Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

العِشْق

الكاتب

أ.د رمضان البسطاويسي

العِشْق

العشق نوع من أنواع المحبة، وقد كُنِّى عن العشق في القرآن بشدة الحُب كما في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ }[البقرة ١٦٦ ] والقشيري في الرسالة روي عن أبي الدقاق -رحمه الله- أنه قال: العشق مجاوزة الحد في المحبة والحق لا يوصف بالعشق لأنه لا يوصف بأنه يجاوز الحد. 

مفهوم العشق

كما قال أئمة اللغة: أشد الحب، يقال (عَشِقَ): إذا أحَبَّ حُبًّا شَديدًا. والعشق نوع من أنواع المحبة، والمحبة عاطفة واحدة أو حقيقة واحدة العين، تتطور وتتصعد، وفي كل مرحلة من مراحل تصعدها تتخذ اسما: الحب، الهوى، العشق، الود، الغرام، الهيام. 

والحب: هو ميل الطبع أو انفعال نفساني ينشأ عند: الشعور بحسن شيء من صفات ذاتية أو إحسان، أو اعتقاد في نفع مَن يجر إليه الخير، فإن تأكد ذلك الميل، وقوي هذا الانفعال سمي "عِشْقًا".

 وسئل أَبو العباس أَحمد بن يحيى عن الحُبِّ والعِشْقِ: أَيّهما أَحمد؟ فقال: الحُب، لأن العِشْقَ فيه إِفراط، وسمى العاشِقُ عاشِقًا لأَنه َذْبُلُ من شدة الهوى كما تَذْبُل العَشَقَةُ إِذا قطعت  (ابن منظور: محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر بيروت، ١٣٧٥هـ ١٩٥٦م. [مادة عشق] ).

وقد كُنِّى عن العشق في القرآن بشدة الحب كما في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ}  [البقرة:١٦٥]. فهو المحبة التامة القوية الخاصة التي تشغل قلب المحب وفكره وذِكره لمحبوبه و على هذا المعنى فالعشق هو أحد أنواع الحب الذى لا يُنكر ولا يُذَم، فكلُّ عشق يُسمَّى حبًّا وليس كلُّ حبٍّ يُسمَّى عِشْقًا، وقد قيل:

نهاياتُ المحبةِ بداياتُ العشق.

ومحبة الله على مراتب بعضها أعلى من بعض، فأشد العباد حبا لله أحسنهم تَخَلُّقًا بأخلاقه مثل: العلم، والحلم، والعفو، والستر على الخلق، وأعرفهم بمعاني صفاته أبعدهم نزاعا له في معاني الصفات التي لا ينبغي أن يشاركه فيها أحد؛ مثل: الكبر، والعز، وطلب الذكر.

وكذلك أشدهم حبًّا لرسول الله واتباعا لآثاره وأشبههم هديا بشمائله، وحَسْبُك أن الله قد جَعَلَ طاعتَه عينَ طاعتِه ومحبتَه شرطَ محبتِه، وما ذاك إلا لأن الله سبحانه جَعَلَ النور والهداية الَّذَين أفاضهما على عالمنا بواسطته، ولذلك سمَّاه نورًا مبينًا وسراجًا منيرًا، وجعله رحمةً للعالمين.

وقد اختُص سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكمال مقام المحبة، فإنه أُعْطِي من هذا المقام ما لم يُعط غيرُه ـ من الأنبياء -عليهم السلام ـ، ولتحقُّقِه به قال تعالى فيه: {مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا} ((النساء:٨٠)، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[الفتح:١٠]، وقال تعالى: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} [آل عمران:٣١].

 و قد قال ابن تيمية في الفتاوى: "والناس في العشق على قولين: قيل: إنه من باب الإرادات وهذا هو المشهور. وقيل: من باب التصورات وأنه فساد في التخييل حيث يتصور المعشوق على ما هو به قال هؤلاء ولهذا لا يوصف الله بالعشق ولا إنه يعشق لأنه منزه عن ذلك ولا يحمد من يتخيل فيه خيالاً فاسدًا.

وأما الأولون فمنهم من قال: يوصف بالعشق، فإنه المحبة التامة والله يَحبُّ وَيُحبُّ وروى في أثر عن عبد الواحد بن زيد لأنه قال: لا يزال عبدى يتقرب إليّ يعشقني وأعشقه. وهذا قول بعض الصوفية٠ (ابن تيمية: الفتاوى).

والقشيري في الرسالة روى عن أبي الدقاق -رحمه الله- أنه قال: العشق مجاوزة الحد في المحبة والحق لا يوصف بالعشق لأنه لا يوصف بأنه يجاوز الحد. وقيل ظاهرة العشق مرجعها إخوان الصفا، أما التهانوي: في كشاف اصطلاحات الفنون فخالف ذلك، وأورد مصطلح العشق على أنه من مصطلحات الصوفية، ثم أورد بعض أقوال القوم في الباب، فقال: "حده عند أهل السلوك: بذل ما لك، وتحمّل ما عليك. وقيل: هو آخر مرتبة المحبة، والمحبة أول درجة العشق، وقيل: هو عبارة عن إفراط المحبة وشدتها. (انظر مثلا باب العين من معاجم الصوفية التالية: معجم اصطلاحات الصوفية للكاشانى (ص١٢٤ – ١٥١)، رشح الزلال في شرح الألفاظ المتداولة بين أرباب الأذواق والأحوال للكاشانى، لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام (٢/٩٧ – ١٧٠)، جامع كرامات الأولياء للكمشخانوى، (ص٦٤ – ٦٥). كما يورده الشريف الجرجاني في باب العين من تعريفاته (١٤٥-١٦٠) ).

وقيل: نار تقع في القلب فتحرق ما سوى المحبوب، وقيل: " وهكذا، فإنها أقوال تدور جميعا حول المعنى اللغوي، ولا تعتبر هذه الأقوال تعريفات فنية بالمعنى الدقيق كما هو واضح. ( معجم اصطلاحات الصوفية، لعبد الرزاق القشاني أو الكاشاني، تحقيق: د. عبد العال شاهين، القاهرة: دار المنار، ط ١، ١٤١٣ هـ / ١٩٩٢م).

مراتب المحبة عند العلماء

 و قد ذكر العلماء للمحبة مراتب عشراً:

أولها العلاقة: وسميت بذلك لتعلق القلب بالمحبوب.

الثانية الإِرادة: وهي ميل القلب إِلى محبوبه وطلبهُ له.

الثالثة الصبابة: وهي انصباب القلب إِلى المحبوب بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماءِ في المنحدر.

الرابعة الغرام: وهو الحب اللازم للقلب لا يفارقه، بل يلازمه كملازمة الغريم لغريمه.

الخامسة الوداد: وهو صَفوُ المحبة، وخالصها، ولبها.

السادسة الشغف: وهو وصول الحب إِلى شغاف القلب. قال الإِمام الجنيد -رحمه الله تعالى-: الشغف أن لا يرى المحب جفاءً، بل يراه عدلاً منه ووفاءً.

          وتعذيبُكم عذبٌ لدي وجَوْرُكم    علي بما يقضى الهوى لكمُ عدلُ

السابعة العشق: وهو الحب المفرط الذي يُخاف على صاحبه منه.

الثامنة التتيُّم: وهو التعبد والتذلل، يقال: تيَّمه الحب أي ذَلَّلَهُ وعبَّده.

التاسعة التعبد: وهو فوق التتيم، فإِن العبد لم يبق له شيء من نفسه.

العاشرة الخُلَّة: انفرد بها الخليلان إِبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه، حتى لم يبقَ موضع لغير المحبوب ( معجم اصطلاحات الصوفية، لعبد الرزاق القشاني أو الكاشانى، تحقيق: د. عبد العال شاهين، القاهرة: دار المنار، ط ١، ١٤١٣ هـ / ١٩٩٢م ).

و هذا يعنى أن العشق درجة من درجات المحبة، والأدلة على محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه كثيرة. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}  ((المائدة:٥٤). وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ}( (البقرة:١٦٥). وقال تعالى:  {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }(آل عمران:٣١). ويحببكم الله: دليل على المحبة وفائدتها وفضلها.

وفى السنة عن أنس قال: قال رسول الله: «ثلاث مَنْ كنَّ فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إِليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إِلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار»( أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان ).

وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : يقول الله تعالى: «مَنْ عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِلى عبدى بشيء أحبَّ إِلى من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إِلى بالنوافل حتى أحبه، فإِذا أحببتُه كنتُ سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، وإِن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذهن» ( أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع ).

وعن أبى هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذا أحب الله العبد دعا جبريلَ فقال: إني أحب فلاناً فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادى في السماء فيقول: إِن الله يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» ( أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة ).

وعن أبى الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إني أسألك حُبك وحُب من يُحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حُبك أَحبّ إِليَّ من نفسى وأهلي ومن الماء البارد» ( أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن غريب ).

والقرآن والسنة مملوءان بذكر مَنْ يحبه الله من عباده، وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:١٤٦].  

{لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [المائدة:٩٣]. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: ٢٢٢]. وقوله في ضد ذلك: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ}( (البقرة:٢٠٥).{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد:٢٣] {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}( (آل عمران:٥٧).

وقد جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حب الله ورسوله من شرائط الإِيمان في أحاديث كثيرة فقال: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكُونَ أحَبَّ إِليه من أهْله وماله والنّاس أجمعين» ( أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن غريب ).

 وقد وجه الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- أصحابه للمحبة، لما لها من الأثر العظيم والمقام الرفيع، ولَفَتَ أنظارهم إِلى نعمه تعالى وبالغ إِفضاله، ثم بيَّن لهم أنَّ حبهم لله يقتضي حبهم لحبيبه الأعظم عليه الصلاة والسلام، كما أنَّ حبهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوصلهم إِلى حُب الله تعالى. قال -عليه الصلاة والسلام-: «أَحِبُّوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله» ( رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب و رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب ).

وقد بشر الرسول -صلى الله عليه وسلم- المحبين بالمعية مع محبوبهم، فقد روى أنس -رضي الله عنه- أن رجلاً سأل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- متى الساعة يا رسول الله ؟ قال: «ما أعددتَ لها؟ قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صَوم ولا صَدقة ولكني أُحِب الله ورسوله. قال: أنت مع مَنْ أحببتَ. قال أنس: فقلنا ونحن كذلك؟ قال: نعم. ففرحنا بها فرحًا شديدًا» [رواه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب، ومسلم في صحيحه في كتاب البر].

والأحاديث في المحبة كثيرة، وكلها تشير إِلى عظيم فضلها، وبالغ أثرها، وحين تحقق الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم بمحبة الله ورسوله بلغوا أوج الكمال في الإيمان والأخلاق والتضحية، وأنستهم حلاوة المحبة مرارة الابتلاء وقساوة المحن، وحملهم دافع المحبة على بذل الروح والمال والوقت، وكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل محبوبهم لعلهم يحوزون رضوانه وحبه. لكن لم يرد لديهم كلمة العشق.

أما تعبير العشق المقارب للحب والمحبة فهو ينطبق على حبِّ العبد لله عز و جل ويستعمل لبيان اختلاف في الحُب متعلق بالدرجة. فالعشق والحب من طبيعة واحدة إلا أن العشق يدل على درجة في الحب أقوى عند الغزالي، وطريقة الغزالي في تعبيره (أعنى استعماله لكلمتى الحب والمحبة في حديثه عن الحب الصوفي وعدم تمييزه بين الكلمتين ثم التعريف الذي أتي به للعشق في كتبه) قد تؤكد ما استخلصه ماسينيون  من وجود اتجاه سائد في المؤلفات الصوفية حول الحب والمحبة و الشوق و العشق لفظًا ومعنى وذلك في كتابه: دراسة في الأصول اللغوية الاصطلاحية للتصوف الإسلامي بدءاً من القرن الثالث الهجري. و "بولس نويا" في كتابه تفسير القرآن واللغة الصوفية: له بحث جديد حول المصطلحات الفنية للمتصوفين المسلمين (تناول المستشرقون موضوع المحبة من أكثر من منظور ،مثل حب الله لنفسه عند الغزالي للمستشرقة الفرنسية: آن ريجور و هو عبارة عن تحليل لبَيان "محبّة الله عز و جل للعبد ومعناها" من الكتاب السادس والثلاثين من (إحياء علوم الدّين) هذا بحث كتبته المستشرقة الفرنسية الآنسة آن ريجور معتمدة فيه على ما جاء في كتاب الأحياء من صفحات قليلة في (محبة الله للعبد) ونقله الأستاذ سليم محمد بركات إلى اللغة العربية ).

روح الصوفي بين الحب والجمال

وكان الصوفية -قبل رابعة- يترددون في قبول كلمة "الحب" فمالك بن دينار الصوفي (ت:١٣١هـ) كان يتحاشى لفظ "الحُب" ويستخدم بدله كلمة "الشوق"، وعبدالواحد بن زيد (ت:٧٧هـ) كان يفضل لفظ "العشق" في أقواله. ومع رابعة بدأت كلمة أو مصطلح "الحب الإلهي" تأخذ مكانها في أقوال الزهاد ممن جاؤوا بعدها، مثل: معروف الكرخى (ت:٢٠١هـ)، والمحاسبي (ت:٢٤٣هـ) الذى خصص لموضوع "المحبة" فصلا كاملا في كتابه: "الرعاية لحقوق الله"، وذي النون المصري (ت ٢٤٥هـ) الذى فاضت مأثوراته بهذه الكلمة.

المحب إذا كان واعيا بحبه ومكتسبًا له سمي "محبًا" وإذا كان مختطفا بالحب سمي "عاشقًا" والفرق بينهما -فيما يقول شيوخ التصوف-أن المحب مريد والعاشق مراد ( د. أحمد الطيب: مادة الحب  مفاهيم و مصطلحات إسلامية وزارة الأوقاف ).

قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «والّذى نَفْسِي بيده لا تَدخُلوا الجنّة حتّى تُؤمنوا، ولا تُؤمِنُوا حتّى تَحَـابّوا، أوَلا أدلُّكم على شيء إذا فعلتمُـوه تحاببتم: أفشُوا السّلام بينكم».

وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «كان من دعاء داود عليه السلام: اللهم إنِّي أسأَلُك حبك وحب من يحبك والعمل الذى يبلغُنِي حبك، اللهم اجعل حبك أحب إِليَّ من نفسى وأهْلي ومن المَاءِ البَارد» ( أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن غريب ).

وكلمة إله في لغة العرب مأخوذة من الوَلَه، وهو الحبّ والتحيّر في صفات المحبوب ( انظر ل. آ جيفن: نظرية الحب الدنيوي عند العرب: تطور هذا الغرض الأدبى.‏ L.A. GIFFEN. Theory of profane love among the Arabs: the development of the genre, University Press, London, ١٩٧٢, pp. ٨٣ ٩٦.‏ فصل: مناقشة المصطلحات واستعمالاتها         The discussion of terms and their use‏

وتنتهي هذه الدراسة إلى تقرير تساوي مصطلحات الحب والمحبة والعشق ولكنها تؤكد كذلك أنه إن كانت هناك طبيعة مشتركة بين الحب والعشق فإن بينهما اختلافاً في الدرجة يزيد أو يقل حسب هذا السياق أو ذاك. وهى تميز بين الحُب والمحبة وتشير إلى رأى الجاحظ القائل: بأن كل عشق هو حب وأن العكس ليس صحيحاً هو الرأي الذي أخذ به المؤلفون، والعلاقة بين الله والخلق مبنيّة على الحبّ والودّ ; لذا وصف نفسه سبحانه، الرّحيم الودود، حتّى ورد في بعض الروايات أنّ الله لا يكره خلقه، وإن كفروا به وعادوه، إنّما يكره أفعالهم السيِّئة التي يفعلونها.

وكما عبّر القرآن عن حبّ الله للإنسان، وعرّفه للخلق بأنّه الحبيب المحبّ لفاعلي الخير والمعروف، فقال: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:١٩٥] ؛ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:٢٢٢].

والعشق عند الصوفيين هو نوع من المحبة، يشير إلى حب الإنسان لله ( وحول استعمال ابن عربي لهذه المصطلحات الثلاثة(الحب والمحبة والعشق) يرجع إلى سعاد الحكيم: المعجم الصوفي، "الحكمة في حدود الكلمة"، دندرة، بيروت ١٩٨١- من ص ٣٠١ إلى ص ٣١٠-المادة رقم ١٥٤: الحب. أما كلمة المحبة فلم تبد مادة مستقلة في المعجم فهي إما أنها تساوى كلمة الحب وإما أنها تشتمل عليه على أنه أحد أنواعها كالعشق الذي هو فرط الحب. على أن كلمة المحبة قد وردت في شرح المادة ٥٨٠ (ص١٠٢٠-١٠٢١): المنة والاستحقاق )‏.

الخلاصة

العشق هو أعلى مراتب المحبة وأشدها، ويُعرف بأنه الحب المفرط الذي يتجاوز الحدود. وفي القرآن، كُنِّي عن شدة الحب بلفظ المحبة، بينما رأى بعض العلماء أن لفظ العشق لا يُطلق على الله تعالى لأنه لا يوصف بتجاوز الحد. وقد ذكر العلماء عشر مراتب للمحبة، تبدأ بـ"العلاقة" وتنتهي بـ"الخُلَّة"، التي انفرد بها الخليلان إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-.

موضوعات ذات صلة

نشأ مصطلح "الحب الإلهي" في التصوف الإسلامي بالقرن الثاني الهجري على يد رابعة العدوية، التي نقلت العبادة من دافع الخوف والطمع إلى دافع الحب الخالص لله.

من أفضل العبادات والأعمال العظيمة التي أمر الله بها، وأفضلها ذكر القلب.

التَّحلِّي عند الصوفية ليس مجرد تزيُّن خارجي بالأقوال والأعمال، بل مسار تدريبي وتعبدي يقود إلى التخلق بالأخلاق الإلهية.

موضوعات مختارة