في أغلب الظن إلى أن كثيرًا من الصوفية كانوا من أصحاب الاتجاه الأشعري، مثل القشيري والغزالي؛ ولذا يعبر القشيري عن هذا الكسب بقوله: "إن الله خالق أكساب العبد، والعبد مكتسب لأفعاله، وللعبد قدرة هي استطاعة تصلح للكسب، ولا تصلح للخلق والإبداع، فالله خالق غير مكتسب والعبد مكتسب ليس بخالق". [الآراء الكلامية والصوفية]

والصوفية لا يعتبرون الاستطاعة البشرية هي الأعضاء والجوارح، بل هي عرض يرد على الإنسان من الخارج، فهي ليست قوة أو ملكة دائمة في النفس البشرية، ولا هي -أيضًا- سلامة الأعضاء، وهذا ما أكده الكلاباذي بقوله: لو كانت الاستطاعة هي الأعضاء السليمة لاستوى في الفعل كل ذي أعضاء سليمة [التعرف لمذاهب أهل التصوف]، ولكن هذه القوة متفاضله بين الزيادة والنقصان، وفي وقت دون وقت، وهي غير باقية، ولا تصلح لأفعال متعددة.

ويستدلون على ذلك بقصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، وقوله تعالى على لسان العبد الصالح: {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: ٦٧]، ومعلوم أن ثمة استطاعات لأفعال أخرى قام بها موسى عليه السلام، وهناك أفعال أخرى ليست في استطاعته، ومن ثم فاستطاعة الإنسان ليست قوة أو قدرة ذاتية مستقلة ومصاحبة له طيلة حياته، بل هي واردة عليه من الخارج، حادثة فيه، وهي عارضة له.

وينفرد التستري عن سائر الصوفية في فهم الاستطاعة البشرية؛ حيث رأى أنها قبل الفعل وأثناءه وبعده، ولكنه مع ذلك يؤكد عدم استقلال الاستطاعة البشرية عن القدرة الإلهية؛ لأن الاستطاعة تكون خاضعة للإرادة الإلهية أثناء الفعل، وهذا حرص منه على تأكيد المسئولية الخلقية للإنسان.

وبصرف النظر عن اختلاف الصوفية حول الكسب، فإنهم يلتقون عند ضرورة تحرر النفس من التعلق بالأسباب، فذلك عندهم يتنافى مع صريح الحرية.

وأخيرًا فالحرية عند الصوفية لا تنحصر في الاختيار الحر، ولكنها تعني تحرر النفس من الهوى، ومن التعلق بالدنيا ولذاتها.

إن معنى الحرية لا ينفصل عن معنى العبودية، والحرية ليست في موقف عدم الاكتراث في الاختيار، ولكن عدم الاكتراث إزاء علائق الدنيا وأحوالها، فيستوي لدى الصوفي كل شيء من شدة ورخاء أو منع وعطاء، ولا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود، فهو يتجرد من الرغبة في الدنيا، ويتهيأ للآخرة.

وهي -أيضًا- ليست حالة انفصال بين الإنسان وبين أسباب الحياة أو متع الدنيا، وإنما هي في البعد عن التعلق بنعيم الآخرة جزاء على الجهاد والعمل، فالآخرة وإن كانت خيرًا وأبقى ففي طلب نعيمها أو خشية جحيمها مظهر آخر لرغبات النفس، ولكي يكون الإنسان حرًّا فقط يجب ألا تستعبده أعراض الدنيا ولا أعراض الآخرة.

الخلاصة

يرى الصوفية أن الحرية الحقيقية تتحقق بالتحرر من الشهوات والتعلقات الدنيوية، وتكتمل في العبودية لله وحده، ويربطون الحرية بالتوحيد، ويعتبرون أن كل ما في الكون خاضع لمشيئة الله بما في ذلك أفعال الإنسان، وتمر الحرية بثلاث مراتب: العامة، والخاصة، وخاصة الخاصة، وتقوم على النية والإرادة والاختيار والاستطاعة، وهي رحلة روحية تتطلب مجاهدة النفس والفناء عن الإرادة حتى يصل الإنسان إلى مقام البقاء بالله والحرية الحقة.

موضوعات ذات صلة

من الأسباب الرئيسة التي جعلت وجود فريق يهاجم التصوف منذ نشأته، صعوبة فهم العقول العادية لأذواق الصوفية ومعارفهم.

 ظهرَ هذا المصطلحُ متأخرًا في أدبياتِ التصوّف الإسلاميِّ.

التصوف هو بُعد روحي وأخلاقي في التجربة الإسلامية، يعبر عن نزعة الإنسان نحو السمو على المادة والسعي إلى الصفاء الروحي.

موضوعات مختارة