Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أفغانستان

الكاتب

أ. صاحب عالم الأعظمي الندوي

أفغانستان

أفغانستان بلد ذو تاريخ عريق، وموقع جغرافي استراتيجي جعلها ملتقى للحضارات، ومسرحًا لصراعات كبرى عبر العصور، لم تكن تعرف بهذا الاسم قبل الإسلام، بل كانت تضم مدنًا مزدهرة مثل كابل وقندهار، لعبت دورًا محوريًا في التجارة والثقافة. وقد شهدت هذه المنطقة تحولات سياسية عميقة منذ الفتح الإسلامي وحتى قيام الدول المحلية التي أسهمت في تشكيل هويتها الحضارية.

نشأة أفغانستان، وموقعها

كلمة أفغانستان مقتبسة من القبائل الأفغانية التي تتحدث لغة البُشتو، ولم تكن هذه المنطقة معروفةٌ بهذا الاسم في تاريخ ما قبل الإسلام، كما لم يكن لها وحدة سياسية أو هوية قومية قبل تأسيس حكم الأفغان في أواسط القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي، وكانت هذه المنطقة تتكون من مدن أشهرها "كابل"، و"غزنة"، و"هراه"، و"بدخشان"، و"سجستان"، و"قندهار" وغيرها، وقد لعبت هذه المدن عبر التاريخ دورًا مهمًا في مجال التجارة، خصوصًا "كابل" و"قندهار" لأنهما تقعان في ملتقى الطرق بين الصين والهند وخراسان. [see H.W Bellew: Races of Aghansitan,p. culcutta١٨٨٠]

أما من حيث الموقع: فإن أفغانستان تقع شمال شرق هضبة إيران إلى الجنوب من جبال هندوكوش، أما التضاريس: فهي تشتمل على الهضاب العالية، والمرتفعات والممرات مثل: "ممر خيبر"، وتخترقها الجبال والغابات والصحاري والأنهار العديدة، أما مناخها فشتاؤها قارس البرودة، وصيفها شديدة الحرارة، والخريف والربيع فصلا الاعتدال.

ولما كانت أفغانستان دائمًا معبرًا للغزاة، وبناة الإمبراطوريات، فإن لها إسهامًا كبيرًا في تطوير ونقل حضارة العالم القديم، فهي ذات تاريخ أصيل منذ القدم، وقد مرت عليها عصور تاريخية، وجعلت منها منطقة استراتيجية مهمة، فلها كيانٌ حضاري يضاهي الهند والصين وإيران واليونان، وبسبب الاحتكاك مع هذه الدول سياسيًا وعسكريًا وتجاريًا ظهرت في أفغانستان الفنون الصينية واليونانية والهندية والبوذية. [حول جغرافيتها راجع الكتب التالية: ابن حوقل (أبو القاسم النصيبي ت ٣٦٧هـ / ٩٧٧م): صورة الأرض، ط: مكتبة الحياة، بيروت ١٩٣٩م/ المقدسي (أبو عبد الله محمد بن أحمد ت ٣٧٨هـ/ ٩٨٨م): أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ط: ليدن ١٩٠٦م/ القزويني (زكريا بن محمد بن محمد ت ٦٨٢هـ/ ٢٨٣ ١م): آثار البلاد وأخبار العباد، ط: بيروت ١٣٨٠هـ/ ١٩٦٠م/ الإصطخري (أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي ت ٣٤٠هـ/ ٩٥٢م: المسالك والممالك، تحقيق محمد جابر عبد العال، ط: مكتبة الذخائر بالقاهرة عام ٢٠٠٤م. وحول علاقتها السياسية والتجارية مع جيرانها، راجع المسعودي (علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت٣٤٦هـ/ ٩٥٧م): مروج الذهب ومعادن الجوهر، أربعة أجزاء، ط: دار الأندلس، بيروت ١٤١٦هـ/ ١٩٩٦م/ غوستاف لوبون: حضارات الهند، ترجمة عادل زعيتر، ط: عيسى البابي الحلبي، ط: القاهرة، ١٣٦٧هـ / ١٩٤٨م/ محمد إسماعيل الهندوي: الهند القديمة حضارتها ودياناتها، ط: دار الشعب بالقاهرة، دون تاريخ/ ول ديوارنت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران وزكي نجيب محمود، ط: مكتبة الأسرة بالقاهرة ٢٠٠١م].

أفغانستان في عصر الخلفاء الراشدين ١١- ٤٠هـ/٦٣٢- ٦٦٠م

بدأت صِلات العرب بمناطق أفغانستان منذ العهد الراشدي؛ لأن الفتوحات الإسلامية قد اتجهت نحو الشرق بعد فتح فارس، وفي عهد ثالث الخلفاء الراشدين عثمان -رضي الله عنه- (٢٤ - ٣٥هـ/ ٦٤٤- ٦٥٥م) توجهت إليها القوات الإسلامية تحت قيادة الأمير عبد الله بن عامر (٢٩- ٣٦هـ/ ٦٤٩-٦٥٦م) والي البصرة، الذي أرسل جيوشًا أحدها بقيادة الصحابي عبد الرحمن بن سمرة القرشي (ت٥١هـ/٦٧٠م) الذي استطاع فتح سجستان، وإقرار الأمور السياسية فيها في عام ٣١هـ/٦٥٠م، وهي تقع جغرافيًا بين خراسان ومكران القريبة من مدينة كابل، ثم توغلت القوات الإسلامية داخل حدود كابل، وسيطرت عليها وعلى ما يجاورها، وقد وافق ملك كابلشان على دفع الخراج، وبعد الفتح الإسلامي لها بفترة وجيزة استشهد الخليفة عثمان بن عفان-رضي الله عنه-، وحدثت الفتنة الكبرى بين المسلمين، وهو الأمر الذي دفع أهالي أفغانستان إلى الاستمرار في المقاومة العسكرية ضد الخلافة الإسلامية إلى أن قامت الدولة الأموية.

أفغانستان في عصر الأمويين (٤١-١٣٢هـ- ٦٦١- ٧٥٠م)

اشتدت الحروب في هذه المنطقة في عصر الأمويين، لا سيما بعد ما وَلَّى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (٨٦- ٩٦هـ/ ٧٠٦- ٧١٦م) القائد البطل قتيبة بن مسلم الباهلي (٤٦- ٩٦هـ/٦٦٩- ٧١٥م) على خراسان، وقد حارب قوات كابلشاه مرارًا وتكرارًا إلى أن تمت الهدنة بين الجانبين على أن يدفع ملك كابلشاه الخراج للمسلمين، وقد لعبت قوات قتيبة بن مسلم دورًا كبيرًا في تثبيت دعائم الإسلام بهذه المنطقة، ومع أن الحروب قد توقفت بين الجانبين إلا أنها استؤنفت مرة ثانية مع قادة آخرين أمويين.

وجملة القول: إن علاقة الدولة الإسلامية بملوك كابل كانت دائمًا علاقات حربية، حيث إن هؤلاء الملوك قد قاوموا المسلمين لمدة قرن من الزمان تقريبًا منذ الفتح الإسلامي لها.

أفغانستان في عصر العباسيين (١٣٢-٩٢٣هـ/ ٧٥٠- ١٥١٧ م)

استمر عداء ملوك كابل للعباسيين، كما كان أيام الأمويين، تارة يقبلون دفع الخراج، وأخرى يمنعونه؛ فكانت الخلافة العباسية دائمًا لهم بالمرصاد.

وقد أسند الخليفة هارون الرشيد (ت١٩٣هـ/٨٠٩م) ولاية خراسان إلى وزيره الفضل بن يحيى البرمكي عام (١٧٦هـ/ ٧٩٦م)، الذي ينتمي إلى بلخ؛ فقام بإصلاح شئون هذه المنطقة سياسيًا، واقتصاديًا، كما قام بفتوحات جديدة في كابل وما يجاورها، وفي عهد الخليفة المأمون (ت٢١٨هـ-٨٣٣م) خضع ملك كابل للدولة العباسية، ودخل في الإسلام، وأرسل الهدايا القيمة من الذهب والفضة إلى المأمون، وقد استمرت هذه المنطقة تابعة للدولة العباسية إلى أن ضعفت الأخيرة، مما دفع المناطق الشرقية الإسلامية إلى الاستقلال عن الدولة العباسية، كما سيأتي.

ومما سبق اتضح أن أفغانستان كانت موضع اهتمام خلفاء الدولة العباسية، وذلك لأنها كانت تلعب دورًا استراتيجيًا مهمًا، وقد استطاعت الدولة الإسلامية إخضاعها بالحروب أحيانًا وبالصلح أخرى، وكانت دائمًا موضع اهتمام الخلفاء المسلمين. [راجع المصادر التالية: البلاذري (أحمد بن يحيى بن جابر ت٢٧٩هـ/ ٨٩٢م): فتوح البلدان، تحقيق عبد الله أنيس الطباع، ط: مؤسسة المعارف، بيروت ١٤٠٧هـ/ ١٩٨٧م/ الطبري (أبو جعفر محمد بن حرير ت. ٣١هـ/ ٩٢٢م): تاريخ الرسل والملوك، عشرة أجزاء، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط٢: دار المعارف بمصر دون تاريخ / ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري ت٢٧هـ/ ٨٩٠): عيون الأخبار، تحقيق منذر أبو شعر، أربع مجلدات، ط: المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٢٩م/ اليعقوبي (أحمد بن أبي يعقوب بن واضح ت ٢٨٤هـ/ ٨٩٧م): تاريخ اليعقوبي، ط: ١٣٥٨م/ المسعودي/ مروج الذهب].

أفغانستان في عصر الطاهريين (٢٠٥-٢٥٩هـ/٨٢١- ٨٧٣م)

تنتمي هذه الأسرة إلى قرية "فوشنج" الواقعة بمنطقة هرات من مدن خراسان.

بدأت هذه الأسرة تظهر على الساحة السياسية والعسكرية بقيادة مؤسسها طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن هامان، الذي كافأه الخليفة العباسي المأمون بالإمارة على خراسان، نظير خدماته السياسية، والعسكرية ضد أخيه الأمين، وقد استقل هذا الأمير عن الدولة العباسية بعد توسيع إمارته على حساب الخلافة في عام ٢٠٧هـ/ ٨٢٢م، وقد حكم أولاد طاهر أفغانستان مع اعتراف الخلافة العباسية بهم، وهم: طلحة بن طاهر (ت٢١٣هـ- ٨٢٨م)، وعبد الله بن طاهر (٢٣٠هـ/٨٤٤م)، وطاهر بن عبد الله (ت٢٤٨هـ/- ٨٦٢م)، ومحمد بن طاهر (ت ٢٥٩هـ/٨٧٣م)، الذي قضى عليه يعقوب بن الليث الصفاري.

وقد استطاعت هذه الدولة تحقيق الأمور السياسية، وإقرارها في غرب وشرق وشمال أفغانستان بالقضاء على حركات التمرد والعصيان التي كانت تثور ضد الدولة العباسية، كما تمكنت من القضاء على الجماعات الزرداشتية الباقية في هذه المنطقة، وكانت اللغة العربية لغة الإدارة والثقافة لهذه الدولة.

أفغانستان في عصر الصفاريين (٢٤٧-٣٩٣هـ/٨٦١- ١٠٠٣م)

مؤسس هذه الدولة هو يعقوب بن الليث الصفار (ت٢٦٥هـ/٨٧٨م)، الذي كان ينتسب إلى قرية قرنين الواقعة في سيستان، وبعد أن قضى على الدولة الطاهرية، تمكن من الاستيلاء على كل من خراسان، وملتان، والسند، ومكران، وغيرها، وقد اعتبره المؤرخ المسعودي من العظماء، وكتب كثيرًا عن حنكته السياسية والإدارية والعسكرية، وبعد وفاته خلفه أخوه عمرو بن الليث (ت٢٧٨هـ/ ٨٩١م) الذي اعترف الخليفة العباسي بإمارته على خراسان وسيستان، وإيران، وكرمان، والسند وما وراء النهر، وكان عمرو بن الليث يتمتع بمقدرة سياسية، وإدارية فائقة، وقد عَمَّر دولته المترامية بإنشاء ألف رباط، وخمسمائة مسجد مع تعبيد الطرق، وبناء الجسور حسب تقريرات بعض المصادر العربية، ومع أن الضعف والانحطاط قد دب في جسم الدولة الصفارية بعد موت عمرو بن الليث، إلا أنها استمرت بقيادة خلفاء عمرو إلى عام ٨٨٥هـ/ ١٤٨٠م، وكان الصفاريون محبين للعلم والثقافة، وتعتبرهذه الأسرة الحاكمة أول دولة إسلامية في أفغانستان، استطاعت توحيد أفغانستان سياسيًا ودينيًا، وكذلك أصبحت ولأول مرة اللغة الفارسية لغة الإدارة والثقافة، كما استقلت بعض مناطق أفغانستان الشمالية عن الإمارات الهندوسية والبوذية. [لمزيد من المعلومات حول هاتين الدولتين راجع الكتب التالية: ابن خلكان (أبو العباس شمس الدين ت ٦٨١هـ /١٢٨٢م) : وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، سبع مجلدات، ط: دار صادر بيروت/ المسعودي: مروج الذهب/ ابن الأثير (محمد بن محمد بن عبد الكريم ت ٦٣٠هـ/ ٢٣٢ ١مم): الكامل في التاريخ، عدة أجزاء، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧هـ / ١٩٨٧م/ أحمد الخولي: سجستان بين العرب والفرس منذ دخول الإسلام حتى ظهور الصفاريين، ط: دار حراء ٩٨٦ ١م / حول سيرملوك هاتين الدولتين راجع: الكرديزي (أبو سعيد عبد الحي بن الضحاك ت٤٤٣هـ/ ١٠٥١م: زين الأخبار، ترجمة عفاف السيد زيدان، ط: المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة٢٠٠٦م].

في عصر السامانيين (٢٧٩ -٣٨٩هـ/ ٨٩٢- ٩٩٩م): مؤسس هذه الدولة هو سامان خداة الذي أسلم على يد الخليفة المأمون في مرو عام (١٩٧هـ / ١٢ ٨م)، وقد انخرط أبناؤه في بلاط الدولة العباسية، وحصلوا على المناصب العليا، ويعتبر ابنه إسماعيل المؤسس الحقيقي لهذه الدولة، فقد استولى على مناطق ما وراء النهر وخراسان، وفي عام ٢٨٧هـ/٩٠٠م استطاع توسيع مملكته على حساب الدولة العباسية، ودخلت في حوزة ملكه كل بلاد ما وراء النهر، وأفغانستان الغربية، وقد وقعت صراعات سياسية بين أحفاد إسماعيل، مما أدى إلى ضعف الدولة وسقوطها في عهد آخر ملوكها إسماعيل بن نوح الساماني الملقب بالمنتصر وذلك في عام ٣٩٥هـ/١٠٠٤م.

وقد تغلغل الإسلام في عهد هذه الدولة في منطقة أفغانستان بجانب انتشار اللغة الفارسية وآدابها حيث نبغ بعض الوزراء في تأليف الكتب الجغرافية، ومنهم: محمد بن أحمد جيهان الذي ألف كتابًا في الجغرافية، وهو من الكتب المفقودة، أما الوزير محمد بن محمد البلعي فقام بنقل كتاب تاريخ الطبري إلى اللغة الفارسية. [راجع الاصطخري: المسالك والممالك / المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم / أبو النصر العتبي: تاريخ يميني، ط: مصر ١٢٩٠هـ/ ابن الضحاك الكرديزي: زين الأخبار].

أفغانستان في عصر الفريغونيين (٢٥٠-٤١٠هـ /٨٦٤- ١٠١٩م)

تنتمي هذه الأسرة إلى ملوك أفغانستان القديمة، وقد حكمت منطقة كَوركَانا الواقعة في جوار غزنة، وعاصرت هذه الدولة كلًا من الدولة السامانية والغزنوية ثم تم إلحاقها بالأخيرة عام ٤٠٨هـ / ١٠١٧م، ويُعرف عن ملوك هذه الدولة أنهم أسهموا في تطوير ورعاية العلوم والفنون، حيث ظهرت ثلة من العلماء والأدباء من أشهرهم: بديع الزمان الهمذاني، وأبوالفتح البستي، صاحب مفاتيح العلوم.

أفغانستان في عصر اللودهيين (٧٠ ٣-٤٠١هـ/ ٩٨٠- ١٠١٠م)

وفي منتصف القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي استولى الأمير ألبتكين التركي على غزنة، وأسس لنفسه إمارة تتكون من غزنة وطخارستان، وبلخ، وهراة وغيرها، أما منطقة لاهور وخيبر، فكانتا تابعتين لملك هندوسي اسمه جيبال، وقد خاض حروبًا عديدة ضد الدولة الغزنوية التي استعانت بالدولة اللودهية ضد الهندوسية لا سيما في عام٣٨٢هـ/ ٩٩٢م، مما أدى إلى توطيد العلاقات السياسية والدينية بين الأسرتين، وقد لعبت الدولة اللودهية دورًا بارزًا في نشر الإسلام في غور، وشرق أفغانستان، مما جعلها إحدى الدول المؤسسة للحضارة الإسلامية الأفغانية في شبه القارة الهندية، وقد استطاعت هذه الأسرة في عام ٨٥٥هـ/ ١٤٥١م تأسيس الدولة اللودهية في الهند تحت قيادة بهلول لودهي. [راجع محمدعبدالسلام خان عمر خليل: نسب نامته أفغانية، ط: الهند١٩١٤م].

أفغانستان في عصر الغزنويين (٣٥١-٥٨٣هـ/٩٦٢- ١١٨٧م)

من المعلوم تاريخيًا أن أفغانستان قاومت التأثر بالإسلام مدة أطول من سائر المدن الشرقية الأخرى، ولذلك لم تتحقق لا وحدة سياسية وعسكرية إلا في عهد الدولة الغزنوية؛ فقد استطاع الأمير سبكتكين بحنكته السياسية والعسكرية، توحيد الولايات الأفغانية المنقسمة حتى إنه مد حدود دولته إلى السند والبنجاب، وفي عام ٣٨٨ هـ/ ٩٩٨م، وصل محمود الغزنوي بن سبكتكين إلى الحكم، فنجح في مد سلطانه على كل أفغانستان الحالية، كما سيطر على المدن الهندية، ووصلت حملاته إلى قلب الهند، وأصبحت غزنة مدينة مزدهرة، ولم يكن محمود الغزنوي قائدًا كبيرًا، ورجل سياسة فحسب، وإنما كان كذلك راعيًا وحاميًا للعلوم والفنون، والصناعات، ويرجع إليه الفضل الكبير في ترسيخ دعائم الدولة الغزنوية، وتوسيع نطاق سيادتها في أفغانستان وما يجاورها، وضم بلاطه علماء وشعراء، وأدباء كبارًا كالبيروني، وابن سينا والعسجدي. والفردوسي، والبستي (٨ ٠ ٤هـ / ١٠١٧م)، والعتبي صاحب كتاب (اليميني)، وتميزت غزنة في ذلك القرن بالإدارة الناجحة، وبالقصور والمساجد، والمباني الراقية، وجداول المياه مما لا يضاهيها فيه بلد آخر في ذلك الوقت. [راجع الكتب التالية: العتبي: تاريخ يميني/ الكرديزي: زين الأخبار/ نظام الملك (أبوعلي الحسن بن علي الطوسي ت٤٨٥ هـ/ ٠٩٢ ١م): سياست نامه، ترجمة السيد محمد الغزاوي، ط: القاهرة ١٩٧٥ / منهاج سراج: طبقات ناصري، ط: باكستان ٩٤٩ ١م/ محمد ناظم: السلطان محمود الغزنوي، حياته وعصره، ترجمة عبد الله سالم الزليتني، ط: دارالمدار الإسلامي ٧ ٠ ٠ ٢ م بيروت].

أفغانستان في عصر السلجوقيين (٤٢٩-٦٣٢هـ/١٠٣٧- ١٢٣٤م)

لم يكن أحد من خلفاء محمود يتمتع بمثل قوته، واقتداره، فبدأت الدولة بعد عهده في الضعف والتدهور إلى أن تمكن ركن الدين طغرل بيك بن سلجوق (ت٥ ٥ ٤هـ /٠٦٣ ١م) مؤسس دولة السلاجقة من السيطرة على الأراضي الغزنوية، وفي عهود خلفائه توسعت حدود دولة السلاجقة حتى سيستان، وفي الشمال إلى بلخ وطخارستان، وأشهر ملوك السلاجقة هم: ألب أرسلان (٤٥٥ - ٤٦٥هـ/ ١٠٦٣ – ١٠٧٢م)، وابنه ملك شاه (٤٦٥-٤٨٥هـ/ ١٠٧٢-١٠٩٢م)، الذي استطاع توسيع رقعة دولته إلى مناطق كابل ولاهور. [راجع أردو دائرة معارف إسلامية، ط٢: زير اهتمام دانش كاه ينجاب، لاهور ١٤٢٣ ه/ ٠٠٣ ٢م، ماده سلحوق/ صدر الدين الحسيني: أخبار الدولة السلجوقية، تصحيح محمد إقبال، ط: ينجاب، لاهور٠١٩٣٣].

أفغانستان في عصر الغزنويين (٤٠٥-٦١٢هـ/١٠١٤- ١٢١٥م)

كانت قبيلة "سورى" تحكم منطقة طخارستان وغور وهرات قرب خراسان، وذلك قبل مجيء الإسلام إلى هذه المنطقة، وكانت هذه الأسرة تلقب بلقب غرشاه وغر معناها الجبل أي: ملك الجبل، وكان شنسب بن خزنك (٤٠- ٠ ٨هـ /٦٦٠- ٦٩٩م) أول مسلم حاكم من هذه الأسرة، وكان قد أسلم على يد الخليفة الراشد علي بن أبى طالب -رضي الله عنه، وقد قام أبناء الملك عز الدين حسين (ت٥١٠هـ/ ١١١٦م) السبعة بتوطيد دعائم هذه الدولة سياسيًا، وعسكريًا، فبجهود كل من غياث الدين محمد سام الغوري (ت٥٩٩هـ /١٢٠٣م)، وأخيه معزالدين محمد بن سام الغوري الملقب بـ"شهاب الدين والمتوفي (٦٠٢هـ/١٢٠٤)، وقد توسعت رقعة الدولة الغورية من الهند إلى العراق ومن نهر جيجون إلى خليج هرمز، وكذلك دعمت هذه الدولة الآليات المعنية بنشر الإسلام والثقافة الإسلامية في الهند على نطاق واسع، وفي عصر هذه الدولة ازدهرت الحضارة الإسلامية، كما وصلت الآداب الفارسية من خلال القوات الغورية إلى دهلي، وأصبحت لغة البُشتو لغة الشعر والأدب، وانتشر الإسلام في منطقة أفغانستان كلها، ولعبت هذه الدولة دورًا كبيرًا في تطوير الفنون والعمارة بجانب الرعاية الكاملة للعلماء والأدباء، وبعد وفاة السلطان محمد بن سام الغوري (ت ٦٠٢هـ - ١٢٠٥م)، انهارت إمبراطورية الغوريين حيث قضت عليها نهائيًا الدولة الخوارزمية عام ٦١٢هـ/ ١٢١٥م، ومنها سيطرت على المناطق الشمالية الأفغانية غور وهرات. [راجع قاضى منهاج سراج: طبقات ناصري/ j. bidulph; tribes of the hindookoosh, p. culcutta ١٨٨٠w.m mcgovern: early empires of central asia p. india١٩٣٩]

أفغانستان في عصر فتنة التتار (٦١٦-٦٤٠هـ/١٢١٩- ١٢٤٢م)

تعرضت بلاد الأفغان بدورها لمحنة الغزو المغول التي نزلت بالعالم الإسلامي على أيدي جنكيز خان وأولاده، فقد قضت القوات المغولية على الدولة الخوارزمية، وبسطت نفوذها إلى حدود البنجاب، مما أعطى الفرصة؛ للقضاء على الحضارة الإسلامية، بجانب قتل الأبرياء، ونهب هذه المنطقة برمتها، وبذلك امتزج العنصر المغولي بالحضارة العربية والإسلامية، وأثرت عادات وتقاليد منغولية على الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في هذه المنطقة، بجانب ترك بصماتها على النظم السياسية والإدارية آنذاك: جنكيز خان (٦١٦ -٦١٨هـ/١٢١٩- ١٢٢١م)، وكجائي بن جنكيز خان (٨ ١ ٦هـ/ ١٢٢١م) وجغتائي بن جنكيز خان (٦١٨-٦٣٩هـ/١٢٢١- ١٢٤١م)، وقرا هولاكو (٦٣٩-٦٤٤هـ/١٢٤١-١٢٤٦م)، وأرغون بن أباقا (٦٤٣هـ/١٢٤٥م)، وتولى ابن جنكيز خان (٦٢٠هـ/٢٢٣ ١م)، وظلت بلاد الأفغان تخضع لأبناء جنكيز خان الذين أسلموا، وكانوا يحكمون في فارس باسم الإيلخانيين حتى ظهور تيمور لنك، وفي عهد الإيلخانيين المسلمين حانت الفرصة للحضارة الإسلامية أن تنتعش من جديد، ويمثل عهد الإيلخانيين الحقبة الذهبية لمنطقة أفغانستان بسبب الإصلاحات التي تمت في مجالات الإدارة والمال، والاقتصاد، والعمران. [راجع رشيد الدين فضل الله الهمداني: جامع التواريخ، ترجمة وتحقيق محمد نشأت، ط: دار النهضة العربية، مصر Howorth, history of mongols p. lodon ١٨٨٩]

في عصر تيموريان هرات (٧٧١-٩٢٠هـ/ ١٣٦٩- ١٥١٤م): مؤسس هذه الدولة هو تيمور لنك طرغاي برلاس (ت٧٣٦هـ/ ١٣٣٥م)، وقد امتدت دولته بين نهر الفرات غربًا وإلى ما وراء نهر سيحون في الشمال الشرقي.

وينتمي تيمور لنك إلى قبيلة "برلاس" التي رافقت الغزوالمغولي بقيادة جنكيز خان، وقد نزلت حول بلدة كيش في جنوب سمرقند، وقد هاجم تيمور لنك قسمًا كبيرًا من بلاد أفغانستان حتى عبر نهر السند، واجتاح المدن الواقعة على نهر كنكا في الهند، ثم اتجه إلى العاصمة دلهي، واقتحمها، ثم عاد إلى أفغانستان سالمًا غانمًا، وتوفي تيمور لنك وهو في الحادية والسبعين من العمر، وقد خسر ابناؤه التيموريون معظم مناطق إمبراطوريتهم بعد أربعة سنوات فقط من وفاته، ولكنهم كانوا يتنافسون على تشجيع العلماء، والأدباء، ومن أشهر الملوك التيموريين الذين حكموا أفغانستان: شاه رخ (٧٧٩- ٨٥٠هـ/١٣٧٧- ١٤٤٧م)، ألغ بيك (٧٩٦- ٨٥٣هـ/١٣٩٤- ١٤٤٩م)، أبوسعيد (٨٣٠- ٨٧٣هـ/١٤٢٦-١٤٦٩م)، حسين بايقرا (٨٤٢- ٩١٣هـ/١٤٣٨- ١٥٠٦ م)، وقد تمتعت أفغانستان في أثناء حكمهم بالهدوء والازدهار، وكانوا حماة للثقافة والفنون. [راجع محمد حسين خان: أفغان بادشاه، ط: لاهور ١٣٤٦ م/ أردو دائرة معارف إسلامية، مأدة تيموريان هرات].

في عصر كل من الدولة الأزبكية والصفوية والمغولية: في أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، قوي أمر الأزبك، وهم من الشعوب التركية في آسيا الوسطى بقيادة محمد خان شيباني الذي تمكن من السيطرة على كل من هراه وسمرقند خلال عام ٩٠٥- ٩١٦هـ /١٥٠٠- ١٥١٠م، وكان بابر المتوفي٩٣٧هـ /١٥٣٠م مؤسس الدولة المغولية في الهند يحكم كابل آنذاك، فلما هاجم إسماعيل الصفوي في عام ٩١٦هـ/ ١٥١٠م محمد خان الشيباني وحاصره في مرو وقتله، واستولى على هرات، استغل بابر هذه الفرصة؛ ليوطد سلطانه في آسيا الوسطى، ولكنه انهزم أمام القوات الصفوية، وتراجع إلى كابل التي جعلها مركزًا عسكريًا، تنطلق منها حملاته العسكرية نحو الشرق والغرب، فاستولى على قندهار عام ٩٢٩ هـ / ١٥٢٢م، ثم وجه اهتمامه نحو الهند، حيث استطاع بعد سلسلة من الحملات الاستيلاء على البنجاب، ثم توجه نحو دلهي، وهزم السلطان إبراهيم اللودهي آخر ملوك الأفغان في عام ٩٣٣هـ/ ١٥٢٦م، وبذلك تمكن من تأسيس الدولة المغولية في شبه القارة، هذا وقد تمتعت منطقة أفغانستان تحت رعاية كل من الدولة المغولية والصفوية بالأمن والسلام نسبيًا، فقد استولت الدولة المغولية على المناطق الجنوبية بما فيها كابل، بينما سيطرت الدولة الصفوية على هرات وسيستان، أما قندهار فبقيت موضع نزاع وحرب بين الطرفين في عهد كل من السلطان أكبر (٩٦٣- ١٠١٤هـ/ ١٥٥٥- ١٦٠٥م)، وجها نكير (١٠١٤- ١٠٣٧ هـ/١٦٠٥-١٦٢٧م)، وشاهجهان (١٠٣٧- ٠٦٩ ١هـ/١٦٢٧- ١٦٥٨ م)، وأورنك زيب عالمكير (١٠٦٩- ١١١٨هـ / ١٦٥٩- ١٧٠٧م)، وبعد وفاة الأخير تمكنت الدولة الصفوية من السيطرة عليها نهائيًا. [لمزيد من التفاصيل حول ذلك راجع الكتب التالية: بابر: تزك بابر، ترجمة عبد الرحيم خانخانان، ط: الهند ١٣٠٨م/ أبو الفضل: أكبر نامه، ط: كلكتا، الهند ١٨٨٦م/ جهانكيري، ط: ميرزا هادئ، لكهنؤ ١٣٢٧م/ محمد صالح كنبوه: شاهجهان نامه، ط: كلكتا، الند ١٩٣٩م/ منشي محمد كاظم: عالمكير نامه، ط: كلكتا، الهند ١٨٦٨ م / محمد ساقي مستعد خان: مآثر عالمكيري، تحقيق مولوي أغا محمد علي، ط: الجمعية الآسوية ببنكال عام ١٨٧١م. / للاطلاع على تاريخ الأسرات الحاكمة راجع المستشرق زمباور معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامى، ط: دار الرائد العربي، بيروت ٤٠٠ ١/ ١٩٨٠ م].

تاريخ أفغانستان الحديث

يبدأ تاريخ أفغانستان الحديث مع ازدياد المقاومة الأفغانية ضد الدولة الصفوية، خصوصًا بعد قيام ميرويس خان بتأسيس دولة هوتيكة- وكان ينتمي إلى قبيلة غلجي أو غلزي، في عام١١١٩هـ/ ١٧٠٧م في قندهار، وقد قاد ثورة عنيفة على حاكم قندهار التابعة للدولة الصفوية، وقتل كل الفرس الموجودين فيها، واستطاع الاستيلاء على أفغانستان كلها، وبعد وفاته عام١١٢٧ هـ / ١٧١٥م خضع أخوه عبد العزيز للدولة الصفوية مرة ثانية، ولكن ثار ابن أخيه محمود بن ميروس خان، وقاد جيشًا كبيرًا ضد الصفويين، ولم تستطع الدولة الصفوية المقاومة، فاستسلمت بعد حصار دام ستة أشهر، وذلك في عام ١١٣٥هـ/ ١٧٢٢م، وعمد محمود مباشرة إلى تنظيم الإدارة والاقتصاد، ولكنه توفي في ١٢شعبان عام ١١٣٧ هـ / الموافق ٢٥ أبريل عام ١٧٢٥ م، وخلفه ابن عمه شاه أشرف بن عبد العزيز الذي واجه صعوبات عديدة في إيران من قِبَل العثمانيين والروس، ومما زاد الأمور تعقيدًا، الصراعات الداخلية بين الزعماء الأفغان، وقد قاومت قوات أشرف بنجاح القوات الروسية، ولكنها لم تستطع أن تقف في وجه الزعيم نادر شاه أفشار الذي هزم أشرف هزيمة نكراء، واضطر الأخير إلى اللجوء إلى أفغانستان، ثم لم يلبث أن اغتاله زعيم بلوجى هو إبراهيم بن عبد الله خان في أثناء رجوعه في أواخر عام ١١٤٢هـ/ ١٧٢٩م.

يعتبرعصر الهوتكيين عصرًا مهمًا للغاية في تاريخ أفغانستان، فمن ناحية تم تأسيس دولة أفغانية خالصة مثلتها القبائل الأفغانية من خلال الممارسات العسكرية الناجحة ضد الدولة الصفوية، ومن ناحية أخرى سنحت الفرصة للغة البُشتو وآدابها أن تزدهر في المنطقة. [see g.p. tate: kingdom of afghansten- a historical sketsh p. culcutta ١٩١١-H. A ross: A glossaryof tribes and castes of the Punjab and frontier provinces,p. lahor ١٩١١-١٩١٩]

لقد انتخب نادرشاه قلى بيك الملقب بأفشار شاهًا لإيران عام١١٤٨هـ /١٧٣٥م، ذلك بعد ما استولى على إيران وهراة، ثم توجه في السنة التالية نحو قندهار التي استولى عليها بعد حصار دام سنة، وغيَّر سياسته حيال الأفغان، وصالحهم، فدخلوا في جيشه أفواجًا، ثم تمكن من الاستيلاء على غزنة وكابل عام ١١٥١ هـ/ ١٧٣٨م، ومِن ثَم اصطدم مع الدولة المغولية في الهند، وجعل منطقة أفغانستان قاعدة عسكرية له لمهاجمة الهند، ثم توجه إلى الهند، وانتصر على المغول عام ١١٥٢هـ/١٧٣٩م، وفي أثناء عودته عبر أفغانستان إلى إيران، واغتيل في عام ١١٦٠ هـ /١٧٤٧م. [حول حياته السياسية والعسكرية راجع رضا زاده شفق: نادر شاه أفشار، مؤسس الأفشارية، في نظر المستشرقين ترجمة أحمد الخولي، ط: المركز القومى للترجمة، القاهرة ٠ ١ ٠ ٢م].

إثر وفاة نادر شاه، وصل أحمد خان الأبدالي، الذي كان يشغل رتبة عالية في القوات النادرية مع فرقته العسكرية المكونة من الأفغان إلى قندهار، واختاره المجلس القبلي ملكًا، وجعل أحمد "قندهار عاصمة ملكه، وغيَّر اسمها إلى أحمد شاهي، كما لقب نفسه "دُرِّدُران"، وعرف قومه منذ ذلك الوقت بلقب دُرّاني بدلا من "أبدالي"، وقد تفوق أحمد شاه الدراني على نادر شاه في توسيع مملكته، وبرهن بسرعة على أنه حاكم قدير استطاع أن يحظى بمحبة شعب أفغانستان، وجعلهم أمةً قوية، وهاجم الهند مرارًا وتكرارًا، وسيطر عليها، وتمكن من إلحاق الهزيمة التاريخية بقوم مرهتا في الهند عام ١١٧٤هـ/ ١٧٦١م، وقام بإنجازات هائلة في مجال النظم والإدارة، ومن ثَم حظي -نتيجة لشمائله، ومزاياه الأخرى إضافة إلى شجاعته الخارقة- بلقب بابا أي: والد الأمة الأفغانية.

وقد توفي في قندهار عام ١١٨٦هـ/ ١٧٧٢م، وترك لأولاده إمبراطورية واسعة مترامية الأطراف، ولكنها غير مستقرة. [حول سيرته راجع سيد غلام محمد غبار: أحمد شاه باب، ط: كابل ١٩٤٤ م].

بعد وفاة أحمد شاه خلفه ابنه تيمور الذي عاش طول حياته في قمع الثورات، والفتن، وكان غير مرغوب لدى قومه، وبعد موته عام ١٢٠٧ هـ / ١٧٩٣م، وقع الخلاف والتنافس بين أبنائه: زمان شاه ومحمود شاه وشاه شجاع الملك، مما أدى إلى اضطراب الأوضاع، وازدياد نفوذ أسرة البارك زئي، حتى استطاع دوست محمد خان قائد هذه الأسرة الاستيلاء على كثير من المناطق الأفغانية بما فيها كابل وبيشاور، ثم قضى على أسرة أحمد شاه دراني، ووزعت أفغانستان بين الإخوة من آل البارك زئي، وعانت أفغانستان كثيرًا في تلك الأثناء بسبب الفوضى التي أعقبت النزاعات، والصراعات الداخلية، مما أعطى الفرصة للعناصر الخارجية؛ للتدخل في شئون أفغانستان الداخلية، ومنها: الروس والفرس والإنجليز، فقد طلب الأمير دوست محمد المساعدة السياسية والعسكرية من الحكومة الإنجليزية المحتلة ضد أخيه، وضد السيخ، فلبَّى الإنجليز نداءه، وجاءته بعثة بريطانية تحت قيادة السير ألكسندر برنس (sir Alexander Burns) ولكن البعثة أخفقت في مهمتها عندما رفض برنس إعطاء دوست محمد الإمدادات العسكرية الكاملة؛ لاستعاده بيشاور، وبدلًا من ذلك قامت البعثة الإنجليزية بعقد الاتفاقيات مع شاه شجاع بهدف إعادته إلى عرش أفغانستان، وفتح كابل، مقابل فتح السفارة الدائمة في كابل، وعدم إيجاد أية علاقات خارجية دون موافقة الحكومة الإنجليزية، والتنازل عن منطقة كشمير والسند لصالح الحكومة الإنجليزية، فوافق شاه شجاع الملك على ذلك، ومن هنا أمر حاكم الهند البريطاني بشن هجوم على أفغانستان بهدف إعادة شجاع الملك إلى العرش، وتم كل ذلك بنجاح، ولكن الأفغانيين لم يكن لديهم الاستعداد لتحمل احتلال أجنبي، أو قبول ملك مفروض عليهم؛ لذلك اندلعت الثورات الأفغانية ضد الحكومة الإنجليزية، وتمكن دوست محمد خان من أن يهرب من سجنه، ويعود إلى أفغانستان؛ ليقود الثورة ضد الحكومة الإنجليزية، ومع أنه انتصر عليهم إلا أنه اضطر فيما بعد إلى تسليم نفسه للبريطانيين في كابل حيث عاملوه باحترام، ونقلوه إلى الهند، ولكنهم سمحوا له بالعودة بعد مقتل شجاع الملك، واستمر دوست محمد في الحكم حتى وافته منيته عام١٢٧٨هـ/ ١٨٦٢م، واستطاع في سنوات حكمه أن يستعيد بلخ، وخلم، وقندز وبدخشان، كما تمكن من طرد الفرس من هراه. [راجع شاه شجاع سدوزني: واقعات شاه شجاع، ط: كابل ٩٥٣ ١م/ الله بخشي يوسفي: تاريخ آزاد يتهان، لاهور١٩٥٩م/ يوسف زئي افغان، ط: لاهور١٩٦٠م].

جلس "شير علي" الابن الثالث "لدوست محمد" على عرش أفغانستان بعد وفاة أبيه، وقد اعترفت الحكومة الإنجليزية بإمارته على أفغانستان كلها، وفي عام ١٢٨٦هـ / ١٨٦٩م تبودلت السفارات بين الجانبين إلا أن هذه العلاقات تكدرت فيما بعد، بسبب بعض المصالح السياسية، والعسكرية، وقد بادر شير فأقام العلاقات الخارجية مع روسيا مما أدى إلى حرب عام ١٢٩٥- ١٢٩٧هـ / ١٨٧٨-١٨٨٠م بين الجانبين، وانتهي الأمر باستيلاء الحكومة الإنجليزية على كابل وقندهار.

وبعد أن توفي "شير علي" في عام١٢٩٦ هـ / ١٨٧٨م، اعترفت الحكومة الإنجليزية بموجب المعاهدة بيعقوب خان بن شير علي أميرًا على أفغانستان، وتم الاتفاق على وجود سفارة دائمة للحكومة الإنجليزية في كابل، وأن تكون علاقاته الخارجية مع الدول الأخرى على حسب رغبات الحكومة الإنجليزية، ومصالحها، ومقابل هذه الامتيازات وعدت الحكومة الإنجليزية بمنحه المساعدة؛ لمواجهة أى اعتداء خارجي على أفغانستان، ولكن انتصار الحكومة الإنجليزية كان قصير الأمد، ففي عام١٢٩٦هـ/ ١٨٧٩م اغتيل المندوب البريطاني السير لويس كواغنرى:(sir Louis cavagnari) مع مرافقه في كابل، وأرسلت الحكومة الإنجليزية قواتها التي احتلت كابل مرة ثانية، وأجبر يعقوب خان على التنازل، واعترفت الحكومة الإنجليزية بمحمد عبد الرحمن خان، حفيد دوست محمد أميرًا على كابل، فلما توفي عام ١٣١٩هـ/ ١٩٠١م خلفه ابنه الأكبر حبيب الله خان، وفي عهده ازدهرت الأوضاع الثقافية، والاجتماعية، كما اتُّخِذت الإجراءات اللازمة؛ لإدخال الآليات والوسائل الحضارية الحديثة، وظهرت الصحف والجرائد القومية باللغة الفارسية، وبلغة البُشتو، وقد اُغتيل حبيب الله في عام ١٣٣٧هـ/١٩١٩م في معسكره في قلعة كوش قرب جلال آباد، وقد استولى ابنه أمان الله خان على الحكم، وأعلن نفسه ملكًا، ثم أعلن استقلال أفغانستان عن الاحتلال الإنجليزي مما أدى إلى نشوب الحرب مع الحكومة الإنجليزية، ثم وقعت معاهدة روالبندي عام ١٣٣٧هـ/١٩١٩م، وقد اعتُرِف فيها باستقلال أفغانستان، وقام أمان الله بإنشاء علاقات دبلوماسية مع العالم الخارجي، كما تابع منهاج والده الإصلاحي، ولكنه اضطر إلى مغادرة أفغانستان؛ للاقامة الدائمة في إيطاليا. [حول حياته السياسية والعسكرية راجع عزيز هندي: زوال غازى أمان الله خان، ط: امرتسر باكستان ٤ ٩٣ ١م].

وفي عهد نادر خان، الذي أخرج البلاد من الفوضى العارمة بعد مغادرة عمه أمان الله، تم ترميم المدارس القديمة مع إنشاء الأكاديميات والكليات الحربية باسم دار الفنون وكذلك الكليات الطبية، كما أرسل بعض الطلاب الأفغان إلى الخارج؛ للحصول على الدراسات العليا في المجالات العديدة.

وحينما اغتيل نادرخان في أثناء توزيعه الجوائز على طلاب المدارس في ٢٠ رجب عام ٣٥٢ ١هـ / الموافق ٨ نوفمبر عام١٩٣٣م، خلفه ابنه الأوحد محمد ظاهر الذي تابع سياسة والده في تثبيت كيان أفغانستان القومي.

وفي عام ١٣٨٣هـ/ ١٩٦٤م أعلن الدستور الجديد الذي وافق عليه مجلس أعلى يضم كل الزعماء، والأشراف، وبموجب هذا الدستور، أصبحت المَلَكية في أفغانستان دستورية، وأضحى هناك فصل كامل وواضح بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

استمر الحكم ملكيًا دستوريًا حتى عام ١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م حينما أعلن النظام الجمهوري في أفغانستان نتيجة انقلاب غيردموي، قاده الجنرال محمد داود خان، بينما كان الملك محمد ظاهر شاه يقوم بزيارة إلى إيطاليا، وأصبح داود خان رئيسًا للجمهورية ورئيسًا للوزراء.

ثم في عام ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨م أصبحت أفغانستان جمهورية ديمقراطية، ولكن سرعان ما دخلت في الحرب الدامية مع القوات السوفيتية في عام ١٤٠٠ هـ / ١٩٨٠م، وكان هدف روسيا الاستيلاء على أفغانستان، وعلى مواردها الطبيعية، وثرواتها، وخيرها، وقد استمرت تلك الحروب نحو تسع سنوات فقد خلالها نحو١٥ألف قتيل، وفي عام ١٤٠٨هـ/ ١٩٨٨م تم التوقيع في جنيف وبإشراف الأمم المتحدة على انسحاب القوات السوفيتية، وإقامة حكومة أفغانية محايدة، وإعادة اللاجئين، بيد أن المجاهدين رفضوا الاتفاق، وصمموا على متابعة القتال في حين تابع السوفييت الانسحاب من جانب واحد، وأتموه في عام ١٤٠٩هـ / ١٩٨٩م، وظل الصراع محتدمًا بين فصائل المجاهدين بزعامة صبغة الله مجددي رئيس مجلس الشورى والحكومة المؤقتة من جهة، وقوات الحكومة بزعامة محمد نجيب الله من جهة أخرى.

وبعد محاولة انقلاب غير ناجحة في عام ١٤١٠ هـ /١٩٩٠م، وتخلى نجيب الله عن منصبه، ولجوئه إلى الأمم المتحدة، خلا الجو لفصائل المجاهدين؛ للسيطرة على كامل البلاد، لكن الأمور ساءت من جديد، وتجدد الصراع بين المجاهدين أنفسهم من أجل السلطة، وما زال مستمرًا على الرغم من المحاولات الجادة التي تُبذل؛ لإعادة الهدوء والاستقرار إلى البلاد. [for more details see: mohan lai :life of dost Mohamed,p culcutta ١٨٦٤-w.k.fraser- tytler: afghanstan A- study of political developments, p. London ١٩٥٣ c.c davivies: problem of the north west frontier ,١٨٩٠-١٩٠٨,p London ١٩٣٧-derand:causes of the first afghan war, p. London ١٨٧٩-j w kaye: history of afghan war,p. ١٨٧٤- the secondafgan war, ١٨٧٨-١٨٨٠ , abridged official account, p. London ١٩٠٨ the third afghan war ١٩١٩,official  - afghan war of ١٨٧٩- ٨٠, p. landan ١٨٨١- account, culcnuotta ١٩٢٩]

الخلاصة

يتضح من استعراض تاريخ أفغانستان أنها كانت ملتقى للحضارات، ومسرحًا للصراعات السياسية والدينية عبر العصور، فقد ساهم موقعها الجغرافي، وتنوعها الثقافي في تشكيل هوية حضارية فريدة، أثرت وتأثرت بجيرانها، ومن خلال تعاقب الدول الإسلامية عليها، برزت كقوة استراتيجية ذات تأثير عميق في تاريخ المنطقة.

موضوعات ذات صلة

كلمة (باكستان) مكونة من كلمتي (باك) ومعناها طاهرة و(ستان) معناها أرض.

هي جمهورية إسلامية ذات تاريخ عريق وموقع استراتيجي فريد.

 واحدة من أكثر الدول تنوعًا في النسيج الجغرافي والعرقي، وكذلك التنوع الديني.

موضوعات مختارة