شهد إقليم كردستان منذ منتصف القرن الرابع الهجري /
العاشر الميلادي ظهور عدد من الإمارات أو الدول الكردية المستقلة، كان ظهورها يمثل
منعطفًا بارزًا في تاريخ الأمة الكردية، ومن أشهر تلك الإمارات:
(١) بنو شداد في (أران وشرق أرمينية) (٣٤٠- ٥٧٠هـ/
٩٥١- ١١٧٤م): ظهرت دولة بنى شداد في شرق أرمينية سنة ٣٤٠هـ / ١ ٩٥م.
وفي القرن الخامس الهجري
/ الحادي عشر الميلادي اجتاح السلاجقة أرمينية، واستولى ألب أرسلان سنة ٥٦ ٤هـ /
١٠٦٤م على مدينة آنى، فاشترتها منه أسرة بنى شداد في العام التالي؛ لتنقسم الأسرة
الشدادية منذ ذلك التاريخ إلى شعبتين متمايزتين: الأولى: في كنجة أو جنزة،
والثانية: في آنى، وانقرضتا جميعًا في القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي،
وآلت السيادة على الأراضي التي كانت خاضعة لحكمهما إلى السلاجقة. [لين بول، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم
الأسر الحاكمة٣٥٨٢، ر. ف. تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم عبر العصور
١/ ١٣٢].
(٢) بنو حسنويه حكام دينور وشهرزور (٣٤٨- ٤٠٦هـ/٩٥٩-
١٠١٥م): كان حسنويه بن الحسن
البزركاني (ت ٣٦٩هـ/٩٧٩م) رئيسًا لإحدى العشائر الكردية، وإليه يرجع الفضل في
تأسيس دولة كردية حملت اسمه، وظلت قائمة زهاء نصف قرن تقريبًا.
وقد نجح حسنويه في
الاستيلاء على جانب كبير من إقليم كردستان الذي يضم همذان والدينور ونهاوند وقلعة
سرماج وشهرزور، فلما توفي سنة ٦٩ ٣هـ/٩ ٩٧م بادر عضد الدولة البويهي (٣٦٧- ٣٧٢هـ/
٩٧٧- ٩٨٢م) بتجهيز جيش تمكن من الاستيلاء على بلاده، غير أنه نصَّب ابنه بدر الدين
ابن حسنويه حاكمًا على ولاياته القديمة.
وكان بدر الدين قائدًا
عسكريًا محنَّكًا، معروفًا بعلو الهمة، وسعة الطموح، فاستطاع أن يُخضع لنفوذه
المناطق الممتدة من دينور إلى الأهواز وخوزستان وبروجرد وأسد آباد ونهاوند وما
فيها من قلاع وجبال وصحاري، كما نجح سنة ٣٧٧هـ / ٩٨٧م في إلحاق الهزيمة بشرف الدولة
بن عضد الدولة البويهي (٣٧٦- ٣٧٩هـ/٩٨٦- ٩٨٩م)، واستولى على ولاية الجبال، فعلا
نجمه، وغدا من أقوى أمراء زمانه حتى لقد منحه الخليفة العباسي سنة ٣٨٨هـ/٩٩٨م لقب
"ناصر الدولة والدين".
وفي سنة ٤٠٥هـ / ١٠١٤م
قُتل بدر الدين على يد أحد رجاله، وكان ابنه هلال بن بدر قد قُتل في العام نفسه،
فآل الحكم إلى حفيده طاهر بن هلال، غير أنه عجز عن المحافظة على عرشه، فطرده شمس
الدولة البويهي من بلاده، ولم يلبث أن قُتل سنة ٤٠٦هـ/ ١٠١٥ م، فآل حكم بلاده إلى
البويهيين. [راجع
فيما تقدم من أخبار بنى حسنويه: شرف خان البدليسي، شرفنامة ١٠٥- ١٠٨، تاريخ الدول
الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ١/ ٢٨١، ر.ف تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في
العالم عبر العصور ١/ ١٩٩].
(٣) بنو مروان (في ديار بكر) (٣٨٠- ٤٨٩هـ /١٠٩٦م): إحدى الأسر الكردية الحاكمة التي ظهرت
ببلاد الجزيرة باسطة نفوذها على منطقة ديار بكر.
ومن المعلوم أن آمد (قاعدة
ديار بكر) كانت جزءًا من بلاد الحمدانيين منذ سنة ٣٢٣هـ
/ ٩٣٤م حتى إذا كانت سنة ٣٦٨هـ / ٩٧٨م استولى عليها
بنو بويه، ثم استولى عليها سنة ٣٧٣هـ / ٩٨٣ م أمير كردي
ينتمي إلى العشيرة الحميدية يُدعى: أبو عبد الله الحسين
بن دوستك، وكان يُكنى بأبي شجاع باد.
وقد بذل جهودًا كبيرة؛ لتوسيع
رقعة إمارته، فاستولى على أرمينية وأرجيش وحصن
كيفا وميافارقين، وأخذ يزحف صوب الموصل سنة
٣٨٠ هـ/ ٩٩٠م، غير أن الحمدانيين تصدوا له، وأحبطوا
محاولته، ثم انتهى الأمر بقتله على يد أحد الأعراب، فخلفه في
حكم آمد ابن أخته أبو علي حسن، وهو ابن أمير كردي يُدعى
مروان، وإلى هذا الأخير نُسبت الدولة التي امتد وجودها
إلى سنة ٤٨٩هـ /١٠٩٦م حيث أسقطها السلاجقة،
واستولوا على الأقاليم التابعة لها. [لين بول، تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة ١/
٢٥١، محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص ١٣٨. ر.ف. تابسيل، معجم الدول
والأسر الحاكمة في العالم ١/ ١٨٢].
(٤) أسرة بنى عيار (أو بنى عياز،
أو بنى عناز): ظهر حكم تلك الأسرة الكردية سنة ٣٨٠هـ/
٩٩٠م، ودام حكمها إلى الربع الأول من القرن السادس
الهجري / الثاني عشر الميلادي كانت خلالها مستقلة تارة، وخاضعة
لغيرها من الدول الكبرى تارة أخرى.
وتنسب تلك الدولة إلى الأمير أبي الفتح
محمد بن عيار أمير عشيرة باذنجان الكردية، وأحد الأمراء
البارزين في دولة ناصر الدولة بدر الدين الحسنويهي (ت ٤٠٥هـ / ١٠١٤ م)،
وكان يتولى شهرزور وقومش وكرمنشاه، كما تولى حكم حلوان سنة٤٠١هـ/١٠١٠م،
ولبث في حلوان سنة ٤٠٥هـ / ١٠١٤م، ولبث في الحكم
إلى أن تُوفي سنة ٤٢١ هـ/١٠٣٠م.
وقد تعاقب على كرسي
الحكم بعده ستة أمراء آخرهم: أبو منصور بن سرخاب بن بدر مهلهل الذي تولى الحكم بعد
وفاة أبيه سنة ٥٠٠هـ /١١٠٦م، فأدار شئون شهرزور نحو عشرين عامًا بذل خلالها جهودًا
مضنية للنهوض باقتصادها، وعمرانها. [شرف خان البدليسى، شرفنامة، ص ١٠٩، ١١٠، ص ١١٥، حاشية
رقم (٤٣)، محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ١٣٩].
(٥) السلاجقة والأكراد: تمكن السلاجقة بعد انتصارهم الشهير على البيزنطيين في
ملازكرد (أو مانزكرت) سنة ٤٦٣ هـ / ١٠٧١م من إخضاع أرمينية وكردستان لسيادتهم تدريجيًا،
وهو الأمر الذي ترتب عليه أن زالت من الوجود كل الحكومات، والإمارات الكردية
المستقلة التي كانت قائمة في تلك الأنحاء.
يقول محمد أمين زكي: "إن بلاد كردستان نظرًا لموقعها الجغرافي، ووقوعها
على طريق الإغارات التركية المدمرة، أصيبت بنكبات جمة، ومصائب عديدة؛ لأن عوامل
الشقاق والفرقة، وأسباب التخاذل والنفور التي كان الشعب الكردي، ولا يزال يتسم
بها، منعهتم من توحيد الكلمة؛ للوقوف ضد هؤلاء المغيرين، وإيجاد جبهة مشتركة
للدفاع عن بلادهم، ولذا لم يُجْدِهم نفعًا
تلك المحاولات المنفردة والمتقطعة التي كانوا يقومون بها للدفاع عن أوطانهم بين آن
وآخر، بل على العكس أفضى ذلك إلى زيادة خسائرهم، ونكباتهم بصورة هائلة لم يسجل
التاريخ مثلها". [خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ١٤٤، ١٤٥].
على أن سلاطين السلاجقة عملوا على الإفادة من المواهب
العسكرية، والكفاءة القتالية التي كان يتمتع بها الأكراد في حروبهم المتواصلة، فمن
ذلك أن السلطان ملكشاه اعتمد على القوى الكردية في حروبه ضد عمه قاوورت حاكم إقليم
كرمان، وأقطعهم لقاء دعمهم، ومساندتهم له أراضي واسعة في الإقليم المذكور. [محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد
وكردستان، ص ١٤٥].
وكذلك فقد خرج صحبة الجيش السلجوقي في زحفه على الشام لقتال
الفرنجة سنة ٥٠٥هـ/ ١١١م، عدد من أمراء الأكراد بجيوشهم الخاصة؛ مثل: رئيس العشيرة
الروادية الكردية، والأمير أحمديل بن إبراهيم حاكم مراغة، والأمير أبو الهيجاء
حاكم إربل. [ابن
الأثير، الكامل في التاريخ ٩/ ١٤٣، محمد أمين زكى، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، ص
١٤٦].
(٦) أتابكة شبانكاره (٤٤٨- ٦٨٨هـ /١٠٥٦- ١٢٨٩م): في منتصف القرن الخامس الهجري /الحادي عشر الميلادي ظهرت
حكومة كردية مستقلة في فارس عرفت بـ أتابكة شبانكاره، وكانت أعظم مدنها هي مدينة
"دارا بجرد/، وقد رُوي أن فضلويه بن حسنويه الجد الأكبر لأتابكة شبانكاره
كردي الأصل، وفي رواية أخرى أنه ينحدر إلى الساسانيين، وقد أسره السلطان السلجوقي
سنة ٤٦٤هـ/ ١٠٧١م بعد أن تمرد عليه.
وقد ظلت تلك الحكومة الكردية قائمة إلى سنة ٦٨٨هـ حيث
استولى عليها المظفريون الذين حكموا فارس. [تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر
الحاكمة ٢/ ٣٨٠].
(٧) الهزارسبيون أو بنو فضلويه (أتابكة بلاد اللور
الكبير) (٥٤٣ - ٨٢٧هـ/١١٤٨- ١٤٢٤م): يرجع الفضل في تأسيس الدولة الهزارسبية إلى أبي طاهر بن
محمد أحد قادة السلغوريين أو أتابكة فارس (٥٤٢- ٦٨٥هـ/١١٤٧- ١٢٨٦ م)؛ إذ أرسله
سنقر أتابك الدولة السلغرية سنة ٥٤٣هـ /١١٤٨م لفتح إقليم لورستان الكبير، فأسس به
تلك الدولة التي جلس على كرسي حكمها إلى أن وافته المنية سنة ٦٠٠هـ / ١٢٠٣م، فخلفه
ابنه نصرة الدين هزارسب (٦٠٠- ٦٥٠هـ/ ١٢٠٣- ١٢٥٢م)، وإليه نسبت الدولة فقيل: الهزارسبيون،
كما نسبت أيضًا إلى جدهم الأكبر أبي الحسن فضلويه، فقيل: الأتابكة الفضلوية أو بنو
فضلويه.
وقد نجا الهزارسبيون من الغزو المغولي المدمر، وأضحوا
أتباعًا للمغول الإيلخانيين في إيران (٦٥٤- ٧٥٤هـ/١٢٥٦- ١٣٥٣م).
وقد اتسعت أرجاء دولتهم بعد أن أعطاهم الإيلخان المغولي
أباقا خان (٦٦٣- ٦٨٠هـ/١٢٦٥- ١٢٨٢م) ولاية خوزستان.
وقد امتد تاريخ تلك الدولة الكردية إلى الربع الأول من
القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، وسقطت سنة ٨٢٧ هـ / ١٤٢٤م على يد التيموريين،
حيث قام إبراهيم بن شاه رخ التيموري بطرد آخر حكامها ويُدعى غياث الدين. [تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر
الحاكمة ٣٦٧/٢، ر. ف. تابسيل، معجم الدول والأسر الحاكمة في العالم ١/ ٢٠٤].