يمثل الشعر الصوفي ذروة الإبداع الروحي في التراث العربي، فهو ليس فنًّا لغويًا فحسب، بل هو فيض من المشاعر الإلهية وصرخة قلب شائق نحو محبوبه الأسمى، يجسّد أعمق تجليات الحب الإلهي والزهد والصفاء.
يمثل الشعر الصوفي ذروة الإبداع الروحي في التراث العربي، فهو ليس فنًّا لغويًا فحسب، بل هو فيض من المشاعر الإلهية وصرخة قلب شائق نحو محبوبه الأسمى، يجسّد أعمق تجليات الحب الإلهي والزهد والصفاء.
تمتلك الأمة العربية حسًا إبداعيًا يشهد به القاصي والداني ،وقدرةً كبيرة على امتلاك ناصية اللغة ،تشكلها كما ترغب ،شعرًا ونثرًا ،والمتابع للشعر العربي على امتداد خارطة إبداعه العمرية ،يتأكد له مكانة شعرنا الراسخة في الوجدان الإنساني عبر أزمنة بعيدة تمتد إلي قبيل الإسلام ،وهو ينطق بالحكمة والبلاغة وفصل الخطاب ، حتى قيل :الشعر فنُّ العربية الأول ،وديوان العرب .ولا عجب في ذلك ولغة هذا الإبداع تقوم على الجمال الفني ،والصياغة الجمالية ،والتصوير الفني الجمالي ،والإيقاع الذي يأخذ بالألباب ،حتّى قلت يومًا :إنّ الأدبَ يقوم على ثنائية :( الإبداع والإمتاع ) .وإذا أرادت الأمة اليوم إبداعًا خالدًا تسير به الركبان حال أجدادنا القدماء ؛فلتجعل أدبها يحمل رسالةً أو قضية إنسانية ،وهنا يكمن سرّ خلود الإبداع العربي ،لا سيّما الشعر منه ،بينما السرُّ الأسمى حينما يكون الشعر فيضًا من الرحمن ،خاصة وأنه عِلْمٌ يُعلّمُه الله لمن يشاء ،ويستحيل على الأنبياء ،كما جاء في قوله تعالى :{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ... } يس : (٦٩) ،وما أروع ما قيل في هذا الفيض الرباني ،مِمّا أبدعه شاعر الأزهر الدكتور صابر عبدالدايم من قصيدته " الشعر والشاعر " ،مؤكدًا أنّ هذا هو الإبداع الحق الذي يسمو بالروح نحو عوالم الحبّ الإلهي ،ويرقى بالذائقة العربية المسلمة إلى مدارج الطُهر، والرقيّ الإيماني بالواحد الأحد ،والفناء في محبّته .. ،،
الشِّعرُ فيضٌ مِنَ الرّحمنِ مجراهُ ** لوْ كَانَ وَحْيًا لَقُلْتُ : اللهُ أوحَاهُ
لكِنّهُ سَلْسَـلٌ فاضـتْ مشاعِــرُنَا ** بِهِ ،وكَـنْـزٌ لَـنَـا الرّحمنُ أهْــدَاهُ
ولَمْحةٌ مِنْ سَنَا الرَّحمنِ مُشْرِقَةٌ ** وهَـاتِفٌ صادقٌ في القلبِ سُكْـناهُ
ما حلَّ في القلبِ إلَّا ذابَ جامِدُهُ ** وصَـارَ رُوحًا وبالآفـاقِ مَـسْـراهُ .
وشعراء العربية اليوم لا نُحصيهم عددًا ،مُتفاوتُون في المشارب والتجارب ، مِلءُ السمعِ والبصر في عوالم القصيد العربي ،لكنّ شعراء التصوف ؛أصحاب الشعر الصوفي الذي يعبّر عن وجْدٍ وحنين ،وقُربٍ من الذات الإلهية ،وكل ما يقربهم من عوالم العشق الإلهي ،نراهم وقد ذابوا في الهوى الروحي بعد أن انقطعوا له كليّةً ،فمبدع هذا الشعر على حدّ تعبير الإمام الجُنَيْد :" إذا تكلّم فبالله ،وإذا نطقَ فَعَنِ الله ،وإذا تحرّكَ فَبِأَمْرِ الله ،وإذا سكَن فمع الله ،فهو بالله وعن الله ،وبأمر الله ،ومع الله " ،على نحو ما رأينا من حال سلطان العاشقين ابن الفارض ،الذي يقول :
كُلُّ مَنْ في حِمَاكَ يَهْواكَ لَكِنْ ** أنَا وَحدِي بِكُلِّ مَنْ في حِمَاكَا
وشهيدةُ الحبّ الإلهي التي مازالت مَواجيدُها في تعظيم الله جلّ جلاله ،عُرىً إيمانية تُعانقُ أرواحنا في عوالم الحب الإلهي الحق ،الذي نراه في قصيدتها (يا سروري ) التي تقول فيها :
يا سُرورِي ومُنْيَتِي وعِمَادي ** وأَنِـيـسي وعُــدَّتـي ومُـــرَادِي
أنتَ رُوحُ الفُؤادِ ،أنتَ رَجَائِي ** أنتَ لي مُؤنسي وشوقُكَ زادِي
كم بدَتْ مِنَّةٌ ،وكمْ لـكَ عـندِي ** مـن عَـطَــاءٍ ونـعْـمةٍ وأيَــادِي
حُـبُّـكَ الآنَ بُـغيَــتي ونَعيـمي ** وجَـلَاءٌ لـعـينِ قـلـبي الصَّـادِي
ليسَ لي عنكَ ما حييتُ براحٌ ** أنـتَ مـنِّي مُـمكَّـنٌ في الـفـؤادِ
إن تـكن راضـيًا عـليَّ فـإنـي ** يا مُـنى الـقـلبِ قد بدا إسْعَادي
والحبّ الإلهي لم يفُزْ به إلّا مَنْ طهر قلبه من الإِحْنِ والضِّغْنِ ،وزُخرفِ الدنيا وعَرَضها ،وصاحب هذا الحبّ ،إنما هو الشاعر الصوفي الذي وصف هيئته الشاعر الدكتور صابر عبدالدايم في قوله :
الحُبُّ قِبْلَتُهُ ،والطُّهْرُ مَعْبَدُهُ ** والخيرُ رَائدُهُ ،لِلْحقِّ مَسْعَاهُ
ومن قبل ،وَعْيُ ذلكم الشاعرِ الصُّوفِيِّ وعمله بقول النبي (صلّى الله عليه وسلّم ) :"...ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً :إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ ،وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ،ألَا وهي القَلْبُ " ،وهو ما فطن إليه العربُ في جاهليتهم كقول زهير بن أبي سُلمى حكيم شعراء العربية :
لِسانُ الفَتَى نِصفٌ ونِصْفٌ فُؤَادُهُ ** فلمْ يبقَ إلّا صُورةُ اللّحمِ والدّمِ
وهذا ما تربّى عليه صحابة رسول الله (رضوان الله عليهم أجمعين ) ،وحقّقوه في حياتهم قولًا وعملًا ،يقول سيدنا عثمان بن عفان (رضي الله عنه ) :" لَو طَهُرَتْ قُلُوبُنَا لَمَا شَبِعَتْ مِنْ كلامِ الله " ،وكلامُ الله آيةُ حُبّه سبحانه . قال شيخ العارفين الإمام سهلُ بنُ عبدالله التُسْتُرِيّ :"علامةُ حُبّ الله حُبُّ القرآن ،وعلامةُ حُبّ القرآن حُبُّ النّبيِّ (صلّى الله عليه وسلّم ) ،وعلامةُ حُبّ النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم ) حُبّ السُّنّةِ ، وعلامةُ حُبّ الله ،وحُبِّ القرآن ،وحُبِّ النبيِّ (صلّى الله عليه وسلّم ) ،وحُبِّ السُنّةِ ؛حُبِّ الآخرةِ ،وعلامةُ حُبِّ الآخرةِ ،أنْ يُحبّ الإنسانُ نفسَهُ ،وعلامةُ حُبِّ نفسِهِ ،أنْ يُبغِضَ الدنيا ،ألّا يأْخُذَ منها إلّا الزادَ والبُلْغَةَ - ما يكفي لِسَدّ الحاجة ،أو هي الكفاية ،وما يتبلّغ من العيش - إلى الآخرة ".
وهو ما نراه في فائية سلطان العاشقين ابن الفارض التي يقول فيها :
قـلـبي يُـحَـدّثـني بـأَنّــكَ مُـتْـلِـفِي ** روحي فِداكَ عرَفْتَ أمَ لم تَعْرِفِ
لم أَقْضِ حَقّ هَواكَ إن كُنتُ الذي ** لم أقضِ فيِه أسىً ومِثليَ مَـنْ يَفي
ما لي سِوَى روحي وباذِلُ نـفـسِهِ ** في حُـبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف
فلَئِنْ رَضِـيـتَ بها فـقـد أسعَفْـتَنِي ** يا خَيـبَةَ المَـسْعَى إذا لـم تُـسْعِـفِ .
أرأيت خطاب سلطان العاشقين للذات الإلهية في عليائها ،والذي يُقر فيه أنّ محبّة الله قد استقرّت في وجدانه ،واشتعل هذا الحب في ضلوعه وجوانحه نارًا ، نالت من عافيته حتى سرى التلف في أوصاله ،هنا لم يجد سوى روحه يقدمها بين يدي الله حبًا وعشقًا لذاته عزّ وجلّ ،دون أن ينتظر جزاء هذا الحبّ الذي يراه غير كافٍ في حق جناب الله سبحانه وتعالى ،ما جعله يتشكك في قبول روحه آية حُبّه وعشقه الإلهي ،فإن رضي الحبيب الجليل سبحانه بروحه آية حبّه فذلك الرضى مُسعِفٌ له ،وسعدٌ إلهي ظفر به ،وإلّا فخيبة المسعى في عدم قبولها ..
وهذه القصيدة التي تُعدّ من عيون الشعر الصوفي في تاريخ الأدب العربي قديمه وحديثه – حافلة بالمعاني السامية الجليلة التي نقلتها تلك الصور الاستعارية الجمالية التي أظهرت القلب يتحدث مع شاعرنا ،ونفسه مالٌ أو عطاءٌ يُمنح ،والسقم والمرض إنسان له ثوبٌ يُمنح ويُرتدى ،وغير ذلك من وجد ومحبّة فعلت الكثير بالشاعر ،من سُهدٍ وسقم ،وتلفٍ ،وجسدٍ أضناه الوجد ،وقلبٍ تهالك في حبّه وعشقه ،فحرمه ذلك كله من طيب المنام ،فجاءت هذه المناجاة مع حبيبه سبحانه وتعالى أملًا في الوصل الإلهي الذي يستشرفه دائمًا جماعة شعراء التصوف :
يا مانِعي طيبَ المَنامِ ومانِحي ** ثـوبَ السّقامِ بِهِ ووَجْدِي المُـتْلِـفِ
عَطفاً على رَمقي وما أبقَيتَ لي ** منْ جسميَ المُضْنى وقلبي المُدَنفِ
فالـوَجْدُ بـاقٍ والوِصَالُ مُماطِلي ** والصّـبْرُ فَــانٍ واللّـقــاءُ مُـسَــوّفِـي
يُناجي ربّه ؛حبيبه ،طمعًا في عطفه على ما تبقّى من روحه ،وجسده الهزيل العليل ،الذي شفّه الوجد ،متبتلًا بشوقه الذي لم يفتر بعد إلى رضاه سبحانه ،على الرغم من مماطلة الوصل لغايته الروحية من ظفر وفوز بالحبّ الإلهي الذي يهزّ جوانحه ،وعلى الرغم من تراجع صبره يومًا بعد يوم ،حتى وصل حدّ الفناء وهو الأمر المعنوي الذي لا يُرى بالعين لكنه جُسّد في شخص إنسان يَفْنَى ليؤكد مدى اتّساع هُوّة مأساة الشاعر ولوعته في هذا الهيام الذي لم يرحمه اللقاء هو الآخر في تسويفه ،وتأجيله تحقيق حلم الوصل الإلهي .
وهذا دأب الشعراء المتصوفين في مناجاتهم للذات الإلهية ،والوقوف بباب الله ، أملًا في عفو الله بعد إقرارهم بالتقصير في حق الله ،على نحو ما رأينا في مناجاة
وتضرع أبي العتاهية ؛شاعر الزهد والحكمة والتصوفِ ،الذي يقول :
إِلَـهي لا تُــعَــذِّبـنـي فَـإِنّـي ** مُـقِـرٌّ بِــالَّــذي قَـد كــانَ مِــنّي
فَمـا لي حـيـلَــةٌ إِلّا رَجائي ** لِعَفوِكَ إِن عَفَوتَ وَحُسن ظَنّي
فَكَم مِن زِلَّـةٍ لي في البَـرايا ** وَأَنــتَ عَـلَيَّ ذو فَـضـلٍ وَمَــنِّ
إِذا فَـكَّــرتُ في نَدَمي عَلَيها ** عَضَضتُ أَنامِلي وَقَرَعتُ سِنّي
يَظُـنُّ الناسُ بي خَيـراً وَإِنّي ** لَـشَرُّ الخَـلْـقِ إِن لَم تَعفُ عَنّي .
وأبو العتاهية باعترافه الشعري السابق بين يدي ربه ،إنّما يريد تزكية نفسه، وتحليًا بالطهر والصفاء الروحي ،الذي سرى في عضُدِ الأمة آنذاك في العصر العباسي ،فرأينا الشاعر الخُرُسَانيَّ المسلم المتصوف جلال الدين الرومي ،يتبتّل بطُهرِ القلب حتّى اجتهدَ ووصلَ ،فيقول من مشهور قوله :" كُلّمَا طَهُرَ القلبُ رقَّ ، فإذَا رَقَّ راقَ ،وإذا رَاقَ ذاقَ ،وإذا ذاقَ فاقَ ،وإذا فاقَ اشتاق ،وإذا اشتاقَ اجْتهَدَ ، وإذَا اجْتهدَ وَصَلَ " .
نرى هذا الوصل حقيقة في شخص سيّدة الزهد والتصوّف التي أفنت حياتها في حُبّ الله؛ شهيدةُ الحُبّ الإلهي السيدة رابعة العدوية، والتي انقطعت لله سبحانه وحده، بعد أن انقطعت عن هوى النفس، وانفصلت عن متاع الدنيا كله؛ زُهدًا فيه، فلم يَعُدْ يَمس قلبها، ولا تشعرُ به، ولا تجد لذّةً ولا حلاوةً إلّا في حبّها الإلهي الذي انقطعت له بعد أنْ سكنها وسكنته، وأسْكَنَتْنا فيه بمثل هذا الوجد الصوفي (في حبِّ الله)، الذي تقول فيه من قصيدة، (عرفت الهوى مذ عرفت هواك):
أُحِـبُّك حُبـيـنِ حُـبُّ الـهَــوى ** وحــبٌّ لأنـــك أهـــلٌ لـذاكَـــا
فأمّا الذي هـو حُــبُّ الـهَـوى ** فَشُغلي بِذكْرِكَ عمَّن سِــواكَا
وأمّــا الــذي أنــتَ أهــلٌ لَــهٌ ** فَكَشْفُكَ لي الْحُجْبَ حتَّى أرَاكَا
فَلا الحَمدُ في ذا، ولاَ ذَاكَ لِي ** ولكن لكَ الحَمدُ في ذَا وذَاكَا .
ومن يُنعمُ النظرَ ،ويتأمّل ويُعايش هذه المواجيد الشعرية يستشعر قلبًا زاهدًا طاهرًا رقيقًا شفيفًا ،قد راقَ ورقّ ،ثمّ ذاقَ ،ثم فاق ،ثم اشتاق ،ثم اجتهد ،وها هو ذا يصل .. يصلُ إلى غايته الروحية ،كما نرى في نفثات هذا الوصول ،والتي تُعرِبُ عن نجوى السيدة رابعة العدوية للخالق العظيم سبحانه ،وتفانيها في ذلكم الحبّ الإلهي الذي هو أساسُ الإيمان ،وحجرُ الزاوية التي يُقيمُ عليها المسلمُ بُنيانه الإيماني ،بل هو الطريق الموصلة إلى محبّة الله ،تلك المحبّة التي جعلتها إمامةً للعاشقين حتى اليوم من دُعائها الذي لزمته في لياليها التي أحيتها بهذا الوجد الإيماني لتحقيق الأنس بالله سبحانه جلّ جلاله :
" إلهي .. أنارت النجومُ ،ونامت العيونُ ،وغلّقَتْ المُلُوكُ أبوابها ،وخلا كُلّ حبيب بحبيبه ،وهذا مقامي بين يديك "،ثمّ تُقبل على صلاتها ،فإذا كان وقت السَّحَر ،وطلع الفجرُ قالت :" إلهي .. هذا الليلُ قد أدبرَ ،وهذا النهارُ قد أسفر ،فليت شعري!، أَقَبِلْتَ مِنّي ليلتي فأهنأ ،أم ردَدْتَها عليَّ فأُعَزّى ؟فَوَعِزَّتك هذا دأبي ما أحْيَيْتَنِي وأعَنْتَنِي ،وعِزّتُكَ لو طَردْتَنِي عنْ بابكَ ما برحتُ عنه لِمَا وقع في قلبي من مَحبّتك ". على هذا الوجد عاشت رابعة العدوية ؛المرأةُ التي أفنت حياتها في حبّ الله قولًا وعملًا ، ظاهرًا وباطنًا ،حتّى صار خفاؤها مثل علانِيّتها ،يعرف الناظر والسائل ،والغريب والقريب ،ماذا تريد رابعة ،وإلامَ تسير ،وعلام تهتدي وتتّكئُ ،وقد سألها الزاهد الأشهر سفيان الثوريُّ يومًا :
" ما أقربُ ما تقرّبَ به العبدُ إلى الله عزّ وجلّ ؟ ،فبكت رابعة وقالت :مِثلي يُسألُ عن هذا !! ،أقربُ ما تقرّبَ العبدُ به إلى الله تعالى ؛أن يعلمَ أنّه لا يُحبُّ من الدنيا والآخرة غيره " سبحانه وتعالى.هكذا كان شعراء التصوف ،عاشوا على هذا وماتوا عليه ،وصدق الله العظيم :{ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ } البقرة : من الآية (١٦٥) .
مع الإيمان بأنّ محبّة الله يصلُ إلى أنوارها وتجلياتها بمحبّة رسوله (صلّى الله عليه وسلّم ) ،باتّباع هديه وسُنّته ،قال الله تعالى :{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } آل عمران : من الآية (٣١) ، وقد سيطرت شخصية النبي (صلّى الله عليه وسلّم ) على مشاعر المتصوفين ،حيث تجسّدت هذه المشاعر في الاستنجاد برسول الله والتوسل به ،ونكتفي بنموذج للتدليل عل أن التوسّل كان من أهم مظاهر التصوف المعتدل مِمّا نتوقف عنده في مقال مستقل لضيق المقام ، يقول إمام المادحين ؛الإمام البوصيري من بردته المسماة (الكواكب الدرية في مدح خير البرية ) :
يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَالَي مَنْ أَلُوذُ بِهِ ** سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمِمِ
وَلَنْ يَضِيقَ رَسُولَ اللهِ جَاهُكَ بيِ ** إِذَا الكَرِيمُ تَجَلَّى بِاسْمِ مُنْتَقِمِ
فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا ** وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوْحِ وَالقَلَمِ .
ومن مواجيد حبّ رابعة العدوية الروحية لله ،والتي قال عنها المستشرق الفرنسي ماسينيون :" إنّ الذي فاض به الأدبُ الصُّوفِي بعد رابعة العدوية – من شعر ونثر في هذين البَابين لَهُوَ نفحةٌ من نفحات السيدة رابعة العدوية إمامةُ العاشقين والمحزونين في الإسلام " ، تقول مُناجيةً ربّنا العظيم :
فَلَيتَكَ تَـحــلو وَالحَـيــاةُ مَـريرَةٌ ** وَلَيتَكَ تَرضَى وَالأَنامُ غِضابُ
وَلَيـتَ الَّـذي بَـيـني وَبَـيـنَـكَ عامِرٌ ** وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَـرابُ
إِذا نِـلـتُ مِـنـكَ الـوُدَّ فَالكُـلُّ هَيـِّنٌ ** وَكُلُّ الَّذي فَـوقَ التُـرابِ تُـرابِ
فَيا لَيتَ شُربِي مِن وِدادِكَ صَافِياً ** وَشُربِيَ مِن ماءِ الفُـراتِ سَرابُ .
على هذا جاءت تجارب الشعر الصوفي تسمو بالروح إلى عوالم الفضيلة والطهر والصفاء ،والهيام في محبة الخالق العظيم ،وهي تجارب موغلة في الصدق بوصفها نابعةً من الذات ،إذْ تمتطي دائمًا القلب في طريق الوصول والمعراج بأصحابها إلى مدارك الرقي والكمال ،حيث تزكية النفس ،والسمو بالروح الظامئة للحقيقة ،وأشواقها المثخنة بحرارة الوجد والأمنيات نحو كمال العشق الإلهي الذي يرجوه الشاعر،والذي تُظهر لواعج الصوفي تُجاه كل ما يقربه من المحبوب الأعظم ؛ربنا جلّ جلاله ،بكل شوق جارف ،ومحبة صادقة حتى لو كانت أمكنة تمثّلها ، وقلبه تعلّق بها لأنّ نور الحقّ أضاء جوانبها ،وغمرها باليقين ،كما رأينا ابن الفارض في قصيدته التي جاءت في أبياتها الخمسين ،والتي تفيض بالصدق العاطفي تُجاه أهل مكة التي اتّخذها رمزًا لأشواقه الإيمانية نحو الكمال الذي يرجوه ،فيقول:
وحياتكم يا أهل مكة وهْي لي ** قسم لقد كَلِفَتْ بكم أحشائي
حُبَّيْكُمُ في النّاسِ أضحى مذهبي ** وهـواكـمُ ديني وعـقـد ولائي .
ويقول من قصيدة أخرى يبثّ فيها حبّه وشوقه الجارف لمكة / البيت الحرام / المقام / ،ذلك أن شوقه هنا لم يعد للشخصية المكية ،ولكن جاء " للأماكن نفسها حيث استحالت نجد ومكة شخوصًا يستجدي حبها لتبادله الحب ،وتساقيه الطهر والجمال " ،يقول فيها :
يا ساكـني نَجـدٍ أما مِـنْ رحـمَةٍ ** لأسيرِ إلْـفٍ لا يُـريدُ سَـراحَــا
هَـلّا بَـعَـثْـتُـمْ لِلـمَشُـوقِ تــحـيّـةً ** في طَيّ صافِيَةِ الرّيَاحِ رَواحَا
يحْيا بها مَن كانَ يحسَب هَجرَكُمْ ** مَـزْحاً ويعتـقِـدُ المـِزَاحَ مِـزاحَا
ويختمها بالقسم بمكة ،والمقام ،ومن أتى البيت الحرام مُلبّيًا :
قَسَمًا بـمكة والـمقـامِ ومـن أتى الـ ** بيتَ الـحـرامَ مُلبّيًا سَيّاحَا
مَا رنّـحَـتْ رِيحُ الصَّبَا شِيحَ الرُّبَى ** إلّا وأَهْـدَتْ مـنكُـمُ أرْوَاحَا .
وغير ذلك من تجارب الصوفيين الذين أثبتوا أنهم بكثير من تجاربهم الروحية يستطيعون نبذ العنف والفُرقة في المجتمع المسلم ،فجُلّ تجاربهم تصدح برسالاتِ هدايةٍ ،وسلامٍ ،ومحبّةٍ ،تحملُ التناغم المجتمعيّ الذي يبعث الأخوة الإنسانية ويُقرّها في الواقع المسلم المعيش ؛صفاءً ،وصدقًا ،وخُلُقًا ،وخضوعًا لله سبحانه وتعالى ،وهو ما جعلني أميل إلى أنّ كلمة ( التصوف ) مأخوذة من الصفاء والتحلّي به ، لأن هؤلاء القوم قد صَفَت نفوسهم من أدران الدنيا ،كما رأينا في تجارب شعرائهم ، حتى قال ذو النون :" الصّوفِيُّ مَنْ إذا نطقَ أبانَ نطقه من الحقائق ،وإذا سكتَ نطقتْ عنه الجوارح " ،وكان الشيخ تقي الدين السبكي يقول :" الصُّوفِيُّ مَنْ لزِمَ الصّدقَ مع الحقّ ،والحقَّ مع الخلق "،وعند القصاب في الرسالة القشيرية ،التصوف
: " أخلاقٌ كريمة ظهرت في زمان كريم مع قوم كِرام " ،وعند معروف الكرخي :" التصوف الأخذ بالحقائق ،واليأس مِمّا في أيدي الحقائق " ..
وقد وأصاب الإمام الجُنيد كبد الحقيقة حين قال : " ...أوْ أنْ تكونَ لله تعالى بلا علاقة " ،وذلك للصُّوفِيِّ الذي تعمّق في الدين وأصوله وفروعه ،وهذا راجع إلى حقيقة الدين وجوهره الذي يُعدّ انقيادًا وخضوعًا لله سبحانه وتعالى في كل شيءٍ ،وتصديقًا وعملًا لكل ما يرتقي بمدارك الإنسان ،ويسمو بمشاعره وأحاسيسه ،" فكلّما ارتقى الإنسان أدرك أنّ الحقيقة هي الله ،وكُلّما زادت عظمة الإنسان أدرك أنّ الله هو الخير المُطلق ،والحقُّ المطلق ،والجمال اللانهائي ،وذلك هدفُ الآداب الرفيعة ،والشعرِ العظيم " ،مِمّا نستشرفه في قصيدة تلبية الحسين بن منصور الحلّاج :(لَبَّيكَ لَبَيكَ يا سِرّي وَنَجوائي)،والتي نختم ببعض أبياتها هذه السطور ،التي يقول فيها :
لَبَّيكَ لَبَيكَ يــا سِـرّي وَنَـجـوائي ** لَبَّيكَ لَبَّيكَ يا قَصدي وَمَعنائي
يا كُلَّ كُلّي وَيا سَمعي وَيا بَصَري ** يا جُملَتي وَتَباعيضي وَأَجزائي
يا مَن بِهِ عَلِقَت روحي فَقَد تَلِـفَت ** وَجداً فَصِرتُ رَهيناً تَحتَ أَهوائي
حُبّي لِـمَـولايَ أَضنـاني وَأَسقَـمَني ** فَكَيفَ أَشكو إِلى مَولايَ مَولائي
ذاكَ العَـليـمُ بِـما لاقَـيـتُ مِن دَنَفٍ ** وَفي مَشيـئَـتِـهِ مَـوتي وَإِحـيــائي
يا غايَةَ السُؤلِ وَالمَأمولِ يا سَكَني ** يا عَيشَ روحِيَ يا ديني وَدُنيائي
إِن كُنتَ بالغَيبِ عَن عَينَيَّ مُحتَجِباً ** فَالقَلبُ يَرعاكَ في الإِبعادِ وَالنائي
وهكذا، يظل الشعر الصوفي إرثًا خالدًا ومدرسة روحية سامية، ترفع الإنسان من عالم المادة إلى فضاءات الروح، وتؤكد أن أعظم إبداع هو ما يصل القلب بالخالق، ليكون الأدب جسرًا نحو الحق والمحبة والجمال المطلق.
الجمال في الإسلام، قيمة دينية وكونية، وتجربة وجدانية، يتجلّى في العقيدة والتشريع.
تميّزت الدراسة الصوفية للخواطر بربطها بين الإدراك والسلوك، فجعلت الخاطر المدار الذي تدور عليه مراحل الفعل النفسية.
يُعد مقام الرجاء من المقامات الروحية الأساسية في التصوف الإسلامي.