Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

آداب الصحبة عند الصوفية

الكاتب

أ. د/ عبد الله الشاذلي

آداب الصحبة عند الصوفية

فصّل السادة الصوفية آداب الصحبة في فقه سلوكي دقيق، شأنه شأن الفقه الظاهري، لضبط المعاملات والأخلاق الباطنة بين المريدين؛ وهذه الآداب مبنية على الشرع لتزكية النفس وتأمين المسيرة الروحية.

آداب الصحبة عند السادة الصوفية

 فقه آداب الصحبة تفصيلًا: اهتم السادة الصوفية بعلم الباطن وبيان جمله وتفصيله، وأنهم تبعًا لذلك قد خبروا دروب النفس والقلب والشكل خبرة جعلتهم يحللون الصفات المتعلقة بها، والنسب القائمة بينها جميعًا، وتخير المفيد منها والأحسن، وتطبيقه في الظاهر ووضع العلاج المناسب لما يطرأ من عقبات بين السلوك والنفس، أو بين أفراد المريدين وعلاقتهم في اجتماعهم وألفتهم، كل ذلك يتم في ضوء الشرع وتوجيهه، والنصوص وغايتها، وقد نتج عن اهتمامهم بتلك الصفات الداخلية وتطبيقاتها ونسبها وعلاقاتها فقهًا خلقيًّا وسلوكيًّا وأدبيًّا ألزموا به المريدين شأنه شأن الفقه العام الموجه والمصحح لسائر العبادات، ولا تكاد تمر مسألة نفسية أو صفاتية إلا وجدت لها وجوهًا من التحاليل يتبعها عدة أحكام تخصها، وكأنك عندما تتجول في ساحة التفريعات الصفاتية وما يصدرونه من أحكام لها تسير بين ثنايا ومسائل علم الفقه الظاهري، ويكفي أن تلقي نظرة على كتاب من كتبهم يتناول الآداب مثل آداب المريدين للترمذي، أو آداب المريدين لأبي النجيب السهروردي، أو الأنوار القدسية للشعراني لتتحقق من صحة اتجاههم الفقهي في علوم المعاملات السلوكية، ولتلمس بيديك وبصرك وعقلك كيفية استغوارهم للنفس وصفاتها، واستنباط الأحكام من النصوص الأخلاقية والأدبية، وسنعقد هنا جولة مع فقه آداب الصحبة ترينا كيف كانوا يفهمون ويطبقون، وينصحون ويوجهون، وسنحاول تبويب الآداب حسب الأرومة التي تنتمي إليها.

١-أبرز آداب العلم في الصحبة:

 قيدنا هذا العنوان بتلك العبارة لنفرق بين طلبهم للعلم من أهل الاختصاص عامة وبين الفوائد العلمية التي تطرأ لهم أثناء اجتماعهم، فطلب العلم تفسيرًا وحديثًا وفقهًا ولغةً وأصولًا له قواعده التي سبق أن نبهنا عليها، وأنه يسبق كل خطوة على الطريق الصوفي، إلا أنه قد تجد فوائد عملية، أو تطرأ مسائل تحتاج إلى إيضاح أثناء السير، وهي المعنية هنا خصوصًا، عندئذ يلزم على المريد أن يسعى في تحصيلها، وكذلك إذا صحب القوم ولم يكن قد حصل العلوم المطلوبة فلا بد من تحصيلها.

ونبدأ الآن رحلة موجزة مع الآداب الخاصة بالعلم والتعلم فنجد أنهم ربطوا الآداب بأدلتها للدلالة على أنهم لم يقترحوا أدبًا إلا وله سند شرعي، فساق المكي آداب الصحبة قائمة ومشيدة على أدلتها [راجع قوت القلوب ٤/١١٥-١٤٨]، ثم إنهم مع ذلك نصحوا بالأدب مقرونًا بتحليله وبيان علله وثماره أو مجردًا من العلة والفائدة مستندين في ذلك إلى طريقة الكتاب والسنة فإنهما أحيانًا ما ترد الآداب والفضائل مع التوجيه أو بدونه، فقوله تعالى: {ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: ٣٤]، تحدثت عن الأدب مع ثمرته، وقوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ}، [الاسراء: ٥٣] حثت على الأدب وعلته، أما قوله جل شأنه: {خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ} [الأعراف: ١٩٩]، فمسوقة على إطلاقها دون تعليل مرادف لوضوح ذلك منها ولقربها من الفطرة، على أن الأمر قد يكون واضحًا في دلالته على الخير والفضيلة ومع ذلك يرد مقرونًا بالعلة أو الثمرة في موقف معين للضرورة القاضية هنا دون غيره مثل قوله: {فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ} [آل عمران: ١٥٩]. 

 فالرحمة فضيلة وأدب لا خلاف على ذلك لكن القرآن نبه إلى ضدها، وما يترتب عليه من أثر لخصوص الموقف المسوق فيه الآيات، رجال الطريق سلكوا من الناحية العلمية تلك الطرق كلها ، فإما أن ينبهوا على الأدب مجردًا أو معللًا أو مقرونًا بالفائدة المرجوة، وبشيء من التفصيل حول الآداب المرعية مع الجانب التعلمي من خلال الصحبة نلمس أن الصوفية تدرجوا في تلك المسألة، وعلموا أن مشاق العلم وتبعاته كثيرة وثقيلة فخففوا على المريد بداية صونًا له من النفور، وحفاظًا عليه من النكوص، لذا عاملوه بلطف وشفقة في البداية حتى إذا ما ثبتت خطاه معهم، وركن إلى صحبتهم ألزموه حدود العلم كلها. يقول ابن عربي معبرًا عن هذا الأدب وقد سأله سائل أن يوصيه: (إذا لقيت الفقراء ورأيت الفقير فلا تبدأه بالعلم وابدأه بالرفق فإن العلم يوحشه والرفق يؤنسه) [ملحق رسالة ابن عربي للفخر الرازي ص٢٧].

 أرأيت كيف قَدَّمَ الحاتمي الطائي وصيته بأدب الرفق ومعه تعليله وثمرته، ثم إنه لا ينبغي أن يفهم من رفع العلم هنا وإحلال الشفقة أن المراد بذلك علم الفرائض العينية لأن تلك ملازمة للمريد والفقير في بدايته ووسطه ونهايته، ولا يتصور فيه تأخير وتسويق من جهة المريد أو الشيوخ أو الأصحاب بل المراد بالعلم هنا هو علم المعاملات الخاصة بالسلوك، وهو ما نتصور معه تدرجًا وأولويات، فإن تجاوز المريد المصاحب مرحلة البداية الخاصة بالرفق، واستأنس بالقوم نقلوه إلى العلم وضروراته فيتعلم منهم إن كان صغيرًا، أو يصحبهم على شرائط العلم وآدابه إن كان كبيرًا وقد حصل العلم المطلوب.

وأهم تلك الشروط التي وضعها سيدي أبو الحسن الشاذلي للعلم مع الصحبة أن تعتمد المجالسة على (المنقول والروايات الصحيحة) [المفاخر العليا ص٥٩]، لإفادة المريدين أو للاستفادة من الأصحاب بعضهم من بعض، إذ للمنقول أنواره، وللمعقول ظلماته، وللمنقول تأثيره وللبدع ضلالها وزيغها، وكم ضلت نفوس بالهوى والعقل والتبدع، وكم اهتدت قلوب حين ارتوت بماء الوحي، وسارت على نور الشرع الأبلج، وهذا الأدب الملزم للمنقول وصحيح الروايات يتعلق كما ترى بمنهج التعلم في حلقات الصحبة.

  1. ولكي يحدث الوئام داخل الجماعة المتصاحبة فقد نبه أبو النجيب السهروردي على أن (أولى الناس بالصحبة من يوافقك في اعتقادك..) ويحذر المتآلف بأنه لا يصحب من يخالفه في المذهب وإن كان قريبًا منه، ألا ترى إلى نوح لما قال {إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي}، فجاء الرد: {إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ} [هود ٤٦]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل قوله جل شأنه: {لَا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ} [المجادلة ٢٢]، قال صلوات الله وسلامه عليه: «لَا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عِنْدِي يدًا فَيُحِبهُ قلبِي»، وواضح من النص أن المراد بالمخالف في الاعتقاد والمذهب هو الخارج عن الملة بالكفر أو الفسق أو الابتداع بدليل أن السهروردي مؤلف آداب المريدين يقول بعد ذلك: (بل يصحب من يثق بدينه وأمانته ومذهبه وورعه في ظاهره وباطنه) [آداب المريدين ص٦٣]، وإذا صح المنهج نقلًا ورواية، واتفقوا عليه اعتقادًا ومذهبًا لزمت المذاكرة العلمية مع فرض آدابها، والمذاكرة تعني التذكير بالعلم والتبصير به، وحل ما أبهم على المتآلفين، وتوضيح ما أشكل وأبهم، وبسط ما أجمل، والإجابة عما خفي، وتذكير المتقدمين، وتثقيف البادئين.

 يقول الفقيه ابن البنا السرقسطي في مباحثه الأصلية ناظمًا آداب التعلم:

      وأنصتوا عند المذاكرات          واحترموا الماضي منهم والآت

     وسألوا الشيوخ عما جهلوا           ووقفوا من دون ما لم يصلو

وعملوا بكل ما قد علموا           وآثروا واغتفروا واحتشموا

 واحتكموا بالعدل والإنصاف          فوردوا كل معين صاف

وشرح ابن عجيبة هذه الأبيات في كتابه المسمى بالفتوحات الإلهية [انظر من ١٧٥- ١٧٨]، وسار على نهج الأبيات المنظومة من حيث الترتيب، ولكننا نسوق الشرح مرتبًا حسب ما يقتضيه النثر من ترتيب عقلي دون المساس بالأدب اللائق مع الناظم والشارح رضوان الله عليهما.

لقد آثروا أكبرهم علمًا وسنًا إذا اجتمعا، أو علمًا إذا تميز العلم عن السن مع توقير الصغير للكبير على كل حال، أما في المذاكرة العلمية فالمرعي فيها هو العلم فيقدم الأعلم ليتكلم، وكثير ما يؤثر صاحب العلم أخاه على نفسه فيقدمه تأدبًا وتعظيمًا مع كون المؤثر والمتقدم قد تساويا في الدرجة العلمية أو تفوق الأول على الثاني ولكن قدم الأدنى تواضعًا وإيثارًا من الأعلى، وإذا تقدم العالم ليتحدث ألزموا المريدين الإنصات، وبينوا أنه يدل على كمال العقل والرزانة إذ من كمل عقله قل كلامه، ومن قل عقله كثر كلامه، وأيضًا فإن الكلام يفهم بتمامه، فينبغي السكوت حتى يفرغ المتحدث من مقصوده، فإذ فرغ جاز لهم السؤال عما يجيش في صدورهم بحيث يكون أدب الوقت هو السؤال لا السكوت بالكلية .

 وذلك لأن الشيخ أو المتحدث لا يعرف حال المريد أو مقامه إلا بكلامه، ولأن حبس الطلب في العلم تشويش أو تعطيل للمريد، ولا يخشى من انحراف سؤاله عن مراده لأنه قد يتجاوز المطلوب مرة ومرة ثم يصيب المبتغى كالرامي يرمي فيأتي سهمه من الأمام أو الخلف حتى يصادف الهدف حسب تشبيه سيدي علي بن وفا.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن تحصيل العلم يكون بالسؤال والجواب ومن دون الأول لا يتحقق الثاني، والعلم في السلوك واجب فيجب بوجوبه كل وسيلة توصل إليه وأهمها السؤال، ويتعلق بالسؤال أدب عند القوم بما يلزم في الحاضر من عمل أو مقام أو حال، ولا يشتغلون بالسؤال عما يرد عليهم في المستقبل، بل يتركون المستقبل لحينه، وحتى يصير لهم حاضرًا ، وإنما كان كذلك لأن الصوفي حسب عبارتهم المشهورة ابن وقته، أي يلزمه القيام بحقوق الوقت دون تشوش بما سيرد في المستقبل، ومن شغل بوقته صحح ماضيه وسلم في الغالب مستقبله. ومن آدابهم في مذاكرة العلم الحشمة مع الأصحاب، وهي تعني عند ابن عجيبة ترك المنازعة والمخاصمة والملاججة والمراء وكل ما يؤدي إلى الشرور والعداء والحقد وما يخرج المذاكرة عن حدها واعتدالها وينحرف بها عن جادة الفائدة، وليس معنى ترك هذا كله أن يداهن أصحابه فيما يخالف المذهب. [آداب المريدين ص٧٧]، فضلًا عن الشرع، بل يراجع الكبير بالتلميح أو الإشارة، والشبيه المساوي بما لا يغضبه، أو يجرح وصله به، ويغفر كل منهم لأخيه زلته إن زل أو جفوته حينًا إن جفا خاصة أولئك المريدين الذين لم يكملوا تهذيبًا وتأديبًا.

وقد اتسم الصوفية بغاية الأدب في الخلاف فأقاموا العدل فيما بينهم، وأتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ومن توجه عليه حق من الحقوق أنصف وأذعن وانقاد للحق، واعترف به من غير توقف، وجعلوا الإنصاف الذي هو إقرار ورجوع إلى الحق بلا توان أدبًا وشرطًا لطالب العلم وصفة لازمة له يجب أن يتحقق بها، وافتخروا بما تحقق به عمر عندما كان يرجع عن رأيه دائمًا إذا تبين وجه الحق فيه، ولو جاء الحق على لسان امرأة وأمام الجميع مثل حادثة تحديد المهور المشهورة، فإن رأي عمر الذي أعلنه هو التحديد، فاعترضت المرأة عليه مستدلة بقوله جل شأنه: {وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ} [النساء: ٢٠]، والنص مجوز للكثرة كما تفيد كلمة قنطار، والكثرة منافية للتقليل المزمع سريانه، عندئذ رجع عمر وأعلن: (أصابت امرأة وأخطأ عمر) ولم يثنه عن الرجوع جاهه وسلطانه وسبقه في الإسلام، وكونه على المنبر وأمام كبار الصحابة، وأيضًا فإن هذا الخليفة نفسه أمر بقلع ميزاب أقيم في دار العباس إلى الطريق بين الصفا والمروة، فقال له العباس: قلعت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بيده، فقال عمر: إذًا لا يرده إلى مكانه إلا أنت، ولا يكون سُلَّم غير عاتق عمر، فأقام على عاتقه ورده إلى مكانه.

وتوسعوا في معنى الإنصاف فجعلوه شاملًا للرجوع إلى الحق كما سبق وإلى نسيان الحال والصفة التي عليها كل منهم، بحيث لا يخطر على بال أحدهم أنه جلس يذاكر وهو عالم وأمامه متعلمون ولا يرد على خاطر الجالسين أنهم مستمعون يعلمون أو يفوقون أو يضاهون المتحدث، لقد تلاشى حس المعلم والمستمع، وفنوا عن الفوارق، ولم يبال كل منهم أن كان شيخًا أو تلميذًا أو عالمًا أو معلمًا، ويتواصون بأنهم (قوم اجتمعوا لطلب أحكام الله فإن وجدنا الحق على لسان صبي من صبيان المكتب اتبعناه) [الفتوحات الإلهية ١٧٧- ١٧٨]، ومتى ظهر الحق على أي لسان انتصفنا له لا لأنفسنا، وإن عرفنا أجبنا وإلا قلنا لا ندري، والمراء ذميمة لا وجود لها بيننا.

 ولا ينتابنا أدنى ريب إذ علمنا تلك الآداب العلمية فيما بينهم أن نعلل لماذا لم ترد إلينا عبر الأزمان خلافات في العقيدة، أو في المذاهب الفقهية، أو في طرائق التربية بين الصوفية، بل انمحت وتلاشت لسريان الإنصاف وللتحقق بآداب الخلاف على أتم الوجوه، وبصورة لا نجدها إلا عند الصوفية.

 لقد تواترت الخلافات بين علماء الكلام، وقام العلم على الجدل الذي ذهب في كثير من الأحيان إلى حد المراء بدوافع عصبية للرأي والفرقة، وتباري الفقهاء انتصارًا للمذهب، ولم تحمل بطون التراث مواقف خلافية بين رجال الطريق على الرغم من تعدد الطرق، وكثرة الأذواق والمشارب وحمل كل واحد لكلام أخيه وجوهًا من التأويل أو المحاذير دون أن يصادمه بالرأي الآخر، أو يقارعه الحجة، وربما عالج الموقف مؤقتًا بالسكوت ثم نبه بعد ذلك على الخطأ إن خالف الشرع، ثم إنهم أجلوا سابق علمائهم ودعوا لهم واستغفروا لصالحهم انصياعًا لقول الله تبارك وتعالى: {وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ} [الحشر: ١٠]، ولم يغلقوا الباب على منح الله في المستقبل فتعالوا على من يأتي، أو أعلنوا نضوب المعين على القلوب، وإنما أقروا باستمرار العطاء، وبميراث الولاية في كل زمن، ولم ينسَ الصوفية أن يجعلوا من آداب العلم العمل به؛ لأن العمل نتيجة العلم وثمرته، واعتبروا العلم بلا عمل وسيلة بلا غاية، والغاية العملية بلا علم فساد وجناية، والعلم إذا أيد بالعمل نهض، وأنتج نورًا تامًّا، ونتج عن ذلك النور حكمة أي أن العلم مع العمل قوة تولد نورًا والنور شعاع تخرج الحكمة من ثنايا بريقه، ولمعان فيضه، وقبسات تجلياته، وأصل ذلك ومنبعه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو نعيم: «مَنْ عَمِلَ بما يَعلمُ، وَرَّثَه اللهُ عِلمَ ما لم يعلمْ»، وروى الطبراني والضياء المقدسي: «مَثَلُ الْعَالِمِ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ كَمَثَلِ السِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ وَيُحْرِقُ نَفْسَهُ» وقد ينطفئ المصباح ويرحل العلم إذا فقد العمل حيث يظل العلم يهتف بالعمل، فإن وجده وإلا ارتحل، ويكون هذا من علامات الشقاء عند محمد بن الفضل البلخي المتوفي (٣١٩هـ). [طبقات الأولياء ص٣٠٠].

 ٢- فقه الآداب النفسية بين المتآلفين:

يختص هذ الجانب بالحديث عن الآداب المتعلقة بالنفس وصفاتها، وقبل سرد تلك الصفات وما يتبعها من تحليل أو تعليل نقف على الأسس التي وضعها الصوفية لهذا الجزء من آداب الاجتماع، وأهمها أن الصحبة ينبغي أن تتجه إلى الله صدقًا وإخلاصًا، ونية وقصدًا، وأن ينزع المريد من نفسه كل ما سوى ذلك من عرض دنيوي أو شهوة للتعرف، أو كسب لمغنم من وراء صحبة العارفين والأولياء، ومع أن المريد جاء إلى الصحبة بغية تقويم السلوك الذاتي وإصلاح النفس إلا أن هذا لا يعتبر عرضًا أو شهوة لأنه إنما ابتغى التقويم في السلوك ليرضي الله تبارك وتعالى، وليصل إلى معرفته النقية، وهذا لا يعتد به هدفًا دنيويًّا.

وعنصر الإخلاص الذي يجب توافره بين الأصحاب قد صرح به الهجويري في قوله (يجب أن تكون الصحبة من أجل الله عز وجل لا من أجل النفس وحصول المراد والأغراض ليكون العبد مشكورًا بحفظ آدابها)  [كشف المحجوب ٢/٥٨٢]، والقصد والتوجه الكامل إلى الله باعتباره أساسًا وأدبًا أصليًّا يتبعه أدب آخر هو أن يتخلى السالك في صحبته عن نفسه وقلبه وماله، بمعنى أن تشتد حرارة الإخلاص فتصهر في قوتها الإحساس بالمطالب النفسية، والآمال القلبية والشعور بالملكية وتذوب جميع القوى في معنى الإخلاص والتجرد، ويظل المريد حريصًا على سيطرة القصد الرباني بعيدًا عن التعلق بالأسباب، موقنًا مع أبي بكر بن سعدان بأن من صحب الصوفية وله بقية من نفس أو قلب أو مال (قطعه ذلك عن بلوغ قصده) [طبقات الصوفية ص١٠٢]، ومطبقًا أدب أبي سعيد الخراز (٢٧٧هـ)، وعبد الله بن منازل (٢٩ ٣هـ)، وقد أوصيا بضرورة أن يكون المريد خصمًا مع إخوانه على نفسه [الجيلاني الغنية لطالبي طريق القوم ٢/١٧٠، وطبقات الأولياء ص٣٠، ٤٢، ٤٥].

وبهذا صح أن يكون أدب الإخلاص والتجرد أساسًا وقوة تفقد المريد تحت سلطانها كل ما دونها من الأغراض والأهواء ولقد نبهنا عبد الله بن محمد (٣٥٣هـ)، والجيلاني إلى ضرورة أن جميع أعمال العشرة توزن بميزان الشرع وحدوده فما وافق كان حسنًا ومقبولًا ومباركًا، وأما إذا كان ذلك مع خرق حد من حدوده وعدم رضاه سبحانه فلا ولا كرامة لهم. [الفتح الرباني ص ١٩].

فكل تصرف مخالف مرفوض ولا كرامة لأربابه، وتتحمل الجماعة كلها عملية المطابقة والموافقة بين ما يدور بينهم وبين ما يقرره الشرع، كما يلتزم بها كل صاحب في خويصة نفسه، وما ينشأ بينه وبين الآخرين، فعندما يشعر بارتياح أو بغض لفعل من صاحبه يعرض أعماله على الكتاب والسنة فان وافقت - أعمال الصاحب- كان ارتياحه صحيحًا إن أحب فعل أخيه، فإن كرهه فعليه أن يدعو الله لنفسه أن يصلحها لأنه بغض فعل صاحبه بهواه ونفسه (وإن كانت أعمال الصاحب مخالفة فأبشر أنت بموافقتك لله عز وجل في بغضه لمخالفته أمر الله عز وجل) [فتوح الغيب ص ٨ ٦].

وربما لزم الأمر أن تعرض شعورك نحو أخيك عند مخالفته لك على الشرع، ولقد توصلوا في ذلك إلى ميزان دقيق لا يحتاج إلى أدلة ولا إلى اجتهاد واستنباط، قالوا إن تغيرت عند المخالفة أدركت أنك لست على الحق، وإن لم تتغير علمت أن نفسك متابعة للحق منصاعة له، وهذا الميزان الذي اقترحه عبد الله بن محمد يعتمد على نقيض الذات والنفس لأنها جبلت على كره المخالفة والتغير بسببها، وعلى حب الموافقة والراحة لها فإن لم تتغير عند المخالفة دل ذلك على أن النفس عرفت طريق الحق وانقادت له، وليحذر أرباب الميزان النفسي هذا أن يستخدموه تبعًا لهوى النفس وموافقته وإلا زل المعيار، وضل الميزان. يقول محفوظ بن محمود النيسابوري المتوفى (٣٠٣هـ): لا تزن الخلق بميزانك، وزن نفسك بميزان المؤمنين لتعلم فضلهم وإفلاسك. [طبقات الأولياء ص ١٣٩]، وهذا يعني أن ميزان الذات إما أن يستخدم ويراعي نقيض هواها، أو توزن النفس أولًا بميزان المؤمنين، ثم يوزن بها غيرها بعد ذلك.

 ومن الآداب التي هي أسس للصحبة حسن الخلق، والتعاون على البر والتقوى، أما حسن الخلق فقد نبه عليه أبو يزيد البسطامي (٢٦١ هـ) وجعله أصلًا في العشرة خاصة عند إساءة الصاحب فإنه لا يرد الإساءة إلا حسن الطباع [طبقات السلمي ص ٢٠]، والمقابلة بالمعروف، ومن أغلى ما قاله الهروي: أن يدرك كل صاحب أحوال العبد (فإنهم بأقدارهم مربوطون، وفي طاقاتهم محبوسون، وعلى الحكم موقوفون) [منازل السائرين ص٤ ٣ وانظر زاد المهاجر ص ٧]، أي إن الخلق كائنون بين أقدار تغلهم، وقدرات تحبسهم وأحكام تسري عليهم، ومن عرف ذلك شفق على الجميع وحمل فعله على واحد من الثلاثة: على القدر وتصرفه، أو الطاقة ومحدوديتها، أو الحكم وظروفه، وعذر أخاه عند الإساءة أو شكر على الإحسان، وبحسن الخلق وفضائله، وبالتعاون على البر والتقوى ومجالاتهما تتعدد الآداب وتفصل تفصيلًا يرتبط بالنفس هنا ارتباطًا وثيقًا، وإنما كان الخلق أو التعاون أصلًا وأساسًا للآداب لأن مبنى التصوف على الخلق حسبما اتفقت كلمة الناطقين في هذا العلم، والخلق جماع الفضائل وقطبها: وكذلك فمصلحة العبد فيما بينه وبين الخلق تكمن في المعاشرة والصحبة وهي لا تصفو كما قلنا في الأدب الأساسي الأول إلا بالإخلاص والتعاون في كل ما يرضي الله سبحانه.

ويجب أن يتصف مع إخوانه بالذل والانكسار والتواضع والخضوع لعباد الله، ويتخلى عن أضدادهم ويلقي السلم بين أيديهم، وتتعلق همته بما تعلقت به هممهم، ويجانب الظلمة، ويؤثر أهل الآخرة ولا يخص نفسه بشيء دونهم: ويحب لهم ما يحب لنفسه، ويعضدهم على الطاعة والذكر وفعل الخيرات إلى غير ذلك من كثير الصفات النفسية التي يجب أن يتحلى بها الصاحب.

٣- النقاء القلبي بين المجتمعين:

وأول أدب قلبي يلزم المريد صحة الاعتقاد، وخلو القلب من فساده، ومن الابتداع، ثم يلي ذلك مباشرة العمل على سلامة الصدر وسعته، فمن كان كذلك كان أكثر الناس خيرًا كما قال محمد بن عليان النسوي [طبقات السلمي ص٦٥،١٠٢]، ومحفوظ النيسابوري، وإذا صحح المخالف عقيدة قلبه، وسلم واتسع، أمكنه بهذا أن يجابه به النفس تقويمًا وتهذيبًا وترويضًا عند تعامله مع الآخرين، وذلك لأن النفس إذا قوبلت بنظيرتها لا تنصلح بل تثار الفتنة، وتذهب العصمة، أما إذا قوبلت بالقلب (انحسمت مادة الشر) ويقال لكل من يشتكي ظلم نفس صاحبه أو قسوتها أو شرودها (هلا قابلت نفسه بالقلب رفقًا بأخيك وإعطاء للفتوة والصحبة حقهما) [عوارف المعارف للسهروردي ص ٨٥]، وإنما يتحقق الصلاح في مواجهة القلب للنفس بناءً على أن البر ما اطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في الصدر وأن القلب أقرب إلى النقاء بفطرته، بخلاف النفس فلها وجهان بحكم خلقها وتكوينها، فهي إما خيرة أو شريرة، وفي حالة المواجهة تكون متلبسة بالوجه الفاسد، فعند مقابلتها بالقلب النقي تنزجر وترعوي، على عكس ما لو جوبهت بنظيرتها فإنهما يتصارعان بلا صلاح، وإنما ركزت في المواجهة على القلب النقي لأن القلب هو الآخر متقلب وذو وجوه، منه ما هو مملوء إيمانًا ومن علاماته الشفقة على جميع المسلمين والاهتمام بهم ومعاونتهم على إصلاح أنفسهم ووصفه أبو النجيب السهروردي بأنه كالجبل في ثباته وعدم تأثره، وهناك قلب قد امتلأ نفاقًا وغلًا وحقدًا وغشًّا وحسدًا، وآخر كالنخلة في ثباتها ولكن الريح تميلها يمينًا وشمالًا، والقلب الرابع كالريشة يذهب مع كل ريح، ومن أدب هذا القلب في الصحبة أن يزداد صفاء عند خلو اليد من المال، وكلما قل فتوحه في الدنيا كثر طيبه [الجيلاني: الفنية٢/١٥١]، ويضمر لإخوانه مثل ما يظهر، وإذا حزن طوى صفحته على ألمه وأظهر البشاشة لأصحابه [الجيلاني: الفتح الرباني ص٢ - ٦]،  في الوجه، ويسلم الأصحاب في الاجتماع من سوء الظن لأن من ظن بمسلم فتنة فهو المفتون، ويركن الصاحب بقلبه إلى أن الله يتجاوز للجاهل ما لا يتجاوز بمثله للعالم، ولا يضمر للكل إلا الود والصفاء دون العداوة والبغضاء، ويحاول كل صاحب أن يحفظ قلوب إخوانه من التغير عليه، أو كراهته، وإذا حدث شيء من هذا تخلق معهم حتى يزيل ما علق بقلوبهم، وعمومًا يراعي القلب الأحوال السنية، وينفي الخواطر الردية صغيرها وكبيرها، ويديم التأمل والتفكر في آلاء الله ونعمه وعجائب خلقه هذه آداب القلب بدءًا من صحة العقيدة، وبراءة السريرة، ومرورًا بما سوى ذلك من الاستغناء بالله، ومن حسن الظن بالإخوان، وطي القلب على الحب والود والنقاء إلى آخره.

 ٤- أدب الجوارح مع الأصحاب:

وإذ قد فرغنا من أبرز آدابهم في المذاكرة، والنفس، والقلب نأتي إلى الجوارح فنجد أنهم قد نبهوا على أن لكل جارحة آدابًا تخصها، والإنسان مسؤول عن تطبيقها لقوله جل شأنه: {إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أولَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا} [الإسراء: ٣٦]، وبصفة إجمالية فلا تتحرك جارحة من الجوارح إلا فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وقدموا آداب اللسان على غيره لأنه (لا يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) كما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واللسان ترجمان القلب، ويستعان بحفظه على حفظ القلب، وتتعلق به الأقوال كلها.

 آداب اللسان:

ومن أهم آداب اللسان أن يكون دومًا رطبًا بذكر الله عز وجل، إلا أنه إن كان بين الأصحاب لا يرفع صوته بالتسبيح أو بالذكر استتارًا وتخفيًا لحاله، فإن كان من الخواص ولا يخشى عليه من الإظهار جاز له رفع الصوت من جهة أن قوله بالله وسكوته بالله: وصمته بالله، والله هو الذي يسوق القلوب إليه رفع أو سكت، ويذكر إخوانه بالخير والدعاء لهم دون طلب منهم في ذلك.

 ولا يسأل أحدًا حاجة لنفسه، ولا يذم أخًا لعيب فيه خشية أن يقع في أسوأ مما ذمه به، ولا يكلمهم بما يكرهون فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل أين أبي قال رسول الله: «في النار» فعرف الكراهة في وجه السائل فقال العطوف الشفوق صلى الله عليه وسلم: «أَبِي وَأَبُوكَ وَأَبُو إبراهيم فِي مَوْضِعٍ واحد»، ولا يغتاب ولا ينم ولا يشتم، ولا يخوض فيما لا يعنيه، ويتكلم مع إخوانه ما داموا يتكلمون فيما يعنيهم فإذا أخذوا فيما لا يعنيهم تركهم وأمسك، ويتكلم في كل مكان بما يوافق الحال والبساط، ولا يسأل الرفيق إلى أين أو في أي شيء، ولا يخالف في شيء وإن علم أن الحق معه سكت وأظهر الوفاق حتى ينتصف الآخرون للحق كما سبق، ولا يعترض مفطر على صائم أو العكس، ولا قائم على نائم أو العكس، ولا يتزين لهم في قول أو يمدحهم بما ليس فيهم، ويديم النصح والإرشاد لإخوانه في أدب الناصح وأمانة المرشد، وواجب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ويقبل كل أخ نصيحة أخيه بلا اعتراض. [كشف المحجوب ج ٢/٥٢٦ الغنية ٢-١٥٤-١٥٥، زكي مبارك: التصوف الإسلامي ص١٤٤، الفتح الرباني ص ٢٧٠].

ووضع الصوفية ضوابط للنصح بين الأصحاب أهمها: أن يعتقد الناصح والمرشد بكلامه خالص التوجيه والتقويم وطلب النجاة للآخرين، وما يعود نفعه عليهم، ويتكلم على قدر عقولهم ولا يتحدث في مسألة لم يسأل عنها، وإذا سئل أجاب على قدر السائل وفي حدود الجواب المفيد وعلى قدر مقامه وحاله كمجيب، وكذلك السائل يلزمه أن يسأل على قدر حاجته وضروراته العلمية والتربوية هذا من ناحية وإن قام الأخ بتعريف عيب لأخيه قدمه مع الستر بلا إشاعة أو هتك لأن من عرفك بك من حيث لا يشعر الغير فهو الناصح، ومن أعلمك بعيبك مع شهود الغير فهو الفاضح، وليس لمسلم أن يفضح مسلمًا إلا في موجب حكم بقدره من غير تتبع لما لا تعلق له بالحكم، ولا يذكر عيب أجنبي عنه وإلا انقلب الحكم عليه بقهر القدرة الإلهية، وذلك بخلاف الشهادات لإقامة الحدود أو القصاص أو رد المظالم [طبقات السلمي ص١١٤، طبقات الأولياء ص٣٢٢، ٤٩، ١٢٠ - الرسالة القشيرية ص٩٩ ١، قواعد التصوف ص٢٨ ١، آداب المريدين ص٤٩، زاد المهاجر ص ٥ ٧]، ويديم الاستغفار لإخوانه، ويمد بصره إلى جميل صنع الله ناظرًا، وفي الآيات متبصرًا، وفي القرآن للعين متمتعًا، وينظر إلى المؤمنين لعل نظرة منهم تصادفه ينال بها الرحمة، ويلاحظ إخوانه بعين الوداد والاستحسان، ويغض بصره عن المحارم وعن عيون الناس والإخوان والمنكرات والمحرمات.

ويتعلق أدب السمع بالذكر والوعظ والحكمة وما يعود عليه بالنفع والفائدة دينًا، ويحسن الإصغاء إلى من يكلمه، ولا يكون أذنًا في الفحش والخنا والغيبة والنميمة وكل منكر.

ومن آداب اليدين البسط بالبر والإحسان والخدمة للإخوان وألا يستعين بهما على معصية، وكذا الرجلين يلزمه أدب أن يسعى بهما في صلاح نفسه وإخوانه، ولا يمشي بهما مرحًا، ولا يختال، ولا يتبختر ولا يزهو، ولا يستعين بهما على معصية من المعاصي [أبو النجيب السهروردي، آداب المريدين ص٧٢ – ٧٦]، وهذا قليل من كثير.

٥-آداب الملك مع الإخوان:

 إذا انضم المريد إلى ساحة من ساحات الصحبة فأول أدب له وعليه (أن ينسى ماله ويقضي ما عليه)، ويتبع المال بالجاه والسلطان، فلا يحس بملكية واحد من الثلاثة، ومن قدر على التخلص منها بقلبه وشعوره (سهل عليه الإعراض عن الدنيا وأهلها)، وليس المراد هنا هو التجرد الكامل من ملكية المال وتوابعه بل المقصد ألا يشغل قلبه وهواه به ويرى أنه مستخلف فيه لا غير، والذي تحقق بهذا الأدب تسقط لديه ألفاظ التملك فلا يقول بين إخوانه هذا لي وهذا لك، أو هذه ركوتي، وذاك نعلي، أو أين حاجتي وإزاري إلى غير ذلك من عبارات الملكية وقد رفضوا بشدة صحبة من بقيت لديه نسبة بينه وبين أدنى حاجة عنده كما جاء في عبارات إبراهيم بن شيبان وأبي أحمد القلاسي، وعلى الصاحب الذي خرج مما قلناه أو كان فقيرًا أن يتعزز عند صحبة الأغنياء ويسلم إليهم أموالهم، ويقطع الأمل عما في أيديهم، ولا يدخل ملكهم في يديه أو قلبه، كما لا يتضعضع للغني من أجل غناه وإلا (ذهب ثلثا دينه) كما جاء في الحديث [اللمع ص٢٣٤ والرسالة ص ٢٩٥ وانظر طبقات السلمي ص٣٧ وطبقات الأولياء ص٠٨ ١ والغنية ج٢ /٤٩ ١].

والصاحب الذي ملك المال بيده لا بقلبه يلزمه أدب أن يوسع على إخوانه وإن ضيق على نفسه فإن التوسعة عليهم اتباع العلم، والتضييق على النفس من حكم الورع عند رويم بن أحمد، هذا مع كونه لا يمن عليهم، ولا يشهد لنفسه فضلًا، ولا يحوج إخوانه إلى المسألة بل يعجل مرادهم في التوسعة أو الضرورة، وإذا طلبوا منه أجاب بسرعة واستبشار، ولا يمنع أحدًا من إخوانه أن ينال من ملكه بغير إذن منه، وإن صادف واقترض فقير منك فأقرضه في الظاهر وأبرئه في الباطن، وأخبره بالبراءة من قريب ليستريح، ولا تبدأ البعض بالعطاء على وجه الصلة لئلا ينحسم بحمل المنة منك، واجعل أخاك دائمًا بمنزلة عبدك أو خادمك من جهة لزوم النفقة عليك لا من حيث الرتبة، أو ارتق به إلى أن تجعله بمنزلة نفسك فتشركه في مالك، أو اصعد إلى أعلى الدرجات فآثره بمالك على نفسك، وقدم حاجته على حاجتك، والأفضل أن تلازم الإيثار، وتجانب الادخار، وتترك الخصومات في الأرزاق، ولا تتكلف لإخوانك بل تكون معهم على مقدار ما لديك، إن جعت جاعوا، وإن شبعت شبعوا، وبذا يكون مقامك بينهم، أو مجيئهم لديك، أو خروجهم من عندك شيئًا واحدًا [طبقات الصوفية ٥٩،٤٢، وطبقات الأولياء ٢٥، ومنازل السائرين ص ٢٥ والغنية ج٢، ١٧٢، ١٤٩،١٧١].

تحقق الأصحاب بالآداب وصفًا وقولًا وفعلًا

نعني بهذا العنوان أن جملة الآداب السابقة ينبغي التحقق بها ذاتًا وصفة وقولًا وفعلًا، ويتم هذا التحقق بين الأصحاب ويزداد من خلال التطبيق والتنافس الذي يزكي العمل، ويقوم الذات ولا يهدمها، ويدفع كل صاحب عن طريق المحاكاة أو تأثر الطبع بالطبع، أو النصح والإرشاد إلى المزيد من الخلال الفاضلة والآداب الحميدة، ولدينا نصان يدفعاننا إلى قوة التنافس وأثر في التخلق والتأدب، أحدهما يقول: (التصوف كله اضطراب فإن وقع السكون فلا تصوف) والآخر ساقه رويم بن أحمد (٠٣ ٣هـ) هو هام في موقفنا هنا يقول: "لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا فإن اصطلحوا هلكوا" [السلمي، الطبقات ص٤٢]، والاضطراب لا يعني القلق النفسي المرضي بل يراد به التحرك المستمر للصعود، وكلما حصل المريد على درجة تطلع إلى ما فوقها، فلا يهدأ طلبًا، ولا يسكن رغبًا، وبما أن العطاءات لا تتناهى فالتطلع والرغبة والشوق إلى ما فوق لا ينقطع، وأنت ترى أن تلك الحركة المستمرة الدافعة للصوفي تتسم بالذاتية المحضة، ويلاحقها أو يتابعها ويسير معها التنافر بين مجموعة الطالبين المتحركين نحو العلا، بحيث تكون هناك حركة ذاتية دافعة وأخرى تنافسية جماعية مؤثرة أيضًا، وبذا يفهم الاضطراب والتنافر، ولا ينبغي أن يفسر الأول على أنه مرض نفسي، أو الأخير على أنه تصارع حاد مليء بالجدل والمشادة والمخالفات لأننا سبق أن بينا أن من جملة آدابهم ترك ذلك كله.

 ثم إن الاستسلام للإخوان ولين الجانب والانقياد لهم أمور حثوا عليها، وما دام الأمر كذلك فالاضطراب رغبة مستمرة والتنافر تنافس دائب، وإظهار لعيوب الآخرين برفق وأدب، وهو نوع من التنافس الذي يقوم على إصلاح الذات وسموها مع مراعاة الفائدة للغير وإيثاره، وليس من النوع الهدام الذي يسعد فيه طرف عندما يتفوق على آخر في ساحة التباري.

 إن التنافس عند الصوفية شكل راق من أشكال التعاون الذي يتحدث عنه فلاسفة التربية المحدثون من جهة أن كل فرد بين المتآلفين يسعى إلى رفع مستوى الإثارة بين الآخرين، وإلى بث ونشر عنصر الاقتداء والتآسي لتحقيق المطلوب، وبعث الإمكانات والقدرات عند الآخرين.

أما لماذا يبذل كثير من العارفين والواصلين جهودًا لتربية المريدين وتأديبهم مع كونهم قد تجاوزوا مرحلة الحاجة للصحبة والإفادة منها فإننا لا نجد نفعًا يعود عليهم من الناحية المالية أو الروحية، ولا نعثر على تبرير لهذا سوى أن تلك الحالة (خلاصة القدرة الإلهية) وهي قيمة علوية أكثر منها نتيجة للتربية الإنسانية [فينكس: فلسفة التربية ص٣٢٠]، ومسئولية دعوية يتحملها العلماء العارفون وتتبع فريضة، التعليم والبيان.

الخلاصة

تعتبر الصحبة الصالحة بابًا جوهريًّا للتزكية، إذ تترسخ من خلالها الأخلاق ويتحقق السلوك القويم، يؤكد الصوفي أن الاجتماع مع أهل الطريق يفتح آفاق التهذيب ويختصر مسافة الوصول إلى الله، في حين أن العزلة وإن كان لها مواضعها تبقى وسيلة لمحاسبة النفس وتصفية القلب. الصحبة عندهم ليست مجرد عشرة، بل تجربة وجودية تُثمر صفاء الروح وقوة الإرادة، من يختار صحبة الصالحين يضمن السير بثبات على طريق الترقي الروحي، ويستفيد عمليًّا ووجدانيًّا مما تمنحه الجماعة من دعم ومراقبة ومودة. ويجب على السالك الالتزام بآداب علمية (كالإنصات والعمل)، ونفسية (كالإخلاص والإنصاف)، وقلبية (كسلامة الصدر)، وآداب الجوارح والمال؛ هذا الالتزام يحقق التنافس الروحي الراقي والنمو الذاتي بانتظام.

موضوعات ذات صلة

الخلة هي أعلى درجات المحبة، حيث تتخلل القلب وتُعبّر عن صداقة خالصة لا تشوبها شائبة.

تميّزت الدراسة الصوفية للخواطر بربطها بين الإدراك والسلوك، فجعلت الخاطر المدار الذي تدور عليه مراحل الفعل النفسية.

التصوف الإسلامي رحلة في أعماق النفس تبحث عن صفاء القلب ونقاء الروح من خلال الصحبة الصالحة والتزكية العملية

موضوعات مختارة