على أية حال
فقد أجمعت المصادر على عبور العباسيين إلى الأمويين على طريق هذه المخاضة وقضائهم
اليوم الأول من المعركة، وهو اليوم الثاني من جمادى الآخرة عام١٣٢هـ (٧٥٠م)، في
قتال دون أن تكون الغلبة لأحد الطرفين حتى أتى المساء فأوقدوا النيران، وتحاجزوا ولكن
حدث في اليوم الثاني تطور غريب ألا وهو قيام الأمويين بعقد الجسر، وإصرار مروان
بن محمد علي عبوره لقتال العباسيين بالرغم من تحذيرات قواده.
وبالفعل عبر مروان،
وأمر ابنه بحفر خندق أسفل عسكر عبد الله بن علي، وهنا حرك عبد الله بن
علي بعض جنده بقيادة المخارق بن غفار في أربعة آلاف فلم يبتعدوا أكثر
من خمسة أميال عن عسكر عبد الله بن علي، فبعث عبد الله بن مروان للمخارق
الوليد بن معاوية فلقي المخارق فانهزم المخارق وجنده، وقتل
من قتل وأُسر من أُسر.
والنص بصورته هذه لا يتضح منه عبور قوات عبد
الله بن علي للجسر الذي عقده الأمويون ولكن يبدو منه أن جند عبد الله بن علي
لم يتمكنوا من مغادرة معسكر عبد الله بن علي سواء لعبور الجسر أو حتى عبور
المخاضة؛ فقد لاحقتهم قوات الأمويين وأوقعت بهم الهزيمة بالفعل، كما يبدو من النص
مدى معرفة الأمويين بطبيعة أرض المعركة ومدى تمكنهم من استغلالها الاستغلال العسكري
الذي يمكنهم من النجاح، سواء بعقد الجسر على الزاب أو حفر الخندق على معسكر
العباسيين مع وجود المخاضة ... إلخ.
لقد حقق
الأمويون في بدايات هذه المعركة نصرًا كبيرًا على العباسيين كان كفيلًا بتحول سير
الأحداث لصالح بني أمية.
فقد وصل الأمر
بعبد الله بن علي أن رصد جنده في طريق عودة جنود المخارق الهاربين من
المعركة؛ حتى لا يدخلوا المعسكر، وتشيع روح الهزيمة، فعمل على منعهم وإيقافهم خارج
عسكره، ويبدو من سير هذه المعركة أن عبد الله بن علي لم يحرك كل قواته فيها. [الطبري:
المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة، ابن الأثير: الكامل، ج٤، ص ٣٢٧].
وهنا يرد السؤال حول السبب الذي منع عبد الله
بن علي من تحريك كل قواته في اتجاه الأمويين؟ فهل كان عبد الله بن علي يعرف
أن هذه المعركة لن تكون هي نهاية المطاف عند الزاب؟
أم أن خطته
قامت على حيلة تقديم بعض القوات للاصطدام والاحتفاظ بالباقي لشن هجوم مضاد حاسم
وجازم ينهي المعركة بغض النظر عن نتائج اصطدام قواته الأولى بقوات الأمويين؟
على أية حال
فقد فشلت المصادر بعد هزيمة جنود المخارق في إعطائنا صورة حقيقية لتطورات الأحداث
بعد هذه الهزيمة. [الطبري: المصدر السابق، ج٦، ص ٨٩، ابن الأثير:
مرجع سابق، ج٦، ص ٣٢٨].
ابن الأثير يفيد
أن الهزيمة تمت مساءً، وتحرك عبد الله بن علي في الليلة نفسها قبل أن يدخل
الجند المنهزمون لعسكره ليلًا، وورد لفظ (ليلًا) في نص ابن الأثير [نفس المصدر والجزء والصفحة].
بينما خلا نص الطبري
من ذلك اللفظ وهذا المعنى، ولكني أجد نص ابن الأثير هو الأقرب لفهم الأحداث
وتطورها؛ لأنه ينص على فكرة المباغتة، والتحرك السريع نحو جند الشام، بحيث أمر عبد
الله بن علي قواته بسرعة التحرك فورًا، فلبس الجند ملابسهم، واستخلف هو على
العسكر محمد بن صول، وجعل على ميمنته أبا عون، وكل هذا تم مساءً وفي
قلب الليل، بحيث تصير المعركة الجديدة على أكثر تقدير مع فجر اليوم الجديد.
على أية حال
التقى الطرفان، وتحقق النصر أولًا للأمويين، ولكن العباسيين استخدموا حيلة جديدة،
فقد انكبوا على ركبهم أرضًا واستعملوا الرماح، فكانت الهزيمة على الأمويين وولوا
مدبرين لا يلوون على شيء.