Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الظاهر والباطن

الكاتب

أ.د/ عبد الله يوسف الشاذلي

الظاهر والباطن

 الإنسان يجمع بين عالمين لا ينفصلان: ظاهر محسوس وباطن عميق، هذا التلاحم يُشكّل جوهر الوجود البشري والديني، ويُبرز أن النظرة الحقيقية تتجاوز السطح لتكشف كنوز الأسرار الكامنة، وهو ما يُعنى به الإسلام ويُركّز عليه الصوفية لتحقيق الكمال الروحي والعملي.

عمق النظرة وجديتها

من منا ينكر أن في الإنسان باطنًا هو القلب والأفئدة وظاهرًا هو الحواس؟ ومن يستطيع أن ينكر أن الإنسان يحوي سرًّا وعلنًا وخفاءً وجهرًا؟ ولا مِرَاء في أن كل فرد له بالنسبة للآخرين ظاهر يرونه وباطن يدق عنهم، وللنفس صوتها الخفي وصوتها المسموع، ولها دوافعها النفسية الداخلية وأفعالها الأخلاقية الخارجية. والعالم قسمان:

١- عالم الغيب أو الملكوت.

 ٢- وعالم الملك أو الشهادة.

والعلل والأسرار والنواميس خبيئة وراء الظواهر تحتاج إلى من يُنقِّب عنها، ومهما بالغ الحِسِّيون في الاعتماد على المادة والتجربة إلا أنهم يفسحون أيضًا للحدس الباطني مجالًا للعبور من الملاحظات الخارجية إلى الفرض التفسيري الذي هو تصور باطني يكشف عن خفايا التجربة، أو الربط بين الظواهر، فالنظرة الصحيحة هي التي تتجاوز سطح الماء أو عباب الظاهر للتعرف على الكنوز وخفايا الباطن، وهي التي توقن أن للدين جانبًا باطنيًّا تصديقيًّا وآخر عمليًّا ظاهريًّا، وأن الإسلام اهتم بتربية الجوارح والأخلاق الظاهرة والأعمال الشرعية التي يقوم بها البدن؛ كما أعطى قدرًا كبيرًا للقلب وللضمير والإرادة، وفاضت الآيات والأحاديث بالأعمال المنوطة بالقلب من رضا، وصبر، وخوف، ورجاء، وشكر، وبالأعمال المتعلقة بالظاهر من عبادات وجهاد، وقد تحدث القرآن عن السرّ بمعنى ما استكن في القلب، وعن العلن بمعنى ما بدا على الجوارح فقال سبحانه: {وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ} [النحل: ١٩] وقال: {يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ والأرض وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ } [التغابن: ٤]. 

وأحيانًا يستخدم السر بمعنى الإخفاء عن الأعين والعلن بمعنى الظهور أمام رؤية الناس، قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ} [البقرة: ٢٧٤] وبهذا المعنى نفسه جاءت اللفظة في الآية (٢٢ الرعد، ٧٥ النحل) كما ذكرت في مقابل الإبداء (٧٧ يوسف) وتكررت ألفاظ النجوى والإخفاء والكن في مقابل الإعلان والإظهار، مما لا يخفي مع كل هذا على ذي لب أن الإسرار وما في معناه هو عمل نفسي ونشاط داخلي، وليس المراد به صمت النفس صمتًا لا عقد فيه أو صمتًا يرادف الخلو وإلا ما تعلق به العلم بالإثابة أو العقاب، وتبعًا لهذا فقد أجمع المفسرون لمثل هذه الآيات على أن للإنسان أعمالًا مستكنة في الصدور كالنيات والسرائر يعلمها الحق بكلياتها وجزئياتها لا يخفى عليه منها شيء، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الأعمال والطاعات والأخلاق [طبقات السلمي: ٥٤]؛ ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلـم مبينًا معاملة الحق للعبد: "السر بالسر والعلانية بالعلانية" أحيانًا.

ومال الصحابة والتابعون وتابعوهم إلى استخدام ألفاظ السر والعلن، وقد يستعملون لفظة الجوانية والبرانية؛ نجد ذلك في أقوال سلمان الفارسي، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، وفي أقوال الربيع بن خثيم، وسعيد بن المسيب، ومطرف بن عبد الله، ومسلم بن يسار، وأبي حازم، فالتأمل السريع والنظر الخاطف يدركان بجلاء شمول القرآن والحديث وتعرض السلف لكل الجوانب الإنسانية الداخلية والخارجية، ولعمري فهي النظرة التي تتفق مع طبائع الإنسان والأشياء.

الصبغة العامة لنظرة الصوفية

اقتصر الصحابة والتابعون وتابعوهم من الزُّهاد على لفت النظر إلى الظاهر والباطن، وتوجيه العناية إلى إصلاحهما بالعلم والعمل، وكذا جمهرة الصوفية فإنهم كانوا أوفياء للنصوص لفظًا وعملًا وغاية، وقد تشربوا أقوال السابقين، وانتفعوا بنصائحهم في هذا المجال الذي نحن بصدد الحديث عنه حتى نبتت في قلوبهم جذور المعرفة، وسمت سيقانها، وكان لهم مع الأصول التي ورثوها من الكتاب والسنة، ومع مواعظ السلف أعمال عقلية تجلت في دقة التحليل والتقسيم والتصنيف، وفي قوة الربط بين كل قسم وسببه أو منبعه؛ وفي الشروح والتفاسير التي تعلقت بما حللوه، وفي كثرة الاستنباطات القلبية التي تشبه القوة العقلية التي يتوصل إليها رجال الظاهر بأدواتهم الحسية، ومداركهم العقلية؛ مع العلم بأن هذه التحاليل أو الاستنباطات لم تكن خالية من النفحة العاطفية والذوقية القائمة على الرقة والتصفية، والمفعمة بالشعور الروحي العميق الوارد عن طريق المن والجود والعطاء الرباني، ونستطيع أن نتصور خط الصوفية من البداية، وهو الخط الذي يبدأ من الشرع ويتجه إلى وجهتين:

وجهة داخلية تعمد إلى إصلاح القلب.

وطرف خارجي يبدو من تربية الجوارح وإعدادها عن طريق العبادات، والمعاملات، والأخلاق الإسلامية.

ومهمة الصوفي هي أن يجمع الطرفين معًا في اتجاه صادق مخلص نحو الله، وفي تجرد كامل عمّا سواه، حال كونه صاعدًا من داخله وخارجه إلى ما فوقه، مستعطفًا راجيًا إشراقات ربه وإلهاماته، وعطاياه، وهو خط تمتزج فيه الأوامر الشرعية المتعلقة بالظاهر والباطن معًا مع عواطف الإنسان ومشاعره، وهاتان السمتان تلازمان الصوفي عندما يعرض لكل جانب من جوانب المشكلة سواء منها ما يتصل بالمعنى، أو بالربط بين الشريعة والحقيقة، أو بالفهوم الخاصة بالعبادات، أو بالتأويل للنصوص.

الظاهر والباطن

الشيء الظاهر في اللغة: هو الذي بان ووضح، والباطن: هو داخل كل شيء، فبطن الوادي داخله، وبطن الأمر عرف ما في جوانيته، وهما من أسماء الأضداد لغة فقط [طبقات السلمي:٥٤]، وعندما يعرفهما الصوفية يجعلونهما موسومين بسمات علمية عرفانية، ويفصلون بينهما من حيث طبيعة الإدراك وأداته، والعلوم المحصلة لكل منهما.

فيرى الخراز أن للأولياء لسانين؛ لسانًا في الباطن يُعَرِّفهم صنع الصانع في المصنوع، ولسانًا في الظاهر يعلمهم علم المخلوقين، فلسان الظاهر يكلم أجسامهم، ولسان الباطن يناجي أرواحهم [أبو نصر الطوسي: اللمع: ٤٣، ٤٤ والفتح الرباني للجيلاني :٢٦ والغنية له: ح ١٢٨:١]، والأول متجه إلى الله ساكن معه، متطلع إليه لا يفشي سِرًّا، ولا ينظر إلى غيره من أهل أو مال أو ولد او خلق، وينال به العارف علوم الدراية، ويرتبط بالإيمان ارتباطًا كبيرًا، ويثمر لنا علوم اليقين، والإخلاص، والمعرفة، والتوكل، والمحبة، والإنابة، والتقوى إلى آخر ما يتعلق بالقلب من مقام أو حال، ولا يخفى أن عين القلب هي المدركة لكل العلوم الباطنية بنور ربها، كما ذهب إلى ذلك الطوسي والجيلاني.

أما اللسان الثاني فيكلم الجسد بالحس والعقل، أو يسوس الظاهر بمكاسب الإدراك الحسي والعقلي، وهو واقف مع الشرع والأسباب، ويتحرك بالاجتهاد، ويعمل في ميدان علم الرواية أو الحديث والأحكام الظاهرة، وينظر إلى مصالح البدن والأولاد ومن تلزمه نفقته في الدنيا [تفسير القرطبي: ٢٥١٠،٥١٥٦،٥١٥٥ وابن كثير: ٢٦١،٢١٨ح٣ ٦،٣١٦ ٥ ٥٧،٣ ٣].

 ولكل من اللسانين أيضًا علم وفقه، وبيان وفهم وحقيقة وحَدّ، ولا يخلو كل منهما من الجانب العملي والعلمي، كما لا يخفى ما في هذا الأسلوب الصوفي من تقسيم وتفريع مشبعين بالعاطفة والذوق، وإلى اللسانين معًا جاء قوله سبحانه وتعالى: {وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ} [لقمان: ٢٠]، والنعم الظاهرة منها ما هو مادي كالرزق والأولاد والصحة وكمال الخلق، ومنها ما ليس ماديًّا كالتوفيق إلى الطاعات، والقيام بفرائض الإسلام ونسكه، والباطنة كالهدايا القلبية بالشرح والقذف وإنارة البصيرة، وبث اليقين، والعلم بالله، والتعرف على حقائق وأسرار الأشياء [الجيلاني الفتح الرباني: ۳۱، ۳۲، ٤٩، ۱۰۸ وطاش كبري زاده مفتاح السعادة ٣(٧) العلم ح :١٢٨ – ١٣٤].

وكما بين الله النعم الظاهرة والباطنة فقد حذّر من الآثام بنوعيها فقال: {وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ} [الأنعام: ١٥١]، وكذلك جاء النهي عنهما في الآية (٣٣) من سورة الأعراف، والآية (١٢٠) من سورة الأنعام، والسيئات الظاهرة كالسرقة والزنا والربا وغيرها، والباطنة كالحقد والبغض والشحناء والكبر والضجر وغيرها من آفات القلب، وهما المرادان في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا أحدَ أغيرُ من اللهِ، من أجل ذلك حرّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن»، ومع إشارة القرآن والسنة الواضحة إلى الظاهر والباطن بنوعيهما، واعتناق الصوفية واهتمامهم بهما إلا أنه يراعى أن روح الدين تحض على العمل ظاهره وباطنه؛ لكن الصوفية يعتنون بالجانب العرفاني، ومع كل فهما يلتقيان معًا عندما ندرك يقينًا أن العمل بالشرع، والتمسك بالدين هما طريق الصوفي للوصول إلى معارفه الذوقية؛ كما التقيا عند أبي هريرة في قوله "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته، أما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم".

تقديم الباطن وإعلاء شأنه

كثيرًا ما يصادف الباحث حين ينظر في العلاقة بين الباطن والظاهر مشكلة تبدو عويصة وغامضة، وتطفو على السطح حينما نسأل الصوفية أيهما مقدم رتبة وأصالة: الباطن أم الظاهر؟

وترد أقوالهم حينًا تقودنا إلى الاعتقاد بأن الباطن مقدم، وحينًا آخر تدل على تلازمهما، وعلى أن علوم الباطن لا تنال إلا بالسلوك على طريق الظاهر، وبشيء من التدقيق يَنْحَلُّ الإشكال، خصوصًا إذا راعينا ضرورة أن الصوفية يفرقون بين الباطن كموضع للتصديق والقصد والإخلاص، وبينه كمحل للواردات والمعارف الربانية والأسرار الإلهية والباطن بهذا المعنى لا بد أن يكون نابعًا من السلوك الظاهري وناشئًا من السير على الشريعة.

أما الباطن بمعنى العقد الإيماني، وحسن التوجه، والخلو من الرياء والنفاق؛ فهو بلا شك سابق على كل جانب من جوانب الظاهر، لأن أول حال المسلم الإيمان بالله، وهو لا يعتد به حقيقة إلا بالتصديق القلبي، وأيضًا فالقلب مجمع الخزائن، ومحل النظر الإلهي، ومعقد الإخلاص، ومنشأ الأعمال والراعي للبدن فلا بد من الاهتمام به وتنظيفه وحتى تصح الأعمال ويتطهر البدن، وإلا فسد الباطن كله، واعتلت الأعمال من أساسها: «ألا أَنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ»، ومن ناحية أخرى فإن الإنسان ينسب إلى القلب والنفس بلا واسطة ولا ينسب إلى الجوارح إلا بواسطة، فإذا نبه الصوفية بعد هذا على تعلق الأشياء بالقلوب، وعلى ضرورة أن يبتدئ السالك وكل مسلم بعمارة باطنه ثم بعمارة ظاهره وبينوا أن طهارته أصل كل الطهارات فقد نظروا إلى القلب بهذا الاعتبار التصديقي مثلما أكد الجيلاني، وطاش كبري زاده، وشارح عين العلم، ولهذه الأسباب جاء السر مقدمًا في معظم الآيات القرآنية على العلانية.

ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهمَّ اجعلْ سَريرتي خيرًا مِنْ علانيتي واجعلْ علانيَتي صالحةً» [رواه أبو نعيم بسند غريب]، وقال: «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته»، وخطب عثمان رضي الله عنه فقال: أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر فإني سمعت رسول الله يقول: «والذي نَفْسِيِ بِيَدِهِ، مَاَ عَمِلَ أَحَدٌ قَطْ سِرًا إلا أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَ عَلَاَنِيَة، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشرًا» وقال الإمام علي صلى الله عليه وسلم: "من كان ظاهره أرجح من باطنه خفت موازينه يوم القيامة، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقلت موازينه يوم القيامة" [عماد الدين الأموي، علم القلوب هامش قوت القلوب: ٢٨٣]، والباطن من هذه الناحية مغاير للحقيقة وإن كان محلًّا لها.

الخلاصة

الإنسان كيان متكامل يجمع بين ظاهر ملموس وباطن خفي، وإن الدين الإسلامي، لا سيما الفكر الصوفي، يُولي عناية فائقة للجانبين، فالصوفية يرون أن الشريعة والحقيقة والطريقة متلازمة، وأن إصلاح الباطن (القلب) أساس لسلامة الظاهر (الأفعال)، مع التزامهم التام بالشريعة كركيزة للوصول إلى المعارف الروحية والكمال الإنساني.

موضوعات ذات صلة

  إن من أهم ما يتحامل به المغرضون على السادة الصوفيّة اتهامهم بأنهم يقولون بالحلول والاتحاد.

التَّحلِّي عند الصوفية ليس مجرد تزيُّن خارجي بالأقوال والأعمال، بل مسار تدريبي وتعبدي يقود إلى التخلق بالأخلاق الإلهية. 

التَّجلِّي هو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، بحسب الغزالي.

موضوعات مختارة