Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأكراد

الكاتب

د/ أحمد محمود إبراهيم

الأكراد

تعد الأكراد من أقدم الشعوب التي استوطنت منطقة الشرق الأوسط، ويتميز تاريخها بالثراء، والتعقيد، فقد تعاقبت عليها العديد من الدول، والإمبراطوريات، وقد كانت رحلة الأكراد عبر العصور، بدءًا من أصولهم العرقية، ومواطنهم الجغرافية، مرورًا بفترات حكمهم المستقل، وتفاعلهم مع القوى الإقليمية الكبرى، وصولًا إلى أبرز المحطات في تاريخهم الطويل، رحلة حافلة بالأحداث، وذلك قبل الإسلام وحتى بعد الفتح الإسلامي.

الجنس الكردي، وبلاد الأكراد

الحديث عن الأصل العرقي الذي تنحدر إليه الأمة الكردية حديث متشعب، والروايات المأثورة عن أنساب الأكراد، والقبائل التي انقسموا إليها كثيرة متضاربة، لا يصمد معظمها أمام النقد والمناقشة، فبعضها يتسم بنزعة أسطورية واضحة، وبعضها الآخر موضوع مخترع [الأمير شرف خان البدليسي، شر فنامة، ترجمة: محمد جميل الملا الروزبيانى، بيروت، دار المدى، الطبعة الثالثة، ٠٧ ٢٠م، ص ٣٩، ٤٠]، والراجح - كما يذكر المقريزي - أن الأكراد جنس من العجم، وأنهم قبائل عديدة: كورانية وهذبانية وبشتوية مهرانية وهكارية وحميدية... إلخ. [المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، تحقيق: أيمن فؤاد سيد، لندن، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، ١٤٣٤هـ/٢٠٠٣م، ٣/ ٧٥٢]، ويوافق هذا الرأي ما انتهى إليه طائفة من علماء الأجناس البشرية حديثًا من أن الكرد قبائل آرية استوطنت منذ فجر التاريخ إقليم كابدوكيا [كابدوكيا: الاسم القديم للجزء الشرقي من الساحل الشمالي لآسيا الصغرى، ويؤلف اليوم جزءًا من الجمهورية التركية: انظر: ف. رتابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم عبر العصور، ترجمة وإضافة: أحمد عبد الباسط حسن، القاهرة، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى ٠١١ ٢م/ ١/ ١٥٨]، (منطقة وان- بدليس)، واعتصمت بالجبال المطلة على مدينة آشور القديمة [آشور هي المدينة / الدولة التي كانت عاصمة المملكة الآشورية القديمة، وكانت تقع على بعد ٦٠ ميلًا جنوب مدينة الموصل شمال العراق على ضفاف نهر دجلة]، استجابة لما جبلوا عليه من الأنفة، وحب الحرية، والميل إلى الاستقلال. [شرفنامة، مقدمة الأستاذ محمد على عوني، ص ٧٧].

فروع الشعب الكردي، ومواطنه

والشعب الكردي أربعة فروع كبيرة بينها شيء غير قليل من التباين في اللغة والآداب والتاريخ، وهم: واللر، والكهلر، وكوران. [شرفنامة، مقدمة الأستاذ محمد على عوني: ص٤١].

 وقد كانت مواطن الأكراد إجمالًا تمتد من الخليج الفارسي إلى بحر قزوين؛ بحيث تشمل الجزيرة، والعراق، والجبال، وأذربيجان، وأران، وأرمينية، وجزءًا من بلاد الروم، لا على أنها كانت خالصة للأكراد، بل على أنها كانت المحيط الجغرافي الذي استقروا به مختلطين بأصحاب القوميات الأخرى. [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية، ترجمة: محمد على عوني، القاهرة، شركة نوابغ الفكر، الطبعة الأولى ٩ ٠ ٠ ٢م، ص ٦ ١].

أما كردستان: فلقب أطلقه السلاجقة عَلمًا على المناطق الآهلة بالأكراد [يقول المستشرق الروسي باسي نيكتين المتخصص في تاريخ الأكراد: وكردستان منطقة واسعة، لا حدود سياسية لها، ولا وحدة قومية تجمع بين سكانها. باسيل نيكتين، الكرد، بيروت، بدون تاريخ، ص١٢٩]، ويدل إما على المنطقة الواقعة بين أذربيجان ولورستان [لورستان أو بلاد اللور: أحد أقاليم جبال زاجروس غرب إيران، يتصل بخورستان، ويقطنه خلق عظيم من الأكراد. انظر أبو الفدا، تقويم البلدان، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى، ٤٢٧ ١هـ / ٠٠٧ ٢م، ص ٠٣٦٢ ر.ف. تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم ١/ ١٧٣]، وإما على البلاد الواقعة غربي جبال زاجروس [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وردستان، ٠١٨ وتمتد سلسلة جبال اجروس من جبال آرارات إلى إقليم خوزستان، وتمثل الآن الحد الفاصل بين تريا وإيران]، يقول لسترنج: "أمَّا ما يقال في أصل إقليم كردستان، فيروى أنه في نحو منتصف المائة السادسة للهجرة / القرن الثاني عشر للميلاد، اقتطع السلطان السلجوقي سنجر القسم الغربي من إقليم الجبال، أي: ما كان منه من أعمال كرمانشاه، وسماه كردستان، وولى عليه ابن أخيه سليمان شاه". [كي لسترنج، بلدان الخلافة الشرقية، ترجمة : بشير فرنسيس، كوركيس عواد، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، بدون تاريخ، ص ٢٢٧وراجع كذلك:Boris James, The Tribal Territory of the Kurds through Arabic Medieval Historiography,p.٥.).

تاريخ كردستان الجغرافي

وثمة دلالة عامة لكلمة كردستان، وهي أنها تشير إلى جملة المواطن، والبقاع التي يقطنها الأكراد، وإن الأكراد كانت خارج الحدود المذكورة آنفًا، مثل: إطلاق الفرس لقب كردستان الخراساني على المناطق التي يقطنها الأكراد بإقليم خراسان.

وللأستاذ المحقق/ محمد علي عوني جهد مشكور في بيان الحدود القومية التي ينتهي إليها إقليم كردستان، حيث ذهب إلى أن هذا الإقليم يحيط به من الشمال أرمينية، ومقاطعات أرضروم وطرابزون التابعة لتركيا، ومن الشرق أذربيجان والعراق العجمي وفارس ومن الجنوب خوزستان والعراق العربي، وبادية الشام، ومن الغرب نهر الفرات وبعض الولايات الشرقية من الأناضول.

ويتنازع السيادة على إقليم كردستان حاليًا ثلاث دول حيث يقع الجزء الأكبر منه في تركيا، وتضم إيران قسمًا آخر، وثمة قسم ثالث محدود المساحة يقع شمال العراق. [شرفنامة، مقدمة الأستاذ محمد على عوني، ص ٧٣].

ويورد بوريس جيمس ((Boris James أسماء أبرز المدن أو المناطق التي نص الجغرافيون العرب على أنها آهلة بالأكراد إبان العصور الوسطى، والواقعة ضمن إقليم كردستان وفق التحديد المذكور، وهي: إربل، وتل حفصون، وشهرزور، وقيمر- بين الموصل وخلاط - وفنك [فنك: قلعة حصينة شمال جزيرة ابن عمر. تقويم البلدان، ص ٣١٤]، ونِصِّيبين، وجزيرة ابن عمر، وحصن طالب بالقرب من حصن كيفا، والموصل. (Boris James, The Tribal Territory of the Kurds through Arabic Medieval Historiography,p.٥.)

وتجدر الإشارة إلى أن ثَمَّة قبائل كردية تعيش خارج كردستان في صورة جماعات منعزلة، فهناك جماعات كردية في سوريا الشمالية بين الإسكندرونة وحلب بسهل عمق الخصيب، كما توجد قرى كردية بحتة شرقي حلب، وتوجد أيضًا في جهات كثيرة من الأناضول جماعات كردية كبيرة في سهول قونية وهضبة سيواس وسهول أضنة، كما أن الولايات الجنوبية من القوقاز تسكنها جماعات كبيرة من الأكراد، وكذلك، فإن الغالب على سكان خراسان وسجستان شرق إيران العنصر الكردي. [شرفنامة، مقدمة الأستاذ محمد على عوني، ص ٧٥].

تاريخ الأكراد قبل الفتح الإسلامي

عاش الأكراد معظم تاريخهم – بحكم الموقع الجغرافي لكردستان – تحت السيطرة الأجنبية التي بدأت مبكرًا في القرن الخامس قبل الميلاد حين نجح الأخمينيون [الأخمينيون أو الهخامانيشيون أولى الأسر الإمبرطورية الحاكمة في إيران، أسسها هخامانيش، وكانوا في الأصل حكامًا لمملكة (فارس) الصغيرة، وفي عام ٠ ٥٥ق. م. أطاح كوروش الكبيربملك الميديين، وسرعان ما أقام هو وخلفاؤه إمبراطورية متسعة الأرجاء تمتد من مصر وآسيا الصغرى إلى السند، وقد تدهورت الدولة الاخامابيشية. إبان حكم ملوكها المتأخرين، غير أنها ظلت مترابطة الأجزاء حتى غزاها الإسكندر الأكبربين عامى ٤ ٣٣- ٣٢٨ق. م، انظر ر. ف تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم عبر العصور ١/ ٢٠٣]، سنة (٥٥٠ق. م) في تدمير مملكة ميديا [الميديون شعب هندو - أوروبي استقر في إيران مع قبائل أخرى حوا لي عام ١٠٠٠ق. م. وفي القرن السابع قبل الميلاد توحدت تلك القبائل في دولة قوية، نجحت في تدمير الدولة الأشورية، ثم شيد ملوكها إمبراطورية مترامية شملت معظم أنحاء إيران وأرمينيا وشرق آسيا الصغرى قبل أن يطيح بها كوروش الكبير سنة ٥٥٠ق. م، انظر: ر. ف. تابيسل، معجم الدول والأسر الحاكمة ١/ ١٩٣]، التي يعدها الأكراد موطنهم الأصلي.

ثم خضع الأكراد لحكم الإسكندر الكبير الذي قضى على الأخمينيين بين عامي ٣٣٤- ٣٢٨ ق.م، ثم خضعوا للأرمن الأرسانيين خلال القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، ثم خضعوا للدولة الرومانية إلى القرن الثالث الميلادي، ثم عادوا إلى التبعية للأرمن مرة أخرى، ثم تعاقب على حكمهم الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية عدة مرات تخللتها فترات من السيطرة الأرمنية.

 وأخيرًا تبادل السيطرة على كردستان الإمبراطوريتان البيزنطية والساسانية من القرن الثالث إلى القرن السابع الميلادي. [انظر: باسيل نيكتين، الكرد، ١٣٨. دراسة بعنوان الأكراد والمشكلة الكردية على الرابط التالي: http www moqatel com/ opnnshare / Behoth/Siasia٢١/Akrad/index.htm]

مذهب الأكراد العقدي قبل الفتح الإسلامي

وتجدر الإشارة إلى أن العقيدة الزرادشتية كانت منذ القرن السادس قبل الميلاد هي المذهب السائد بين الأكراد، ورغم أن المسيحية عرفت طريقها إلى أرمينيا وكردستان منذ القرن الأول الميلادي، وانتشرت انتشارًا ملحوظًا في صفوف الأرمن، فقد ظل الأكراد على ولائهم للزرادشتية، ولم يستجب للدعاية المسيحية المكثفة التي قام بها القسس والمبشرون سوى عدد ضئيل. [محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٢٥].

الفتح الإسلامي لبلاد الأكراد

كان أول اتصال للأكراد بالإسلام سنة١٦هـ/٦٣٧م، أي: بعد فتح " حلوان" [حلوان: اسم يطلق على عدة مواضع، والمقصود بها في هذا السياق: حلوان العراق، وهي كما يذكر ياقوت في آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد، وقد فتحها المسلمون سنة ٦ ١ هـ الموافق ٣٧ ٦م. انظر: معجم ا لبلد ان ٢/ ٢٩٠، ٢٩١]، و"تكريت" [تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد والموصل، وهي إلى بغداد أقرب، وقد افتتحها المسلمون ١٦ه/٦٣٧م إبان خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ أرسل إليها سعد بن أبي وقاص جيشاً بقيادة عبد الله بن المعتصم، ففتحها عنوة. انظر: معجم البلدان ٢/ ٣٨، ٣٩]، والموصل، وهو الأمر الذي ترتب عليه فتح جميع معاقل الأكراد بتلك النواحي [ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ/ ٩٨٧ ١م،٢/ ٣٦٩]، وقد واصل المسلمون التوغل في بلاد الجزيرة حيث أرسل سعد بن أبي وقاص في السنة المذكورة ثلاثة جيوش: توجه الجيش الأول بقيادة سهيل بن عدي إلى الرقة، وتوجه الجيش الثاني بقيادة عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، وتوجه الجيش الثالث بقيادة عقبة بن الوليد لقتال عرب الجزيرة. [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٢٨].

وفي سنة ٢٢هـ/ ٦٤٢م تمكَّن عتبة بن فرقد من الاستيلاء على شهرزور [شهرزور: مدينة كبيرة في إقليم الجبال بين إربل وهمذان، وأهلها جميعًا من الأكراد (قبائل: الجلالية والباسيان والحكمية والسولية). انظر: معجم البلدان ٣/ ٣٧٥، لسترنج، بلدان الخلافة الشرقية ٢٢٥، ٢٢٦]، المدينة الكردية الشهيرة - بعد معركة دامية استشهد فيها كثير من المسلمين. [الكامل ٢/ ٤٣٧].

والحق أن الأكراد منذ فتح بلادهم ظلوا ولعدة قرون تالية عنصرًا يتأبى على الانضواء تحت لواء السلطة المركزية الجامعة التي تمثلها الخلافة، ومن هنا فقد ارتبط ذكرهم في الغالب بالثورات الدامية، فمن ذلك مثلًا: تلك الثورة التي قاموا بها سنة ٢٥هـ / ٦٤٦م في الأهواز وفارس.

وفي سنة ٨٣هـ / ٧٠٢م انضم أكراد فارس إلى عبد الرحمن بن الأشعث في ثورته على الخليفة عبد الملك بن مروان (٦٥- ٨٦هـ/ ٦٨٤- ٧٠٥م)، فنكَّل بهم الحجاج بن يوسف الثقفي، وانتقم منهم أبشع انتقام". [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ١٣٠].

وفي أثناء الدعوة العباسية: أرسل القائد العباسي قحطبة بن شبيب أبا عون عبد الملك بن يزيد، ومالك بن طريف في أربعة آلاف للاستيلاء على إقليم شهرزور، فالتقى هناك بجيوش الأمويين بقيادة عثمان بن سفيان، فقاتله قتالًا عنيفًا، أسفر عن سقوط الإقليم في أيدي العباسيين سنة ١٣١هـ/٧٤٨م، وكان قد استولى قبل ذلك على حلوان بعد هزيمة يزيد بن عمر بن هبيرة قائد الجيش الأموي. [ابن الأثير- الكامل في التاريخ ٥٨٥].

وكما شارك الأكراد في عدد من الثورات التي نشبت ضد الأمويين، فقد شاركوا كذلك في جل الثورات والقلاقل التي اندلعت ضد السيادة العباسية في كردستان وهمذان منذ خلافة أبي جعفر المنصور (١٣٦- ١٥٨هـ/٧٥٣- ٧٧٤م). [محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٣٢].

البويهيون، والأكراد

حرص بنو بويه على فرض سيادتهم على إقليم كردستان، وقمع أي نزوع كردي إلى التمرد، والاستقلال، فلا عجب أصبح الإقليم مسرحًا لفتن متصلة، وحروب متواترة، طوال عصر السيادة البويهية؛ ففي سنة ٣٤٣هـ/ ٩٥٤م وجه معز الدولة البويهي الحاجب سبكتكين على رأس جيش كبير؛ لفتح شهرزور غير أنه لم يتيسر له ذلك؛ إذ اضطر للرحيل إلى الري؛ لنجدة ركن الدولة البويهي. [ابن الأثير، الكامل في التاريخ ٧/ ٢٥٠، ٢٥٢]

وفي سنة ٣٦٩هـ / ٩٧٩م أرسل عضد الدولة البويهي جيشًا كبيرًا؛ لغزو شهرزور، وضرب التحالف السياسي بين الأكراد وقبيلة بني شيبان العربية، وكان بنو شيبان قد أكثروا الغارات على البلاد، وعجز الملوك عن طلبهم، وكانوا قد عقدوا بينهم وبين أكراد شهرزور مصاهرات، وكانت شهرزور ممتنعة على الملوك، فأمر عضد الدولة بمنازلتها؛ لينقطع طمع بني شيبان عن التحصن بها، فاستولى أصحابه عليها، وملكوها، فهرب بنو شيبان، وسار العسكر في طلبهم، وأوقعوا بهم وقعة عظيمة قتل من بني شيبان فيها خلق كثير، ونهبت أموالهم، ونساؤهم، وأسر منهم ثمانمائة أسير حملوا إلى بغداد. [السابق ٣/٣٨٦].

كما أرسل عضد الدولة في السنة نفسها جيشًا آخر؛ للإغارة على الأكراد الهكارية من أعمال الموصل، فأوقع بهم، وحاصر قلاعهم، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأجيبوا إلى ذلك، وسلموا قلاعهم... فغدر بهم مقدم الجيش البويهي، وصلبهم على جانبي الطريق. [السابق ٧/ ٣٩٠].

ومن ناحية أخرى فقد استعان بنو بويه بالأكراد فيما خاضوه من حروب في إقليم فارس وخوزستان. [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ١٣٩].

فمن ذلك مثلًا أن شمس الدولة بن فخر الدولة صاحب همذان لم يستطع إخماد الثورة العسكرية التركية التي قامت ضده سنة ٤١١هـ/ ١٠٢٠م إلا بدعم الأكراد ومساندتهم. [ابن الأثير، الكامل في التاريخ ٨/ ١٣٢].

الإمارات الكردية المستقلة

شهد إقليم كردستان منذ منتصف القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ظهور عدد من الإمارات أو الدول الكردية المستقلة، كان ظهورها يمثل منعطفًا بارزًا في تاريخ الأمة الكردية، ومن أشهر تلك الإمارات:

(١) بنو شداد في (أران وشرق أرمينية) (٣٤٠- ٥٧٠هـ/ ٩٥١- ١١٧٤م): ظهرت دولة بنى شداد في شرق أرمينية سنة ٣٤٠هـ / ١ ٩٥م.

وفي القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي اجتاح السلاجقة أرمينية، واستولى ألب أرسلان سنة ٥٦ ٤هـ / ١٠٦٤م على مدينة آنى، فاشترتها منه أسرة بنى شداد في العام التالي؛ لتنقسم الأسرة الشدادية منذ ذلك التاريخ إلى شعبتين متمايزتين: الأولى: في كنجة أو جنزة، والثانية: في آنى، وانقرضتا جميعًا في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي، وآلت السيادة على الأراضي التي كانت خاضعة لحكمهما إلى السلاجقة. [لين بول، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة٣٥٨٢، ر. ف. تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم عبر العصور ١/ ١٣٢].

(٢) بنو حسنويه حكام دينور وشهرزور (٣٤٨- ٤٠٦هـ/٩٥٩- ١٠١٥م): كان حسنويه بن الحسن البزركاني (ت ٣٦٩هـ/٩٧٩م) رئيسًا لإحدى العشائر الكردية، وإليه يرجع الفضل في تأسيس دولة كردية حملت اسمه، وظلت قائمة زهاء نصف قرن تقريبًا.

وقد نجح حسنويه في الاستيلاء على جانب كبير من إقليم كردستان الذي يضم همذان والدينور ونهاوند وقلعة سرماج وشهرزور، فلما توفي سنة ٦٩ ٣هـ/٩ ٩٧م بادر عضد الدولة البويهي (٣٦٧- ٣٧٢هـ/ ٩٧٧- ٩٨٢م) بتجهيز جيش تمكن من الاستيلاء على بلاده، غير أنه نصَّب ابنه بدر الدين ابن حسنويه حاكمًا على ولاياته القديمة.

وكان بدر الدين قائدًا عسكريًا محنَّكًا، معروفًا بعلو الهمة، وسعة الطموح، فاستطاع أن يُخضع لنفوذه المناطق الممتدة من دينور إلى الأهواز وخوزستان وبروجرد وأسد آباد ونهاوند وما فيها من قلاع وجبال وصحاري، كما نجح سنة ٣٧٧هـ / ٩٨٧م في إلحاق الهزيمة بشرف الدولة بن عضد الدولة البويهي (٣٧٦- ٣٧٩هـ/٩٨٦- ٩٨٩م)، واستولى على ولاية الجبال، فعلا نجمه، وغدا من أقوى أمراء زمانه حتى لقد منحه الخليفة العباسي سنة ٣٨٨هـ/٩٩٨م لقب "ناصر الدولة والدين".

وفي سنة ٤٠٥هـ / ١٠١٤م قُتل بدر الدين على يد أحد رجاله، وكان ابنه هلال بن بدر قد قُتل في العام نفسه، فآل الحكم إلى حفيده طاهر بن هلال، غير أنه عجز عن المحافظة على عرشه، فطرده شمس الدولة البويهي من بلاده، ولم يلبث أن قُتل سنة ٤٠٦هـ/ ١٠١٥ م، فآل حكم بلاده إلى البويهيين. [راجع فيما تقدم من أخبار بنى حسنويه: شرف خان البدليسي، شرفنامة ١٠٥- ١٠٨، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ١/ ٢٨١، ر.ف تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم عبر العصور ١/ ١٩٩].

(٣)  بنو مروان (في ديار بكر) (٣٨٠- ٤٨٩هـ /١٠٩٦م): إحدى الأسر الكردية الحاكمة التي ظهرت ببلاد الجزيرة باسطة نفوذها على منطقة ديار بكر.

ومن المعلوم أن آمد (قاعدة ديار بكر) كانت جزءًا من بلاد الحمدانيين منذ سنة ٣٢٣هـ / ٩٣٤م حتى إذا كانت سنة ٣٦٨هـ / ٩٧٨م استولى عليها بنو بويه، ثم استولى عليها سنة ٣٧٣هـ / ٩٨٣ م أمير كردي ينتمي إلى العشيرة الحميدية يُدعى: أبو عبد الله الحسين بن دوستك، وكان يُكنى بأبي شجاع باد.

وقد بذل جهودًا كبيرة؛ لتوسيع رقعة إمارته، فاستولى على أرمينية وأرجيش وحصن كيفا وميافارقين، وأخذ يزحف صوب الموصل سنة ٣٨٠ هـ/ ٩٩٠م، غير أن الحمدانيين تصدوا له، وأحبطوا محاولته، ثم انتهى الأمر بقتله على يد أحد الأعراب، فخلفه في حكم آمد ابن أخته أبو علي حسن، وهو ابن أمير كردي يُدعى مروان، وإلى هذا الأخير نُسبت الدولة التي امتد وجودها إلى سنة ٤٨٩هـ /١٠٩٦م حيث أسقطها السلاجقة، واستولوا على الأقاليم التابعة لها. [لين بول، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ١/ ٢٥١، محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٣٨. ر.ف. تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم ١/ ١٨٢].

(٤)  أسرة بنى عيار (أو بنى عياز، أو بنى عناز): ظهر حكم تلك الأسرة الكردية سنة ٣٨٠هـ/ ٩٩٠م، ودام حكمها إلى الربع الأول من القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي كانت خلالها مستقلة تارة، وخاضعة لغيرها من الدول الكبرى تارة أخرى.

وتنسب تلك الدولة إلى الأمير أبي الفتح محمد بن عيار أمير عشيرة باذنجان الكردية، وأحد الأمراء البارزين في دولة ناصر الدولة بدر الدين الحسنويهي (ت ٤٠٥هـ / ١٠١٤ م)، وكان يتولى شهرزور وقومش وكرمنشاه، كما تولى حكم حلوان سنة٤٠١هـ/١٠١٠م، ولبث في حلوان سنة ٤٠٥هـ / ١٠١٤م، ولبث في الحكم إلى أن تُوفي سنة ٤٢١ هـ/١٠٣٠م.

وقد تعاقب على كرسي الحكم بعده ستة أمراء آخرهم: أبو منصور بن سرخاب بن بدر مهلهل الذي تولى الحكم بعد وفاة أبيه سنة ٥٠٠هـ /١١٠٦م، فأدار شئون شهرزور نحو عشرين عامًا بذل خلالها جهودًا مضنية للنهوض باقتصادها، وعمرانها. [شرف خان البدليسى، شرفنامة، ص ١٠٩، ١١٠، ص ١١٥، حاشية رقم (٤٣)، محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ١٣٩].

(٥)  السلاجقة والأكراد: تمكن السلاجقة بعد انتصارهم الشهير على البيزنطيين في ملازكرد (أو مانزكرت) سنة ٤٦٣ هـ / ١٠٧١م من إخضاع أرمينية وكردستان لسيادتهم تدريجيًا، وهو الأمر الذي ترتب عليه أن زالت من الوجود كل الحكومات، والإمارات الكردية المستقلة التي كانت قائمة في تلك الأنحاء.

يقول محمد أمين زكي: "إن بلاد كردستان نظرًا لموقعها الجغرافي، ووقوعها على طريق الإغارات التركية المدمرة، أصيبت بنكبات جمة، ومصائب عديدة؛ لأن عوامل الشقاق والفرقة، وأسباب التخاذل والنفور التي كان الشعب الكردي، ولا يزال يتسم بها، منعهتم من توحيد الكلمة؛ للوقوف ضد هؤلاء المغيرين، وإيجاد جبهة مشتركة للدفاع عن بلادهم، ولذا لم  يُجْدِهم نفعًا تلك المحاولات المنفردة والمتقطعة التي كانوا يقومون بها للدفاع عن أوطانهم بين آن وآخر، بل على العكس أفضى ذلك إلى زيادة خسائرهم، ونكباتهم بصورة هائلة لم يسجل التاريخ مثلها". [خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ١٤٤، ١٤٥].

على أن سلاطين السلاجقة عملوا على الإفادة من المواهب العسكرية، والكفاءة القتالية التي كان يتمتع بها الأكراد في حروبهم المتواصلة، فمن ذلك أن السلطان ملكشاه اعتمد على القوى الكردية في حروبه ضد عمه قاوورت حاكم إقليم كرمان، وأقطعهم لقاء دعمهم، ومساندتهم له أراضي واسعة في الإقليم المذكور. [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٤٥].

وكذلك فقد خرج صحبة الجيش السلجوقي في زحفه على الشام لقتال الفرنجة سنة ٥٠٥هـ/ ١١١م، عدد من أمراء الأكراد بجيوشهم الخاصة؛ مثل: رئيس العشيرة الروادية الكردية، والأمير أحمديل بن إبراهيم حاكم مراغة، والأمير أبو الهيجاء حاكم إربل. [ابن الأثير، الكامل في التاريخ ٩/ ١٤٣، محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٤٦].

(٦)  أتابكة شبانكاره (٤٤٨- ٦٨٨هـ /١٠٥٦- ١٢٨٩م): في منتصف القرن الخامس الهجري /الحادي عشر الميلادي ظهرت حكومة كردية مستقلة في فارس عرفت بـ أتابكة شبانكاره، وكانت أعظم مدنها هي مدينة "دارا بجرد/، وقد رُوي أن فضلويه بن حسنويه الجد الأكبر لأتابكة شبانكاره كردي الأصل، وفي رواية أخرى أنه ينحدر إلى الساسانيين، وقد أسره السلطان السلجوقي سنة ٤٦٤هـ/ ١٠٧١م بعد أن تمرد عليه.

وقد ظلت تلك الحكومة الكردية قائمة إلى سنة ٦٨٨هـ حيث استولى عليها المظفريون الذين حكموا فارس. [تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ٢/ ٣٨٠].

(٧)  الهزارسبيون أو بنو فضلويه (أتابكة بلاد اللور الكبير) (٥٤٣ - ٨٢٧هـ/١١٤٨- ١٤٢٤م): يرجع الفضل في تأسيس الدولة الهزارسبية إلى أبي طاهر بن محمد أحد قادة السلغوريين أو أتابكة فارس (٥٤٢- ٦٨٥هـ/١١٤٧- ١٢٨٦ م)؛ إذ أرسله سنقر أتابك الدولة السلغرية سنة ٥٤٣هـ /١١٤٨م لفتح إقليم لورستان الكبير، فأسس به تلك الدولة التي جلس على كرسي حكمها إلى أن وافته المنية سنة ٦٠٠هـ / ١٢٠٣م، فخلفه ابنه نصرة الدين هزارسب (٦٠٠- ٦٥٠هـ/ ١٢٠٣- ١٢٥٢م)، وإليه نسبت الدولة فقيل: الهزارسبيون، كما نسبت أيضًا إلى جدهم الأكبر أبي الحسن فضلويه، فقيل: الأتابكة الفضلوية أو بنو فضلويه.

وقد نجا الهزارسبيون من الغزو المغولي المدمر، وأضحوا أتباعًا للمغول الإيلخانيين في إيران (٦٥٤- ٧٥٤هـ/١٢٥٦- ١٣٥٣م).

وقد اتسعت أرجاء دولتهم بعد أن أعطاهم الإيلخان المغولي أباقا خان (٦٦٣- ٦٨٠هـ/١٢٦٥- ١٢٨٢م) ولاية خوزستان.

وقد امتد تاريخ تلك الدولة الكردية إلى الربع الأول من القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، وسقطت سنة ٨٢٧ هـ / ١٤٢٤م على يد التيموريين، حيث قام إبراهيم بن شاه رخ التيموري بطرد آخر حكامها ويُدعى غياث الدين. [تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ٣٦٧/٢، ر. ف. تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم ١/ ٢٠٤].

الأكراد في عهد دويلات الأتابكة بكردستان

من المعلوم أن الأتابك: لفظ تركي كان يُمنح لفرسان المماليك الذين يُناط بهم أمر حراسة الأمراء السلاجقة حكام الولايات، وبمرور الوقت استأثر أولئك الفرسان بالسلطة، وبدا أنهم أصحاب النفوذ الحقيقي دون أمرائهم، بعد أن ضعفت دولة السلاجقة، وآذنت شمسها بالمغيب، وأضحى لفظ أتابك في القرنين السادس والسابع الهجريين / الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين يعني: الأمير الحاكم.

وقد أسس الأتابكة لأنفسهم دولًا أو حكومات مستقلة عرفت بالأتابكيات كانت لها صلات وثيقة بتاريخ الكرد وكردستان.

ولعل أشهر تلك الأتابكيات، وأعظمها تأثيرا في تاريخ الأكراد:

(أ‌) (آل زنكي: أتابكة الجزيرة وسوريا): ويرجع الفضل في تأسيسها بالموصل سنة ٥٢١هـ / ١١٢٧م إلى الأتابك عماد الدين زنكي بن أقسنقر الحاجب أحد مماليك السلطان ملكشاه، وقد تفرعت تلك الأتابكية إلى عدة حكومات فرعية على النحو الآتي:

· أتابكة الموصل (٥٢١- ٦٦٠هـ / ١١٢٧- ١٢٦٢م)، وقضى عليهم المغول.

· أتابكة حلب (٥٤١- ٥٧٧هـ / ١١٤٦- ١١٨١ م) وقضى عليهم الأيوبيون.

· أتابكة سنجار (٥٦٦- ٦١٧هـ/١١٧٠- ١٢٢٠م) وقضى عليهم الأيوبيون.

· أتابكة الجزيرة (٥٧٦- ٦٢٤هـ/١١٨٠- ١٢٢٧م) وقضى عليهم الأيوبيون.

· أتابكة إربل (٥٣٩- ٦٣٠هـ - /١١٤٤- ١٢٣٣م) وتولى الحكم بعدهم العباسيون ثم المغول". [لين بول، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ٢/ ٣٤٥- ٣٤٩، محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ١٤٧].

(ب‌) بنو أرتق في ديار بكر: وقد أسس تلك الدولة الأمير أرتق بن أكسك أحد قادة الجيش السلجوقي سنة ٤٩٥هـ / ١١٠١م، وقد تشعبت منذ سنة ٥٠٢هـ /١١٠٨م إلى شعبتين: شعبة حصن كيفا وآمد، وشعبة ماردين، وقد قضى الأيوبيون على الشعبة الأولى سنة ٦٢٩هـ/١٢٣١م، في حين قضى التركمان القراقيونلية على الثانية سنة ٨١١هـ/١٤٠٨م. [لين بول، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ٢/ ٣٥٠- ٣٥٣].

(ج) الأرمن شاهات في خلاط، أو شاهاتخلاط (٤٩٣- ٦٠٤هـ/١١٠٠- ١٢٠٧م): وقد أسس تلك الدولة الأميرسكمان القطبي، وكان مملوكُا تركيًا للأمير قطب الدين إسماعيل، والي السلاجقة على أذربيجان.

وقد انقرضت تلك الدولة باستيلاء الأيوبيين على بلادهم سنة ٦٠٤هـ/ ١٢٠٧م. [لين بول، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ٢/ ٣٥٦].

الشواهد الدالة على تأثر تاريخ الأكراد بقيام الدول المستقلة

من الشواهد الدالة على تأثر تاريخ الأكراد بقيام تلك الدول المستقلة التي خرجت من رحم دولة السلاجقة ما دأب عليه عماد الدين زنك (٥٢١- ٥٤١هـ/ ١١٢٧- ١١٤٦م) من الإغارة على بلاد كردستان، والعمل على السيطرة على الحصون، والقلاع الكردية بُغية تأمين عاصمة دولته (الموصل).

فمن ذلك مثلًا: أنه استولى سنة ٥٢٨ هـ/ ١١٣٣م على جميع قلاع الأكراد الحميدية [ابن الأثير، الكامل في التاريخ ٩/ ٢٧٤]، كما استولى في السنة نفسها على قلاع الأكراد الهكارية. [ابن الأثير، الكامل في التاريخ: ٩/ ٢٧٥].

وفي سنة ٥٣٤هـ / ١١٣٩م استولى على مدينة شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون والقلاع. [ابن الأثير، الكامل في التاريخ ٩/ ٣١٤، ٣١٥]

وفي سنة ٥٣٧ هـ/ ١١٤٢م استولى على قلعة أشب أو آشيب أعظم حصون الأكراد المكارية وأمر بإخرابها، وبنى عوضًا عنها القلعة المعروفة بالعمادية. [ابن الأثير، الكامل في التاريخ ٩/ ٣٢٦].

وفي سنة ٨ ٥٣هـ / ١١٤٣م أغار على ديار بكر، وافتتح عددا من مدنها، وحصونها المهمة، مثل: مدينة طنزة ومدينة أسعرد ومدينة حيزان، وحصن الدوق وحصن مطليس وحصن ذي القرنين، كما زحف صوب مدينة آمد وفرض عليها الحصار. [ابن الأثير، الكامل في التاريخ ٩/ ٣٢٩].

وكذلك فقد انتهج زنكي سياسة جديدة في تكوين جيشه تقوم على تجنيد الأكراد، والاستفادة من خبراتهم القتالية، وهو الأمر الذي أسفر عن تدفق أعداد كبيرة منهم إلى الشام، وكان لهم جهد مشكور في مكافحة الصليبيين. [Boris James, The Tribal Territory of the Kurds through Arabic Medievai Historiography,p.٦].

الدولة الأيوبية (الأكراد بمصر والشام)

ومن رحم البيت الزنكي خرجت إلى الوجود أعظم دولة كردية في تاريخ الأكراد، وهي الدولة الأيوبية التي يرجع الفضل في تأسيسها إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذى الذي ينتمي إلى قبيلة الروادية، وأحد بطون الأكراد الهذبانية.

وكان أبوه أيوب - الذي تُنسب إليه الدولة - وعمه أسد الدين شيركوه قد نشأ بدوين إحدى مدن أذربيجان، ثم هاجرا إلى بغداد حيث التحقا بخدمة مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد، فبعث أيوب والياً على قلعة تكريت، ومعه أخوه شيركوه، ثم التحقا بخدمة الأمير عماد الدين زنكي بالموصل، ومن بعده ولده نور الدين محمود، وصارا من الأمراء المبرَّزين في دولته. [المقريزي، المواعظ والاعتبار ٣/ ٧٥٢، بهاء الدين بن شداد، النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، تحقيق: جمال الدين الشيال، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٩٦٤م، ص ٦].

وقد استطاعت الأسرة الأيوبية الكردية تحت زعامة صلاح الدين – أول من حكم مصر من الأكراد (٥٦٤هـ / ١١٦٨م) - أن تؤسس لنفسها إمبراطورية مترامية، كانت تشمل من بلاد الشرق الأدنى مصر وسوريا والجزيرة، بالإضافة إلى كردستان وأرمينية. [نيل دي ماكنزى، القاهرة الأيوبية، ترجمة: عثمان، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧م، ٤٥، تاريخ الكرد وكردستان، ١٥٠].

وخلال الحقبة الأيوبية زادت أعداد الطائفة الكردية بمصر والشام زيادة كبيرة؛ بحكم انتماء الأيوبيين إلى العنصر الكردي. وكان من الطبعي أن تكون القوة الرئيسة للجيش الأيوبي من الأكراد، فحين أسقط الملك الناصر صلاح الدين الدولة الفاطمية، أزال جند مصر من العبيد السود، والأمراء المصريين والعربان والأرمن وغيرهم، واستجد عسكرًا من الأكراد والترك خاصة. [المواعظ والاعتبار ١/٢٥٤. وراجع كذلك: نيل دي. ماكنزى، القاهرة الأيوبية، ٤٨].

وكان أولئك الأكراد ينتمون إلى عشائر كردية متنوعة؛ مثل: الهكارية والمهرانية والسهرانية والحميدية والزرزارية، اشتركوا جميعًا- جنودًا وأمراء- في حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين. [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ١٥٠].

وفي سنة ٥٨٩هـ /١١٩٣م توفي صلاح الدين بدمشق، فاقتسم أبناؤه وإخوته وأبناؤهم ولايات إمبراطوريته، وهو الأمر الذي أفضى إلى ظهور فروع مستقلة لتلك الدولة في مصر ودمشق وحلب وحماة

وحمص وميارفارقين وحصن كيفا واليمن وبعلبك والكرك. [لين بول، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ١/ ١٣٩- ١٥٦].

وتجدر الإشارة إلى أنه قد نشأت في ذلك الدور من تاريخ الأكراد ظاهرة جديدة عليهم، وهي الاندماج في المجتمع، والمشاركة في نواحي الحياة المدنية على تشعبها، واختلافها، فشغلوا الوظائف العليا في مجالات الإدارة والقضاء، وظلوا يشغلونها إلى السنوات الأولى من التاريخ المملوكي (v. Minosky, Kurds, Kurdistan, The Encyclopedia of Islam)، وكان لهم أحياء وحارات خاصة تعكس كثافة أعدادهم في معظم المدن الكبيرة بمصر والشام. (Boris James, The Tribal Territory of the Kurds through Arabic Medievai Historiography,p.٦. Iapidus, Muslim Cities in the Later Middle Ages, London, ٢ nd ed. (١٩٨٤) P.٨٦.)

على أن السنوات الأخيرة من العصر الأيوبي قد شهدت اهتزاز مكان الأكراد، وانكماش نفوذهم السياسي بسبب تضاؤل أعدادهم في الجيش، حيث توسع الملك الصالح نجم الدين أيوب في الاعتماد على المماليك الترك، في حين ضيق على الأكراد، وأبعدهم، وصادر إقطاعاتهم، وأنعم بها على مماليكه الجدد؛ مجازاة لهم على ثباتهم في خدمته، ولزومهم له حين فارقه الناس وخذلوه، فأمرهم واحدًا بعد واحد... حتى

صار أكثر الأمراء من مماليكه. [ابن واصل، مفرج الكروب في أخبار بنى أيوب، تحقيق: حسنين ربيع، القاهرة، دار الكتب ١٩٧٧م، ٥/ ٢٧٧].

أثر قيام دولة المماليك على الأتراك والأكراد

وبقيام دولة المماليك زاد تراجع الوجود الكردي في البلاد؛ إذ اقتصر المماليك في بناء الجيش على الأتراك والأكراد [المقريزي، المواعظ والاعتبار ١/ ٢٥٤]، كما يذكر المقريزي، والمفهوم من هذه العبارة أن الأكراد ظلوا يمثلون طائفة من الطوائف العرقية المكونة للجيش المملوكي. [المقريزي، المواعظ والاعتبار ٣/ ٦٥٧].      

ولكنها أصبحت طائفة قليلة العدد، محدودة التأثير بالقياس إلى العقود الأولى من التاريخ الأيوبي.

الأكراد بين مطرقة الخورازميين، وسندان المغول

 تعرض إقليم كردستان - وخاصة في أطرافه الشمالية والجنوبية - منذ مطلع القرن السابع الهجري / الحادي عشر الميلاد لغارات متلاحقة من قبل الخوارزميين [تنتسب الدولة الخوارزمية إلى مؤسسها أنوشتكين الذي كان مملوكًا لأحد أمراء السلاجقة في إيران، وقد تدرج في المناصب حتى نصب حاكماً على إقليم خوارزم، ولقب ب خوارزمشاه سنة ٤٩٠هـ / ١٠٩٦م. وقد آلت ممتلكات السلاجقة في فارس وخراسان بعد وفاة السلطان سنجر سنة ٥٥٢هـ/ ١١٥٧م إلى الدولة الخوارزمية التي بلغت ذروة اتساعها في عهد السلطان علاء الدين محمد خوارزمشاه (٥٩٦- ٦١٧هـ/ ١١٩٩- ١٢٢٠ م) ، وكان طموحًا شغوفًا بالغزو والتوسع على حساب الدول والأقاليم الإسلامية المجاورة له]، ثم المغول، راح ضحيتها الآلاف من الأكراد، فضلًا عمن شُرِّد منهم وآثر الهجرة إلى بلاد أخرى أوفر أمنًا وأكثر استقرارًا.

 ولقد اجتاحت جيوش السلطان علاء الدين محمد خوارزمشاه (٥٩٦ – ٦١٧هـ / ١١٩٩- ١٢٢٠م) وابنه جلال الدين منكبرتى (٦١٧-٦٢٨هـ/١٢٢٠- ١٢٣١م) كثيرًا من أنحاء كردستان مثل:

جبال زاجروس وهمذان وإربل وخلاط وديار بكر وميافارقين وأسعرد وماردين ونصيبيين، خلال سنوات٦١٤هـ ١٢١٧م،٦٢١هـ /١٢٢٤م،٦٢٣هـ/١٢٢٦م،٦٢٦هـ/١٢٢٩م،٦٢٧هـ/ ١٢٣٠م، ٦٢٨هـ/١٢٣١م. وانتهى الأمر بمقتل جلال الدين منكبرتي على يد أحد الأكراد سنة ٦٢٨هـ / ١٢٣١م. [لمزيد من التفاصيل راجع: محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٥٣- ١٥٧].

يقول الأستاذ المؤرخ محمد أمين زكى: "ولو لم يكن جلال الدين هذا جائرًا وسفاكًا للدماء، لكان في إمكانه أن يكتسب صداقة الشعب الكرد، وثقته، فيستفيد من القوى الكردية ضد التتر المطاردين له، ويسترد حقه المهضوم، وحريته المسلوبة، ولكن أخلاقه الحادة، وطباعه الشاذة، وميله المفرط إلى سفك الدماء أدى إلى القضاء عليه القضاء الأخير، فضلًا عن تدمير البلاد وإفناء العباد ولا سيما في كردستان". [لمزيد من التفاصيل راجع: محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص: ١٥٧].

وبسقوط الدولة الخوارزمية أصبح الطريق ممهدًا أمام المغول؛ لتحقيق مزيد من الغزو، والتوسع في الأقاليم الإسلامية ومنها: إقليم كردستان؛ ذلك أن تلك الدولة كانت سدًّا منيعًا يحول دون امتداد النفوذ المغولي إلى إيران وما وراءها، فلما سقطت لم يعد بالمشرق الإسلامي قوة ذات شأن يمكن أن تتصدى لأمواج المغول الهادرة.

 لقد قام المغول عقب مقتل جلال الدين منكبرتي بتقسيم قواتهم إلى ثلاثة جيوش رئيسة:

· الجيش الأول: تولى غزو ديار بكر وأرزن الروم وميافارقين وماردين ونصيبيين وسنجار، وأخذ يتوغل في أراضي الجزيرة حتى وصل إلى حدود الفرات.

  • · الجيش الثاني: قام بالاستيلاء على بدليس وبعض القلاع المحيطة بخلاط.
  • · الجيش الثالث: نجح في فتح أذربيجان، والاستيلاء على المدن التابعة لها، ثم دخل تبريز عاصمة الإقليم دون مقاومة ٦٢٩هـ/ ١٢٣٢م. [راجع: الحوادث الجامعة والتجارب النافعة المنسوب لابن الفوطي، تحقيق: بشار عواد، بيروت، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٩٩٧، ص٤٨، النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق: سعيد عبد الفتاح عاشور، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٥م ٢٧/ ٣٤٣ - ٣٤٥، ابن دقماق، نزهة الأنام في تاريخ الإسلام، تحقيق: سمير طبارة، بيروت، المكتبة العصرية، الطبعة الأولى ١٩٩٩م، ص٥٠، فؤاد الصياد، المغول في التاريخ، بيروت، دار النهضة العربية ١/ ١٧٩، ١٨٠].

وكذلك فقد شن المغول بعض الحملات التخريبية على سنجار وإربل سنة (٦٣٣-٦٣٤هـ/١٢٣٥-١٢٣٦م)، وهاجموا العراق سنة ٦٣٥هـ / ١٢٣٧م حتى وصلوا إلى تخوم بغداد وسامراء، كما هاجموا جورجيا، وأسقطوا معظم مدنها، وعلى رأسها تقليس، واجتاحوا أرمينية الكبرى. [ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، بيروت، دار المشرق، الطبعة الرابعة م، ص ٥، ٢٥١، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة المنسوب لابن الفوطي، ١٣ ١ ، ٢٧ ١ ، ١٢٨ ، ١٣٧ ، ١٣٨ ، النويري، نهاية الأرب ٢٧/ ٣٤٥، ابن دقماق، نزهة الأنام في تاريخ الإسلام ٨١، ٨٣، ٩٠، فؤاد الصياد، المغول في التاريخ ١٧٩- ١٨٢]، ثم زحفوا صوب آسيا الصغرى، فاستولوا على أرزن الروم (٦٣٩هـ/ ١٢٤١م)، قبل أن يلحقوا بالسلطان السلجوقي غياث الدين كيخسرو بن علاء كيقباذ هزيمة ساحقة عند كوسه طاغ (kosadagh) من نواحي أرزنجان سنة ٦٤٠هـ / ١٢٤٢ م. [ابن العبري، تاريخ مختصر الدول ٢٥١، ٢٥٢].

وفي مطلع النصف الثاني من القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي استأنف المغول تهديدهم للمشرق الإسلامي، وسعوا إلى تقويض أركان المدنية الإسلامية في إيران والعراق وكردستان، وذلك على يد "هولاكو الذي نجح في القضاء على الدولة الإسماعيلية الشيعية في إيران، والاستيلاء على قلاعها أواخر سنة ٦٥٤هـ/ ١٢٦٥م [ابن العبري، تاريخ مختصر الدول ٢٦٤- ٢٦٦، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة ٣٢٩، ٣٣٠]، ثم أسقط الخلافة العباسية في العراق، واستباح حاضرتها بغداد أربعين يومًا. [راجع في تفاصيل الاجتياح المغولي لبغداد وما ارتكبوه فيها من أعمال القتل والتخريب: الحوادث الجامعة والتجارب النافعة ٣٥٩- ٣٦٠، النويري، نهاية الأرب ٢٧/ ٣٨٠ - ٣٨٢، ابن كثير البداية والنهاية، القاهرة، دار ابن رجب، الطبعة الأولى ٢- ٥ م ١٣/ ٢٨٨- ٢٨٩].

وواصل هولاكو زحفه، فخرج على رأس جيوشه في رمضان سنة ٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩م من أذربيجان، فاستولى على نصيبيين، واستسلمت له حران والرها، واستولى على سروج، وقتل أهلها؛ لأنهم قاوموه ثم استولى على البيرة سنة ٦٥٧هـ / ١٢٥٩م [النويري، نهاية الارب ٢٧/ ٣٨٥، فؤاد الصياد، المغول في التاريخ ٢٩٤]، وعلى ميارفاقين سنة ٦٥٨هـ/ ١٢٦٠م بعد حصار دام سنتين [الحوادث الجامعة والتجارب النافعة ٣٧٠، النويري، نهاية الأرب ٢٧/ ٣٨٣-٣٨٤]، وبسط نفوذه على ماردين، ثم عبر نهر الفرات، وأغار على منبج، وقتل كثيرًا من أهلها، واجتاح بلاد الشام، فاستولى على حلب ودمشق (٦٥٨هـ/ ١٢٦٠م) [النويري، نهاية الأرب ٢٧/ ٣٨٦ – ٣٩٢ ]، قبل أن ينزل المماليك بجيوشه هزيمة ساحقة في عين جالوت في السنة نفسها.

وقد ترتب على تلك الغزوة المغولية الضارية التي قادها هولاكو خضوع معظم إقليم كردستان خضوعًا مباشرًا للدولة المغولية الإيلخانية التي أسسها هولاكو في إيران (٦٥٤- ٧٥٤هـ/ ١٢٥٦- ١٣٥٣م)، وامتد نفوذها وسلطانها ليشمل العراق، وجنوب الأناضول، كما ترتب عليها هجرة عدد من القبائل الكردية إلى مصر والشام؛ بحثًا عن الأمن والاستقرار في ظل دولة المماليك.

ولعل أشهر تلك الهجرات: هجرة الأكراد الشهرزورية سنة ٦٥٦هـ / ١٢٥٨م (Minosky, Kurds, Kurdistan, The Encyclopedia of Islam.)

وكانت شهرزور [تقدم التعريف بها]، إحدى النواحي التي استوطنها الأكراد، فنسبوا إليها، وقد سكنها منهم طائفتان، إحداهما يقال لها: اللوسة، والأخرى يقال لها: الباسرية، وهم بحسب عبارة القلقشندي: رجال حرب وأقيال طعن وضرب". [صبح الأعشى ٤/ ٣٧٣].

ففي سنة ٦٥٦هـ / ١٢٥٨ م هاجر إلى الشام ثلاثة آلاف من الأكراد الشهرزورية بنسائهم وأولادهم، فقدموا دمشق أولًا حيث احتفى بهم الناصر يوسف الأيوبي، وضمهم إلى جيشه، غير أنهم ما لبثوا أن التحقوا بخدمة الملك المغيث عمر صاحب الكرك، فوجد فيهم نصيرًا قويًا، وخاصة أنه كان يتطلع للاستيلاء على دمشق التي زحف إليها سنة ٦٥٧هـ/ ١٢٥٩م، فأنزل به الملك الناصر يوسف هزيمة فادحة عند أريحا، فر على إثرها إلى الكرك، وتوجه الملك الناصر إلى القدس، وبعد سلسلة من المفاوضات وقع الاتفاق بينهما، على أن الناصر يتسلم من المغيث المماليك البحرية جميعهم، وأن المغيث يبعد عنه الشهرزورية، فسارت الشهرزورية من بلاد الكرك إلى الأعمال الساحلية. [المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد مصطفي زيادة، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٥٦ م ١/ ٢/ ٤١١٤١٢، ٤١٤. وراجع كذلك: القلقشندي، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الذخائر، ٢٠٠٤م ٤/ ٣٧٣].

ثم نزح الشهرزورية إلى مصر بدعوة من الملك المظفر قطز، وانضموا إلى الجيش المملوكي، وشاركوا في قتال المغول بعين جالوت مشاركة جادة، وكان لهم وللأكراد عمومًا في ذلك اليوم اليد البيضاء، والأثر العظيم ". [اليونينى، ذيل مرآة الزمان، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الثانية ١٩٩٢، ٢/ ٢٢٢].

الأكراد العدوية (اليزيدية)

انتحل أكراد الجزيرة – وخاصة أكراد الموصل- طريقة صوفية شهيرة عرفت بالطريقة العدوية، وهي الطريقة التي عُرف المنتسبون إليها فيما بعد بأصحاب المذهب اليزيدي. [أكثر الأكراد سنة يدينون بالمذهب الشافعي، وكانوا كما يقول البدليسى يبذلون الجهد في ترويج الشرائع الإسلامية واتباع سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبه وخلفائه، والحث على الإذعان لأوامر العلماء وأداء الفرائض الدينية (٨) شرفنامة ٤٢. وراجع كذلك: محمد الناصر صديقي، تاريخ اليزيدية، سوريا، دار الحوار، الطبعة الأولى، ٢٠٠٨م، ٤٦، ١٩٢]

ويرجع الفضل في تأسيس تلك الطريقة الصوفية إلى الشيخ: عَدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان الهكاري مسكنًا. [ابن خلكان، وفيات الأعيان، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، بدون تاريخ ٣/ ٢٥٤، وقد ترجم له ابن الوردي في تاريخه، فزاد في نسبته المذكورة بعد مروان الأخير: ابن الحكم بن مروان الأموي. تاريخ ابن الوردي ٢/ ٩٤، النجف المطبعة الحيدرية، الطبعة الثانية ١٩٦٩م، وعلق العلامة أحمد تيمور على تلك الزيادة قائلًا: وفي هذه الزيادة نظر. أحمد تيمور، اليزيدية ومنشأ نحلتهم، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى ٢٠٠١م، ص ٠١٦ أما ابن فضل الله العمري فذكر في ترجمته للشيخ عدي أنه من ولد معاوية بن أبي سفيان، مسالك الأبصار ٨/ ١٨١.وهو قول انفرد به. ويؤكد محمد الناصر صديقي على الأصول الأموية للشيخ عدي بن مسافر، ويصحح تلك الروايات التي تنسبه إلى مروان بن الحكم. انظر: اليزيدية، ١٥٦، ١٥٧].

ولد بقرية يقال لها: "بيت فار" من أعمال بعلبك. وقد سلك طريق التصوف على يد طائفة من مشايخ الصوفية، وأهل الصلاح [ابن خلكان، وفيات الأعيان ٤/ ٢٥٤]، ثم هاجر إلى إقليم الجزيرة حيث انقطع بزاوية أنشأها لنفسه في جبل الهكارية من أعمال الموصل مكبا على الذكر والعبادة، والدعوة إلى الله، فاعتقده الأكراد، وسلكوا طريقته، ومالوا إليه ميلًا لم يُسمع لأرباب الزوايا مثله على حد تعبير المصادر التي ترجمت له. ولم يزل على تلك الطريقة المحمودة إلى أن توفي بزوايته سنة ٥٥٧هـ/ ١١٦٢م- وقيل: ٥٥٥هـ - ودفن بها وأضحى قبره أحد المشاهد المعدودة التي يؤثرها المسلمون بالزيارة. [ابن خلكان، وفيات الأعيان ٣/ ٢٥٤، اليونينى، ذيل مرآة الزمان ٢ /٩٨٦، ٩٧٨، تاريخ ابن الوردي ٢/ ٩٢- ٩٤، مسالك الأبصار ٨/ ١٨١، ١٨٢، المقريزي، المواعظ والاعتبار ٢٤/ ٨٢١، الشعراني، الطبقات الكبرى، تحقيق: عبد الرحمن حسن محمود، القاهرة، مكتبة الآداب، الطبعة الأولى ٢٠٠١م ٢/ ٣٠٧-٣٠٩].

وما لبثت الطريقة العدوية بعد وفاة مؤسسها أن طرأ عليها ما طرأ على غيرها من ألوان الغلو والانحراف؛ ذلك أن أتباع الشيخ عَدي تطرفوا في اعتقاده تطرفًا مرذولًا، ورفعوه إلى مقام من التقديس يأباه الشرع، حتى إنهم جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها [ابن خلكان، وفيات الأعيان ٣/ ٢٥٤. وراجع أيضًا: ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار ٨/ ١٨٢]، ومع ذلك فقد قُدِّر لتلك الطريقة أن تنتشر بين الأكراد، وتغلب على مزاجهم الصوفي حتى غدت كما يذكر أحد الباحثين دينًا قوميًا، وتاريخيًا لهم. [محمد الناصر صديقي، اليزيدية، ٢٨، ٢٩].

وآلت مشيخة الطريقة بعد وفاة الشيخ عَدى إلى ابن أخيه أبي البركات بن صخر بن مسافر، على القول الراجح؛ إذ هاجر من "بيت فار" إلى جبل هكار، وصحب عمه عَدي بن مسافر ثم خلَفه في مشيخة الزواية، وظل بها إلى أن أدركته الوفاة، فدفن إلى جوار عمه؛ ليخلفه في الطريقة ابنه عدي الثاني. [السخاوي، تحفة الأحباب وبغية الطلاب في الخطط والمزارات والتراجم والبقاع المباركات، ١٦٨، ١٦٩، أحمد تيمور، اليزيدي ومنشأ نحلتهم ٢٤].

وبعد وفاة عَدي الثاني آلت مشيخة العدوية إلى ابنه شمس الدين حسن الملقب بتاج العارفين. [ابن شاكر الكتبي، فوات الوفيات، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، الطبعة الأولى ١٩٧٣، ١/ ٣٣٤، الصفدي، الوافي بالوفيات ١٢/ ١٠١]        

وكان صوفيًا أديبًا، ذا رأي ودهاء، ونفوذ روحي كبير على أشياعه، ومريديه، وهو الأمر الذي أثار قلق الأمير بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فقبض على الشيخ حسن وقتله سنة ٤٦٤هـ/ ٢٤٦ ١م؛ خوفًا من الأكراد؛ لأنهم كانوا يشنون الغارات على بلاده، فخشى أن يأمرهم - أي الشيخ حسن- بأدنى إشارة، فيخربوا بلاد الموصل. [ابن شاكر الكتبي، فوات الوفيات، ١/ ٣٣٥ الصفدي، الوافي بالوفيات ١٢/ ١٠٢].

والعجب أن الأكراد كانوا يعتقدون أنه لم يُقتل، وسيرجع يومًا؛ ولذا كانوا يجمعون الزكوات والنذور انتظارًا لخروجه. [ابن شاكر الكتبي، فوات الوفيات ١/ ٣٣٥، الصفدي، الوافي بالوفيات ١٢/ ١٠٢].

وقد واصل بدرالدين لؤلؤ حربه على الطريقة العدوية، والتنكيل بأعضائها، كما أرسل إليهم طائفة من عسكره سنة ٦٥٢هـ / ١٢٥٤م، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأسروا جماعة أخرى، وأمر بدر الدين بقتل أميرهم، وأرسل من نبش قبر الشيخ عَدي، وأحرق عظامه. [كتاب الحوادث المسمى بـ الحوادث الجامعة والتجارب النافعة المنسوب لابن الفوطى، ٣١٥، الذهبي، تاريخ الإسلام، تحقيق: بشار عواد، بيروت، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ٠٣ ٢٠م، ٤ ١ / ٠٦٥٩ وراجع كذلك: أحمد تيمور، اليزيدية ومنشأ نحلتهم، ٢٠. ولمزيد من التفاصيل عن علاقة بدر الدين لؤلؤ بأتباع الطريقة العدوية، راجع: محمد الناصر صديقي، تاريخ اليزيدية، ٢٤٨- ٢٥٨].

وعلى هذا النحو يمكن القول: "إن الطريقة العدوية منذ حسن شمس الدين تحولت من طريقة صوفية إلى اتجاه سياسي تدعمه قوة الأكراد العسكرية، وانصرف خلفاء الشيخ عَدي منذ ذلك التاريخ إلى تحقيق طموحاتهم السياسية". [روجيه ليسكو، اليزيدية في سورية وجبل سنجار، ترجمة: أحمد حسن، بيروت، دار المدى، الطبعة الاولى ٠٧ ٠ ٢م، ص ١١٢]، ففي سنة ٦٥٥هـ / ١٢٥٧م طلب السلطان السلجوقي عز الدين كيخسرو العون من أمير العدوية الجديد، شرف الدين محمد بن حسن شمس الدين في حربه ضد أخيه الذي يدعمه المغول، فقبل شرف الدين، وحصل على خرتبرت مكافأة له، ولكنه لم يلبث أن قُتل على يد المغول، الذين اجتاحوا الموصل، وأعمالها بما فيها هكاري ملاذ الأكراد، وأحد مراكز استقرارهم المهمة في إقليم الجزيرة، كما دمروا سنجار التي كان الأكراد العدوية منتشرين بها ، وذلك سنة ٦٥٧هـ/ ١٢٥٩م. [ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، ٢٦٦، ٢٦٧، أحمد تيمور، اليزيدية ومنشأ نحلتهم، ٢٥، ٢٦، روجيه ليسكو، اليزيدي في سوريا وجبل سنجار، ١١٣، محمد الناصر صديقي، تاريخ اليزيدية، ٢٦١، ٢٦٢].

 وبسبب الضربات المتلاحقة التي وجهها بدر الدين لؤلؤ لطائفة الأكراد العدوية، والاجتياح المغولي لإقليم الجزيرة. (ويؤكد Minosky أن اجتياح المغول لإقليم الجزيرة قد نجم عنه حرمان شهرزور من سكانها الأكراد الذين أثروا النزوح الى مصر والشام ٠ انظر: (Minosky, Kurds, Kurdistan, The Encyclopedia of Islam)

 لم يجد زين الدين أبو المحاسن يوسف بن شرف الدين محمد بن الحسن بن عَدي بن أبى البركات بن صخر بن مسافر (ت ٦٩٧هـ/ ٢٩٧ ١م) بُدًّا من الهجرة إلى الشام سنة ٦٦٠هـ/١٢٦١م، فاستقر ببي فار مسقط رأس الشيخ عَدي الأول، وقد أحسن المماليك استقباله، وأنعموا عليه بالإمارة، وأقطعوه إقطاعًا ضخمًا.

والراجح أن عددًا كبيرًا من الأكراد العدوية قد نزحوا في صحبة شيخهم إلى الشام، ويعزز هذا الترجيح قول صاحب تذكرة النبيه في ترجمة الشيخ زين الدين: كان كريمًا حسن الأخلاق، لا يُبقي على درهم، ولا دينار مع وجود الإقطاع الكبير، وما يحصل من مريديه الأكراد. [الحسن بن حبيب، تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، تحقيق: محمد محمد أمين، القاهرة، دار الكتب، ١٩٧٦، ١/ ٢٠٧].

وكذلك فإن المكانة المرموقة التي تبوأها في دولة المماليك- إلى الحد الذي حمل الأمير الكبير علم الدين سنجر الدوادار على أن يزوره؛ ليأخذ منه البيعة للأشرف خليل بن قلاوون- كانت تستند بغير شك إلى قاعدة ضخمة من مريديه الأكراد. [الذهبي، تاريخ الإسلام ١٥/ ٨٥٥، ١٨٣، الحسن بن حبيب، تذكرة النبيه ١/ ٢٠٧، المقريزي، المواعظ والاعتبار ٤/ ٢/ ٨٢٢].

ولسبب غير معلوم نزح الشيخ زين الدين إلى القاهرة حيث أقام بالقرافة، وشيَّد بها الزاوية الشهيرة المعروفة بالزاوية العدوية التي أضحت أحد مراكز استقرار الأكراد النازحين إلى القاهرة، وظل منقطعًا بها إلى أن توفي سنة ٦٩٧هـ/ ١٢٩٧م. [المقريزي، المواعظ والاعتبار ٤/ ٢/ ٨٢١].

وقد ترك زين الدين بهجرته إلى الشام حقوقه في وراثة الطريقة العدوية لعمه فخر الدين الذي هادن المغول، وتحالف معهم، وتزوج إحدى بناتهم. وقد وقع نزاع بينه وبين أخيه شمس الدين، فآثر الأخير الهجرة إلى الشام في أهله، وحاشيته، وكانوا زهاء أربعمائة شخص، وذلك سنة ٦٧٤ هـ / ٢٧٥ ١م. [ابن العبري، تاريخ الزمان، بيروت، دار المشرق، ٩٩١ ١م، ص ٣٣٢]. ولم يلبث فخر الدين نفسه أن هاجر من الموصل إلى الشام لأسباب غير معلومة، ومعه امرأته المغولية، وذلك سنة ٦٧٥هـ / ٢٧٦ ١م، ثم عاد إلى الموصل بعد فترة وجيزة، فأعدمه المغول. [السابق ٣٣٥. وراجع أيضًا: روجيه ليسكو، اليزيدية في سوريا وجبل سنجار، ١١٣].

كردستان بعد سقوط الدولة الإيلخانية

بلغ الحكم الإيلخاني في إيران والعراق وبلاد الروم نهايته الفعلية بوفاة السلطان أبى سعيد (٧١٦- ٧٣٦هـ / ١٣١٦- ١٣٣٥م)، آخر الحكام الكبار من تلك السلالة المغولية، فتقاسم الحكم بتلك الأقاليم بعض الأسرات المحلية، فاستولى الجلائريون الترك على حكم العراق وأذربيجان (٧٣٧- ٨١٤هـ/ ١٣٣٦- ١٤١١م). [انظر: تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ٢/ ٥٢٢، ٥٢٣].

ثم خلفهم التركمان القراقيونلية [انظر: تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة، ٢/ ٥٣٥، ٥٣٦]، (٧٨٢ -٨٧٤هـ/١٣٨٠- ١٤٦٩م)، ثم التركمان الآق قيونلية (٨٠٦- ٩١٤هـ/ ١٤٠٣- ١٥٠٨م). [انظر: ر.ف. تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم عبر العصور ١/ ١/ ٤٣].

وقد خضع إقليم كردستان لتلك الدول الثلاث على الترتيب؛ يقول الأستاذ محمد أمين زكي: "إن الحكومات التركمانية في آسيا الغربية التي كانت في خصام دائم مع الحكومة الإيلخانية جعلت تمد سلطانها، وتبسط نفوذها على بلاد كردستان تدريجيًا، بعد سقوط تلك الدولة المغولية، فزحفت جيوش حكومة القراقيونلية التركمانية على المناطق الشرقية من كردستان، واشتبكت مع العشائر الكردية في القتال، والنضال السياسي والديني؛ مما أدى إلى جلاء كثير من السكان والأهالي من تلك الجهات،وبعد أن قضت الحكومة الآق قيونلية على حكومة القراقيونلية، تأسست هذه الحكومة في ديار بكر، واستقرت أمورها بها نهائيًا، ثم أخذت تحارب ملوك وأمراء كردستان الواحد تلو الآخر، رامية بذلك إلى القضاء على جميع الحكومات، والإمارات الكردية...". [خلاصة: تاريخ الكرد وكردستان، ص ٦٣ ١، ١٦٤، ٦٦ ١ (بتصرف يسير)].

وتجدر الإشارة إلى أن إقليم كردستان قد تعرض خلال تلك الفترة- كغيره من أقاليم المشرق الإسلامي- لموجة جديدة من الغزو المغولي قادها السفاح تيمورلنك الذي استولى على بغداد وتكريت وديار بكر وجزيرة ابن عمر سنة ٧٩٦هـ/ ٣٩٤ ١م، وارتكب بها وبغيرها من ربوع كردستان فظائع وحشية من القتل والتدمير، والتخريب، فاضطر كثير من الأهالي إلى الجلاء عن المدن والقرى، والاعتصام برؤوس الجبال، وأعماق الوديان، والأحراش.

وقد عهد تيمورلنك إلى ابنه ميرانشاه بإدارة كردستان، فقتل من الأهالي مقتلة عظيمة، وأحدث في حصن كيفا وديار بكر وغيرها من المدن مذابح عامة، وهو الأمر الذي أدى إلى اندلاع ثورة عارمة في ربوع كردستان، فقام تيمورلنك بغزوها مرة أخرى سنة ٨٠٤هـ/ ١٤٠١م وانتقم من بالأهالي انتقامًا بشعًا، فكان لا يمر بمدينة أو قرية من مدن الإقليم وقراه إلا تركها قاعًا صفصفًا حتى لقد خلت مدن بالكامل من سكانها كإربل والموصل وجزيرة ابن عمر. [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٦٣، ١٦٤].

الأكراد بين الصفويين والعثمانيين

جاء قيام الدولتين الصفوية الشيعية في (إيران - ٩٠٧- ١١٤٨هـ/١٥٠١- ١٧٣٦ م)، والعثمانية السنية في آسيا الصغرى (٦٩٩- ١٣٤١هـ/١٢٩٩- ١٩٢٤م)؛ ليمثل منعطفًا حاسمًا في تاريخ الأمة الكردية التي جعل أملها يتضاءل في الحصول على ما كانت ترنو إليه من الاستقلال السياسي.

فقد استولى الشاه إسماعيل الصفوي (٩٠٧- ٩٣٠هـ /١٥٠١ - ١٥٢٤م) على أرمينية، وأقاليم العراق العجمي، وخوزستان وفارس سنة ٨ ٠ ٩هـ/ ١٥٠٣ م، ثم اخترق سنة ٩١٠هـ / ١٥٠٤م كردستان الأوسط، ونجح في الاستيلاء على ديار بكر. [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٦٧].

ونظرًا للخلاف المذهبي العميق بين الأكراد السنة، والصفويين الشيعة، فقد عانى الأكراد مزيدًا من الظلم، والاضطهاد في عهد الشاه إسماعيل الذي كان يرمي إلى القضاء على الحكومات والإمارات الكردية المحلية؛ لتقوية النفوذ الشيعي، فمن ذلك مثلاً أنه حين وفد إليه أحد عشر أميرًا كرديًا، يقدمون له فروض الطاعة والولاء، لم يتورع عن القبض عليهم، والزج بهم في غيابات السجون، وعين مكانهم فيما كانوا يحكمونه من ولايات بعض رجاله الشيعة. [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٦٧].

على أن انتصار العثمانيين على الصفويين في معركة جالديران الشهيرة سنة ٩٢٠هـ/ ١٥١٤م أدى- في بعض نتائجه- إلى تضاؤل النفوذ الصفوي في كردستان سياسيًا ودينيًا، فلم يعد يتجاوز جبال زاجروس، كما ترتب عليه أن تقاسم العثمانيون والصفويون بلاد الأكراد، وإن خضع القسم الأكبر منها للدولة العثمانية التي ارتبط مصير الأكراد بها منذ ذلك التاريخ. [باسيل نيكتين، الكرد، ص ١٣٩]، وقد تأكد هذا التقسيم بمقتضى معاهدة عقدت سنة ١٠٤٩ هـ/ ٩ ٣ ٦ ١ م بين العثمانيين والصفويين. [انظر: أيضًا: محمد أمين زكى، مرجع سابق، ص ٢٠١، ٢٠٣].

وتجدر الإشارة إلى أن العثمانيين قد انتهجوا في إقليم كردستان سياسة مباينة تمامًا لسياسة الصفويين، فسعوا إلى استرضاء الأكراد، وتأليف قلوبهم عن طريق إقرار نظم إدارية عادلة تلبي جانبًا من طموحاتهم، ومن هنا فقد انتدب السلطان العثماني سليم الأول (٩١٨- ٩٢٦هـ / ١٥١٢- ١٥٢٠م) مستشاره الكردي الشيخ حكيم الدين إدريس البدليسي للاتصال بأمراء كردستا، ورؤساء العشائر الكردية، وأفضت جهوده إلى صدور فرمان عثماني يقضي بمنح أمراء كردستان حق إدارة ما تحت أيديهم من إمارات فيما يشبه الحكم الذاتي، وليس عليهم سوى دعم الدولة العثمانية بالجيوش، والقوات إبان الحروب، وأن يدفعوا للدولة سنويًا مبلغًا من المال.

 وقد حدد الفرمان تلك الحكومات على النحو الآتي:  

أربيل (أو إربل)، وكركوك والسليمانية، وحصن كيفا، وجزيرة ابن عمر، وهكاري، وصاصون، والعمادية، وبدليس.

وكذلك فقد اعترف الفرمان العثماني لرؤساء تلك الحكومات بحقوق وامتيازات متوارثة في أراضيهم ومناطق نفوذهم، وتعهد العثمانيون بعدم التدخل في شئونهم الداخلية. [دراسة بعنوان الأكراد والمشكلة الكردية على الرابط التالي: http www moqatel com/ opnnshare / Behoth/Siasia٢١/Akrad/index.htm

وعلى هذا النحو خضع كردستان لسلاطين آل عثمان برضا من أهله من غير إراقة دماء تذكر ومن غير كبير قتال.

ولا شك أن ذلك حادث فذ في التاريخ؛ لأن كردستان لم يخضع قط خضوعًا تامًا لأحد من الفاتحين قبل ذلك". [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٨٠].

على أن الدولة العثمانية بمرور الوقت تناست اتفاقية الحكم الذاتي، وقضت على أكثر الحكومات الكردية، ولم يبق منها نهاية القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي سوى حكومة اليزيديين في سنجار والمليين في ديار بكر والزازا (ظاظا) في درسيم.

وقد أعادت الدولة العثمانية في عهد السلطان محمود الثاني (١٢٢٣- ١٢٥٥هـ/ ١٨٠٨- ١٨٣٩م) تنظيم أمور ولايتها، فقسمت المنطقة الكردية إلى ثلاث ولايات: بغداد وديار بكر وأرضروم" [دراسة بعنوان الأكراد والمشكلة الكردية على الرابط التالي: http www moqatel com/ opnnshare / Behoth/Siasia٢١/Akrad/index.htm

وقد شهد إقليم كردستان منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر عددًا من الانتفاضات، والثورات الكردية؛ بسبب إلغاء الامتيازات الإقطاعية الممنوحة لبعض الأمراء الأكراد، أو توسع العثمانيين في فرض مزيد من الضرائب، والتكاليف المالية التي أثقلت كاهل الشعب الكردي، أو طلبًا للاستقلال عن السيادة العثمانية. [للمزيد من التفاصيل انظر: المرجع السابق].

الأكراد في العصر الحديث

بدأت أصوات الأكراد المطالبة بالاستقلال، والحفاظ على الهُوية الكردية، تعلو منذ السنوات الأولى من القرن الرابع عشر الهجري / العشرين الميلادي؛ وخاصة بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني (١٢٩٣- ١٣٢٧ هـ/ ١٨٧٦- ١٩٠٩م)، وتولي جمعية الاتحاد والترقي أمور الحكم سنة ١٩٠٨م ؛ حيث ظهرت بعض الجمعيات، والمنظمات الكردية التي تولت إصدار عدد من الصحف؛ لتنمية الوعي القومي، والسياسي بين الأكراد، والتعريف بالقضية الكردية، والمطالبة بحقوق الشعب الكردي في الحرية، والاستقلال السياسي في ظل دولة قومية تراعي خصوصيتهم الثقافية، والحضارية.

وقد اضطرت تلك الجمعيات إلى ممارسة نشاطها في السر بعد اتجاه حكومة الاتحاد، والترقي إلى تتريك شعوب الدولة العثمانية منذ سنة ١٣٢٧ هـ/ ١٩٠٩م، وكان من بين مطالبها: حصول كردستان على الحكم الذاتي، وبناء عدد من المدارس تكون الدراسة فيها باللغة الكردية، وأن يكون جميع الموظفين، والضباط العاملين في كردستان من الأكراد على أن نشاط تلك الجمعيات، والمنظمات قد توقف باندلاع الحرب العالمية الأولى سنة ١٣٣٣هـ/١٩١٤م، حيث أعلنت الدولة العثمانية الجهاد، وجندت كل الشعوب الخاضعة لسلطانها؛ لخدمة ذلك الجهاد الذي تحمل الشعب الكردي كثيرًا من التضحيات في سبيله، وتكبد في سبيل الوفاء بمطالبه خسائر مادية وبشرية فادحة. [راجع فيما تقدم: [دراسة بعنوان الأكراد والمشكلة الكردية على الرابط التالي: http www moqatel com/ opnnshare / Behoth/Siasia٢١/Akrad/index.htm)

وحين وضعت الحرب الكبرى أوزارها بانتصار الحلفاء، وهزيمة الدولة العثمانية، أحس الأكراد أن الحلفاء لا يبالون بمطالبهم، ولا يؤمنون بعدالة قضيتهم، وخاصة بعد أن قرروا إنشاء دولة أرمنية تمتد حدودها من ساحل بحر قزوين إلى ساحل البحر الأسود، وتنحدر غربًا إلى البحر المتوسط، فتشمل بذلك ولايات: طرابزون وأرضروم ووان وبدليس وديار بكر، وهي المناطق التي يمثل الأكراد أغلب سكانها.

هنالك بذل الحزب الوطني الكردي جهدًا كبيرًا في سبيل إقناع الحلفاء بتوحيد المناطق الكردية، ومنح الأكراد حق الحكم الذاتي. كما تقدم الجنرال شريف باشا السليماني؛ لتمثيل الجماعات السياسية الكردية في مؤتمر الصلح بباريس ١٣٣٨ هـ- ١٣٣٩هـ/ (٢٢ مارس ١٩١٩م، أول مارس ١٩٢٠م)، وتقدم بمذكرتين يشرح فيهما مطالب الأكراد، ويستدل على حقهم العادل في استقلال بلادهم، ووحدتها السياسية.

وقد فرض ممثلوا الحلفاء على الدولة العثمانية في١٣٣٩هـ/ ٠ ١ أغسطس ١٩٢٠م) ما عرف بمعاهدة سيفر، يجري بمقتضاها تأليف حكومة أرمنية في طرابزون وأرضروم ووان وبدليس، بالإضافة إلى إنشاء منطقة حكم ذاتي للأكراد، تصوروا حدودها في شرق الفرات وجنوب أرمينيا تحدها تركيا وسوريا والعراق.

غير أن تلك المعاهدة لم تعرف طريقها إلى التطبيق حيث قضى عليها انتصارات مصطفي كمال أتاتورك الذي دحر اليونانيين، وحرر بلاد الأناضول، وتفاهم مع فرنسا وإيطاليا، ووقع معاهدة لوزان سنة ١٣٤٢ هـ/ ١٩٢٣م التي وزعت الأكراد بين أربع دول هي:

تركيا وإيران والعراق وسوريا، عاشوا فيها ولا يزالون بوصفهم أقليات عرقية وسياسية، فأورثهم ذلك التمزق يأسًا عبروا عنه بما أشعلوه من ثورات دامية راح ضحيتها الآلاف منهم". [راجع: باسل نيكتين، الكرد، ص ١٦، دراسة بعنوان الأكراد والمشكلة الكردية على الرابط التالي: http www moqatel com/ opnnshare / Behoth/Siasia٢١/Akrad/index.htm)]

 وتجدر الإشارة إلى أن الأكراد -وفقًا لأحدث الإحصاءات السكانية ١٤٣٠هـ/ (٢٠١١م) - يقدر عددهم في العالم بنحو:

٠ ٠ ٠ر٢ ١ ٧ر٢٦ نسمة، يقطن الجزء الأكبر منهم تركيا (٥٦%) وإيران (١٦%) والعراق (١٥%) وسوريا (٦%): في حين يتوزع باقى الأكراد (ونسبتهم٧%) في أنحاء مختلفة من العالم على النحو الآتي:

الكويت- لبنان- البحرين- الأردن- أفغانستان- أرمينيا- كازاخستان- روسيا- جورجيا - أذربيجان- أوزبكستان- ألمانيا- فرنسا- هولندا- بلجيكا- المملكة المتحدة - النمسا- إيطاليا- الدنمارك- السويد- سويسرا- فنلندا- النرويج- أوكرانيا- إسبانيا- البرتغال- بلغاريا- الولايات المتحدة الأمريكية- أستراليا- كندا. [مقال بعنوان الكرد على الموسوعة الحرة بشبكة ا لإنترنت على الرابط التالي: opnnshare / Behoth/Siasia٢١/Akrad/index.htm)]

الخلاصة

لقد أظهر تاريخ الأكراد الغني والمعقد، قدرتهم على الصمود والتكيف عبر قرون من التحديات، وذلك منذ جذورهم الآرية القديمة في كابدوكيا إلى تنوعهم القبلي، ومواطنهم المنتشرة عبر كردستان التاريخية، مرورًا بفترات خضوعهم للإمبراطوريات المتعاقبة مثل: الأخمينيين والرومان والساسانيين، ومع الفتح الإسلامي، شهدوا تحولات كبيرة حيث أسسوا إمارات مستقلة قوية كبني حسنويه وبني مروان، وساهموا بشكل فعال في بناء الدول الكبرى كالدولة الأيوبية التي كانت أعظم تجليات نفوذهم السياسي والعسكري، على الرغم من الصراعات المتكررة مع البويهيين والسلاجقة والتهديدات المدمرة من الخوارزميين والمغول، استمر الأكراد في الحفاظ على هويتهم، وتواجدهم الحيوي في المنطقة، مما يجعلهم جزءًا لا يتجزأ من النسيج التاريخي والحضاري للشرق الأوسط.         

موضوعات ذات صلة

واحدة من أكثر الدول تنوعًا في النسيج الجغرافي والعرقي، وكذلك التنوع الديني.

بلد ذو تاريخ عريق، وموقع جغرافي استراتيجي جعلها ملتقى للحضارات.

جوهرة آسيا الوسطى، هي جمهورية إسلامية ذات تاريخ عريق وموقع استراتيجي فريد.

موضوعات مختارة