وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الزهد: المادة اللغوية لكلمة "زهد" تستعمل أحيانًا مع حرف الجر "في"، وأحيانًا مع حرف الجر "عن"، وأحيانا تستعمل بدونهما، وهي من الأفعال المعدَّاة التي تحتاج إلى مفعول به، فيقال: زهد في الشيء، وزهد عنه، وزهده، والمعنى واحد في كل هذه الاستعمالات، وهو: عدم الرغبة في الشيء، عدم قصده، عدم محبته أو التعلق به، وعدم اختياره مع الإعراض عنه.
يقال: زهده زهدًا إذا نفر منه وأعرض عنه، ورجل زاهد في الدنيا بمعنى غير متعلِّق بها، ويجمع على زهَّاد جمع تكسير وعلى "زاهدون" جمع مذكر سالم.
وفي القرآن الكريم حكاية عن نبي الله يوسف: {وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ} [يوسف:٢٠].
والزهد خلق إسلامي، وحال للصوفية، وهو منهج تربوي تكلم فيه أئمة التصوف الإسلامي.
وعرفوه بتعريفات كثيرة، يقترب بعضها أحيانًا من المعنى اللغوي، ويبتعد أحيانًا أخرى، حسب حال الصوفي قربًا أو بُعدًا من المعنى العام للكلمة.
ولا يكاد يخلو مؤلَّف في التصوف من الحديث عن الزهد.
وعرف بعضهم الزاهد بأنه: الذي لا يفرح بموجود ولا يحزن لمفقود.
وعرفه الجُنيد بأنه: خلو الأيدي من الأملاك، والقلوب من التتبع.
والخرَّاز يعرف الزاهد بأنه: مَن نفى الرغبة في الدنيا عن قلبه شيئًا بعد شيء.
ومن الملاحظ في كتابات الصوفية عن الزهد ضرورة التفرقة بين نوعين من الصوفية:
النوع الأول: يجعل الزهد قرينًا للفقر، بمعنى فراغ اليد من كل متاع الحياة الدنيا وعدم الانشغال بها، والتفرغ لطاعة الله وعبادته، والعزوف كلية عن الحياة وما فيها.
بل إن بعضهم فضَّل مجاورة الموتى في قبورهم؛ ليتخذ سكنًا له، جاعلًا جوار الموتى خيرًا من جوار الأحياء، حيث لا نفاق، ولا رياء، ولا كذب، وإنما يجدون هناك الحقائق عارية عن كل زيف، وظهر هذا اللون من الزهد لأول مرة في البصرة، فقد كان رخاء العيش والرفاهية الزائدة سببًا في ظهور ألوان المجون والخروج عن سواء الصراط، مما جعل إبراهيم بن أدهم يخاطبهم بقوله: "عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، وقرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، وادعيتم حبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعملوا بمحبته، وادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها، وقلتم نخاف من النار وراهنتم أنفسكم بها".
وشيوع هذا الجو الذي عبر عنه إبراهيم بن أدهم أدى ببعض الزهاد أن يبالغوا في سلوكهم كرد فعل طبيعي لظاهرة المجون والرفاهية، واستيلاء مظاهر الحياة على الناس، فكان عامر بن عبد الله بن قيس يقول لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء، ثم ينادي: يا رب إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي، ثم حاول أن يعتزل النساء، وكان يدعو الله أن ينزع من قلبه شهوة النساء.
وسيطرت ظاهرة الحزن والخوف على كثير من زهاد القرن الثاني، وكان أول من بنى لنفسه "خانقاه" اعتزل فيها الناس، وتفرغ عبد الواحد بن زيد (ت: ١٧٧هـ) وكان واعظًا مؤثرًا يأخذ بمنهج الترهيب والتخويف من النار، حتى إن سفيان الثوري كان يصفه بأنه: نذير القوم، وهذا اللون من الزهد يسمى زهدًا سلبيًّا يبعد عن روح الإسلام الذي يدعو إلى العمل والمشاركة الاجتماعية؛ ولذلك فإن المؤرخين للتصوف يجعلون البدايات التاريخية للغلو في الزهد ترتبط بهذه الظاهرة في البصرة، ومنها انتقل إلى الأمصار الإسلامية الأخرى.
أما النوع الثاني من الزهد: فيسمى بالزهد الإيجابي الذي يمثل روح الإسلام، والذي دعا إليه القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.
وهذا النوع من الزهد لا يرتبط بمظاهر الفقر، ولا بلبس الثياب المرقعة؛ لأن الزهد من عمل القلوب وليس من عمل الجوارح، ولذلك نجد تعريف الزهد هنا يختلف عن تعريف الزهد هناك.
فقد عرَّف أئمة التصوف هذا النوع من الزهد بأنه: ترك ما لا ينفع في الآخرة، ويقترب منه الورع. فجعلوا الزهد لا يتعلق إلا بالمباح فقط، بل نبَّهوا إلى أن الأمور المباحة قد تأخذ حكم السُّنة أو الواجب الشرعي أحيانًا، فلا يجوز الزهد فيها، بل يحرم، وعلى ذلك فلا يجوز الزهد في الطعام والشراب واللباس النظيف، بل يجعلون ذلك مطلبًا شرعيًّا؛ لقوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ} [البقرة:١٧٢]، ولقوله تعالى: {قلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ} [الأعراف:٣٢].
أما الورع، وهو: ترك ما يضر في الآخرة، فقد ارتبط عند القوم بما نصَّ الشرع على كراهته أو تحريمه، ولذلك فإن ترك ما يضر في الآخرة قد نبه إليه الشرع وحكم عليه بأنه إما مكروه وإما حرام، ولذلك يجب أن تتركه النفس مع كراهته، أما المباح فإن المرء يتركه بدون كراهته؛ لأنه لا يجوز أن تكره النفس أو تحب إلا في ضوء أحكام الشرع أمرًا أو نهيًا، ولذلك نبه القوم إلى أن كل أمر يتعلق به الورع فإن الزهد يتعلق به من باب أولى، وليس كل ما يتعلق به الزهد يتعلق به الورع؛ ولذلك قالوا: كل ما ينفع المرء في الآخرة قد أمر به الشرع، فلا تزهد فيه النفس، وكل ما يضر في الآخرة نهى عنه الشرع.
والزهد بهذا المفهوم خلُق إيجابي حثت عليه السنة النبوية وأمر به القرآن الكريم، قال تعالى: {وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَا} [القصص:٧٧]، وقال تعالى: {قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} [النساء:٧٧]، وقال تعالى: {إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ} [التغابن:١٥].
وفي الآثار المروية عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".
فالكتاب والسُّنة يرشدان إلى أن يعمل الإنسان ويجتهد في عمارة الأرض، وله أن يمتلك من متاع الدنيا ما يؤديه إليه عمله، لكن في نفس الوقت يجب ألا يكون المرء عبدًا لما في يده من متاع الدنيا وزخرفها، ولذلك عرف بعضهم الزهد بقوله: أن تملك الدنيا ولا تملكك الدنيا، وقال بعضهم: أن تكون الدنيا ملك يدك ولا تملك الدنيا شيئًا من قلبك.
وهذا الزهد الإيجابي عاشه صحابة رسول ألله - صلى الله عليه وسلم- فملكوا الدنيا بأيديهم ولم تتسرب الدنيا إلى قلوبهم، فأبو بكر جاء يوم الهجرة بماله كله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لينفق منه على فقراء المهاجرين، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا بَكْرٍ وَمَاذَا تَرَكْتَ لِأَوْلَادِكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ» فقال: تركت لهم الله ورسوله.
وعثمان بن عفان - رضي الله عنه - قد جهز جيش العسرة كله من ماله الخاص، وهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يفد على بيته السائل تلو السائل، فيعطيهم طعام أبنائه، فتنزل الآية الكريمة تحمد له هذا المسلك، قال تعالى: {وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا} [الإنسان:٨ – ٩].
وتاريخ الزهد في الإسلام لابد أن نفرق فيه بين هذين النوعين من الزهد، الزهد السلبي، وهو بعيد عن روح الإسلام، وهو نوع من الغلو الذي ظهر في تاريخ التصوف نتيجة احتكاك الثقافات المختلفة بالإسلام، أما الزهد الإيجابي فهو الذي يمثله الصحابة في سلوكهم اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذعانًا لأوامر القرآن الكريم من السعي والعمل وعمارة الكون، وامتلاك الدنيا بشرط ألا تكون عبدًا لما تملك، وألا تشغلك النعمة عن حق المنعِم عليك، كما قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ} [المُلك:١٥].
ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن الزهد قرآني المصدر، عاشه الرسول - صلى الله عليه وسلم - سلوكًا وعملًا، وعاشه صحابته - رضي ألله عنهم - وليس صحيحًا ما يدعيه بعض المستشرقين أنه أثرٌ من احتكاك الصوفية بالرهبان المسيحيين في شبه الجزيرة العربية، وآيات القرآن الكريم التي تدعو إلى الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة أكثر من أن تحصى في مثل هذا المقام.
وإذا كان هناك بعض الآثار الجانبية، فإنها تتعلق بظاهرة الغلو في الزهد التي عرضت للتصوف في تاريخه، ولا تتعلق بمصادر الزهد؛ لأن أصول الزهد مبثوثة في آيات الذِّكر الحكيم، وفي تعاليم الرسول وسنته القولية والفعلية وفي حياته، وهو القدوة لكل مسلم.
مراجع للاستزادة:
الزهد في الإسلام ليس انسحابًا من الحياة، بل هو انضباط في السلوك، وتحرر من سلطان الدنيا على القلب، وقد تميّزت الكتابات الصوفية في الزهد بين نمطين: سلبي يدعو إلى الانعزال ورفض مظاهر الحياة، وإيجابي يدعو إلى امتلاك الدنيا دون أن تمتلك القلب، وهذا المفهوم الإيجابي يتجلّى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيث عاشوا الزهد باعتباره خلقًا إيجابيًّا يحمي النفس من الانغماس في الماديات دون أن يمنع العمل والبذل والعطاء.