Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

باكستان

الكاتب

أ/ صاحب عالم الأعظمي الندوي

باكستان

باكستان، التي تعني (الأرض الطاهرة)، تشكل دولة ذات تاريخ غني، وحضارة عريقة تعود لآلاف السنين؛ حيث تمزج بين التنوع الجغرافي والثقافي والسياسي في قلب جنوب آسيا.

التعريف بدولة باكستان

كلمة (باكستان) مكونة من كلمتي (باك) ومعناها طاهرة و(ستان) معناها أرض، أي الأرض الطاهرة، وهما كلمتان فارسيتان دخلتا اللغة الأردية التي اختارتها دولة باكستان لغة رسمية لدى استقلالها عن الهند في٢٧ رمضان عام ١٣٦٦هـ / الموافق ١٤ أغسطس ١٩٤٧م؛ وذلك عقب انتهاء الاستعمار الإنجليزي الذي لعب دورًا  كبيرًا في التقسيم، وقد انضمت كل من المناطق الشرقية والغربية إلى باكستان، وتضم الناحية الغربية كلًا من كراتشي مركز حكومة باكستان بعد الاستقلال، وإقليم بلوجستان وبيشاور وإقليم الحدود والسند والبنجاب، واتخذت باكستان من مدينة كراتشي عاصمة لها، ثم انتقلت منها إلى مدينة راوليندي ثم إلى إسلام آباد عاصمتها الحالية، هذا وقد حدث خلاف سياسي كبير حتى وصل الأمر إلى الحرب بين باكستان الشرقية والغربية، وانتهي الحال باستقلال باكستان الشرقية التي أطلق عليها اسم بنجلاديش، وكان ذلك في عام ١٣٩٣هـ/١٩٧٤م.

جغرافية باكستان

يمكن تقسيم دولة باكستان إلى ثلاث مناطق جغرافية هي:

 ١- مناطق جبلية: حيث تمتد سلسلة من الجبال في شمال وغرب باكستان، ومنها جبال الهند كوش التي تمتد من الشمال حتى البحر جنوبًا، ومنها سلسلة من الجبال الممتدة في غرب وادي سند، والتي تصل إلى بحر العرب شمالًا وجنوبًا، ومن أشهر هذه الجبال (كوه سفيد)، و (كوه سليمان)، و (وكوه كيرته) وغيرها والتي تصل إلى التركستان وأواسط آسيا عبر بلاد الأفغان، وإلى إيران عبر بلوجستان، وتوجد في هذه الجبال ممرات عديدة كانت تساعد الغزاة والمهاجرين على الدخول إلى شبه القارة الهندية، أشهرها (ممر خيبر)، و(كرم) و(كومل)، و (توجي) و (بولان) وغيرها.

 ٢- مناطق ميدانية: يطلق على نصف الأراضي الشرقية ميدان السند، ويجري فيه نهر السند الرئيسي، وروافده الخمسة وهي (ستلج)، (راوي)، (جناب)، (بياس)، (جهلم)، ولها رافد سادس هو نهر كابل الذي ينبع من جبال الهند كوش، ويلتقي بالنهر الرئيسي في ناحية الغرب، ومن أشهر المناطق الزراعية البنجاب والسند، وبهاول بور.

 ٣- مناطق عالية: تنقسم هذه المناطق إلى:

  • أ‌بوتهوهار [أردو دائرة معارف إسلامية، ط٢: زير اهتمام داتش كاه بنجاب، لاهور، ١٤٢٣ه/٢٠٠٣م، جه، كلمة (باكستان)]. التي تقع في ناحية نهر جهلم، ومن أشهر مدنها راولبندي، كيمل بور، وجهلم، وإلى
  •  بلوجستان التي تمتد حدودها إلى إيران.

سكان باكستان ولغتها

من المعروف تاريخيًا أنه قد وردت على باكستان أجناس وقبائل مختلفة من خلال الهجرات المتتابعة، خصوصًا من مناطق آسيا الوسطى وغرب آسيا، وقد استقرت معظم القبائل والأجناس، بعد عبورها حدود باكستان الغربية، في منطقة السند والبنجاب، وبمرور الوقت اختلطت من خلال اندماجها مع السكان المحليين مما أدى إلى نشأة الجنس الدراوري، وتوالت موجات الأجانب من الآريين واليونانيين والإيرانيين والعرب والأتراك والتورانيين والمنغوليين عبر العصور التاريخية، وعلى كل فإنه ينتمي معظم سكان هذه المنطقة إلى الجنس الآري، بجانب ذلك هنالك قبائل عديدة تنتمي إلى الجنس الدراوري، هذا وتوجد في منطقة باكستان لغات عديدة ترجع معظمها إلى الأصل الآري، من أشهرها اللغة البنجابية، وترد إليها كل من اللغة السرائيكية واليهوتهوهارية بجانب اللغة الهندية والسندية والبشتو والبلوجية، ولكن أعظم لغات باكستان انتشارًا هي اللغة الأردية التي أصبحت لغة رسمية لدولة باكستان بعد استقلالها عام ١٣٩٣هـ/١٩٧٤م[-See Jane Hill: Pakistan land and People, P.Lahore ١٩٦٠/E.C. Stamp: First Geography of ( Pakistan and India, Lahore ١٩٦٢/Saeed EL-Din Ahmed: AGeography of Pakistan, Karachi

١٩٦٦.]

تاريخ باكستان القديمة

أ- الحضارة القديمة: تفيد أمهات المصادر أن منطقة باكستان إحدى أقدم المناطق الحضارية في العالم، إذ تعود حضارة حوض نهر السند إلى ٧٠٠٠ عام تقريبًا، ولكن من الصعب تحديد الفترات التي نشأت فيها أول المجتمعات الإنسانية؛ لأنه قد تم العثور على بعض الأدوات المصنوعة من الأحجار يرجع تاريخها بحسب خبراء الآثار إلى أربعمائة ألف سنة، وحضارة وادي السند التي تم العثور على بقايا من آثارها في منطقة (موهنجداروMoHenjo-daro) الواقعة في منطقة السند، و(هربًا Harappa) الواقعة في منطقة البنجاب الغربية، وهي الصورة الأقدم التي بحوزتنا عن حضارة باكستان القديمة، والتي تطورت بواسطة جماعات كانت تمارس الزراعة والرعي وعمل بعضها بالتجارة، وتقريبًا في عام ٢٥٠٠ ق.م. أصبحت هذه الجماعات أكثر اتحادًا؛ حيث قامت بإنشاء المدن المخططة، وترتب على ذلك أن هذه الحضارة استغرقت آلافًا من السنين حتى وصلت إلى ذلك المستوى الحضاري العالي، ولم تكن حضارة وادي السند تضاهي حضارات العالم القديمة من بلاد فارس وما بين النهرين ومصر فحسب؛ بل كانت متواصلة معها من خلال إيجاد العلاقات التجارية عبر المناطق الخليجية العربية الوسيطة، وتشير المصادر - التي أُعدت معتمدة على آثار هذه المنطقة - إلى ازدهار وادي السند حضاريًا معتمدًا على المدن ذات البيوت الكبيرة والأسواق والدكاكين والحمامات والآبار بجانب الأدوات المنزلية والحرفية والزينة، وعند المقارنة بين حضارة وادي السند من جهة، والحضارتين المعاصرتين في كل من بلاد ما بين النهرين ومصر يتأكد تفوق حضارة السند على أقرانها: (إنه يمكن أن تتم المقارنة بين البيوت الكبيرة ذات الطبقتين والتي قوامها الآجر المتين، والحمامات المتقنة لمواطني (-Mohenjo-daro) وبين ما في مصر وبلاد ما بين النهرين، ففي هذه البلاد كان الكثير من المال والفكر يتم توظيفه لبناء الهياكل الفخمة للآلهة والقصور الكبيرة والمقابر المكلفة للملوك والأمراء، أما باقي الشعب فكان مضطرًا إلى أن يكتفي بالمساكن الطينية البسيطة، أما في وادي السند فالصورة معكوسة؛ حيث المباني والمنازل الأكثر روعة وهي تلك التي شُيِّدت لسكنى المواطنين، فهناك حمامات عامة وخاصة، بالإضافة إلى وجود نظام صرف المياه الممتازة التي توجد في هذه المناطق، فهي الأولى من نوعها بين ما تم العثور عليه حتى هذا التاريخ في جميع أنحاء العالم. Vere Girdon Childe: What Happened in History, A Pelican book, ١٩٤٠/ Jawaharlal Nehru: (The Discovery of India, Sixth impression ١٩٨٨, Delhi/ F.E. Pargiter: Ancient Indian Historical Tradition, London ١٩٢٢/H.C. Raychaudhuri: Political History of Ancient India, Sixth impression, Calcutta١٩٥٣

ب - الحضارة الهندوسية والبوذية: يعتقد المؤرخون أن الهجرات الآرية بدأت بعد حقبة حضارة وادي السند بألف وخمسمائة سنة قبل الميلاد، واستقرت قبائلها في غرب باكستان وتتحدث المصادر عن النظم الاجتماعية والاقتصادية الرائجة في المجتمع الآري آنذاك، وكانت عادة إحراق جثث الموتى أو دفنها معروفة في المجتمع الآري، وكان الشعب الآري يعيش على الخضراوات والألبان ومنتجاتها واللحوم، ومظاهر الاجتماع عندهم بسيطة للغاية؛ حيث كانوا يقطنون في القرى والأرياف، وكانوا جميعًا مزارعين؛ لأن الزراعة عندهم تعتبر مهنة شريفة دينيًا حتى كلمة (آريه) معناها الأصلي الحرث والفلاحة، ويطلق على ذلك العصر (العصر الفيدي)، وبعد انتهاء هذا العصر ظهرت التغيرات الكبيرة في الحياة الاجتماعية والسياسية، ومن أهمها تطبيق نظام الطبقات الاجتماعية المنغلقة على نفسها، وقد بدأ هذا التقسيم الاجتماعي عند الآريين وغير الآريين، كما تم تشكيل الحكومات المحلية، وتلاشت النظم القبلية، وتطور العمران ونشأت الحضارة الجديدة، ومن أهم المدن التي أنشئت آنذاك مدينة (تيكسالا) التي كانت تلعب دورًا اقتصاديًا وثقافيًا في آن واحد، هذا وقد تمكن الفرس في القرن السادس قبل الميلاد من الاستيلاء على معظم مناطق باكستان بما فيها إقليم السند والقسم الشمالي الغربي من هذه البلاد، واستفاد الفرس من خيراتها وثرواتها زهاء قرنين من الزمان، ولما ضعفت السيطرة الإيرانية على المناطق الباكستانية في النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد، أدى ذلك إلى تقسيم هذه المنطقة إلى دويلات صغيرة، ولما فتح الإسكندر الأكبر إيران في عام ٣٣١ ق.م، تواصلت عملياته العسكرية إلى أن تمكن من الاستيلاء على المناطق الشمالية وعلى منطقة السند الجنوبية، وعلى الرغم من أن الإسكندر عاد مع جيشه إلى حيث أتى، إلا أن هذه الغارات العسكرية اليونانية تركت تأثيرًا بالغًا على تاريخ هذه المنطقة وحضاراتها، كما ساعدت على الاتصال بالعالم الخارجي.

وقد حاولت الدولة الهندوسية المورية - التي أسسها جندر كيت موريا- توحيد البلاد، ونشر الثقافة الهندوسية بجانب تطوير النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كذلك قام ملوك موريا بتوطيد العلاقات مع الدول ذات الحضارة المعاصرة لها، وقد أضاف الملك أشوكا، حفيد الملك جندر كيت موريا، بعد ولايته على العرش عام ٢٧٣ ق.م. مآثر حضارية كثيرة لهذه الدولة، ثم اعتنق البوذية، وأسهم عبر القنوات العديدة في تبليغ الدعوة البوذية التي انتشرت في مناطق السند والبنجاب وكشمير، ثم فيما بعد في البلاد الشمالية المجاورة، وغدت المؤسسة التعليمية (تيكسلا) السندية مركزًا مهمًا للديانة البوذية، وتنعكس مجهودات الملك (أشوكا) الدعوية في المعابد البوذية والتماثيل التي أقيمت في مناطق باكستان، وبعد سقوط الدولة المورية عمَّت الفوضى وبدأت الهجمات الخارجية الإيرانية واليونانية مرة ثانية، خصوصًا في المناطق السندية والبنجابية، وفي نهاية القرن الأول الميلادي عبرت قبائل (كوشان) الآتية من آسيا الوسطى، واستولت على هذه المنطقة، وبعد سقوطها انتقل الحكم للقبائل العديدة، ثم انتقلت السلطة إلى الأسرة البرهمية تحت قيادة الملك البرهمي داهر، وهو الذي كان حاكمًا على السند عند الفتوحات الإسلامية تحت قيادة محمد بن القاسم الثقفي - رحمه الله -.

]V.A. Smith: The Early History of India, Oxford, ١٩١٤/Majumdar-Pusalkar: History and ( Culture of the Indian People, Vedic Age, London ١٩٥١/ Budh Parkash: Political and Social Movement in Ancient Punjab, Delhi ١٩٦٤/ R.C. Mookerji: Chandra Gupta Maury and his Times, Madras ١٩٤٣/ Rumila Thapar: Ashoka and the Decline of Maurya, Oxford ١٩٦٣[.

العلاقات العربية الهندية

أ- في عهد ما قبل التاريخ: كانت التجارة هي الخيط الأول الذي ربط الهند من خلال مناطقها الساحلية مثل السند والكجرات بالعرب، فمن آلاف السنين والتجار العرب يتوافدون إلى سواحل الهند الغربية، خصوصًا الذين كانوا ينتمون إلى منطقة الخليج العربي ذات البيئة الجغرافية المميزة، والموقع الإستراتيجي؛ فكانت تلعب دورها الأساسي في الصلات التجارية بين كل من وادي السند وبلاد الرافدين وفارس ودول إفريقية أخرى، وتفيد المصادر أن السلع التجارية المختلفة قد توفرت في مناطق العالم القديم؛ نتيجة للتفاوت بين بيئة كل من وادي السند وبلاد الرافدين ومنطقة الخليج، وهو الأمر الذي نتج عنه توافر مواد معينة في كل بيئة تفتقر إليها البيئات الأخرى، مما أدى إلى إيجاد العلاقات التبادلية في المنتجات المحلية.

 ونشأ من ذلك نشاط تجاري تمثَّل في العمليات التجارية المباشرة وغير المباشرة، وقد ساعد على بروز النشاط التبادلي للسلع والمنتجات، شبكة جيدة من طرق المواصلات البرية والبحرية على حد سواء، وتجدر الإشارة إلى أن حضارة وادي السند كانت تمتاز آنذاك بتوفير المواد الأولية خصوصًا الأخشاب، والأحجار الكريمة والعاج، والمواد الغذائية، كما تميزت بسهولة الاتصال البحري، فنشأت تبعًا لذلك المراكز التجارية التي امتدت من (هربا Harappa) الواقعة في منطقة البنجاب الغربية، و(موهنجدارو - Mohenjo-daro) الواقعة في منطقة السند، كما أنشئت المواني المهمة قرب سواحل البحر العربي؛ لنقل السلع إلى المناطق الخليجية، والظاهر أن هذه العلاقات التجارية استمرت لقرون مما ساعد على توطيد الصلات التجارية والاقتصادية بين الطرفين، وقامت هذه المناطق معًا بمغامراتها الملاحية والبحرية، واكتسبت المعرفة الملاحية والبحرية من خلال التواصل الحضاري.

 من هنا نستطيع أن نستنتج أن أسس العلاقات التاريخية بين الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية نشأت وتطورت من خلال وادي السند والبنجاب، وقد هيأ هذا الرصيد من العلاقات القديمة الأرضية المناسبة لدخولها مرحلة النضج والاكتمال في العصر الإسلامي. [ للاستزادة راجع الكتب التالية: مقبول أحمد: العلاقات العربية الهندية، تعريب نقولًا زيادة، ط. بيروت ١٩٧٤م ، أحمد محمد بن حراي، العلاقات الحضارية بين منطقة الخليج العربي وشبه القارة الهندية، وجنوبي شرق آسيا، بحوث تاريخية، ط. الجمعية التاريخية السعودية بالرياض، ٢٠٠٦م ، سليمان ندوي، عربون كافن جهاز راني، أكاديمية شبلي النعماني Raymond and Bridget Allchin: The Birth of Indian Civilization, London ١٩٦٨/الهند Howkes: The First Great civilization, London ١٩٧٣/ SRIV ASTAVA, BALRAM: Trade and Commerce in India: From the Earliest Time to C.A.D. ٣٠٠ Varanasi ١٩٥٨/ SAXΕΝΑ, K.K.: Ancient Contacts between India and Countries across the Arabian Sea. Indo- Asian Culture XVII, ١٩٦٨.].

 ب - في العهد الإسلامي: باكستان في عصر الدولة العربية ٢٢- ٣٩٦هـ/٦٤٢- ١٠١٠م: نستطيع أن نقسّم عصر الدولة العربية، التي حكمت في منطقتي البنجاب ووادي السند أكثر من مائتي عام، إلى ست مراحل متتالية:

المرحلة الأولى: بدأت بالحملات الإسلامية في عهد الخليفة الثالث عثمان - رضي الله عنه -، وكان الهدف من تلك الحملات: الإعداد لفتح المناطق الشرقية الجنوبية، وتأديب قراصنة السند الذين كانوا يهاجمون السفن التجارية في الخليج العربي، ولم تكن حملات إسلامية منظمة هدفها الاستقرار السياسي في هذه المنطقة، إنما هي حملات أولية أسندت إلى فرق استطلاعية هدفها الاستكشاف والتعرف وجمع المعلومات عن هذه البلاد، وقد استمرت هذه الاحتكاكات العسكرية والمناوشات زمن الخلافة الراشدة (١١- ٤٠هـ/٦٣٢- ٦٦٠م)، ثم في عهد إمارة معاوية - رضي الله عنه - (ت٦٠هـ/٦٧٩م)، إلى أن قامت الدولة الأموية (٤١- ١٣٢ هـ/٦٦١- ٧٥٠م)، وتولى الحجاج بن يوسف الثقفي (ت ٩٥هـ /٧١٣م) أمر العراق والولايات الشرقية عام٧٥هـ/٦٩٤م، في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (ت ٨٦هـ/٦٤٦م).

المرحلة الثانية (٩٢ – ٩٦هـ/٧١٠-٤ ١ ٧م): وهي مرحلة الفتوحات الإسلامية، والاستقرار السياسي، وتأسيس الدولة العربية بقيادة الفاتح محمد بن القاسم الثقفي (ت ٩٥هـ/٧١٣م)، الذي تعامل بعد فتح السند مع الأهالي برفق ومحبة، ونفث فيهم روح العدالة الاجتماعية والمساواة، كما سمح لهم بالحرية الدينية والثقافية، واتخذ الإداريين من الهنود المهرة كمعاونين له، وللإدارة الجديدة، وأقام المجتمع الإسلامي من خلال جلب الأُسَر العربية واستقرارها بين أهالي السند والبنجاب، بهدف الاحتكاك الاجتماعي والثقافي، مما خلق الجو المناسب للأُسَر العربية للعمل على نشر الإسلام بالحسنى، واستقبل أهالي هذه المناطق هذه التغيرات الديموغرافية، وتعلَّموا اللغة العربية وألَمُّوا بالثقافة الإسلامية، وأصبحت اللغة العربية تتداول بجانب اللغة السندية.

المرحلة الثالثة (٩٦- ١٣٢ هـ/٧١٤-٩ ٤ ٧م): كانت هذه المرحلة في نظر الباحثين مرحلة تذبذب وانتقال، إلا أنها مهمة للغاية في الاستقرار وترسيخ الصلات الحضارية بين الجزيرة العربية وهذه المناطق الباكستانية، وكانت البلاد خلالها تخضع لوالٍ يعينه الخليفة الأموي ويعزله، وكان ذلك الوالي خاضعًا للخليفة إداريًا وماليًا وسياسيًا.

المرحلة الرابعة (١٣٢- ٢٤٠هـ/٧٤٩- ٨٥٤م): وقد نُقل فيها الحكم للعباسيين واستقرت الأوضاع السياسية والثقافية وتبلورت نتائجها في هذه الفترة، وجلبت الخلافة في بغداد علماء الهند وأطباءها؛ لتطوير العلوم والطب، وكانت الإدارة تابعة للإدارة المركزية في بغداد مثلما كانت في العصر الأموي، وقد حدثت بعض الاضطرابات السياسية داخليًا وخارجيًا في هذه المرحلة.

المرحلة الخامسة (٢٤٠- ٣٧٣هـ /٨٥٤- ٩٨٣م): وهي مرحلة الاستقلال الذاتي التي انفرد الولاة خلالها بحكم البلاد وانتشرت فيها العصبية القبلية، والحروب الداخلية، الأمر الذي أدى إلى انقسام هذه المنطقة إلى دولتين عربيتين، إحداهما في المنصورة، شرقي نهر السند تحت رياسة بينهبار، والأخرى في الملتان بمنطقة البنجاب غرب نهر السند، تحت إمارة بني المنبه، وكان الحكم في كلتيهما وراثيًا مع التبعية الدينية والسياسية دون الإدارية والاقتصادية للخليفة العباسي.

 المرحلة السادسة والأخيرة (٣٧٣- ٤١٦هـ/٩٨٣- ١٠٢٥م): دبَّ في هذه المرحلة الضعف والاضطراب في الإدارة العربية بسبب الصراعات السياسية والدينية، مما دفع العناصر الشيعية إلى استغلالها سياسيًا ودينيًا، تمكنت هذه القوى من إقامة دولة شيعية في الملتان عام ٣٧٢ه / ٩٨٣م، ثم في المنصورة عاصمه السند في عام ٤١١ه/١٠٢٠م، ثم عادت هذه الولايات إلى المذهب السني باستيلاء الغزنويين على الملتان عام ٣٩٦ه /١٠٠٥م، وعلى المنصورة عام ٤١٦ه/١٠٢٥م؛ وبذلك انتهي الحكم العربي لهذه المنطقة، وتمكنت السيادة الفارسية من فرض سيطرتها تحت قيادة الدولة الغزنوية.

النتائج التاريخية التي نشأت بين جزيرة العرب والسند

هذا وتمدنا أمهات المصادر العربية والمحلية بالمعلومات الزاخرة مع رصد النتائج المترتبة على العلاقات التاريخية التي نشأت بين الجزيرة العربية ومنطقة السند والبنجاب طيلة عصر الدولة العربية، وفيما يلي بعض تلك النتائج المهمة:

- حملت الفتوحات الإسلامية في عمقها بذور الاستقرار والتعايش السلمي بجانب هدفها السامي وهو نشر الدين الإسلامي والقضاء على نظام الطبقات من خلال إزالة الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين طبقات المجتمع.

- على المستوى السياسي: أصبحت منطقتا السند والبنجاب مرتبطة سياسيًا بالدولة الأموية والعباسية، الأمر الذي أدى إلى أن أصبح التقارب بين الجانبين أكثر وضوحًا منه في الفترات السابقة.

- أما على المستوى الديني: فقد ترتب على الاستقرار السياسي للدولة العربية انتشار الإسلام في الهند واعتنق كثير من زعماء منطقة البنجاب والسند الإسلام عن طواعية، خصوصًا في عهد عمر بن عبد العزيز، وكان للمعاملة الحسنة والتسامح الديني مع الأهالي الهندوس، وحركة بناء المساجد في أهم المدن الهندية المفتوحة أثر كبير في تنامي أعداد الداخلين في الدين الإسلامي.

- وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري: قويت العلاقات؛ حيث انفتحت أسواق ومراكز تجارية جديدة، بعد الفتوحات الإسلامية واستقرارها، وفتح الطريق أمام الهجرات الجماعية، وأمام تجار العرب إلى السواحل الهندية، ومما لا شك فيه أن المصالح التجارية بين المنطقتين أفرزت مناخًا من التسامح والتعايش السلمي بين الطرفين، فالتجار العرب استقروا في منطقة السند في جو من الأمان، وامتزجوا مع الأهالي.

- أما بخصوص النتائج الاجتماعية المترتبة على قيام الدولة العربية واستقرارها، فقد تجلت بصورة أوضح؛ حيث أعطت الإدارة الإسلامية الأمان للأهالي، وأبقت البراهمة في المناصب المالية والإدارية مما جعل معظم الأهالي يطمئنون للفاتحين الجدد، ومن ناحية ثانية كانت الهجرات المتبادلة إحدى قنوات هذا الاندماج الاجتماعي؛ حيث أصبحت كل من المناطق الباكستانية وبلاد الجزيرة العربية مواطن لاستقرار العرب والهنود.

- ومن البديهي أن يتمخض عن التعايش السلمي بين شعوب المنطقتين التأثير والتأثر في العادات والتقاليد الاجتماعية، مع توطيد الصلات الثقافية من خلال التبادل الثقافي بين الطرفين٠[للاستزادة راجع الكتب التالية: ابن الأثير (محمد بن محمد بن عبد الكريم، ت ٦٣٠هـ/١٢٣٢م)، الكامل في  التاريخ، عدة أجزاء، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧ ه—١٩٨٧م، ابن حوقل (أبو القاسم النصيبي، ت٦٧ه/٩٧٧م)، صورة الأرض، ط: مكتبة الحياة، بيروت ١٩٣٩م، ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري، ت ٢٧٦ه/٨٩٠)، عيون الأخبار، تحقيق منذر أبو شعر، أربعة مجلدات، ط: المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٢٩م، الإصطخري (أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي، ت ٣٤٠ه/ ٩٥٢م، المسالك والممالك، تحقيق: محمد جابر عبدالعال، ط: مكتبة الذخائر بالقاهرة، عام ٢٠٠٤م، البلاذري (أحمد بن يحيى بن جابر، ت ٢٧٩ه/٨٩٢م): فتوح البلدان، تحقيق: عبد الله أنيس الطباع، ط: مؤسسة المعارف، بيروت ١٤٠٧هـ /١٩٨٧م، المسعودي (علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت٤٦ ٣ه/٩٥٧م)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، أربعة أجزاء، ط: دار الأندلس، بيروت ١٤١٦ه/١٩٩٦م، المقدسي (أبو عبد الله محمد بن أحمد، ت ٣٧٨ه/٩٨٨م)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ط. ليدن ١٩٠٦م، الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير، ت ٣١٠ه/٩٢٢م): تاريخ الرسل والملوك، عشرة أجزاء، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط٢، دار المعارف بمصر دون تاريخ، عبد الله محمد جمال الدين: التاريخ والحضارة الإسلامية في الباكستان أو السند والبنجاب إلى آخر فترة الحكم العربي، ط: دار الصحوة دون تاريخ، السيد  أبو ظفر ندوي، تاريخ سند، ط٣، أكاديمية شبلي النعماني، الهند ١٣٩٠ه/١٩٧٠م، أعجاز الحق قدوسي: تاريخ سند، ط: مركزي أردو بورد، لاهور ١٩٧٤م.].

 في عصر الغزنويين (٣٥١-٥٨٣هـ /٩٦٢- ١١٨٦م): لقد بدأت الحملات العسكرية الغزنوية على الملتان والمنصورة وما يجاورها في بداية القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، إلا أن السلطان محمود الغزنوي تمكَّن من الاستيلاء على المناطق المذكورة أعلاه في عام ٣٩٦ه/١٠٠٥م، واستطاعت الدولة الغزنوية القضاء على القرامطة بالتعاون مع الدولة السنية الحاكمة على المناطق الباكستانية آنذاك، وسرعان ما تمَّ إلحاق هذه المنطقة بالإدارة الغزنوية ذات الجذور الفارسية، وقد ترتب على هذه التطورات السياسية والعسكرية سقوط الدولة العربية وانقراضها من بلاد السند، مما أدى إلى تغير مسار الدعوة الإسلامية، والقضاء على اللغة العربية وحلت محلها اللغة الفارسية والثقافة الإيرانية، وقد جلب السلطان محمود الغزنوي وخلفاؤه العلماء والفقهاء من خراسان وما وراء النهر، ممن غلب عليهم العلوم العقلية والشعر والفلك والنجوم والفنون الرياضية، مما أدى إلى تقلص الاهتمام بعلوم السنة والقرآن، فكان ذلك سببًا مهمًا في ضعف دراسة علم الحديث والتفسير في منطقة السند والبنجاب إبان تلك الفترة.

 وقد عبر أحد المفكرين بحق عن ذلك بقوله: "إن من حقائق فلسفة التاريخ الإسلامي: أن البلاد التي كانت العرب حملت الإسلام إليها، وإليهم يرجع الفضل في انتشاره فيها، انتشر فيها علم الحديث الشريف مع انتشار الإسلام وازدهر، إذ إنه كانت هنالك صلة قوية ومناسبة خاصة بين هذا العلم وطبيعة العرب وقوة حفظهم وحياتهم العلمية وواقعيتهم وصلتهم العميقة بشخصية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحيثما حلوا وساروا، حملوا معهم علم الحديث وعلومه، وظهرت العناية به في عهد سيادتهم وتأثيرهم ونفوذهم في قوة ووضوح، وكانت حركة تدريسه والتصنيف والتأليف في مختلف جوانبه قائمة على قدم وساق، [راجع: أبو الحسن الندوي، رجال الفكر والدعوة، أربعة أجزاء، ط٣، دار القلم الكويت، عام ١٤٢٠ه/١٩٩٩م، ج٤، ص١٤٠، حول الدولة الغزنوية، راجع الكتب التالية: أبو النصر العتبي: تاريخ يميني، ط مصر١٢٩٠ه/ الكرديزي (أبو سعيد عبد الحي بن الضحاك، ت ٤٤٣ه/١٠٥١م، زين الأخبار، ترجمة: عفاف السيد زيدان، ط: المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة٢٠٠٦م، محمد ناظم: السلطان محمود الغزنوي، حياته وعصره، ترجمة عبد الله سالم الزليتي، ط: دار المدار الإسلامي، ٢٠٠٧م، بيروت]. وكان هذا الوضع قائمًا في السند والبنجاب والكجرات -أيضًا-إلا أنه توقف بسقوط الدولة العربية على أيدي الدولة الغزنوية.

في عصر سلطنة دهلي (٦٠٢- ٩٣٢هـ / ١٢٠٥- ١٥٢٦م) [سلطنة دلهي دولة إسلامية، حكمت معظم الهند (٦٠٢ه-٩٣٢م / ١٢٠٥-١٥٢٦م)، أي خلال العصور الوسطى المتأخرة؛ حيث حكمها العديد من السلالات التركية والأفغانية بمن فيهم المماليك، اسسها محمد الفوري (ت ٦٠٢ هـ / ١٢٠٥ م) القائد الأفغاني الذي استولى على دلهي سنة ٦٠٢ه/١٢٠٥م، وأرسل محمد أحد قواده القديرين، واسمه قطب الدين أيبك وهو من الرقيق الأتراك في جولة الغزو شمال الهند، وفي سنة ٦٠٣ هـ / ١٢٠٦م أصبح قطب الدين سلطانًا على دلهي وأسس أسرة حاكمة بها وتعرف أسرته بأسرة المماليك وحكمت ما بين ( ٦٠٣-٦٨٨ه / ١٢٠٦-١٢٩٠م ) وخلفت أسرته سلالة الخلجي (٦٨٨-٧٢١ه/١٢٩٠-١٣٢١م)، ثم سلالة طغلق (٧٢٠-٨١٥ه/١٣٢١- ١٤١٣م)، ثم قضى تيمورلنك على تلك الدولة سنة ٨٠٠هـ ١٢٩٨م، وعين خضر خان نائبًا له على تلك السلطنة، فأسس فيها سلالة السيد ما بين سن (٨١٦-٨٥٤هـ / ١٤١٤-١٤٥١م)، ثم أعقبتها سلالة لودهي (٨٥٤ -٩٣٢هـ/ ١٤٥١-١٥٢٦م)، وفي سنة ٩٣٢هـ / ١٥٢٦م، انضمت تلك السلطنة إلى امبراطورية مغول الهند الفتية، تحت قيادة مؤسس الدولة المغولية في شبه القارة الهندية بابر شاه (٨٨٨-٩٣٧/١٤٨٣-١٠٣٠)]: ما إن انهارت الدولة الغزنوية على أيدي السلاجقة والغُز  حتى أخذت الاضطرابات والفتن تجتاح غزنه والولايات التابعة لها، بما فيها السند والبنجاب، وسرعان ما حل الغوريون (٤٠٥- ٦١٢هـ /١٠١٤- ١٢١٥م) محل الغزنويين بقيادة محمد الغوري (ت٦٠٣ه /١٢٠٦م)؛ حيث استولى الأمير ناصر الدين قباجة أحد قادة محمد الغوري على السند والبنجاب، وبعد وفاة الأخير قام قائده قطب الدين أيبك (ت٦٠٧ه/ ١٢١٠م) بتأسيس الدولة المملوكية التي استمرت ثمانين عامًا، لعبت خلالها مدينة لاهور دورًا بارزًا للاستيلاء على المناطق الشمالية الأخرى، ولما جاء السلطان شمس الدين التتمش (٦٣٣هـ/١٢٣٥م) نقل عاصمة الدولة المملوكية من لاهور إلى دلهي، وجعل كلا من البنجاب والسند مركزًا عسكريًا لحماية الهند من الحملات العسكرية المنغولية، ولعبت مدينة لاهور دورًا بارزًا لمواجهة الحملات المنغولية مما تسبب في هدمها وتدميرها، ولما تولى  السلطان غياث الدين بلين (ت ٦٨٥هـ /١٢٨٦م)، قام بتحصين لاهور وما يجاورها تحصينًا منيعًا، كما أنقذ السند من الحملات العسكرية المنغولية، وجعل ولى عهده واليًا على الملتان لحماية الحدود الغربية، وقد دارت في عهد الأخير الحروب العديدة بين سلطنة دلهي والمنغوليين، ولعبت منطقة البنجاب والسند دورًا قياديًا في الهزائم المتكررة التي ألحقت بالقوات المنغولية على يد سلطنة دهلي [For mor information see: Uzair Ahmed: Political History and Institutions of the EarlyTurkish Empire of Delhi, Lahore ١٩٤٩/Ishtyque Quaraishi: The Administration of Sultanateof Delhi, Karachi ١٩٥٩

في عصر كل من الدولة الخليجية والتغلقية (٦٨٨- ٨١٥هـ/١٢٨٩ - ١٤١٣م): بعد سقوط الدولة المملوكية قامت الدولة الخليجية التي قويت شوكتها في عهد السلطان علاء الدين الخلجي (٦٩٥- ٧١٥هـ/١٢٩٦ - ١٣١٦ م)، وقد عَرَّب السلطان المذكور النظم الإدارية والمالية، كما قام بشن الحملات العسكرية المكثفة لضم الإمارات المستقلة في شبه القارة الهندية، واهتم بشئون مناطق السند والبنجاب سياسيًا وعسكريًا، وجهز الجيش الخاص لمواجهة القوات المنغولية على الحدود الغربية والتي استقرت في البنجاب والسند، وقد تمكنت منكسر شوكة الجيش المنغولي وإجلائه من المنطقة تمامًا، مما أدى إلى نشر الأمن والاستقرار في المنطقة، وقد ظهرت الأسرة السومرية - كانت خليطًا من العرب والهنود - في عهد الدولة الخليجية، واستطاعت السيطرة على شئون السند السياسية والعسكرية، واستقلت مع التبعية الاسمية لسلطنة دهلي؛ حيث كان يقيم هناك مندوبٌ من قبل سلطان دلهي، وكان نظام الحكم في السند تابعا للملتان أولًا، ثم دهلي أخيرًا.

 وبعد سقوط الدولة الخلجية نقلت السلطة المركزية إلى الأسرة التغلقية، وكان مؤسس هذه الأسرة الحاكمة غياث الدين تغلق (٧٢٠- ٧٢٥هـ/١٣٢٠- ١٣٢٥م)، وكان واليًا مقيمًا في (ديبال بور) التابعة للبنجاب، وبعد جلوسه على العرش تمكَّن من إلحاق الهزائم المتكررة بالقوات المنغولية، كما اهتم بتطوير منطقة البنجاب سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

وفي عهد ابنه محمد شاه تغلق (٧٢٥- ٧٥٢هـ/١٣٢٥- ١٣٥١م)، توالت السيادة في السند بين الأسرات الحاكمة المحلية، كما اندلعت الثورات العديدة في البنجاب والسند، وقد قامت الدولة بإخمادها بكل قوة، حتى إن السلطان محمد تغلق شارك بنفسه في إخمادها، وفي عام ٧٥٢ه / ١٣٥١م، تم اغتياله في مدينة (تهته) التابعة لولاية السند، وفي عهد خليفته فيروز شاه تغلق (٧٥٢-٧٩٠هـ/١٣٥١- ١٣٨٩م)، تمكنت القوات التغلقية من إخماد الثورات، ومن التغلب على الأوضاع السياسية المتمردة ومن نشر الأمن والسلام.

 وفي عهد الأخير ظهرت أسرة بـ (سمسه) استولت على مقاليد الحكم في السند بعد السومريين، وجعلت (تهته) عاصمتها، وقد أطلق عليها العرب (ديبل) التابعة للملتان، وقد كان أهل سمسمه يدينون بالإسلام غير أن هناك خلافًا حول ما إذا كانوا مسلمين منذ النشأة أم أنهم قد اعتنقوا الإسلام بعد الوصول إلى الحكم، ولُقِّب زعماء هذه الأسرة الحاكمة بلقب (جام)، وكانت تدين بالولاء غالبًا لسلاطين دهلي، وكانت تدفع لهم الخراج، كما كانوا يتمردون عليهم -أحيانًا- وهذا ما حدث في عهد السلطان فيروز شاه تغلق؛ حيث دارت الحروب العديدة والتي انتهت بإبرام الصلح، وبذلك استطاعت هذه الأسرة أن تحكم في السند مائة وخمسة وسبعين عامًا.[ للاستزادة راجع الكتب التالية: عصامي، فتوح السلاطين، تحقيق: مهدي حسن، ط الهند ۱۹۲۸م، ضياء الدين برني (ت ٧٥٧هـ / ١٣٥٧م)، تاريخ فبروز شاهي، تحقق: سيد أحمد خان، ط الجمعية الأسيوية، ببنكال، ١٨٦٢م، شمس الدين أبي عبد الله، المقلب بابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق: عبد الهادي التازي، ستة مجلدات ط: أكاديمية المملكة المغربية، الرباط ١٤١٧هـ / ١٩٩٧م، حول الأسر الحاكمة على السند من السومريين والسمسيين، راجع سليمان الندوي، عرب وهند كي تعلقات، ط- أكاديمية شبلي النعماني، الهند].

في عصر دولة سلالة سيد واللودهية (٨١٦- ٩٣٢هـ/١٤١٤- ١٥٢٦م): بعد وفاة فيروز شاه تغلق ضعفت الدولة التغلقية؛ بسبب عدم وجود السلاطين المؤهلين، مما أدى إلى استقلال كل من البنجاب والسند استقلالًا كاملًا، وفي عام ٨٠١ه/١٣٩٨م، شن تيمور لنكـ  حملاته العسكرية على الهند، ووصل مع قواته عبر ملتان إلى دهلي، ودمَّر المناطق الهندية،كما دمَّر العاصمة دلهي، ولدى عودته من دهلي عام ٨٠٢ه/١٣٩٩م أسند حكم لاهور، وديبال بور، وملتان إلى نائبه خضر خان الذي استمر في الحكم على البنجاب والسند لفترة إلى أن تمكن من الاستيلاء على حكم دهلي عام ٨١٧ه / ١٤١٤م، وبذلك أسس الأسرة الساداتية الحاكمة التي قضت معظم فترة حكمها في إخماد الثورات، ومن هذه الثورات ثورة البنجاب التي فشل خضر خان في إخمادها والتغلب عليها، مما دفع الزعيم بهلول لودهي الذي ينتمي إلى الأسرة الأفغانية إلى الاستيلاء على منطقة البنجاب والسند، ثم استطاع توسيع نطاق سيادته حتى استولى على دهلي نفسها عام ٨٥٥ه /١٤٥١ م، وقد استقر الحكم لهذه الأسرة في عهد السلطان (سكندر لودهي) وكان رجلًا شجاعًا وسياسيًا محنكًا، وتقيًا، ترك عند وفاته دولة قوية مترامية الأطراف، إلا أن ابنه إبراهيم لودهي لم يستطع الحفاظ على هذا الكيان، كما كان وزراؤه وأمراؤه غير راضين عنه وعن تصرفاته السياسية، ولذا قاموا بمؤامرة سياسية ضده من خلال إقامة العلاقات السرية مع بابر شاه الذي كان يحكم آنذاك على كابل، واستدعوه لشن الحملات العسكرية ضد إبراهيم لودهي، فاستجاب بابر لذلك، ووصل إلى دهلي، ودارت الحرب بين الطرفين، وقد انهزم فيها السلطان إبراهيم لودهي في معركة تاريخية بميدان (بان بست) عام ٩٣٢هـ/١٥٢٦) [صدر الدین حسن نظامي: تاج المائر، ط- الهند، دون تاريخ، محمد حسین خان: افغان بادشاه، ط لاهور ١٣٤٦م، بابر تزك Abdel Haleem: History of the Lodi Sultanate, Delhi (بابر، ترجمة عبد الرحيم خانخانان، ط الهند ۱۳۰۸م ١٩٦١)]

 في عصر الدولة المغولية (٩٣٢- ١٢٧٤هـ /١٥٢٦- ١٨٥٧م)، وفي عهد الأسرة التيمورية، الذي بدأ بدخول ظهير الدين محمد بابر شاه (٨٨٨- ٩٣٧هـ/١٤٨٣-١٥٣٠م) مدينة دهلي بعد انتصاراته في الحروب المتتالية في الهند، شهدت الهند عصرًا ذهبيًا في الجانب الحضاري والثقافي؛ فقد وصلت منطقة البنجاب بسبب اهتمام الإدارة المغولية، إلى أقصى القوة في ميادين الزراعة والتجارة والصناعة، وكان أكبر نصيب لهذا الازدهار لكل من لاهور والملتان؛ لأنهما كانتا مركزين مهمين للقنوات التجارية داخليًا وخارجيًا، وأسهم كل من بابر وابنه همايون (ت ٩٦٣هـ/١٥٥٦م) في توطيد دعائم الدولة، ولما جلس السلطان أكبر على عرش الهند شنَّ الحروب المتتالية ضد الإمارات المستقلة؛ لتوحيدها في ظل الدولة المغولية، ومنها البنجاب والسند والمناطق التابعة لهما، التي لعبت دورًا محوريًا في مجابهة الإمارات الواقعة على الحدود الغربية والدول الخارجية فيما وراء النهر، ومنذ تولية السلطان أكبر أصبحت منطقتا البنجاب والسند ساحة للحرب بسبب الصدام المستمر مع الدولة الصفوية حول منطقة قندهار التي بقيت موضع نزاع وحرب بين الطرفين في عهد كل من السلطان أكبر (٩٦٣- ١٠١٤هـ/١٥٥٥- ١٦٠٥م)، وجها نكير (١٠١٤- ١٠٣٧هـ/ ١٦٠٥- ١٦٢٧م)، وشاهجهان (١٠٣٧- ١٠٦٩ه/١٦٢٧- ١٦٥٨م)، وأورنكـ زيب عالمكير (١٠٦٩- ١١١٨هـ /١٦٥٩- ١٧٠٧م)، وبعد وفاة الأخير تمكنت الدولة الصفوية من السيطرة عليها نهائيًا.

هذا وقد عمَّت الفوضى العارمة بعد وفاة السلطان أورنكـ زيب عالمكير - رحمه الله -؛ فقد عاش طول حياته يعمل لتوسيع نطاق السيادة الإسلامية وكفل لغير المسلمين حريتهم الدينية، ولكن بسبب عدم وجود الكوادر المؤهلة تفككت الدولة المغولية سياسيًا وعسكريًا، الأمر الذي أدى إلى تكالب الإنجليز على احتلال الهند فتمكنوا من السيطرة على المناطق الهندية واحدة تلو الأخرى، وفي عام ١٢٥٤هـ / ١٨٣٨م تمكن الاستعمار من احتلال السند كما استولى على دهلي عام ١٢٥٦هـ/١٨٤٠م، ثم تم انضمام البنجاب وما يجاورها إلى الإدارة الإنجليزية عام ١٢٦٥هـ /١٨٤٩م، وفي عام ١٢٧٤ه/١٨٥٧م، قام الشعب الهندي بالمحاولة الأخيرة لإحياء الدولة المغولية من خلال اندلاع الثورة الوطنية ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا، وبذلك غاب شمس الدولة المغولية نهائيًا. [للاستزادة راجع الكتب التالية: أبو الفضل العلامي الناكوري (ت ١٠١٠هـ / ١٦٠٢م): آثيين أكبرى (قوانين أكبرى)، ثلاث مجلدات باللغة الفارسية، طبع الجمعية الأسيوية ببنكا عام ۱۸٧٧-۱۸٧٢م/ جهانكير (ت ١٠٣٧هـ / ١٦٣٧م) توزك جهانگيري، تحقيق سيد أحمد، عليكره، ١٨٦٤م / محمد ساقي مستعد خان (ت ١١٣٦ه / ١٧٢٤م) مآثر عالمكبر، تحقيق مولوي أغا أحمد علي، ط: الجمعية الاسيوية بينكال، عام۱۸۷۱م/ محمد صالح كتبوه (١٠٨٥هـ/ ١٦٧٥م): شاهجهان نامه أو عمل صالح، ترجمة: ناصر حسین زیدي، ط مرکزي اردو بورد لاهور ۱۹۸۱م، الهروي: نظام الدين أحمد يخشى الهروي (ت ١٠٠٣هـ / ١٥٩٤م)، طبقات أكبرى ترجمة أحمد عبد القادر الشاذلي، ط القاهرة ١٩٩٥م].

قيام دولة باكستان

ومنذ بدأ التوغل الاستعمار الإنكليزي في الهند مع بداية القرن السابع عشر الميلادي /الحادي عشر الهجري، اعتمد في تحقيق أهدافه على سياسية (فَرِّق تَسُد) فقام بتحريض الأمراء الهنود بعضهم ضد البعض الآخر بهدف إثارة العداء الديني والتحريض ضد المسلمين، وبخاصة بينهم وبين أتباع الديانة الهندوسية، وكثيرًا ما حدثت معارك دموية بين الهندوس والمسلمين دفعت هؤلاء إلى التفكير في إنشاء كيان سياسي مستقل.

وقد ظهرت أول فكرة لإقامة دولة خاصة بمسلمي الهند عام ١٣٤٣هـ/١٩٢٤م على يدي عبيد الله السندي (ت ١٣٦٣هـ/١٩٤٤م)، كما أسهم الفيلسوف والشاعر محمد إقبال (ت ١٣٥٦ه /١٩٣٧م) بفكره وعاطفته في إذكاء فكرة إقامة مثل هذه الدولة.

 وكانت قد تأسست منذ عام ١٣٢٤هـ /١٩٠٦م، جمعية عُرفت باسم (الرابطة الإسلامية لعموم الهند) ولكن نشاطها السياسي لم يتبلور حتى عام ١٣٥٦هـ/١٩٣٧م، فقد برز في هذا العام حزب المؤتمر الهندي الذي ينادي بالقومية الهندية وكذلك حزب الرابطة الإسلامية بقيادة محمد علي جناح (١٣٦٧ه/١٩٤٨م) الذي نادى بقيام دولة تجمع المسلمين وتضع حدًا للنزاعات الدينية بين المسلمين والهندوس.

وقد نجحت المحاولات في تحقيق هذا الهدف، خصوصًا بعد أن أصَرَّ المسلمون على رفض جميع عروض حزب المؤتمر الهندي، فتمَّ إعلان مولد باكستان في ٢٧ رمضان عام ١٣٦٦هـ/ الموافق ١٤أغسطس ١٩٤٧م، وقد لعب الاستعمار دورًا سيئًا لدى تقسيم الأراضي بين الهند والباكستان؛ حيث حصلت باكستان على جزء من أراضيها في الهند الشرقية التي سميت بعد التقسيم باسم باكستان الشرقية، فقد كان الاستعمار يعلم جيدًا أنه ليس بمقدور زعماء الباكستان أن يخططوا بإحكام لقيام بنية محددة وواضحة المعالم للدولة التي يمكن أن يعيش فيها المسلمون على اختلاف ألوانهم وانتماءاتهم الإقليمية وعاداتهم وثقافتهم ولغاتهم في سلام ووئام، وهذا ما حدث على أرض الواقع؛ حيث تم انفصال باكستان الشرقية عن باكستان الغربية، التي تعرف الآن باسم (بنجلاديش) بعد صراع من الطرفين.

الخلاصة

باكستان دولة ذات جذور حضارية عميقة تعود إلى حضارة وادي السند، تأثرت بالفتوحات الإسلامية، وشهدت تنوعًا ثقافيًا بفعل موقعها الجغرافي بين الجبال والسهول، مرّت بفترات استعمارية معقدة، وأُسست كدولة مستقلة عام ١٩٤٧م، ورغم انفصال بنجلاديش، لا تزال تعزز هويتها الوطنية القائمة على تاريخها الغني وتراثها المتنوع.

موضوعات ذات صلة

بلد ذو تاريخ عريق، وموقع جغرافي استراتيجي جعلها ملتقى للحضارات.

واحدة من أكثر الدول تنوعًا في النسيج الجغرافي والعرقي، وكذلك التنوع الديني.

هي جمهورية إسلامية ذات تاريخ عريق وموقع استراتيجي فريد.

موضوعات مختارة