ألبانيا دولة جبلية في قلب البلقان، شهدت تحولات تاريخية عميقة تحت الحكم العثماني؛ حيث لعبت دورًا محوريًّا في انتشار الإسلام، وتُشكِّل الهوية السياسية، والثقافية للمنطقة.
ألبانيا دولة جبلية في قلب البلقان، شهدت تحولات تاريخية عميقة تحت الحكم العثماني؛ حيث لعبت دورًا محوريًّا في انتشار الإسلام، وتُشكِّل الهوية السياسية، والثقافية للمنطقة.
هي إحدى دول البلقان الواقعة في جنوب شرق أوروبا، ويبلغ مجموع مساحتها ٢٨,٧٤٨ كيلو مترًا مربعًا [س. إ. مان، دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربية، مادة أرناؤط"، دار الشعب، القاهرة، ١٩٦٩م، جـ ٣، ص١٣٦].
وألبانيا إقليم جبلي تتخلله أنهار، وبحيرات، ووديان ذات سهول، ومعظم سكانها ينتمون إلى الجنس الآري، وكانوا يعرفون في سائر شبه جزيرة البلقان باسم (Arnaut)، ثم أطلق الأوربيون على هذا الشعب تعبير (الألبانيين)، وشاع في أوروبا كلها. [ك. سوسيهم، دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربية، مادة أرناؤط ص ١٠٩، ١١٢؛ وس. إ. مان المرجع السابق، ص ٠١١٢ واستعمل الأتراك العثمانيون الصيغتين المشتركتين للدلالة على الألبان، وهما أرناؤط وأرناؤد. خليل إينالجق، دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربية، مادة أرناؤط"، ص ١٤٣]
وتظهر الأبحاث الأثرية أن ألبانيا كانت مأهولة بالسكان منذ العصر الحجري، وبدأ الاستقرار في المناطق ذات الظروف المناخية، والجغرافية المواتية. [www.wikipedia.org].
وكانت ألبانيا محاطة بإمبراطوريات قوية، ومتحاربة مما جعلها شاهدة على أعمال عنف كبيرة، وهدفًا للسيطرة عليها من تلك القوى على امتداد تاريخها؛ فقد اجتاحها الإغريق والرومان والصرب والفينيسيون والعثمانيون، وتركوا بها بصماتهم الثقافية، فضلًا عن أطلالهم. [المرجع نفسه].
وكان العثمانيون قد وسعوا فتوحاتهم، فعبرت جيوشهم البحر من الأناضول إلى أوروبا سنة ٧٥٧هـ / ١٣٥٦م، ومضت في زحفها تكتسح أقاليم مسيحية أوروبية، ثم هيمنوا على معظم شبه جزيرة البلقان في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي [د/عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٨٠م، جـ١، ص٩]، ومن تلك الأقاليم ألبانيا؛ إذ أصبحت تحت السيطرة العثمانية المباشرة في أواخر عام ٨٨٣هـ/ ١٤٧٨م، وكان العثمانيون قد بسطوا نفوذهم أول الأمر على جنوبها، ووسطها، ولكنهم واجهوا في شمالها مقاومة عنيفة، أشدها تلك التي تزعمها أحد الكاثوليك، وهو إسكندر بك، من سنة ٨٤٧هـ/١٤٤٣م حتى وفاته في سنة٨٧٣هـ / ١٤٦٨م، وكانت هذه المقاومة ترجع إلى عدة عوامل أهمها: الطبيعة الجبلية للإقليم التي تجعله لا يصلح إلا لحرب العصابات، لا للحرب النظامية، فضلًا عن المساعدات التي ظفر بها الألبان من جمهورية البندقية عن طريق البحر؛ فقد كانت تدرك خطورة السيطرة العثمانية على ألبانيا بساحلها، وموانيها الهامة. [د/ عبد العزيز الشناوي: أوربا في مطلع العصور الحديثة. الطبعة الأولى، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٩م، ج١، ص٦٢٧، ٦٢٩، وبول كولز: العثمانيون في أوروبا. ترجمه عن الإنجليزية د/ عبد الرحمن الشيخ. سلسلة الألف كتاب [الثاني)، العدد ١٢٦، القاهرة، ١٩٩٣م، ص ٢١٢، ود/ جلال يحيى: العالم الإسلامي الحديث والمعاصر. المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، د.ت، ص ٨٧ وما بعدها].
وعقب استيلاء العثمانيين على ألبانيا فر العديد من الذين ناهضوهم إلى الجبال، وهجرت أعداد كبيرة منهم إلى دول الجوار كإيطاليا؛ مما أثر على الكثافة السكانية في ألبانيا. [خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٣٨].
وأبقت الحكومة العثمانية السكان على ما ألفوه من قبل في حياتهم اليومية، وعهدت إلى القبائل التي تسيطر على الممرات الجبلية العامة بالمساعدة في مهمه الحراسة، وأعفتهم مقابل ذلك من الضرائب [المرجع نفسه، ١٣٩]، كما نهضت الحكومة باقتصاد البلاد، ومن ذلك: إصلاح نظام الضرائب، وجعل المعاملات المالية تتم حسب الشريعة الإسلامية. [يرى فريق من الباحثين والمؤرخين الأوروبيين أن البلاد التي وقعت في حوزة الدولة العثمانية حظيت بحكم أفضل مما حظيت به تلك البلاد التي كانت ترزح تحت حكم معظم أوروبا المسيحية، وأن السكان فيها تمتعوا بتحسن كبير في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. انظر: جب، هاملتون وبووين، هارلود: المجتمع الإسلامي والغرب، القسم الأول، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧١، جـ٢، ص ١٧-١٨]، كما أقامت الحكومة في إحدى مدن ألبانيا وهي آولونية، مستعمرة متوسطة المساحة من مهاجري يهود إسبانيا في نهاية القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، ثم صارت تلك المدينة ميناء دوليًا؛ لتبادل التجارة بين الدولة العثمانية، وغرب أوروبا. [خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٥١].
ولم تضع الدولة العثمانية قيودًا على انتقال الألبان من بلد إلى آخر، والإقامة فيه، وبخاصة بين ولاياتها، ولهذه السياسة تردد كثير منهم على الولايات العثمانية الأخرى لممارسه الأنشطة الاقتصادية [كانت اسطنبول من أهم المدن التي توجهوا إليها، وعملوا بها في مختلف المهن والحرف. د/ عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، ج٤، ص ١٨٧١]، وهاجرت أعداد كبيرة من الألبانيين الأرثوذكس إلى بلاد اليونان على فترات حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري /الثامن عشر الميلادي. [كانت نسبة جاليتهم خمس السكان تقريبًا. ك. سوسهيم، المرجع السابق ١٢٨]، كما استوطن كثير من الكاثوليك منذ القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي جنوبي إيطاليا، وجزيرة صقلية [خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٣٨، وك. سوسهيم، المرجع السابق، ص ١١٤]، ووفد إلى ألبانيا كثير من الأجناس الأخرى، ومن بينهم البلغار واليونانيون والصرب وسكان الجبل الأسود والبنادقة. [د / عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، ج ٤، ص ١٨٤٣].
ومع الفتح العثماني لألبانيا بدأ الإسلام ينتشر تدريجيًا بين الأهالي سواءً أكانوا من الكاثوليك في الشمال، أم من الأرثوذكس في الجنوب [بول كولز: المرجع السابق، ص٣٧]، واستمر الإسلام يتسع في انتشاره حتى إنه في بداية القرن الثالث عشر الهجري /التاسع عشر الميلادي كان دين الغالبية العظمى من السكان. [ك. سوسهيم، المرجع السابق، ص ١١٤]
وكان انتشاره في المدن الألبانية أكثر وأسرع من انتشاره في المناطق الجبلية. [د / عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، ج، ص ١٨٦٠]
وقد ارتبط الإسلام بالأتراك العثمانيين في أذهان مسيحيي ألبانيا كغيرهم من الأوروبيين حتى إن من اعتنق الإسلام من مواطنيهم نظروا إليهم على أنهم صاروا من الترك. [خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٤٢].
وكان من عوامل دخول الألبانيين في الإسلام، حينذاك: أن السلطات العثمانية قد اهتمت بنشره سلميًّا، فأقامت العديد من المساجد وغيرها من المؤسسات الدينية، وزودتها بمن يقوم بشئونها، وحافظ العثمانيون - أيضًا - على الشعائر الإسلامية، وشجعوا الطرق الصوفية، وخصوصًا البكتاشية، وانتمى إليها طائفة كبيرة من المسلمين، ونشطوا في بناء الكثير من التكايا [ك٠ سوسهيم / المرجع السابق ، ص ١١٥]، وكان السلطان محمد الفاتح قد أنشأ مدينة إيلبصان سنة ٨٧١هـ/ ١٤٦٦م، وأصبحت مركزًا إسلاميًّا منذ البداية؛ لنشر الإسلام وشرح أركانه لحديثي العهد به [خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٤١]، كما أتاح العثمانيون الفرصة للراغبين في الاستزادة من العلوم الإسلامية بالسفر إلى مراكز التعليم في قلب العالم الإسلامي؛ حيث التعلم فيها، والإقامة بالمجان. [من هذه المراكز: الجامع الأزهر بالقاهرة ، وكان به عدة أروقة منها رواق الأتراك، وخصص للطلاب الوافدين من البلاد التي تسمى الآن الجمهورية التركية، ويوغسلافيا (السابقة)، وألبانيا، وكذلك من الاتحاد السوفيتي (السابق)، وتركستان .انظر: د/ عبد العزيز الشناوي: الأزهر جامعًا وجامعة. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٨٣، جـ ١، ص ٠٢٦٢ وذكر على مبارك أن هذا الرواق له مرتبات كثيرة ونقود، وأن إيراد أوقافه يستحقها كل مجاور فيه من بلاد الترك حتى ولو كان عتيقا، وأن أهله كثيرون، ولهم دفتر مدونة فيه أسماؤهم.الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة .بولاق، القاهرة، ١٣٠٥ هـ، جـ٤، ص ٢٣].
والتزم العثمانيون بسياسة التسامح الإسلامي مع غير المسلمين في ألبانيا ما داموا ملتزمين بالقوانين الإسلامية المنظمة لعلاقتهم بالمسلمين، وتمتعوا بالحرية الدينية في وقت لم يكن العالم الأوروبي يعرف مثلها [د / عبد العزيز الشناوي : الدولة العثمانية، جـ١، ص ٩١]، ومارسوا إقامة طقوسهم الدينية، وأسهموا في مختلف أنواع الأنشطة الاقتصادية، وتحملت الدولة مسئولية حماية أرواحهم، وممتلكاتهم، ونتيجة لذلك خالط كثير منهم المسلمين، وتأثروا بهم في العديد من جوانب حياتهم حتى إن البلاد التي لم يقطنها إلا المسلمون كانت قليلة، وأدي هذا التأثر إلى اعتناق كثير منهم الإسلام بمحض إرادتهم. [سير توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية. ترجمه عن الإنجليزية د/ حسن إبراهيم، وآخران. الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٧٠، ص ٢٠٥ وما بعدها].
وبدأ الألبانيون المسلمون يصيرون جزءًا مهمًا من الطبقة العثمانية الحاكمة، وتولوا مناصب الصدارة العظمى، [كان في الحكومة العثمانية ما لا يقل عن ثلاثين فردًا من أصل ألباني، تولوا منصب الصدارة العظمى، وشغل هذا المنصب خمسة من إرة كوب ريلي في القرن الحادي عشر، والثاني عشر الهجريين / السابع عشر، ومطلع القرن الثامن عشر الميلاديين. خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٥١]، أي: رئاسة الوزراء، وقيادة الجيوش، وحكم الولايات. [ترجم المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي لشخصيات عديدة من الألبان في مصر، منهم ثلاثة باشوات، وأحد عشر فردًا شغلوا قيادات مختلفة في الجيش العثماني بمصر، كما تحدث عن إحدى فرق هذا الجيش، وكانت من الألبانيين الذين وفدوا إلى مصر عام١٢١٦هـ / ١٨٠١م، واسم قائد هذه الفرقة (محمد علي) الذي حكم مصر من سنة ١٢٢٠ هـ/ ١٨٠٥م. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. دار الجيل، بيروت، د. ت، ثلاثة أجزاء].
وعلى الرغم من انتشار الإسلام في ألبانيا، ومشاركة كثير من الألبانيين في بناء الدولة العثمانية في العاصمة والولايات، فإن الحكم العثماني لم يكن مستقرًا فيها بصفة دائمة، وبخاصة في المناطق الجبلية الشمالية [د / عبد العزيز الشناوي: أوروبا، جـ١، ص ٦٢٧]، فقد كانت هناك أقلية ألبانية كاثوليكية في الشمال، تتبع الكنيسة البابوية في روما [د/ جلال يحيى: المرجع السابق، ص ٨٧]، وأقلية أرثوذكسية في الجنوب، تتبع الكنيسة الشرقية في إسطنبول، وكان هذا الانقسام الديني، والمذهبي [حدث هذا الانقسام في سنة ٤٤٦هـ / ١٠٥٤م بين الكنائس الغربية والشرقية، ووقعت الكنائس والمسيحيون في جنوب ألبانيا تحت سلطة بطريرك القسطنطينية، بينما وقعت الكنائس التي في الشمال تحت إشراف البابا في روما. خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٤١] هو الثغرة التي تسللت منها البابوية في روما، وجمهورية البندقية والنمسا للتدخل في شئون ألبانيا، ومد نفوذها إليها، وذلك بتأييد الكاثوليك فيها، واتخاذهم أداة لإثارة المتاعب في وجه العثمانيين من ناحية، والأرثوذكس من ناحية أخرى [د / عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، جـ٤، ص ١٨٤٣ - ١٨٤٤]، ورد العثمانيون على ذلك بمناصرة الأرثوذكس بوصف الدولة العثمانية حامية للكنيسة الشرقية. [خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٤١].
ومن تلك الأسباب - أيضًا: آن الأتراك العثمانيين لم يستقروا بأعداد كبيرة في ألبانيا، وكانوا نوعيات شتى [المرجع نفسه: ص ١٣٩-١٤٠]، وكانت مهام الحكام منهم من أشق المهام؛ إذ كان نفوذهم في كثير من الأحكام لا يتجاوز دور الحُكم إلى خارجها، ولم يعترف بهذا النفوذ إلا المسلمون والمسيحيون من سكان المدن، أما غالبية المسيحيين الذين كانوا يسكنون المناطق الجبلية، فقد كانوا لا يتصلون بالحكام إلا بواسطة مندوبين مسلمين، اقتصرت مهمتهم على جمع الضرائب. [ك.سوسهيم، المرجع السابق، ص ١١٧-١١٨].
واستاء الألبانيون، وبخاصة سكان الجبال، من الحكومة العثمانية لعدة آمور، منها:
زيادة الضرائب، ورفع مقدار الجزية؛ لانخفاض قيمة العملة في القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي، ثم ما اتخذته الحكومة - أيضًا - من احتياطات أمنية تمثلت في حظر حيازة الأسلحة، وجمعها من حائزيها، وخصوصًا في المناطق الشمالية. [خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٥٢-١٥٣].
وكذلك موقف العثمانيين من اللغة الألبانية [كانت تعرف باسم شكيب في ألبانيا، وانقسمت إلى لهجتين رئيستين، هما: الغيغة والتوسق، وسكن الناطقون باللهجة الأولى شمال نهر إشقومبي. بينما قطن أصحاب اللهجة الأخرى جنوب هذا النهر .ك .سوسهيم، المرجع السابق، ص ١١٨، خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٣٨]، فلم يعترفوا بها ولا بالثقافة الألبانية، وكان جميع الألبانيين المسلمين لا يتلقون في تعلميهم إلا اللغة التركية، وقليلًا من اللغة العربية، بينما كان الألبانيون المسيحيون يتعلمون اللغة اليونانية تحت مراقبة رؤساء المذهب الأرثوذكسي [ د / عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، جـ٤ ، ص ١٨٧٨ - ١٨٧٩]، فضلًا عن أن اللغة الألبانية كانت قد تدهورت نتيجة إهمالها منذ عصر الإمبراطورية الرومانية، وما أعقب هذا العصر حتى الحكم العثماني، فأصبحت الألفاظ الألبانية الأصلية قليلة، ودخلتها كلمات كثيرة من اللغات الأخرى وبخاصة التركية. [س. إ مان: المرجع السابق، ص ١٣٤، ك٠ سوسهيم، المرجع السابق، ص ١١٩].
وتمثل سخط الألبان في أكثر من موقف، ومن ذلك تمرد القبائل في شمالها عام ١٠٤٨هـ/ ١٦٣٨م؛ إذ شرعت تهاجم سهول الروملي حتى قلبه، وتنهبها، وسعى الباب العالي إلى وقف هذا السلب والنهب، فأنفذ عدة جيوش إلى القبائل، وأخمد الفتنة التي قاموا بها، على أنه ما إن ضعفت هيمنة السلطة المركزية في القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي حتى بدأ أهل الجبال يتغلغلون في الروملي، بل وفي الأناضول، وقد انضم كثير من الألبان -أيضًا - إلى عصابات الجبال في الروملي، كما تجلى سخط الشماليين في تعاونهم مع جيوش النمسا والنبدقية ضد الدولة العثمانية أثناء حروب سنة [١٠٩٥- ١١١١هـ) ١٦٨٤ - ١٦٩٩م و (١١٢٦ - ١١٣١هـ) ١٧١٤- ١٧١٨م و (١١٤٩ - ١١٥٢ هـ) ١٧٣٦ ١٧٣٩م. [خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٥٢].
ونتيجة لذلك كان الألبانيون من أسرع الشعوب البلقانية رغبة في الاستقلال عن الدولة العثمانية، ومطالبة به، وخصوصًا بعد ظهور الحركات القومية والدستورية في أوروبا في القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي وتأثرهم بها. [د/ عبد العظيم رمضان: تاريخ أوروبا والعالم في العصر الحديث. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٩٧م، جـ٢، ص ٦٢ - ٦٣].
وواجهت هذه الرغبة رفضًا شديدًا من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي خشي أن يخرج مسلمو ألبانيا، وهم الأكثرية بها، عن الحكم العثماني المباشر؛ مما يعد نكسة لحركة الجامعة الإسلامية التي يدعو إليها، بالإضافة إلى أنه رأى أن القومية الألبانية لم تكن حركة أصلية نبعت من الجماهير، وإنما كانت تقليدًا للقوميات التي نشأت في البلقان. [د/ عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، ج٤، ص ١٨٧٥ - ١٨٧٦].
وأراد قادة الفكر في الشعب الألباني أن ينهضوا بالقومية الألبانية، فعملوا في مجالين: المجال الأدبي وإحياء اللغة الألبانية [نتج عن ذلك أن معدل الأمية بين مستخدمي هذه اللغة كان كبيرًا، وقد بذلت الحكومات المتعاقبة جهدًا كبيرًا في القضاء على الأمية، وقد حققت نجاحًا كبيرًا: WWW. Ar. Wikipedia. Org]، بوصفها عنصرًا أساسيًّا من عناصر القومية الألبانية، والمجال السياسي بوصفه طريقًا للتحرر السياسي بالحصول على الاستقلال الذاتي داخل الدولة العثمانية، ثم الاستقلال التام حين تتاح لهم الظروف السياسية المناسبة، وبعد نبذ خلافاتهم الدينية، والقبلية، والإقليمية، وقد أثمرت هذه الجهود [د / عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، جـ٤، ص ١٨٧٥ - ١٨٨٢]، وظلت ألبانيا جزءًا من الدولة العثمانية حتى أعلنت استقلالها في عام ١٣٣١ هـ/ ١٩١٣م، ثم نشبت الحرب العالمية الأولى، فاختلت أمور ألبانيا اختلالًا كبيرًا، وأصبحت أرضها نهبًا للناهبين، وانجلى الاضطراب الألباني عن حكومة ألبانية قوية في تيرانا، تمكنت من لَمِّ شعث البلاد، ومن إقامة ألبانيا مستقلة، وقد تأيَّد هذا الاستقلال بقبولها في عصبة الأمم في عام ١٣٣٩هـ/١٩٢٠م. [شفيق غربال: دائرة المعارف الإسلامية. مادة أرناؤط، ص ١٣٣].
وأثناء الحرب العالمية الثانية تعرضت ألبانيا للاحتلال الإيطالي ثم الألماني، وبعد انسحاب الألمان منها عام ١٣٦٤هـ/ ١٩٤٤م، قامت بها حركة شيوعية بزعامة (أنور خوجا) الذي حكم البلاد بقبضة من حديد لمدة أربعة عقود، حالف خلالها الاتحاد السوفيتي حتى سنة ١٣٨٠ هـ/١٩٦٠ م، ثم الصين حتى عام١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٨م. [د / عبد العظيم رمضان: المرجع السابق، جـ ٢، ص ١٠٠، ١١٥، ١٧٧، وجـ ٣، ص ٢١٧، ٣٥٤].
وبعد استقلال ألبانيا عن الدولة العثمانية تم فصل الدين عن الحكم، والحياة الثقافية، وكذلك تهميش رجال الدين في جميع الطوائف، ثم إلغاء مناصبهم منذ أن ساد الحكم الشيوعي في البلاد، وأغلقت المساجد والكنائس والمعابد اليهودية، وكان عددها جميعاً ٢١٦٩، ونص الدستور الألباني الشيوعي على تجريم النشاط الديني أيًّا كان نوعه، وهدمت السلطات عددا من دور العبادة، واحتفظت بقلة منها كمعالم ثقافية أثرية، بينما أعادت بقيتها كدور للمسارح والسينما أو كمساكن أو مستودعات. [د/ عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، جـ ١، ص٣٠، حاشية رقم ١، وخليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٤١]، وبعد سقوط الشيوعية عادت لألبانيا الحريات السياسية والدينية والثقافية، وولت وجهها شطر الدول الرأسمالية. [خليل إينالجق: المرجع السابق، ص ١٤١، وك. سوسهيم، المرجع السابق، ص ١١١].
ألبانيا: بلد جبلي في جنوب شرق أوروبا، دخلت تحت الحكم العثماني عام ١٤٧٨م؛ حيث واجه العثمانيون مقاومة خاصة في شمال البلاد بقيادة إسكندر بك، وأسهم العثمانيون في تحسين الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، ونشر الإسلام تدريجيًّا عبر الوسائل السلمية، وبناء المؤسسات الدينية، والتعليمية؛ أصبح الألبان المسلمون جزءًا من النخبة الحاكمة، وتركوا بصمة واضحة في تاريخ الدولة العثمانية، ورغم انتشار الإسلام، ومشاركة الألبان في بناء الدولة العثمانية إلا أن السياسات العثمانية تجاه اللغة والثقافة، وفرض الضرائب، أثارت سخطًا واسعًا، قاد ذلك إلى تمردات وتحالفات مع القوى الأوروبية، انتهت باستقلال ألبانيا عام ١٩١٣م، ثم تحولت لاحقًا إلى دولة شيوعية قبل أن تستعيد حرياتها السياسية والدينية بعد سقوط النظام الشيوعي.