العلاقة الوطيدة بين الدين والتصوف تكشف عن الدور الذي يلعبه التصوف في إبراز الجانب الروحي العميق للدين، حيث يوجه التصوف أكثر اهتمامه على الطاعة القائمة على القلب والإيمان الداخلي، مشددًا على تحقيق التوازن بين الظاهر والباطن، وبين العقل والإلهام.
العلاقة الوطيدة بين الدين والتصوف تكشف عن الدور الذي يلعبه التصوف في إبراز الجانب الروحي العميق للدين، حيث يوجه التصوف أكثر اهتمامه على الطاعة القائمة على القلب والإيمان الداخلي، مشددًا على تحقيق التوازن بين الظاهر والباطن، وبين العقل والإلهام.
من المعلوم، طبقًا للدراسات المقارنة للأديان، أن المعتنقين لأي دين من الأديان، وخاصة الأديان الراقية، يمرون بمرحلتين:
المرحلة الأولى: هي مرحلة الإيمان القلبي أو الوجداني، حيث يسلِّمون بقضايا ومسائل هذا الدين من غير بحث أو مناقشة.
أما المرجلة الثانية: فإنها تأتي بعد فترة من ظهور هذا الدين، وقد تطول هذه الفترة أو تقصر طبقًا للظروف المختلفة التي يمر بها أتباع كل دين، وفي هذه المرحلة الثانية يظهر البحث العقلي في المسائل والقضايا الدينية التي يثبرها الواقع المتغير الذي يعيش فيه أصحاب هذا الدين، ولكن مع ظهور هذا الاتجاه العقلي في فهم الدين يظهر اتجاهان آخران يمكن اعتبارهم بمثابة رد الفعل لظهور وانتشار هذا الاتجاه العقلي، وهما:
الاتجاه النصي أو النقلي، الذي يتمسك أصحابه بظواهر النصوص الدينية ويرفضون إعمال العقل فيها بالتأويل.
والاتجاه الروحي أو الصوفي، الذي ينادي أصحابه بعدم قدرة العقل البشري على الخوض في المسائل الدينية والإلهية، ويعلون من شأن البصيرة باعتبارها وسيلة معرفية تفوق العقل، ويهتمون بالرياضة الروحية باعتبارها البعد الجوَّاني للدين، ثم يظهر بعد ذلك اتجاه وسطي يحاول الجمع بين هذه الاتجاهات الثلاث، الاتجاه العقلي، والاتجاه النقلي، والاتجاه الصوفي، ولذلك فإن ثمة ارتباطًا واضحًا بين الدين والتصوف، وقد يؤيد ذلك ما ذكره بعض مؤرخي الفكر الإسلامي من القدماء عندما صنفوا التصوف ضمن العلوم الدينية، وبالإضافة إلى ذلك، فإنه لابد من الإشارة إلى حقيقة مهمة مؤداها أن التصوف ظاهرة عالمية، باعتبار أنه قد ظهر في مختلف الأديان، وهذه مسألة يحتاج بيانها إلى مناسبة أخرى، إلا إننا قد أشرنا إليها هنا تأكيدًا على القول بالصلة الوثيقة بين الدين والتصوف، وربما تتضح هذه الصلة على نحو أكثر عندما نتطرق إلى الحديث عن بعض المسائل المتعلقة بهذا الموضوع، مثل مسألة معنى الدين عند الصوفية: وكيف أن التصوف يمكن أن يُعتبر البعد الجواني للدين، وهذه المسألة الأخيرة قد تزداد وضوحًا عندما نتحدث عن رأي الصوفية في أن للدين ظاهرًا وباطنًا، وعن علاقة الشريعة بالحقيقة لديهم.
وأخيرًا، فإننا نستطيع أن نشير إلى مسألة مهمة تتعلق بالموضوع قيد البحث والمناقشة، وهي رأي بعض الصوفية فيما يعرف بوحدة الأديان.
بغض النظر عن الحديث عن تعريف الدين وما يثيره ذلك من إشكاليات تتعلق بعدم تحديد دلالة اللفظ، وبعدم الاتفاق على تقديم تعريف جامع مانع للدين، فإنه يمكن الإشارة إلى أن معظم التعريفات التي وُضعت للدين، على المستويين اللغوي والاصطلاحي، تشير إلى ضرورة توافر عنصر مهم يقوم عليه الدين، إلى جانب بعض الأمور الأخرى التي لا محل لذكرها في هذا المقام، ونعني به "الطاعة"، فالدين، في نظر الصوفية، هو الانقياد لله تعالى [معجم مصطلحات الصوفية]، ومن المعلوم أن الانقياد لله تعالى ليس سوى طاعته، ومن الثابت أن الطاعة عند الصوفية ليسب بإظهار التقوى والورع فقط، وإنما هي في الإخلاص والاجتهاد في تجنب الرياء عن القلب.
لذلك، فإن أصحاب الحقيقة يشاهدون أنفسهم ويتهمون نفوسهم إذا مالت إلى عبادة من العبادات، ويخافون إذا رأوا في أنفسهم سعادة وحظًا وسرورًا بما يقومون به من الطاعات والعبادات، فإذا ما وجدوا ذلك في نفوسهم تركوا هذه النوع من الطاعات والمجاهدات.
فالشريعة والحقيقة صنوان لا بد لأحدهما من الآخر، فإذا أظهر الإنسان الطاعة الظاهرة بلا طاعة باطنة، فإن ذلك معناه أنه خرج عن طريق الله، لأنه قد وقع في الرياء الخفي، وذلك أن تطلع الإنسان وميله لإظهار الناس على طاعته وخصوصيته التي خصه الله بها من الأعمال الصالحة يُعتبر دليلًا على عدم صدقه في عبوديته، لأن العبد الصادق لا يهتم بالآخرين، ويكتفي بأن يعلم به رب العالمين، ومن أحب بأن يعرف الناس فضله وعمله فهو مُراء، ومن رغب في أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب، إذ إن المؤمن الحقيقي هو الذي يُخفي حاله ويجتهد في أن لا يذكره للناس، وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما لديه من قوة.
والإنسان الذي يعصي الله أخف ضررًا من هذ المُرائي، لأن العاصي إنما هو ظاهر للناس، ويمكن أن يقام عليه الحد، ويمكن أن يتوب ويرجع عن آثامه وأخطائه، وأما مريض القلب الذي يظهر غير ما يبطن، فهو أكثر نفاقًا وكذبًا ورياءً من العاصي، إذ إنه يستظهر الطاعات والأعمال الصالحات ويبطن الكفر والفسوق والعصيان، وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يمكن الإشارة إلى أن الطاعة عند الصوفية يمكن أن تُعتبر مسابقة بين العباد في الظاهر والباطن، فكما أن بين الناس اختلافًا واضحًا من الطاعات الظاهرة، فإن بينهم أيضًا اختلافًا واضحًا في الطاعات الباطنة، فإذا طلب الإنسان أعلى الدرجات، فعليه أن يجتهد حتى لا يسبقه أحد بطاعة الله، وقد أمر الله تعالى بالمنافسة والمسابقة في الطاعات إذ قال: {سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ} [الحديد: ٢١]، وقوله: {فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ} [المطففين: ٢٦]، فالطاعة عند الصوفية إنما هي منافسة شريفة صادقة للتقرب إلى الله إلى أن يصل العبد إلى الثبات في المرتبة فتتلاشى مشيئته في مشيئة الله.
ومن المعلوم أن الطاعة عند الصوفية: إنما هي عدم الغفلة عن ذكر الله، وهي في نفس الوقت عدم المخالفة والاعتراض، فهي إيجابية وسلبية في آنٍ واحد، بمعنى وجوب طاعة الله، وسلب الاعتراض من النفس على أحكام الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا اعترض مسلم على أمور أباحها الشارع قائلًا: (لوكان الحكم لي ما أبحتها بل حرمتها وهجرتها)، وهذا الاعتراض يُعتبر ترجيحًا لوجهة نظره، وهذا جهل منه، لأنه يغضب إذا فعل الناس المباح من الأفعال، بل إنه ضلال وسوء أدب مع الله.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن أهل الباطن يرون أن طاعة المريدين لشيوخهم واجبة، لأنهم إنما يأخذون عن الشارع، لذلك نرى المريدين يبالغون في احترام مشايخهم، حتى إنه ليؤثر عن ذي النون المصري (المتوفي سنة ٢٤٥هـ/٨٥٩م) قوله (طاعة المريد لشيخه فوق طاعته لربه) [التصوف الإسلامي وتاريخه]، وتفسير رأي ذي النون عن وجوب طاعة المريد لشيخه أنه ليس طمعًا في إجلال الشيخ وإنما إحساسًا من الشيخ بأن المريد عليه مسئولية وواجب ملقي على عاتقه، فهو بمثابة المدرب الذي يعلم الصبي السباحة، لذلك فإن طاعة الصبي له واجبة وإلا غرق ومات قبل إنقاذه، وطبًقا لذلك، فإنه يكون من الواضح أن الصوفية يهتمون بالحديث عن الطاعة على المستويين الظاهري والباطني، باعتبار أنها تمثل جوهر الدين وحقيقته.
إذا كان الدين الإسلامي يدعو الإنسان الى النظر العقلي حتى يستطيع أن يتوصل إلى الإيمان السليم بالحقائق الدينية، فإنه من الملاحظ أن الصوفية قد قَلَّلُوا من شأن المعرفة العقلية وخاصة في المسائل الدينية، باعتبار أن العقل محدث وعاجز، والمحدث العاجز لا يدل إلا على مثله، ولذلك، فلقد تطرق العديد من الصوفية في نبذ المعرفة العقلية والتقليل من شأن العقل باعتباره وسيلة معرفية، الأمر الذي أدى إلى شيوع الجهل سواء بين الصوفية أو بين العامة الذين يتأثرون بهم، ولا يخفى ما كان لذلك من أثر سيء على الحضارة الإسلامية.
إلا أن هناك بعض الصوفية المعتدلين، الذين كانوا متمسكين بالفهم الحقيقي للإسلام، قد نظروا إلى العقل نظرة متعالية، وإن كانوا قد مزجوا هذه النظرة بالجانب الروحي، وذلك عندما وحَّدوا بين العقل والقلب، وخاصة كما فعل الغزالي (ت: ٥ ٠ ٠هـ/ ١١١١ م) وغيره من الصوفية الملتزمين بالكتاب والسنة.
وعلى أي الأحوال، فإنه من الملاحظ أن الصوفية على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية ونزعاتهم المذهبية قد رفضوا البحث العقلي في المسائل الدينية، وما يترتب على ذلك من محاولات ليس لها قيمة إذا ما قورنت بالإيمان القلبي الذي يطالب به الإسلام، فالإيمان عند الصوفية هو أن يكون الكل منك مستجيبًا في الدعوة مع حذف خواطر الانصراف عن الله بسرك، فتكون شاهدًا لما له، غائبًا عما ليس له، وقيل: الإيمان بالله مشاهدة ألوهيته، وقيل: الإسلام ظاهر، والإيمان باطن وقيل: الإيمان تحقيق واعتقاد، والإسلام خضوع وانقياد، ويرى الصوفية أن حقائق الإيمان الصوفي أربع: توحيد بلا حد، وذكر بلا بت، وحال بلا نعت، ووجْد بلا وقت [معجم مصطلحات الصوفية].
وبغض النظر عن الإشارة إلى مثل هذه التعريفات التي قدمها بعض الصوفية للإيمان، فإنه يمكن الإشارة على وجه العموم إلى أن الإيمان عند الصوفية هو قول باللسان ومعرفة بالجنان وعمل بالأركان، ويقوى الإيمان بالطاعة، وينقص بالرياء والعصيان، ويزداد بالعلم، ويضعف بالجهل [الغنية لطالبي طريق الحق]، فالإيمان إذن هو قول وعمل ونية صادقة، وبهذا المعنى يكون الإيمان في الظاهر والباطن سواء، فإذا كان في الظاهر، فالإيمان هو أداء للتكاليف والفرائض الشرعية، أما باطن الإيمان، فهو التصديق القلبي وسلامة النية باعتبارها أساسا للسلوك الظاهري [التعرف لمذهب أهل التصوف].
ويرى بعض الصوفية أن الإيمان هو الدين والشريعة والملة، لأن الدين هو ما يتبعه العبد من الطاعات مع اجتناب المحظورات والمحرمات، وذلك هو أصل الإيمان، أما الإسلام، فهو طريق إلى الإيمان، ولكن ليس كل إسلام إيمانًا، ولكن كل إيمان إسلام، لأن الإسلام استسلام وانقياد، وكل مؤمن مستسلم ومنقاد لله تعالى، إلا إنه ليس كل مسلم مؤمنًا بالله، كأن يسلم الإنسان مخافة السيف مثلًا، فالإيمان إذن يشمل جميع الطاعات، أما الإسلام، فهو عبارة عن الشهادتين وأداء العبادات الخمسة.
يتضح مما سبق أن الصوفية قد ضاهوا بين كل من "الدين" و "الإيمان"، باعتبار أن الإيمان هو الأساس الذي يقوم عليه الدين، وهكذا، فإن الدين لا يقوم على العقل بالقدر الذي يقوم به على الإيمان في نظر الصوفية، ولكن هذا التقليل من شأن العقل فيه من الضرر على الدين بحيث قد يتضمن الإيمان البعيد عن العقل بعض العقائد التي ليست من جوهر الدين، وهذا ما حدث بالفعل في عصور تدهور الحضارة الإسلامية، حيث برزت الطرق التي كانت تركز على المظاهر والقشور التي أساءت إلى الدين الإسلامي.
إذا كان هناك من يقرر أن الدين هو البعد الجواني للإنسان، فإننا نستطيع أن نقول: إن التصوف يمكن أن يمثل البعد الجواني للدين، والذي يؤيد ذلك القول ويؤكده أن التصوف يمثل الجانب الروحي في أي دين، وهذا يعني أن التصوف ليس مقصورًا على الإسلام، بل هو ظاهرة عالمية في جميع الأديان وإن اتخذ طابعًا خاصًا وفقًا لعقيدة كل دين وظروفه الحضارية.
ومن ناحية أخرى، فإن في كل دين جانبين، جانب يمثل الشعائر أو الطقوس المفروضة في الدين وتحديد الحرام والحلال، وهذا هو موضوع الفقه، وجانب آخر يمثل الدين من حيث روحانيته وعمق أثره في صلة الإنسان بإلهه، وتأثيره في توجيه حياة الإنسان روحانيًا وخُلُقيًا، وهذا الجانب هو موضوع علم التصوف، فالصلاة في الفقه، على سبيل المثال، ما هي إلا أفعال وأقوال مفتتحة بالتكبير مختَتِمة بالتسليم، بينما الصلاة في التصوف عبارة عن مناجاة قلبية بين العبد والرب.
فمن الملاحظ أن الجانبين متكاملان، وإن بدا الاختلاف بينهما من حيث الظاهر، وقد كان ذلك التكامل على الرغم من خصومة كانت في بعض عصور الإسلام بين الفقهاء والصوفية نتيجة اختلاف وجهتي النظر في فهم الدين، وبغض النظر عن التوسع في الحديث عن الأمثلة التي توضح كيف أن التصوف يمثل البعد الجواني للدين، لأننا قد نتطرق إلى ذكر بعضها في موضع لاحق من هذه الدراسة، فإننا نستطيع أن نشير إلى أن التصوف المعتدل غالبًا ما كان يتسم بالتوازن بين الجواني والبراني في الدين، في حين أن التصوف الفلسفي في بعض جوانبه كان يرجح أحيانًا الجانب الجواني على الجانب البراني، وعلى أية حال، فإننا نستطيع أن نوضح حقيقة القول في أن التصوف يمثل البعد الجواني للدين، وذلك من خلال حديثنا عن قضيتين على جانب كبير من الأهمية في الفكر الصوفي، وهما: قضية العلاقة بين الظاهر والباطن، وقضية العلاقة بين الشريعة والحقيقة.
قبل أن نتحدث عن رأي الصوفية في هذه المسألة، فإنه يجدر بنا أن نشير إلى أن الظاهر "هو ما انكشف بغير دليل"، وضده الخفي والباطن، والظاهر عند الصوفية مقابل للباطن، ومنه علم الظاهر وعلم الباطن [المعجم الفلسفي].
وقيل: الباطن هو علم السرائر والخفيات، أو هو المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم، أو هو العلم بكل ما بطن، والباطني هو الرجل الذي يكتم اعتقاده فلا يظهره إلا لمن يثق به، أو هو المخصص بمعرفة أسرار الأشياء وخواصها، أو هو الذي يحكم بأن لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلًا، فلفظ الباطني يدل إذن على ثلاثة معان:
١- الباطني هو الداخلي الذي هو ضد الخارجي أو الظاهري، فالباطني هو الذي يهتم باللباب من دون القشور أو بالأمور الخفية من دون الأمور الظاهرة، وقد رأينا كيف أن الصوفية كانوا يهتمون بصغائر النفوس وبواطن القلوب أكثر من اهتمامهم بظواهر الأبدان.
٢- الباطني هو الخاص، ويُطلق على كل تعليم تختص به عددًا محدودًا من السامعين، فلا تظهره إلا لنفسك أو للذين يقومون منك مقام نفسك، لاعتقادك أن الحق مضنون به على غير أهله، وأنه يجب أن يصان عن المبتذلين والجاهلين فلا يُبلغ إلا إلى من رزقه الله فطنة وقادة ودربة وعادة.
٣ - والباطني هو الخفي، وهو المخصص بمعرفة الأسرار والخفيات، كعلم الجفر أو علم الحروف، وهو علم يدَّعي أصحابه أنهم يعرفون به الحوادث إلى انقراض العالم، أو كالقبالة، وهو اسم يطلقه اليهود على تفسير التوراة السري بالأرقام والحروف، أو كعلم السحر والطلسمات وعلوم التنجيم والعرافة وغيرها [المعجم الفلسفي]، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمقصود بالباطنية، فإنه يمكن الإشارة إلى أن هناك اتجاهين في الفكر الإسلامي يُطلق عليهما لفظ الباطنية.
فهناك باطنية الفلاسفة الذين كان أغلبهم من الشيعة، والذين مزجوا أقوالهم ببعض الآراء الفلسفية.
وهناك باطنية الصوفية، وهم القائلون بأن لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلًا، إلا أنهم قد انقسموا بدورهم إلى معتدلين ومتطرفين، فالمعتدلون من باطنية الصوفية هم الذين قدموا تأويلات للنصوص لا تبتعد كثيرًا عن روح العقيدة الدينية، والمتطرفون منهم هم الذين ظهرت في أقوالهم بعض آراء باطنية الفلاسفة.
وعلى أية حال، فإن معنى الباطن يبرز في التصوف بوصفه العلم الذي يدل على الأعمال الباطنة ويدعو إليها وهي أعمال القلوب، وهي أعمال حقيقية؛ ولذا، فقد سمى المتصوفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن وسموا من عداهم أهل الظواهر وأهل الرسوم، ونستطيع هنا أن نشير إشارة عابرة إلى النزعة الباطنية عند الصوفية، تلك النزعة التي تتجلى في تأويل النصوص الدينية تأويلًا روحيًا، أو في النظر إلى الشعائر الدينية نظرة روحية تبعدها عن المعنى الظاهر لها.
فإذا أردنا أن نتحدث عن تأويل النصوص الدينية عند الصوفية، فإنه يمكن الإشارة إلى أن تفسير القرآن عند الصوفية كان يقوم عندهم على التأويل الباطني للآيات، مع اختلاف الصوفية عن الشيعة الباطنية في طريقتهم الجديدة التي نهجوها في التأويل وهي طريقة الاستبطان، تلك الطريقة التي تقوم أساسًا على تكرار تلاوة النص مع حضور القلب وجمع الهمة والاشتغال بما هم فيه دون غيره، بحيث يتصف القلب بصورة المقروء ويتلون بلونه فيفرح للوعد أو يحزن للوعيد.
ويبدو أن تأويل الصوفية للنصوص الدينية بهذه الطريقة، أي عن طريق الحضور الدائم للقلب مع الله أثناء تلاوة النص، قد يُعتبر من قبيل العلوم الإلهامية التي يحصل عليها الصوفية عن طريق المجاهدات الروحية، وقد يتأكد لنا ذلك إذا أشرنا إلى ما ذكره أحد الصوفية المعتدلين عندما أشار إلى أن مشايخ الصوفية أحكموا أساس التقوى وتعلموا العلم لله تعالى، وعملوا بما علموا لموضع تقواهم فعلمهم الله تعالى ما لم يعلموا من غرائب العلوم ودقيق الإشارات واستنبطوا من كلام الله تعالى غرائب العلوم وعجائب الأسرار [عوارف المعارف].
ويمكن توضيح ذلك بالقول بأنه إذا تلا الصوفي القرآن تلاوة فهم على النحو الذي وصفناه، تفتحت له معانيه رويدًا رويدًا، وزادت وضوحًا مع ازدياد مرات التلاوة، وانكشفت له "الحكمة" التي هي جماع الأسرار الباطنية المودعة في النصوص ويبدوا أن هذا هو ما يفهمه الصوفي من قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ} [آل عمران: ٤٨] قالوا: (الكتاب) اسم لظاهر القرآن و(الحكمة) اسم لباطنه، وقد ذكر بعض الباحثين في قوله تعالى: {يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ} [البقرة: ٢٦٩]، إن الحكمة هي الفهم في كتاب الله عز وجل [قوت القلوب]، فالحكمة عندهم أو (الفهم) كما يسميها أوائل الصوفية ليست نوعًا من العلم يُكتسب بالنظر العقلي، بل هي العلم الباطن الذي يلقى في القلب إلقاءً ويدرك القلب حلاوته ذوقًا وبذلك تتقابل حكمة الصوفية وحكمة الفلاسفة تقابل الاضداد [التصوف الثورة الروحية في الإسلام].
وإذا كنا لا نود أن نستطرد في الحديث عن النماذج التي قدمها الصوفية لتأويل النصوص الدينية، وذلك حتى لا يطول بنا الحديث في هذه المسألة أكثر من اللازم، فإننا نود أن ننتقل إلى الإشارة الموجزة عن نظرة الصوفية الروحية أو الباطنية إلى العبادات والشعائر الدينية، فلقد نظر الصوفية إلى العبادات والشعائر الدينية نظرة باطنية، وذلك عندما فرقوا بين الظاهر والباطن في هذه الأمور، فقرروا أن ظواهر هذه العبادات والشعائر إنما هي ما يكلَّف به العامة بالإضافة إلى الخاصة أو خاصة الخاصة الذين لا يقفون عند هذه الظواهر بل يتعدونها إلى ما وراء الظواهر من أمور تتعلق بأفعال القلوب ونوايا النفوس.
والحقيقة أن الأمثلة التي توضح ذلك إنما هي من الكثرة بحيث يصعب حصرها في هذا المقام، وإنما نكتفي هنا فقط بالإشارة إلى التفرقة الصوفية بين أفعال الجوارح وأفعال القلوب، فصوم العوام مثلًا إنما هو الامتناع عن شهوتيّ البطن والفرج، وصوم الخواص هو بالإضافة إلى ذلك الامتناع عن أداء المحرمات على وجه العموم ظاهرية كانت أو باطنية، أما صوم خواص الخواص، فهو الامتناع عن التفكير في كل ما سوى الله، أو بالأحرى إفراغ القلب تمامًا من كل ما سوى الله.
ولكن ينبغي أن نستطرد هنا فنشير إلى أنه إذا كان ذلك هو الإطار العام لموقف الصوفية في مسألة الظاهر والباطن، فإنه لابد من الإشارة هنا إلى أن بعض الصوفية الذين ابتعدوا عن الروح الدينية الصحيحة قد أهملوا شأن الظواهر لكي يعلوا من شأن الباطن، فأهملوا أداء التكاليف الشرعية بحجة أنها مجرد أمور ظاهرية إلا أن هذه الفئة القليلة لا يمكن أن تمثل الإطار العام للفكر الصوفي، لأنها مجرد فكرة ضالة أو خارجة عن نطاق الدين الصحيح.
يتجلى الدين عند الصوفية في بعده الروحي الأسمى القائم على الطاعة الخالصة لله تعالى، حيث تتحول العبادة إلى تجربة وجودية تُمتحن فيها النفس في صدق نيتها، فيراقب الصوفي قلبه كما يراقب عمله، ويزهد في كل طاعة يتخللها حظ للنفس، تحقيقًا لمقام الإخلاص الكامل الذي هو لبّ الدين وجوهر العبودية.