Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

البردة

الكاتب

أ.د/ عبد الرحمن سالم

البردة

تمثل بردة الرسول – صلى الله عليه وسيلم - رمزًا خالدًا في التراث الإسلامي، تجمع بين الفخر بالإسلام وروعة الشعر العربي، إنها قصة إسلام كعب بن زهير، وامتداح البوصيري لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – التي خُلِدَت في الأدب والتراث الإسلامي عبر القرون.

مفهوم البردة وسبب شهرتها

البردة - كما جاء في لسان العرب – (كساء يُلْتَحف به) أو ما يشبه العباءة في عصرنا، وقد ذاعت هذه الكلمة في مصادر السيرة والتاريخ الإسلامي؛ لارتباطها بالبردة التي أهداها الرسول – صلى الله عليه وسلم - للشاعر المخضرم كعب بن زُهير بن أبى سُلْمى في أواخر العام الثامن للهجرة.

قصة كعب بن زهير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

ذلك أن كعب بن زهير كتب أبياتًا من الشعر يؤنب فيها أخاه بُجَيْرًا على اعتناقه الإسلام واتباعه محمدًا – صلى الله عليه وسلم، ومما جاء فيها قوله:

وخالفتَ أسباب الهدى واتَّبَعْته     *        على أي شيء - ويب غيرك 

[ويب: كلمة مثل ويل، تقول: ويبك، أي ويلك، وعبارة: ويب غيرك، أي ويل غيرك؛ فهي دعاء بالهلاك يُقصد به شدة التأنيب، انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة ويب] - دلكا؟

على خلق لم تُلْفِ أمًّا ولا أبًا        *         عليه ولم تُدْرِك عليه أخًا لكا

[سيرة ابن هشام، بتحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الهداية، القاهرة (دون تاريخ)، ج٤، ص١٥١].

 فبلغت أبياته رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فأهدر دمه، وقال لأصحابه: «مَنْ لقِيَ منكم كعب ابن زهير فليقتله» [الأصفهاني (أبو الفرج): كتاب الأغاني، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة ١٩٧٠م، ج١٧، ص٨٦]، وعندما علم كعب بذلك تملّكه الفزع، وضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، ولكن أخاه (بُجَيْرًا) كتب إليه كتابًا يذكر له فيه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا قبل منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا فأقبل وأسلم" [ابن الأثير: (عز الدين على)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الشعب بالقاهرة ،١٩٧م، ج٤، ص ٤٧٥- ٤٧٦]  فامتثل كعب لنصيحة أخيه، وتوجه إلى المدينة ليقرَّ بالإسلام أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدخل مسجد المدينة، وصلى الصبح مع الرسول – صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، ثم قام إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم – "حتى جلس إليه فوضع يده في يده - وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لا يعرفه - فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبًا مسلمًا؛ فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: نعم، قال: أنا - يا رسول الله - كعب بن زهير!". وهنا «وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه! فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهُ عَنْكَ فَقَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا» [ابن قيم الجوزية: (أبو عبد الله محمد)، زاد المعاد في هدى خير العباد، المكتبة التوفيقية بالقاهرة،١٩٨٠م، ج٢، ص٢٠٦] ثم أنشد كعب أمام الرسول – صلى الله عليه وسلم - قصيدة يمدحه فيها بلغ عددُ أبياتها تسعة وخمسين بيتًا طبقًا لرواية ابن هشام [ابن هشام، مصدر سابق، ص١٥٢- ١٦٦] وهي القصيدة التي اشتهرت باسم (بانت سعاد)؛ لأن الشاعر استهلها بقوله:

بَانَت سُعَاد فقلبي اليوم متبول          *           متيَّمٌ إثرها لم يُفْـــدَ مكبـــول   

وفيها يقول:

نُبِّئْتُ أن رسول الله أوعدني            *           والعفو عند رسول الله مأمولُ

وعندما فرغ كعب من إنشاد قصيدته أثابه الرسول – صلى الله عليه وسلم -، "وأعطاه بردة له، وهي التي عند الخلفاء إلى الآن" كما يقول ابن الأثير، المتوفى سنة ٦٣٠هـ .(١٢٣٣م) [ابن الأثير، مصدر سابق، ص٤٧٧].

البردة عبر التاريخ

وقد اشترى معاوية بن أبي سفيان هذه البردة من ابن كعب بن زهير، ثم آلت إلى الخلفاء العباسيين، وعندما احتل المغول بغداد أمر هولاكو بإحراقها، ولكن يقال: إن بردة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحقيقية لم تحرق ولا تزال موجودة في اسطنبول بتركيا [انظر حول ذلك: باسيه، مادة البردة في دائرة المعارف الإسلامية، طبعة دار الشعب بالقاهرة (دون تاريخ)، ج٧، ص٣٠].

البردة الثانية: قصيدة البوصيري المِصري

وإذا كانت شهرة (البردة) في التاريخ الإسلامي ترجع في بدايتها إلى قصة إسلام كعب بن زهير وما ارتبط بها، فإن هذه الشهرة قد ازدادت اتساعًا واكتسبت أبعادًا جديدة؛ نتيجة ارتباطها بالقصيدة المشهورة التي قالها الإمام البوصيري في مدح الرسول – صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك بعدة قرون، والبوصيري هو اللقب الذي اشتهر به الشاعر المصري شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد بن محسن، الذي ولد في (دلاص) في سنة ٦٠٨هـ (١٢١٣م)، ولكنه نشأ في (أبو صير) فنُسب إليها، ودلاص وأبو صير قريتان من قرى محافظة بني سويف بصعيد مصر، وتُوفي البوصيري في الإسكندرية في حدود سنة ٦٩٥هـ (١٢٩٥م) [انظر: السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن)، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، ١٩٩٨م، ج١، ص٤٩٢، وحول اختلاف الروايات في تاريخ وفاة البوصيري، راجع: باسيه، مادة البوصيري في دائرة المعارف الإسلامية، مرجع سابق، ج٨، ص٤١٩-٤٢٠]، أما قصيدة البوصيري التي اشتهرت باسم (البردة) فإن عنوانها الأصلي هو: (الكواكب الدرية في مدح خير البرية) ولكن هذا العنوان الأصلي كاد يختفي تمامًا ليحل محله العنوان الذي اشتهرت به القصيدة وهو (البردة)، وسبب شهرة هذا العنوان الأخير أن البوصيري تعرض لمحنة صحية قاسية نتيجة إصابته بالفالج، وهو الشلل النصفي؛ ولم يجد البوصيري في محنته هذه إلا أن يلجأ إلى الله مستغيثًا به، مادحًا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - متشفّعًا به، فنظَّم قصيدته التي مطلعها:

أَمِنْ تَذَكُّرِ جيران بذي سَلَـــــــم         *          مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم؟

وفيها يقول متضرعًا بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

يا أكرم الخلق مالي مَنْ أَلُوذُ به        *           سواك عند حلول الحادث العَمَــم

ويذكر البوصيري أنه بعد أن فرغ من نظم قصيدته هذه كرر إنشادها، وألحَّ في التوسل بها إلى الله تعالى بغية أن يرد إليه عافيته، ثم نام فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه، فمسح وجهه بيده المباركة، وألقى عليه بردته، فاستيقظ وقد استرد عافيته [راجع ترجمة البوصيري في: فوات الوفيات، لابن شاكر الكبتي، بولاق ١٢٩٩هـ، ج٢، ص٢٠٤، وانظر أيضًا: زكي مبارك، المدائح النبوية في الأدب العربي، طبعة الشعب، القاهرة (دون تاريخ)، ص١٩٦-١٩٧] وذاعت شهرة هذه القصيدة، وعرفت باسم (البردة)، وأصبحت لا تدانيها في شهرتها وذيوعها قصيدة أخرى من القصائد التي مُدِح بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقع البردة في واحد وستين ومائة بيت طبقًا للنسخة التي شرحها الشيخ إبراهيم الباجوري (١٢٧٦هـ - ١٨٦٠م)، وهناك نسخ أخرى تقلُّ أو تزيد قليلًا عن ذلك، وقد أصبحت (بردة البوصيري) مثالًا يُحتذى في المديح النبوي.

معارَضات بردة البوصيري في العصور اللاحقة

وحاول أن يعارضها غير واحد من الشعراء، ويمكن القول - كما يقول الدكتور زكي مبارك: "بأن جميع المدائح النبوية التي قيلت بعد البوصيري على الوزن والقافية، كان أصحابها مسوقين بالروح البوصيري" [زكي مبارك، مرجع سابق، ص٢٢٢]، ومن بين من عارضوها في العصر الحديث محمود سامي البارودي، الذي عَنْوَنَ قصيدته: (كشف الغمة في مدح سيد الأمة)؛ وهي تقع في سبعة وأربعين وأربعمائة بيت [نفس المرجع، ص٢٢٣] ومطلعها:

يا رائد البرق يمِّمْ دارة العلم     *     واحْد الغمام إلى حيٍّ بذي سلم

على أن أبرز من عارضوها بلا منازع أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته التي سماها (نهج البردة)، وهي تقع في تسعين ومائة بيت، ويعترف شوقي في قصيدته بأنه لا يستطيع أن ينافس البوصيري صاحب البردة في مجال المديح النبوي، فهو وغيره من المادحين تابعون لهذا المادح الأعظم.

 يقول شوقي ذلك:

المادحون وأرباب الهوى تَبَـــعٌ    *     لصاحب البردة الفيحــــــــاء ذي القَدَم

مديحه فيك حبٌّ خالصٌ وهوى    *     وصادق الحـــب يملـــي صــادق الكلم

الله يشهد أنـــــي لا أعارضـــه    *     من ذا يعارض صوب العارض العرم؟

وإنما أنا بعض الغابطين ومـن    *     يغبـــط وليـــــك لا يُذْمَــــمْ ولا يُلَــــــمِ

[ديوان الشوقيات، المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، ١٩٥٥م، ج ١، ص١٩٩- ٢٠٠].

أثر البردة في التراث الإسلامي

بقي أن نشير إلى أن بردة البوصيري تركت أثرًا هائلًا في التراث الإسلامي على المستوى التاريخي والأدبي واللغوي والصوفي؛ فقد تعددت شروحها منذ ظهورها حتى الآن وتنوعت، واهتم شارحوها بتفصيل ما فيها من إشارات تاريخية تتعلق بحياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحياة صحابته - رضوان الله عليهم -، كما اهتموا بإلقاء الضوء على ما يتجلى فيها من روعة البيان وقوة التأثير، وأفاضوا كذلك في تحليلها من الناحية اللغوية والأسلوبية.

أما الصوفية فقد وجدوا في ملابسات كتابتها وفى جوانبها الروحية العميقة التي تعكس تصوُّف كاتبها - وجدوا في كل ذلك ما جعلهم يحرصون على أن يجعلوها وِردًا من أورادهم، يرددونها ويلتمسون بركاتها في مجالسهم الصوفية والمناسبات الدينية المختلفة [للمزيد انظر: زكى مبارك: مرجع سابق، ص٢١ وما بعدها]، كل هذا أعطى لبردة البوصيري مكانتها المتميزة في تراثنا العربي والإسلامي حتى يومنا هذا.


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • ابن الأثير: (عز الدين علي)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، (دار الشعب بالقاهرة ١٩٧٠م)، ج٤ ترجمة كعب بن زهير.
  • الأصفهاني (أبو الفرج)، كتاب الأغاني (الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة ١٩٨٠م، ج١٧، أخبار كعب بن زهير.
  • ابن هشام (أبو محمد عبد الملك): سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، بتحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد (دار الهداية القاهرة)، ج٤، أحداث العام الثامن للهجرة.
  • ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، (طبعة بولاق ١٢٩٩هـ، ج٢) ترجمة البوصيري.
  • زكي مبارك: المدائح النبوية في الأدب العربي (طبعة الشعب، القاهرة).

الخلاصة

بردة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تمثل إرثًا شعريًّا وروحيًّا خالدًا في التراث الإسلامي، وتحكي قصة إسلام الشاعر كعب بن زهير، وإكرام النبي - صلى الله عليه وسلم - له، بردته قصيدة البوصيري تُعَدُّ من أشهر المديح النبوي، حيث جمعت بين الإبداع الأدبي والعمق الصوفي، كلا النصين لهما تأثير عميق في الأدب الإسلامي، والتقاليد الصوفية، ومحافل الذكر حتى اليوم.

موضوعات ذات صلة

شاعر مصري كبير من القرن السابع الهجري، عُرف بمدائحه النبوية.

تعبير جمالي إبداعي عن التجربة.

كان النثر ولا يزال مرآة صادقة لحركة الفكر والثقافة في الحضارة الإسلامية.

موضوعات مختارة