كان النثر ولا يزال مرآة صادقة لحركة الفكر والثقافة في الحضارة الإسلامية، فقد واكب التحولات الكبرى، وعبّر عن قضايا الدين والمجتمع بلغة عقلانية مؤثرة، ليبقى شاهدًا على ازدهار العقل العربي الإسلامي ورقي أدوات تعبيره.
كان النثر ولا يزال مرآة صادقة لحركة الفكر والثقافة في الحضارة الإسلامية، فقد واكب التحولات الكبرى، وعبّر عن قضايا الدين والمجتمع بلغة عقلانية مؤثرة، ليبقى شاهدًا على ازدهار العقل العربي الإسلامي ورقي أدوات تعبيره.
ينتهي مفهوم النثر إلى كل ضروب القول غير المنظوم شعرًا، وينتهي منه النثر الفني إلى أنماط القول التي سارت في اتساق وأنواع فنيّة تدخل ضمن دوائر الإبداع، بحكم مكوناتها اللغوية، ودلالاتها، وسياقاتها، وحدودها، وأدواتها، ووظائفها، وقد ظهر الإبداع النثري موازيًا - أو سابقًا - للإبداع الشعري عند العرب في عصور ما قبل التاريخ الأدبي، واستمر تطوره وعطاؤه على مدار عصور الأدب العربي، ومنها حركة التحول الكبرى التي شهدتها أرض الجزيرة مع مجيء الإسلام.
عَرَف الجاهليون من فنون النثر الخطب التي نبغ فيها من فصحائهم كبار القوم على طريقة قِس بن ساعدة الإيادِي، وأكثم ابن صَيفي، وعامر بن الظرب، وغيرهم ممن أدهشوا القوم بقدرتهم على استيعاب معجم اللغة ومفرداتها، والقدرة على الصياغة والتركيب، والتمكن والهيمنة على ضمير الجمهور ووجدانه، وصولًا به إلى درجات الإقناع والإمتاع والرغبة في الاستزادة.
وتبدو للنثر لغةً مختلفة عن لغةِ الشعر من حيث تحليليّة الأولى، وتركيبيّة الثانية، بما تعنيه سهولة النثر من الوصول إلى عقول الجمهور، بما يتطلب ملاءمة لمقتضيات الأحوال، فلكل مقام مقال، ولكل مناسبة ما يلائمها من مختارات الأداء النثري.
جاء النثر فنًا قوليًا يميل إلى القياس الجماهيري - أحيانًا - لا سيما حين يسقط حق المؤلف الرسمي، فينطلق القول على ألسنة القوم، كما تجلى أحيانًا في فنون القول النثري عبر الحكم، والأمثال، والوصايا، وجميعها أقوال موجزة مختصرة، تعكس خلاصة رؤى ومواقف وفلسفات، وتحكي صورًا من التجارب التي صارت لها قياسات مع حركة التاريخ، كلما تكررت المواقف، أو ظهرت لها الأشباه، فالحكمة تأتي من إحكام القول وتقييده، وصلاحيته لأن يتكرر الموقف، فيتكرر الحكم عليه بنفس القياس، وكذا الأمثال التي تشيع بين القوم وتنتشر بدلالاتها ووظائفها الاجتماعية، والإصلاحيّة، والأخلاقيّة، والسلوكيّة.
تطور النثر مع مجيء الإسلام، فكانت الخطابة وسيلة توصيل الدعوة ونشرها، وقد أوتي الخطيب المفوه النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم التي يسهل تلمس أصدائها، وأثارها في الحديث النبوي الشريف بكل فصاحته وبيانه وبلاغته، وهو ما تجلّت منه معالم في خطابه صلى الله عليه وسلم، ولعل جانبًا منها تحكيه استهلالاته باسم الله والتحميد، إلى الاستعانة بالآيات القرآنية، إلى المحتوى المتميز حول العبادات، والأحكام، والتشريع، والقواعد، والقيم، والمعاملات، والسلوكيّات، والأخلاقيّات، مع ضرب النماذج والأمثال وصولًا بالخطبة إلى حد الإقناع وتوصيل رسالة الخطيب.
وعرف الخلفاء الراشدون بنبوغهم وفصاحتهم وقدراتهم الخطابية التي ارتقت بالفن الخطابي، واتخذ منه مدخلًا للتعامل مع الرعيّة، بهدف نشر العدل والمساواة والتأخي وغيرها من القيم الإسلامية الرفيعة، وتنوعت مجالات الخطابة وحقول الأداء فيها بين المستوى السياسي، والمستوى الديني الوعظي والإرشادي والإصلاحي، إلى المستوى القيمي والأخلاقي والسلوكي، وغيرها من خطابة المحافل المختلفة، في منتديات القوم في المواسم، والمناسبات، والأعياد، والتهاني، والتعازي وغيرها.
وبرزت الخطابة الإسلامية بما لها من خصوصية في يوم الجمعة، وخطب العيدين، من دلالات على اجتماع كلمة المسلمين بحكم المعبود، ووحدة النشأة والأصل، وما ترتب على ذلك من صياغة القيم المثلى في سلوك الإنسان.
ومع الخطابة ظهرت الرسائل فنًا نثريًا قويًّا منذ أرسل المصطفى صلى الله عليه وسلم رسائله إلى قيصر الروم، وكسرى فارس، والمقوقس حاكم مصر، والنجاشي ملك الحبشة، برسائل مختومة بخاتمه صلى الله عليه وسلم يدعوهم فيها إلى الدخول في الإسلام.
وتطورت الرسائل على مدار عصر الراشدين: فكانت رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري في أمر القضاء وشروط القاضي العادل، وكانت رسائل الصديق وعمر - رضي الله عنهما - إلى قادة الجيوش الإسلامية والجُند، وإلى الولاة في الأمصار الإسلامية مع تعريب الدواوين، وذيوع فن الكتابة في شكل حضاري.
ومع الخطابة والرسائل استمرت الحكم والأمثال والوصايا التي مالت إلى احتواء المعاني والمصطلحات الدينية، فبدت دالة على عصرها، كاشفة عن قدرتها على التطور والتجديد، كما استمرت صورة تطورها بشكل أكثر تعقيدًا مع تعقد مصادر الفكر والثقافة، حيث ظهرت مدارس الكتاب في ديوان الرسائل، وتفرعت أنواعها بين كتابة رسميّة وأخرى إخوانية، وكذلك كان التخصص في لغة النثر ومناهجه مع ظهور الجدل، وعلم الكلام، ومجالس الوعاظ والزهاد، فظهر الحسن البصري، واعتزله واصل بن عطاء، وبدأت الفرق الإسلامية في التبلور من خلال القدرية، والمرجئة، والجبرية، إلى جانب الفرق السياسية بين الأموية، والزبيريّة، والخوارج، والشيعة، واستخدمت الفنون النثرية وسيلة لنشر مبادئ كل فرقة على حساب تفنيد حجج الفرق الأخرى، اعتمادًا على المنطق الجدلي وصيغ الإقناع.
النثر فنٌّ قولي غير منظوم، وله أهميته في التعبير عن الفكر والثقافة عند العرب قبل الإسلام وبعده، ولقد تطور النثر مع مجيء الإسلام، حيث برزت الخطابة والرسائل كأدوات فعالة لنشر الدعوة الإسلامية والقيم الاجتماعية والسياسية. والنثر له دور في التعبير عن الفرق الفكرية والسياسية باستخدام المنطق والجدل، مما يعكس ثراء الحضارة الإسلامية في هذا الفن الأدبي.