Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

النور

الكاتب

أ٠ د. إبراهيم عبد الشافي إبراهيم

النور

النور ليس مجرد ضياءٍ يُبدد الظلام، بل هو سرٌّ إلهي يتخلل الوجود، ويمد الأرواح بالحياة، والقلوب بالهداية، إنه مظهرٌ من مظاهر الرحمة الربانية التي تهدي العقول إلى الحقيقة وتكشف الغشاوة عن البصيرة.                                    

مفهوم النور

النور لغة: الضياء، والنور ضد الظلمة، وقيل: النور شعاع الضوء وسطوعه، ونور الشيء: بيَّنه وأَوْضَحَهُ، وفي الحديث: "فَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لِلجَدَّةِ، ثُمَّ أَنَارَهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ" أي نورها وأوضحها وبينها، والتنوير وقت إسفار الصبح، والنور: الهداية، قال عز وجل: {وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ} [النور: ٤٠]، قال الزجاج: من لم يهده الله للإسلام لم يهتد [يراجع: لسان العرب لابن منظور المصري، دار صادر بيروت، مادة (نور): ج ٥ ص ٢٤٠].

 الفرق بين النور والضياء: الضياء أشد من النور، قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا} [يونس: ٥]، وقيل: الضياء ذاتي، والنور عرضي [تاج العروس من جواهر. القاموس: للمرتضى الزبيدي، ٣٥٧٨/١، مادة (نور)].

 النور قسمان: دنيوي، وأخروي

 فالدنيوي ضربان: محسوس بعين البصر، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة كالقمر والشمس، والنجوم وسائر النيرات، وبعقول بعين البصيرة كأنوار الله في قلوب المؤمنين، ومن النور الإلهي قوله تعالى: {قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَٰبٌ مُّبِينٌ}[المائدة: ١٥]، وقوله تعالى: {وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ} [الأنعام: ١٢٢]، وقوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ} [الشورى: ٥٢]، وقوله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ} [الزمر: ٢٢]، ومن النور المحسوس قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا} [يونس: ٥]، ومن النور الأخروي قوله تعالى: {يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ} [الحديد: ١٢]، وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ} [التحريم: ٨] [مفردات غريب القرآن: أبو القاسم الراغب الأصفهاني، ١ /٥٠٨].

 النور اسم من أسماء الله تعالى

قال تعالى:{ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ} [النور: ٣٥]، يقول: فخر الدين الرازي اعلم أن النور اسم لهذه الكيفية التي يضادها الظلام، ويمتنع أن يكون الحق سبحانه هو ذلك، ويدل عليه وجوه:

الأول: أن هذه الكيفية تطرأ وتزول، والحق سبحانه يستحيل أن يكون كذلك.

الثاني: الأجسام متساوية في الجسمية، ومختلقة في الضياء والظلمة، فيكون الضوء كيفية قائمة بالجسم محتاجة إليه، وواجب الوجود لا يكون كذلك.

الثالث: النور مضاد للظلمة، وجل الحق أن يكون له ضد وند.

الرابع: قال تعالى: {مَثَلُ نُورِهِۦ} [النور: ٣٥] فأضاف النور إلى نفسه، فلو كان تعالى هو النور لكان هذا إضافة الشيء إلى نفسه، وهو محال، فهو تعالى ليس نور، وليس أيضًا هذه الكيفية لا يعقل ثبوتها إلا للأجسام المراد بهذا الاسم.

اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ} [النور: ٣٥] على وجوه:

الأول: أن النور الظاهر هو الذي يظهر له كل شيء خفي، والخفاء ليس إلا العدم، والظهور ليس الوجود، والحق سبحانه موجود، ولا يقبل العدم... والحق سبحانه هو الذي به وجد كل شيء سواه، فهو سبحانه نور كل ظلمة، وظهور كل خفاء، فالنور المطلق هو الله، بل هو نور الأنوار.

الثاني: أنه تعالى منور السماوات والأرض.

الثالث: أنه سبحانه وتعالى هو الذي استقامت به المخلوقات، فسمي نورًا من قولهم: فلان زيَّن البلد ونَّور، إذا كان سببًا لمصلحة البلد.

الرابع: أنه معنى النور أي الهادي، والمعنى في الآية {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ} هادي السماوات والأرض [مراجع: لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى الحسنى والصفات: الفخر الرازي، مكتبة الكليات الأزهرية ١٣٩٦هـ - ١٩٧٦م، ص ٣٤٦، ٣٤٧].

 حظ العبد من اسم الله النور

وأما حظ العبد من اسم الله النور أن يعلم أن نور القلب عبارة عن معرفة الله تعالى، قال تعالى: {وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ} [النور: ٤٠]. 

 اسم الله النور عند أرباب السلوك

 النور هو الذي نوَّر قلوب الصادقين بتوحيده، ونوَّر أسرار المحبين بتأييده، وقيل: هو الذي سن الأبشار بالتصوير، والأسرار بالتنوير، وقيل الذي أحيا قلوب العارفين بنور معرفته، وأحيا النفوس العابدين بنور عبادته، وقيل: هو الذي يهدي القلوب إلي إيثار الحق واصطفائه، ويهدي الأسرار على مناجاته واجتبائه، وقيل: هو الذي يزهد في الفاني، ويرغب في الباقي، ويهب اليقين الذي به تسكن النفوس [يراجع: لوامع البينات، ص ٤٨٣].

النور حجاب الله تعالى

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ، لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ مَنْ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ»، وفي رواية: «بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ»، وروي أيضًا من حديث أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «هَلْ تَرَى رَبَّكَ؟» قال: «إنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ». [إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، ١٠١/١، دار المعرفة، بيروت بدون تاريخ].

نور الله تعالى وأثره في المؤمن

 الْمُؤْمِنُ يَرَى بِنُورِ اللَّهِ. يقول حجة الإسلام الغزالي تحت عنوان: بيان شواهد الشرع على صحة طريق أهل التصوف في اكتساب المعرفة: (اعلم أن من انكشف له شيء ولو الشيء اليسير بطريق الإلهام والوقوع في القلب من حيث لا يدري فقد صار عارفًا بصحة الطريق، ومن لم يدرك ذلك من نفسه قط فينبغي أن يؤمن به، يقول سبحانه: {وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ} [العنكبوت: ٦٩]، فكل حكمة تظهر في القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلم فهو بطريق الكشف والإلهام، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللهُ عِلْمَ ما لمْ يعلمْ»، وقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا} [الأنفال: ٢٩]، قيل: نور يفرق به بين الحق والباطل، ويخرج به من الشبهات: ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر في دعائه من سؤال النور، فقال صلى الله عليه وسلم: «اَللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا، وَزِدْنِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، حَتَّى قَالَ: فِي شَعْرِي وَفِي لَحْمِي وَدَمِي وَعِظَامِي» وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ} [الزمر: ٢٢] «مَا هَذَا الشَّرْحُ؟ فَقَالَ: هُوَ التَّوْسِعَةُ، إِنَّ النُّورَ إِذَا قُذِفَ بِهِ فِي الْقَلْبِ اتَّسَعَ لَهُ الصَّدْرُ وَانْشَرَحَ».. كان أبو الدرداء يقول: المؤمن من ينظر بنور الله من وراء ستر رقيق.. وقال صلى الله عليه وسلم: «اتَّقوا فِراسةَ المُؤمِنِ فإنَّه ينظُرُ بنُورِ اللهِ». [المرجع السابق، ٢٤/٣].

المعرفة بالله نور العارفين

العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله هو الكمال الحقيقي الذي به يقرب من يتصف به من الله تعالى، ويبقى كمالًا للنفس بعد الموت، وتكون هذه المعرفة نورًا للعارفين بعد الموت: {نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا} [التحريم: ٨]؛ أي تكون هذه المعرفة رأس مال يوصل إلى كشف ما لم ينكشف في الدنيا... فمن ليس معه أصل معرفة الله تعالى لم يكن له مطمع في هذا النور، فيبقى: {كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ} [الأنعام: ١٢٢]، بل: {أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ} [النور: ٤٠]، فإذن لا لسعادة إلا في معرفة الله تعالى. [إحياء علوم الدين ٣/٨٣]

 العبادة سبب لحصول النور في القلب

يقول أبو حامد الغزالي: علم المكاشفة هو علم الصديقين والمقربين، وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة... فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح جلية الحق اتضاحًا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه، وهذا ممكن في جوهر الإنسان، لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا، وإنما نعني بعلم طريق الآخرة العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وتعالى، وعن معرفة صفاته وأفعاله، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكشف عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء، صلوات الله عليهم في جميع أحوالهم، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه، ولا سبيل إليه إلا بالرياضة... وبالعلم والتعليم. [يراجع: إحياء علوم الدين ١/١٩،٢٠]

ويقول ابن رجب الحنبلي في مقام المشاهدة: أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيب كالشهادة، وهذا هو حقيقة مقام الإحسان. [ينظر: جامع العلوم والحكم: لابن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت، ط١، ١٤٠٨هـ، ص ٣٧]

  النور جند القلب

 جاء في شرح الحكم العطائية: النور للقلب في كونه يتوصل به إلى مقصده وهو حضرة الرب بمنزلة الجند للأمير من كونه يتوصل به إلى مقصوده، من قهر أعدائه، كما أن الظلمة التي هي وساوس الشيطان جند النفس التي هي أمارة بالسوء، دون المطمئنة فإنها توافق العقل أبدًا، ومقصد النفس الأمارة بالسوء الشهوات والأغراض العاجلة، فإذا أراد الله أن ينصر عبده ويعينه على قمع شهواته أمد قلبه بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم... فعلى العبد أن يفزع إلى ربه عند التقاء الصفين، ويسأله الإعانة على النفس الأمارة بالسوء متوسلًا بسيد الكونين. [شرح الحكم العطائية ص ٦٠].

 الفرق بين النور والبصيرة والقلب

 النور هو ما يقذفه الله في القلب المريد من العلم اللدني، ويختص النور بأن له الكشف، أي كشف المعاني كحسن الطاعة وقبح المعصية، والبصيرة: التي هي عين القلب لها الحكم وهو إدراك الأمر الذي شاهدته، وكشف لها عنه بالنور، فإنه كما لا يمكن إدراك البصر للمحسوسات إلا بالأنوار الظاهرة كالشمس والسراج لا يمكن إدراك البصيرة لشيء من المعاني إلا بالأنوار الباطنية، والقلب له الإقبال على ما كشف للبصيرة وحكمت بحسنه كالطاعة والإدبار عما كشف لها وحكمت بقبحه كالمعصية، وحينئذ تتبعه الجوارح كما في الحديث: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ». [ شرح الحكم العطائية ص ٦١]

 مطالع الأنوار القلوب والأسرار

 إن مواضع طلوع الأنوار المعنوية وهي نجوم العلم وأقمار المعرفة وشموس التوحيد إنما هي قلوب العارفين وأسرارهم، فهي كالسماء التي تشرق فيها الكواكب، بل تلك الأنوار المعنوية أشد إشراقًا في الحقيقة من الكواكب الحسية، والنور على قسمين: نور يكشف الله به عن آثاره كنور الشمس ونور مستودع في القلوب، وهو نور اليقين الذي أودعه الله في قلوب عباده العارفين، ومدده الذي يستمد ويتزايد منه ضياءه إنما هو من النور الوارد من خزائن الغيوب وهو نور الأوصاف الأزلية، فالنور المدرك بالحواس كنور الشمس والقمر يكشف لك به عن آثاره وهي الأكوان، فتستدل بالأثر على المؤثر، وأما النور الذي يكشف لك به عن أوصافه، فهو منه المستودع في القلوب من نور اليقين الذي يكشف لك به عن أوصافه الأزلية الجمالية والجلالية حتى تراها عيانًا، ولا تحتاج معه إلى دليل فإنك تشهد به المؤثر. [المرجع السابق ص ١١٣]

 المؤمن يتقلب في النور

عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: المؤمن يتقلب في خمسة من النور: كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور، والكافر يتقلب في خمسة من الظلم: فكلامه ظلمة، وعلمه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجة ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة. [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم الأصبهاني: ١ /٢٥٥، دار الكتاب العربي ببيروت، ط الرابعة، ١٤٠٥هـ]

الأنوار المحمدية

مما لا شك فيه أن النصيب الأعظم والأوفى من النور الإلهي كان لأنبياء الله عليهم السلام وكل على قدره، وإمامهم هو خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن المعلوم أن أنوار الروح قد تحجب بحجب النفس وغيرها، وذلك عندما تنزل الروح إلى الجسد، إلا أن الأمر يختلف إلى حد كبير مع الأنبياء عليهم السلام ذلك أن نفوسهم خالصة لله تعالى ليس فيها هوى ولا غفلة ولا للشيطان عليهم سبيل؛ لذا فإن أرواحهم لا تحجب كثيرًا إلا بمقدار ما تقتضيه بشريتهم التي هم فيها؛ لذلك حينما طلب سيدنا موسى عليه السلام رؤية الله سبحانه وتعالى قال له: {لَن تَرَىٰنِي} [الأعراف: ١٤٣] لأن البشرية لا تتحمل هذا، والدليل أن الراسخ القوي دُكَّ دَكًّا عندما تجلى ربه له: {وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ} [الأعراف: ١٤٣].

أما كلام الله تعالى لموسى عليه السلام: فقد كان بتجهيز خاص له، وكذلك ما حدث في الإسراء والمعراج لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أيضًا بتجهيز خاص، والمقصود باختصار أن أرواح الأنبياء غالبة عليهم وهم في الصورة البشرية، أما إذا كانت النفس البشرية كاملة مكملة من رب العالمين، فالحجاب هنا لا يكون أصلًا، اللهم إلا على قدر ما تسمح الطاقة البشرية بتحمله من الروح وأنوارها. [محمد نبي الرحمة ص ١٤٥ وما بعدها. للشيخ صلاح الدين القوصي، ط ٣، ٤٢٧أ ٢٠٠٦ م، ضمن سلسلة البحوث الإسلامية]

لقد مدح الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الخير والهدى فقال سبحانه: {قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَٰبٌ مُّبِينٌ} [المائدة: ١٥]، والمراد بالنور هنا: هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو نور الأنوار كما قال الإمام الألوسي.

ويقول الإمام ابن جرير الطبري ما ملخصه: قوله تعالى: {قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَٰبٌ مُّبِينٌ} [المائدة: ١٥]، أي قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام ومحق به الشرك. [انظر تفسير ابن جرير الطبري ١٦١/١]

وهناك بشرى عظيمة لمن يحظى برؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام، فإن من رآه في المنام فقد رآه حقًّا، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري وغيره: ذلك أن الشيطان لا يتمثل به صلى الله عليه وسلم، وكيف يتمثل الشيطان برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النور، والشيطان أصل الظلام والضلال، ومن المعلوم أن الضدين لا يجتمعان، كما هو معلوم. [محمد نبي الرحمة ص ٥٥١]

الخلاصة

النور في التصور الإسلامي ليس فقط ضوءًا محسوسًا، بل هو هدايةٌ معنوية تُغني القلوب وتزكّي الأرواح، وهو اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه في الآية: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يدل على أنه سبحانه منوّر الكون وهاديه، ويرتبط النور بالبصيرة والإيمان، ويعد ثمرة للعبادة والتقوى، كما أن للنبي محمد صلى الله عليه وسلم نصيبًا أعظم من هذا النور الرباني، فهو "نور الأنوار"، فمن تلقّى هذا النور بقلبه، سعد في دنياه وأخراه، وكان من العارفين المقرّبين.

موضوعات ذات صلة

تعتبر الخشية من أعلى الدرجات التي يمكن أن يصل إليها العبد، وتقترن بالرجاء في رحمة الله تعالى.

المجاهدة في التصوف هي بذل أقصى الجهد في محاربة النفس والشيطان، وحملها على الطاعات ومخالفة الهوى,

القُرب يستخدم بمعنى التقرب إلى الله بالطاعات، وفي القرآن وردت مشتقات القرب بمعانٍ متعددة.

موضوعات مختارة