Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بنو مدرار

الكاتب

أ.د/ حسن علي حسن

بنو مدرار

شهد المغرب الأقصى خلال القرن الثاني الهجري تحولات سياسية كبرى، كان أبرزها نشوء دولة بني مدرار في سجلماسة التي شكّلت مركزًا تجاريًا وحضاريًا مهمًا على أطراف الصحراء.

خضوع أقاليم المغرب الثلاثة للخلافة الأموية

أتم المسلمون فتح بلاد المغرب حوالي سنة ٩٠هـ /٧٠٨م، وذلك بعد أن شارك في أعمال الفتح مجموعة من القادة المسلمين، وكان آخرهم القائد موسى بن نصير الذي أتم فتح بلاد المغرب الأقصى، وبذلك صار المغرب بأقاليمه الثلاثة: المغرب الأدنى، والأوسط، والأقصى خاضعًا للخلافة الأموية في دمشق التي كانت ترسل الولاة إلى القيروان عاصمة المغرب؛ لإدارة شئون البلاد.

وقد مرّت الخلافة الأموية بظروف سياسية سيئة نتيجة المعارضة الشديدة من أصحاب الدعوات والمذاهب الأخرى كالشيعة والخوارج، وبطبيعة الحال تأثر المغرب الإسلامي كغيره من الأقاليم الإسلاميّة بهذه المعارضة، التي اتخذت في أحيان كثيرة الثورات المسلحة وسيلة لتحقيق أهدافها.

وقد وجد دعاة المذاهب الخارجية (إباضية وصفرية) في أرض المغرب مرتعًا خصبًا؛ لبث أفكارهم ونشر مبادئهم بعيدًا عن قبضة الخلافة، وإذا كان دعاة المذاهب الأخرى من سنة، ومعتزلة، وغيرهما قد اكتفوا بنشر منهاجهم الديني، ومارسوا المعارضة النظرية، إلا أن دعاة المذاهب الخارجية اتخذوا من الثورات والكفاح المسلح طريقًا؛ لتحقيق وجودهم وكيانهم، وكثرت ثوراتهم بشكل خاص في بلاد المغرب.

والواقع أن أصحاب هذه الدعوات الخارجية من إباضية وصفرية وجدوا ضالتهم المنشودة في أرض المغرب، إذ إن بعد المنطقة عن قبضة الخلافة هيأ لهؤلاء الدعاة حرية الحركة في نشر مبادئهم، تلك المبادئ التي كانت تعادي في جوهرها السلطة الحاكمة، وفي نفس الوقت وجد هؤلاء الدعاة نفوسًا متطلعة؛ لمعرفة الإسلام وأحكامه، ومن ثم مارس الدعاة نشاطهم، فإذا ما وضعنا في الاعتبار ما كان يعانيه السكان من ظلم وعسف بعض الولاة الأمويين من أمثال يزيد بن أبي مسلم وعبيد الله بن الحبحاب، أدركنا لماذا أقبل كثير من سكان البلاد على اعتناق هذه المبادئ؟! إذ فيها مخرج من الظلم الواقع على كواهلهم، والتخلص من الأوضاع السيئة التي عاشوها، ويؤكد ذلك ما أشار إليه ابن خلدون بقوله: "ثم نبضت فيهم عروق الخارجية فدانوا بها ولقنوها من العرب الناقلة ممن سمعها بالعراق وتعددت طوائفهم وتشعبت طرقها من الإباضية والصفرية وفشت هذه البدعة، وجرت إليهم الفتنة من البربر ذريعة الانتزاء على الأمراء، فاختلفوا في كل جهة ودعوا إلى قائدهم طغام البربر يتلون عليهم مذهب كفرها، ويلبّسون الحق بالباطل فيها إلى أن رسخت فيهم عروق من غرائها [العبر ج٦ ص١١٠].

وكانت الشرارة التي أشعلت نيران الثورة في إقليم المغرب الأقصى سياسة الوالي عبيد الله بن الحبحاب الذي تولى ولاية المغرب من قبل الأمويين ١١٦هـ /٧٣٤م، وكان مقره القيروان، إذ انتهج هذا الوالي سياسة عامة في المغرب كان لها أوخم العواقب، حيث سار على نفس السياسة التي سار عليها بعض ولاة المغرب قبله من أمثال يزيد بن أبي مسلم ١٠١هـ /٧٢٠م، وهي سياسة الحرص على جمع الأموال من الهدايا، غير أن الوالي عبيد الله بن الحبحاب أسرف في ذلك إسرافًا شديدًا، واستخدم القسوة في جمعها متقربًا بذلك إلى الخليفة هشام بن عبد الملك.

وقد أشعلت سياسته هذه نيران الثورة وحركت نفوس البربر بالعصيان، ونتج عن ذلك قيام ثورات مدمرة شهدها المغرب بشكل عام، والمغرب الأقصى بوجه خاص، ودخل البربر في صراع مسلح مع الخلافة وولاتها في المغرب استمر فترة طويلة، وكان من نتائجه نجاح هذه الثورات، ثم انفصال المغرب الأقصى عن سلطة الخلافة الأموية، وترتب على هذا الانفصال قيام دول مستقلة على أرضه، ففي شمال المغرب الأقصى قامت دولة الأدارسة ١٧٢هـ/٧٨٨م، وفي جنوبه قامت دولة بني مدرار١٤٠هـ/٧٥٧م في سجلماسة.

ثورة ميسرة المضغري الصفري

ونشير في إيجاز إلى هذه الثورة وهي ثورة ميسرة المضغري الصفري ١٢٢هـ/٧٣٩م، وهو من قبيلة مضغرة التي اعتنقت المذهب الصفري، واندلعت في طنجة بالمغرب الأقصى، وقتل الثوار والي طنجة عمر بن عبد الله المرادي، ثم توجهوا إلى إقليم السوس، وقاتلوا عامل الوالي ويدعى إسماعيل بن عبيد الله ابن الحبحاب، وبقتل هذين العاملين تخلص المغرب الأقصى من سلطة عمال بني أمية وأصبح مستقلًا يحكمه ميسرة المضغري.

ومن نتائج هذه الثورة أن الذي قام بها لقب نفسه بلقب خليفة، وبايعته قبائل البربر على ذلك، وهذا يعني عدم اعتراف البربر بالسلطة الدينية للخليفة في دمشق، وكان ذلك نتيجة انتشار مذهب الخوارج الصفرية بينهم، وهو الذي ينادي بأن الإمامة ليست مقصورة على العرب، بل يشترك فيها المسلمون جميعًا، وبذلك كانت ثورة على الإمامة القرشية مع إسراع البربر في الالتفاف حول داعي الثورة، مما يصور مدى ما انطوت عليه نفوسهم من كره لولاتهم.

الأوضاع السياسية في سجلماسة

تشير الروايات التاريخية إلى البدايات الأولى لنشأة إمارة سجلماسة، حين تجمع عدد من البربر حول أحد زعمائهم، ويدعى عيسى بن يزيد الأسود المكناسي، وكان على المذهب الصفري وصاحب ماشية ينتجع بها المراعي بجنوب بلاد المغرب، وكثيرًا ما كان ينتجع أرض سجلماسة ويتردد عليها، ويتصف هذا الموضع بأنه أرض واسعة يجتمع الناس فيها من قبائل البربر المحيطين به يتسوقون فيها، فنزل عيسى في أرض سجلماسة سنة ١٣٨ هـ /٧٥٥ م، حيث اجتمع إليه كثيرون من زناتة الصفرية وسكنوا معه في خيام [البيان المغرب ج١ ص٢١٥]، وكان عددهم يتجاوز أربعة آلاف.

وقد بايعه كبير زناتة أبو القاسم سمكو بن داسول المكناسي الزناتي، وحمل قومه على طاعته فولوه عليهم، ولم تعرف المصادر بعيسى بن يزيد سوى، أنه من موالي العرب ويدين بالمذهب الصفري، وأن شيخ مكناسة أبا القاسم بن داسول بايعه، وحمل قومه على طاعته.

ويبدو أن أهل سجلماسة أخذوا على عيسى بعض المآخذ التي أنكروها عليه، فقبضوا عليه وشدوا وثاقه إلى أصل شجرة في سفح الجبل بعد أن طلوه بالعسل وتركوه، حتى قتلته الزنابير والنحل سنة ١٥٥هـ/٧٧١م [ابن خلدون ج ٦ص١٦٧].

تولى خلفًا لعيسى بن يزيد: أبو القاسم سمعون بن داسول المكناسي الملقب بمدرار (١٥٥ - ١٦٧هـ) (٧٧١- ٧٨٣م)، وكان حدادًا من الأندلس، ووفد على المنطقة، وأقام بمنطقة سجلماسة، وكان يدين بالمذهب الصفري، وبايعه البربر إمامًا لمنطقة سجلماسة.

المؤسس الحقيقي لدولة بني مدرار

ولما توفي أبو القاسم سنة١٦٧هـ/ ٧٨٣م خلفه ابنه إلياس الملقب بالوزير، ولكن أهل سجلماسة ثاروا عليه في سنة ١٧٤هـ /٧٩٠م، ولم تشر المصادر إلى سبب ثورتهم وخلعوه، وأقاموا مكانه أخاه اليسع بن أبي القاسم الملقب بأبي منصور (١٧٤- ٢٠٨هـ/٧٩٠- ٨٢٣م)، ويعتبر اليسع بن أبي القاسم المؤسس الحقيقي لدولة بني واسول المعروفة بدولة بني مدرار، ففي عهده استفحل ملك بني مدرار في سجلماسة، وهو الذي أتم بناءها وتشييدها واختط بها المصانع والقصور وانتقل إليها في١٩٩هـ/٨١٤م [المصدر السابق ج٦ ص١٦٨].

يقول ابن عذاري في وصف اليسع: وكان جبارًا عنيدًا فظفر بمن عانده من قبائل البربر وقهرهم وأذلهم وأظهر الصفرية وأخذ معادن درعه وَعَظُم قدره في ذلك الوقت، وكان موضع سجلماسة قد عمر بالديار دون سور، ثم زاد ملك اليسع المذكور وأمر ببناء السور أسفله بالحجارة وأعلاه بالطوب، فقيل إن بناءه كان من ماله لم يشاركه فيه أحد فسكن سجلماسة وتوفي ٢٠٨هـ /٨٢٣م، فكانت مدته بها نحو أربع وثلاثين سنة [البيان المغرب ج١ ص٢١٥].

تولى مدرار الملقب بالمنتصر خلفًا لوالده اليسع، وكان مدرارًا قد تزوج من ابنة عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية في المغرب الأوسط، وكان على المذهب الإباضي، تزوج ابنته وتدعى أروى وأنجب منها ابنه ميمون، وحين كبر دخل في صراع على الحكم مع أخ له وهو ابن مدرار وانتصر ابن الرستمية ولم يستمر طويلًا في الحكم نظرًا؛ لاستبداده وإساءته السيرة فخلعه أهل سجلماسة، ثم تولى ميمون بن تقية الذي استمر في الحكم حتى ٢٦٣هـ/٨٧٦م.

ويشير أحد الباحثين إلى أن الدولة المدرارية لم تمر بأزمات سياسية كبرى، أو تعرف أحداثًا عسكرية هددت عاصمتها قبل أن يدخلها الجيش الفاطمي عنوة، وكل ما واجهته هو الصراع السياسي في صفوف بني واسول من أجل وراثة الحكم، كما وقع بين إلياس بن أبي القاسم وأخيه أبي المنتصر، أو بين ولدي مدرار المنتصر بن اليسع (٢٠٨ هـ - ٢٥٣هـ/٨٢٣- ٨٦٧م)، وكذلك المعارضة من بعض القبائل، كما حدث في عهد اليسع بن أبي القاسم الملقب بأبي المنتصر، لكنه نجح في إخمادها [المغرب الإسلامي ص ١٦٦].

ومن الأحداث السياسية البارزة وصول عبيد الله المهدي وابنه أبي القاسم إلى مدينة سجلماسة هربًا من السلطة العباسية، وكان ذلك في عهد اليسع بن مدرار (٢٧٠هـ/٨٨٣م)، إلا أن اليسع أمر بحبسهما إلى أن زحف أبو عبد الله الشيعي بجنوده ودخل سجلماسة، وأطلق سراحهما وقتل اليسع ٢٩٧هـ /٩٠٩م، وأقام أحد زعماء كتامة واليًا على المدينة، إلا أن أهل سجلماسة ثاروا عليه وقتلوه وقدموا عليهم الفتح بن ميمون بن مدرار الملقب بالرسول سنة ٢٩٨هــ/ ٩١٠م، حتى توفي سنة ٣٠٠ هـ /٩١٢م، ثم خلفه أخوه أبو العباس أحمد على إمارة سجلماسة.

ثم أرسل المهدي الخليفة الفاطمي جيشًا بقيادة وصالة بن حبوش استولى على سجلماسة، وقتل أبا العباس سنة٣٠٩هـ/ ٩٢١م، ورأى وصالة تولية أحد أبناء بني مدرار الحكم باعتباره تابعًا للفاطميين، فأقام المعتز بن محمد بن سادر ابن مدرار الذي تتابع أبناؤه في الحكم من بعده.

وحين تولى محمد بن الفتح بن ميمون بن مدرار الحكم سنة ٣٣٢هـ/٩٤٣م أمر بقطع دعوة الفاطميين، ودعا إلى نفسه وتسمى بأمير المؤمنين وتلقب بالشاكر لله [المغرب الكبير ص٥٨٩]، وأخذ بمذهب أهل السنة وطبع السكة باسمه ولقبه وكانت تسمى الدراهم الشاكرية، وظل في مقعد الحكم حتى زحف إليه جوهر الصقلي في خلافة المعز لدين الله الفاطمي سنة٣٤٧هـ/٩٥٨م، مما اضطر معه الشاكر لله إلى الفرار في بعض خاصته، إلا أنه وقع في الأسر حيث قبض عليه وحمل إلى القيروان، ثم سجن برفادة إلى أن توفي سنة ٣٥٤هـ/٩٦٥م، وبوفاته انقرض آل مدرار أمرا ء سجلماسة [المرجع السابق ص٥٨٩].

بعض المظاهر الحضارية بسجلماسة

تقع سجلماسة في شمال وادي درعة في المغرب الأقصى على طرف الصحراء جنوبًا وتليها المغارة الكبرى التي تؤدي إلى غانة من بلاد السودان، وكان يسكن في تلك المفازة قبائل الملثمين الصنهاجية من مسوفة ولمتونه، ومنطقة سجلماسة تعرف الآن باسم تافلّلت، أما المدينة القديمة فلم يبق لها إلا الذكر.

والمعروف أن مدينة سجلماسة مدينة محدثة، إذ يشير كثير من المؤرخين إلى أن بناءها كان في سنة ١٤٠هـ / ٥٧ ٧م، وأن بناتها كانوا من الصفرية من قبيلة مكناسة [تاريخ المغرب العربي ج٢ ص٤٠١]، هذه القبيلة التي أيدت ثورة ميسرة المضغري حول طنجة سنة ١٢٢هـ/٧٣٩م ضد الخلافة الأموية، حيث نجح ميسرة في الاستقلال بالمنطقة واتخذ لقب خليفة.

وينسب ابن عذاري بناء المدينة إلى أبي القاسم سمعون بن واسول المكناسي، وكان صاحب ماشية كثيرة وكان ينتجع موضع سجلماسة [ابن عذاري: ج١ ص٥٦]، والحقيقة أن ابن واسول هو مؤسس الأسرة التي ستسود سجلماسة، حتى قيام الدولة الفاطمية في بلاد المغرب نظرًا لغناه، ولأنه كان يرتاد المنطقة التي كانت سوقًا يجتمع فيه بربر النواحي [المصدر السابق ج ١ ص٥٦].

وتبعد مدينة سجلماسة عن مدينة فاس في اتجاه الجنوب الشرقي ٣١٥ ك.م، وتعد آخر مرحلة في اتجاه الطريق الصحراوي نحو بلاد السودان، وقد أسست على وادي زيز وهو مصدر حياة الواحة.

يقول ياقوت:" مدينة في جنوبي المغرب في طرف بلاد السودان، بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب، وهي في منقطع جبل درن في وسط الرمال، يمر بها نهر كبير يخاض قد غرسوا عليه بساتين ونخيلًا مد البصر، وعلى أربعة فراسخ منها رستاق يقال له تيومتين على نهرها الجاري فيه من الأعناب الشديدة الحلاوة ما لا يحد [معجم البلدان ج٣ ص١٩٢].

ويشير البكري إلى مسالك سجلماسة نحو الجنوب بقوله: ومن مدينة سجلماسة تدخل إلى بلاد السودان إلى غانة، وبينها وبين مدينة غانة مسيرة شهرين في الصحراء غير عامرة، إلا بقوم ظاعنين ولا يطمئن بهم منزل، وهم بنو مسوفة من صنهاجة ... وبين سجلماسة ووادي درعة مسيرة خمسة أيام [المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، ص ١٤٩]، ونلاحظ وجود عدد من الحصون ومن القلاع قرب سجلماسة، وهذه الحصون والقلاع بها مياه ونخل كثير، ويشرف عليها جبل فيه معدن فضة معلوم هناك.

وهذه الحصون والقرى تثبت - إلى جانب قرى وادي درعة الكثيرة، والمعروفة بإنتاجها الزراعي- أن سجلماسة محاطة من الشمال، ومن الشمال الغربي بمنطقة عمرانية ولا تبدأ المغارة الحقيقية إلا في اتجاه الجنوب، إن غزارة ينابيع وادي زيز جعلت القبائل الرحل والمسافرين يستطيعون الإقامة في ذلك البراح الذي تحيط به السهول والسياخ، وهي مرعى ثري للإبل، وقد انقلب البراح مع المكناسيين إلى قرية صحراوية اتخذ سكانها الخيام في بداية الأمر منازل لهم، وجعل الاستقرار السياسي القائم على عصبية قبيلة مكناسة والقبائل الحليفة لها، والنشاط التجاري الذي بدأ يعيشه المغرب الإسلامي في نهاية القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، جعل القرية تتحول إلي مدينة متطورة[المغرب الإسلامي ص١٥٤].

وقد شرع الأمير أبو منصور اليسع بن أبي القاسم في سنة ١٩٩ هـ /٨١٤م في بناء سور للمدينة من ماله الخاص يصون به سكانها وأموالهم من الغارات، وشيد أسفله بالحجارة وأعلاه بالطوب، وجعل له اثني عشر بابًا، وقد انتقل إليها في سنة٢٠٠هـ/٨١٠م، وقسّمها على القبائل، ولم يقتصر عمله على بناء السور بل بنى جامعًا متقن البناء تحيط به القصور [المرجع السابق ص١٥٥].

ويشير البكري إلى أن مدينة سجلماسة أضحت في مطلع القرن الثالث الهجري /التاسع الميلادي مدينة متسعة الأرجاء ذات أحياء مختلفة يحيط بها سور، وأنشأ كذلك في ضواحيها أرباضًا كثيرة وبساتين نخل شاسعة، كما بنى أمراء بني مدرار مقرًّا؛ لحكمهم أطلقوا عليه القصبة [البكري: المغرب ص١٥٦].

المجالات الاقتصادية في سجلماسة

ففي الزراعة: وهي تنحصر في مجالين: الزراعة في بساتين الواحة وتربية الماشية، ويقسّم الفلاحون الأراضي إلى أحواض ترويها مياه الوادي بفرعيّه الشرقي والغربي، وهي التي تمد سكان المدينة بأنواع الخضر والثمار، وقد تنوعت المحاصيل ومنها العنب والقطن والكمون والكراوية والحناء والتمور.

ويقول أحد الباحثين عن كثرة التمور وتنوعها: وفيه ستة عشر صنفًا من التمر ما بين عجوة ودقل، وأكثر أقوات أهل سجلماسة من التمر، وتمثل أنواع التمور هذه أبرز صادراتها الفلاحية إلى جانب الحناء والماشية [المغرب الإسلامي ص ١٧٢].

وفي مجال الصناعة: إن التطور الذي عاشته سجلماسة ابتداء من نهاية القرن الثاني الهجري /الثامن الميلادي ساهم في نشوء أنواع من الحرف وازدهارها، ومن أبرز هذه الصناعات اليدوية: صناعة النسيج المعتمد على قطن الواحة، وعلى الصوف المأخوذ من ماشيتها، وهناك حرف أخرى كصناعة الأواني النُّحاسية والصناعة القائمة على معدن الذهب المجلوب إلى سجلماسة من السودان [المرجع السابق ص ١٧٥].

وفي مجال التجارة: ومدينة سجلماسة مدينة تجارية نظرًا؛ لهجرة كثير من الناس للإقامة بها فضلًا عن مركزها الحساس في مفترق مسالك تجارية شهيرة في تاريخ التجارة المغربية في العصور الوسطى.

وكانت التجارة مصدر الثروة الكبيرة التي تجمعت بالمدينة ولا سيّما الثروة الذهبية التي كانت بأيدي سكانها وخاصة فئات التجار منهم، يقول عنهم ياقوت: أهل هذه المدينة من أغنى الناس، وأكثرهم أموالًا؛ لأنها على طريق من بريد غانة التي هي معدن الذهب ولأهلها جرأة على دخولها [معجم البلدان ج ١ ص١٩٢].

وقد أصبحت مهنة خفارة القوافل التجارية من سجلماسة نحو فاس، وأغمات، والسوس، ثم نحو الجنوب في اتجاه أودغشت، وغانة عملًا يدر على قبائل البربر المقيمة بالقرب من المسالك التجارية أرباحًا طائلة فهم يفرضون عليها ضريبة في مقابل حراسة القوافل [المغرب الإسلامي ص ١٧٧].

وأما صادرات سجلماسة المتجهة إلى أودغشت وغانة وتكرور، فأهمها القمح وأنواع التمور، والثمار من المنسوجات، والنحاس المصنوع، والملح، وأمّا وارداتها فالذهب، والرقيق، والعنبر، وأشجار الصمغ.

الحياة الفكرية في سجلماسة

تأسست إمارة سجلماسة على أسس وقواعد المذهب الصفري الذي أقبل عليه البربر، واعتنقوه؛ نتيجة لظروف سياسية كانت تمر بها بلاد المغرب فضلًا عن الخلافة الأموية التي عانت الكثير من المعارضة المذهبية سواء من الشيعة أو من الخوارج.

وقد أقبل البربر على اعتناق مذهب الخوارج بشقيه الإباضي والصفري؛ لأنه يدعو إلى المساواة المطلقة بين المسلمين، وأن الإمامة حق لكل مسلم، فبديهي أن يلقى ذلك المذهب قبولًا لدى البربر الذين طال حرمانهم من المساواة مع العنصر العربي، ومن الطبيعي أن تتولد لديهم نزعة قومية مغربية؛ لإزاحة نفوذ الأقلية العربية من مكان الصدارة، والحكم في إطار شرعي يكفله الدين [الخوارج في المغرب الإسلامي ص٣٤].

المذهب الصفري في المغرب وآراؤه الاعتقادية

ويهمّنا في هذا المجال الإشارة إلى المذهب الصفري، الذي انتشر في بلاد المغرب واعتنقه العديد من أبناء القبائل، وخير دليل على نجاح المذهب الصفري وانتشاره أن أول ثورة خارجية اندلعت على أرض المغرب كانت بزعامة ميسرة المضغري، وقبيلة مضغرة التي اعتنقت المذهب الصفري، وقد أدى هذا النجاح الذي حققه ميسرة سنة١٢٢هـ /٧٣٩م بمجموعة الصفرية إلى تتابع الحركات الصفرية على أرض المغرب متخذة النشاط المسلح وسيلة؛ لتحقيق أهدافها.

وأما الصفرية فهم أصحاب زياد بن الأصفر، وقيل اصفروا بما نهكتهم العبادة، وقولهم في الجملة كقول الأزارقة من أن أصحاب الذنوب مشركون، غير أن الصفرية لا يرون قتل مخالفيهم ونسائهم، وكل الصفرية يقولون بموالاة عبد الله بن وهب الراسبي، وحرقوص بن زهير وأتباعهما من المحكمة الأولى، ويقولون بإمامة أبي بلال مرداس الخارجي بعدهم، وبإمامة عمران بن حطان السدوسي بعد أبي بلال [الحياة الدينية في المغرب ص١٢٧].

ومن آرائهم: لم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار، وقالوا: التقية جائزة في القول دون العمل، وفي قضية الإيمان والشرك من البراءة فقالوا: نحن مؤمنون عند أنفسنا ولا ندري لعلنا خرجنا من الإيمان عند الله، والشرك: شِرْكَان: شِرْكٌ هو طاعة الشيطان، وشرك هو عبادة الأوثان، والكفر كفران: كفر بإنكار النعمة، وكفر بإنكار الربوبية، والبراءة براءتان: براءة من أهل الحدود سنة، وبراءة من أهل الجحود فريضة [المرجع السابق ص ١٢٨].

وكانت البدايات الأولي للمذهب الصفري في بلاد المغرب على يد عكرمة مولى ابن عباس، وأصل عكرمة من البربر، كان لحسين بن الحر العنبري فوهبه لابن عباس - رضي الله عنهما - حين ولي البصرة للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنة، وسمّاه بأسماء العرب.

أما عن دراسته وثقافته فقد تلقاها على أيدي جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي في مقدمتهم ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم، وبذلك صار أحد فقهاء مكة وتابعيها.

 لقد طَوَّف عكرمة في العديد من البلدان ونسبت إليه بعض آراء الخوارج، وتولّى عكرمة مهمة نشر المذهب الصفري، وفي القيروان اتصل سمكو بن واسول المكناسي بعكرمة، ومنه تلقى أصول المذهب الصفري، وفي رواية أخرى أن سمكو بن واسول ارتحل إلى المدينة فأدرك التابعين وأخذ عن عكرمة [العبر ج ٢ ص٢٦٧].

ويبدو أن سمكو بن واسول أخلص في اقباله على دراسة المذهب وقواعده، حتى وصف بأنه من مشاهير حملة العلم، وبعد وفاة عكرمة سنة١٠٥هـ/٧٢٣م حمل سمكو مهمة نشر المذهب الصفري بين قبائل البربر وخاصة قبيلة مكناسة، وحتى يكتب لدعوته النجاح اتجه إلى المناطق الصحراوية جنوب المغرب الأقصى، وفي واحة تافيللت، حيث ملتقي القبائل الرعوية تظاهر بتربية الماشية واتخذ من ذلك وسيلة؛ لنشر مهمته الأصلية، وهي نشر المذهب الصفري بين الرعاة وأفراد القبائل، وواصل ذلك العمل حتى صارت خيمته ملتقى لأتباع المذهب الصفري [الحياة الدينية في المغرب ص ١٢٩].

وامتدت دعوة الصفرية إلى العديد من القبائل، وفي مقدمتها قبائل مكناسة، ومطغرة، وبرغواصة، واستغل أنصار الدعوة الجديدة البعد المكاني عن القيروان فضلًا عن انشغال الولاة بالأحداث المحيطة بهم من ثورات البربر، واضطراب الأوضاع وأعلنوا عن أول إمامة صفرية سنة١٤٠هـ /٧٥٧م، حين بايعوا عيسى بن يزيد إمامًا لهم، ثم شرعوا في تأسيس مدينة سجلماسة لتكون عاصمة لهم، وملتقى لجموع الصفرية التي أقبلت من كل مكان.

استمر عيسى بن يزيد في إمامته للصفرية، حتى نقموا عليه بعض التصرفات فقتلوه وولوا مكانه أبا القاسم سمكو بن واسول مؤسس الدولة المدرارية، وأبناءه من بعده حاملين المذهب الصفري في المنطقة، ولم تمض فترة طويلة على بناء العاصمة الجديدة، حتى صارت قبلة للخوارج الصفرية من كل مكان، وبخاصة أولئك الذين يعانون من تعقب ولاة بني العباس في القيروان فضلًا عن الازدهار الاقتصادي الذي حققته العاصمة الناشئة.

كل ذلك شجع على تجمع الصفرية والتفافهم حول زعمائهم، وظلت دولة سجلماسة الصفرية تمارس دورها، حتى قيام الدولة الفاطمية بالمغرب واستيلائها على العاصمة سجلماسة.


مراجع للاستزادة:

  • ابن الأثير: الكامل في التاريخ بيروت ٩٦٢ ١.
  • الإدريسي أبو عبد الله محمد بن عبد الله: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق روما ١٩٧٢.
  • البكري أبو عبيد الله بن عبد العزيز: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب - الجزائر.
  • ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ليفي بروفنسال - بيروت.
  • د/ الحبيب الجنجاني: المغرب الإسلامي: الحياة الاقتصادية والاجتماعية. الجزائر.
  • أ. د/ حسن على حسن: الحياة الدينية في المغرب في القرن الثالث الجري، مكتبة الشباب ١٩٨٥.

الخلاصة

أسّست دولة بني مدرار في سجلماسة ككيان سياسي مستقل بعد الثورات البربرية ضد الولاة الأمويين، وازدهرت بفضل موقعها التجاري وصمودها السياسي، ورغم قوتها الحضارية والاقتصادية، انتهى حكمها بسقوطها أمام الفاطميين في منتصف القرن الرابع الهجري، لتبقى سجلماسة رمزًا لدور المغرب في صناعة الحضارة الإسلامية.

موضوعات ذات صلة

تأسست مدينة القيروان سنة ٥٠هـ / ٦٧٠م بأمر القائد عقبة بن نافع.

في أعماق التاريخ المغربي والإسلامي ينبثق نور دولة بني مَرين.

هم الأسرة الصنهاجية التي تولت حكم إفريقية والمغرب بعد رحيل الفاطميين.

موضوعات مختارة