تُعد إندونيسيا من أبرز دول العالم الإسلامي، ليس فقط من حيث عدد السكان، بل - أيضًا - من حيث عمق التاريخ الإسلامي فيها، وتنوعها الثقافي والجغرافي الفريد.
تُعد إندونيسيا من أبرز دول العالم الإسلامي، ليس فقط من حيث عدد السكان، بل - أيضًا - من حيث عمق التاريخ الإسلامي فيها، وتنوعها الثقافي والجغرافي الفريد.
تعد إندونيسيا أكبر دول العالم الإسلامي من حيث عدد سكانها الذي يتجاوز ٢٠٠,٤٢ مليون نسمة حسب الإحصاء ء الأخير [مجلة الحج السعودية السنة الخامسة والستون، العدد السادس، جمادى الآخرة ١ ١٤٣ ص ٣٥]
أما في التراث الغربي فقد عرفت بجزر الهند الشرقية، وفي العصور المتأخرة وبالتحديد في عام ١٢٢٠م - ١٨٠٥م أطلق عليها المستشرق الإنجليزي (لوجان) إندونيسيا، التي تتركب من كلمتين يونانيتين هما (اندوس، وتعنى الهند، والثانية نيسوس وتعنى الجزيرة، فصارت إندونيسيا [انظر في ذلك الأدب الإندونيسي، د/ فؤاد فخر الدين ص٢٤ ط جامعة الإمام محمد بن سعود عام ٢٠٠٨].
وفي العصر الحديث بعد استقلال إندونيسيا تم تكوين لغة قومية موحدة للبلاد عرفت ب (ياهاسا إندونيسيا) أي لغة إندونيسيا، وقد اشتقت أكثر كلماتها وتراكيبها من اللغة (المالاوية) كما طعمت ببعض الألفاظ من اللغات المحلية، فضلا عن العربية. [أنظر تاريخ إندونيسيا، مصدر سابق ص٤٢- ١٠١ حيث عالج الموضوع بتفصيل كبير؛ إذ كان الكتاب جزءا من أطروحة للدكتوراه في جامعة كراتشي بباكستان عام١٩٥٥].
كانت الديانة السائدة في إندونيسيا قبل الإسلام هي الديانة (الهندوسية) البرهمانية وكذا البوذية ومن قبلهما ديانة (الانميم) [انظر المصدر السابق ص٢٢] وعندما بزغ فجر الإسلام مدَّ رواقه إلى هذه البلاد منذ القرن الهجري الأول / السابع الميلادي، بل إن بعض الدراسات لتحدده بعصر الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وذلك من خلال التبادل التجاري بين العرب وبين أهالي هذه البلاد؛ حيث (هيأ موقع الملايو والأرخبيل على الطريق الرئيسي للتجارة البحرية بين آسيا الغربية والشرق الأقصى - المنطقة في مجموعها - لتكون ملتقى للتجارة بين الشرق والغرب منذ أزمنة بعيدة، وقد اعتاد العرب قبل الإسلام القيام بهذا النشاط التجاري مع الشرق، عن طريق سيلان، وموانئ جنوب شرق آسيا، وبعد ظهور الإسلام تلقى هذا النشاط دفعة كبيرة [الموسوعة الجغرافية مصدر سابق ص١ ص ٢٨٣] وهو المعنى الذى أكده المستشرق الإنجليزي السير توم اس أرنولد في قوله: في القرن الثاني الهجري /الثامن الميلادي كانت تجارتهم - العرب - مع سيلان في أيديهم، كما بلغت تجارتهم مع الصين عن طريق سيلان رواجًا عظيمًا [ الدعوة إلى الإسلام ص ٤٠١ ط النهضة المصرية].
وقد نشأ عن هذا التبادل التجاري انتشار الإسلام في هذه البلاد، ويعقد ذات المستشرق السابق مقارنة أخاذة بين انتشار الإسلام بالطريق السلمي ومن خلال القدوة الحسنى وبين المحاولات الغربية من قبل البرتغال وهولندا، والتي حاولت نشر المسيحية من خلال العنف والإكراه، ولأنها شهادة منصفة تأتى من غير المسلمين فإنا نثبتها هنا خاصة وأنها تشير إلى أمرين:
الأول: كيفية انتشار الإسلام بين سكان إندونيسيا وسائر الملايو، وما فيه من دلالة على كذب مزاعم المستشرقين المغرضين الذين يدعون أن الإسلام انتشر بالسيف.
الثاني: بيانه قسوة الأسبان ومن بعدهم الهولنديين الذين حاولوا نشر المسيحية بالحديد والنار. يقول أرنولد مبينا كيفية انتشار الإسلام: "فالذين قدموا إلى إندونيسيا لم يفدوا على هذه البلاد غزاة كما فعل الأسبان في القرن السادس عشر، ولم يستخدموا السيف أداة لتحويل الناس إلى الإسلام، بل لم يدعوا لأنفسهم حقوق جنس أسمى يتمتع بالغلبة والسيادة، لكي يحطوا بذلك شأن السكان الأصليين، ويسلبوا حقوقهم، بل قدموا في زي التجار، واستخدموا كل ما لديهم من ذكاء أسمى ومدنية أزهر في سبيل دينهم، أكثر من أن يكونوا قلد استخدموا ذلك وسيلة لتوسيع نفوذهم الشخصي أو لتنمية ثرواتهم. [نفس المصدر٤٠١].
هذا من حيث كيفية دخول الإسلام، أما عن زمن دخوله المبكر على ما سبقت الإشارة إليه، فإن أقدم الوثائق الدالة على ذلك تظهر فيما كتبه أحد المسلمين الصينيين ويدعى (مارهيوان) وقد زار جاوة الشرقية فيما بين عامي (٨١٨-٨٣٧هـ/١٤١٥ — ١٤٣٢م)، ولاحظ وجود ثلاث جماعات من الناس: المسلمين، والمهاجرين الصينيين الذين أسلم الكثير منهم، وأهالي البلاد [انظر الموسوعة الجغرافية، مصدر سابق ٢٩٤]
ويذكر توماس أرنولد أن هذا العالم الصيني المسلم كان قد صحب إمبراطور الصين إلى جاوة في وظيفة مترجم وأنه قد أثنى على المسلمين وأن زيهم وطعامهم نظيف مناسب [الدعوة إلى الإسلام، مصدر سابق ٤١٨].
أما عن تمسك الإندونيسيين بالإسلام فقد كان شديدًا وهو ما تضافرت عليه المرويات التاريخية ومنها ما ذكره ابن بطوطة الذي زار إندونيسيا عام ٧٤٦ هـ /١٣٤٥م؛ ففي معرض حديثة عن سلطان سومطرة وقت زيارته وكيف أنه شافعي المذهب، محب للفقهاء، وإنهم يحضرون مجلسًا للقراءة والمذاكرة، وهو كثير الجهاد والغزو ومتواضع يأتي إلى صلاة الجمعة ماشيًا على قدميه، وأهل بلاده شافعيه، يحبون الجهاد ويخرجون معه تطوعًا [رحلة ابن بطوطة]
وهو ما يؤكده الدكتور فؤاد فخر الدين بقوله: غزا الإسلام إندونيسيا بقوة الحجة، وحسن المعاملة، وليونة المعاشرة، وانشرح الشعب لاستقباله ورحب بقدومه والدخول فيه، والانتماء إليه واعتناق عبادته حتى تغلب على الأديان السائدة في البلاد حينذاك ، وهو ما يتجلى كذلك في صموده في وجه الهجمة الاستعمارية الشرسة لهولندا ، ولما لم تجد طريقًا لزحزحة هذا الشعب عن دينه لجأت إلى أحد مستشاريها من المبشرين عله يجد طريقة للتغلب على مقاومة الإندونيسيين وهو المستشرق (سنوك هور- وغنجي) فاستمر مقيما بإندونيسيا ثلاث سنوات يدرس ويفكر ويحلل، حتى انتهى به الأمر إلى كتابة تقريره الذى يقول فيه: إن العقيدة الإسلامية تحتل المكانة الأولى والوحيدة في قلوب المسلمين وعقولهم في كل إندونيسيا [ تاريخ إندونيسيا، مصدر سابق ص٤٨] ، أما عن الحل الذي افترضه فكان يتلخص في الدعوة إلى توريد المفاهيم الهدامة إلى إندونيسيا لمحاربة المتانة الأخلاقية التي تفرضها العقيدة الإسلامية في أتباعها، وتشجيع الحركات الإلحادية [أنظر صفحات من تاريخ إندونيسيا المعاصرة. ص ٤٣ وما بعدها، ط دار لبنان، بيروت عام ١٩٧١م] وهذا مما يدل على تمسك هذا الشعب بالإسلام بالإضافة إلى ما نجده من إشارات كثيرة لدى المؤرخين الغربيين وعلى رأسهم توماس أرنولد الذي يقول: وكانوا شديدي التمسك بفروض دينهم - وهم شديدو التمسك بالمحافظة على صوم رمضان وتأدية فريضة الحج [الدعوة إ لي ا لإسلام، مصدر سابق ٤١٤].
أشهر المدن الإندونيسية: تتكون إندونيسيا من عدد كبير جدًا من الجزر إلا أن أهم هذه الجزر هي: جاوة: وتقع بين خطى عرض ٥ و١٠ جنوب خط الاستواء وتمتد من الشرق إلى الغرب ويبلغ طولًا ٧٦٠ ميلًا، وعرضها ١٢٥ ميلًا، ومساحتها ٥١ مليون ميل مربعًا، فهي بذلك الجزيرة الثانية عشرة من حيث المساحة بين جزر العالم، والرابعة بين جزر إندونيسيا، وإن كانت الأولى من حيث الأهمية السياسية والاقتصادية [انظر القاموس الإسلامي للأستاذ/ أحمد عطية الله، ص ٥٦٩هـ النهضة المصرية.]
وقد وصل الإسلام إليها مبكرًا، وهو ما يظهر من خلال وجود المساجد والمقابر التي ترجع إلى وقت مبكر، ومن أهم هذه الآثار وجود مقبرة لسيدة مسلمة في شرق جاوة يرجع تاريخها إلى عام ٤٥٥ه ١٠٨٢م [انظر الموسوعة الجغرافية، مصدر سابق ط ٢٨٣]
فضلًا عن قيام عدد من الممالك الإسلامية في هذه الجزيرة أشهرها:
١. سلطنة مالقا: التي كان لها باع طويل في نشر الإسلام في الجزيرة، فضلًا عن التعريف بالثقافة الإسلامية، وكانت نشأتها على يد أحد الجاويين (بارا سوارا) الذي عمل على التخلص من سيطرة (سيام) على المنطقة، وتم له ذلك بمساعدة التجار المسلمين القاطنين على الساحل الغربي من شبه الجزيرة، كما ساعده كذلك أمير البحر المسلم الحاج (تشنج) الذي كان في إحدى رحلاته البحرية عام (١٤ ٨هـ ١٤١١م) حسب ما تذكره المصادر الصينية [انظر المصدر السابق ٢٩٢.]
كما تذكر مصادر أخرى أن نجاح (بارا سوارا) يرجع لمصاهرته لإحدى الأسر المسلمة، وكان قد اعتنق الإسلام، وتسمى بـ (إسكندر شاه)، وقد خلف بعد ذلك ابنه (مظفر شاه) وفي عهده طبار للإسلام قاعدة راسخة في الملايو خاصة في عهد ولده (مظفر شاه) عام (٨٦٥ - ٨٨٢ هـ/ ١٤٥٩-١٤٧٧).
ومع نهاية الربع الأخير من هذا القرن كان كل من الساحلين [الدعوة إلى الإسلام ٤٢٥.] المشرق والمغرب من شبه الجزيرة وما يليهما من أقاليم هي أراض إسلامية [الدعوة الإسلامية٤٢٥]، وهو الأمر الذى يذكرنا بإسلامية جاوة على ما جاء في قول السير توماس أرنولد: إن جميع أهل جاوة مسلمون، ماعدا أقلية ليس لها شأن يذكر معللًا ذلك بأن "ما أحرزه الدين من تقدم كان معظمه من أعمال الدعاة، أكثر من أن يكون نتيجة إعمال الآراء [ نفس المصدر ] وهو ما يعنى كذلك أن نشأة هذه السلطنة كانت نشأة سلمية في جوهرها خاصة إذا ما علمنا أن هذه السلطنة قد آثرت الثقافة الإسلامية برعايتها ومن خلال إعداد ترجمات وشروح للكتب الإسلامية المختلفة حتى تمكن شعب الملايو من فهمها واستيعابها [الموسوعة الجغرافية ٢٩٢].
وقد استمر هذا ا لنشاط قويًّا في عهد خلفه (علاء الدين شاه) الذي بلغت سلطنة (ملقا) في عهده شأنًا كبيرًا حتى مجى البرتغالي الاستعمار البرتغالي الذي وضع حدًّا لازدهار هذه السلطنة، ليدخل المسلمون في صراع عنيف مع البرتغاليين في عام ٩١٧هـ/ ١٥١١م ثم مع الاستعمار الهولندي بعد ذلك حتى نالت إندونيسيا استقلالًا عام ١٣٦٤هـ / ١٩٤٥م بعد جهاد كبير استمر قرابة خمسة قرون [مجلة الحج السنة الخامسة والستون العدد السادس، جمادى الآخرة ١٤٣١ه، ص٥ ٣].
وأشهر مدن جزيرة جاوة جاكرتا وتعنى المدينة العظيمة وهي المركز المالي والتجاري لإندونيسيا التي يقطنها ٢٠ مليون نسمة، ثم توجت مكانتها الدينية بإنشاء مسجد الاستقلال الذي استمر بناؤه ١٧ عامًا بدءًا من ١٣٧٣هـ/ ١٩٥٣م، وافتتح عام ١٣٩٨هـ/ ١٩٧٨م، وتبلغ مساحته ٩٥ ألف متر مريع ويصل ارتفاعه إلى ٣٣ مترًا، ويتكون من أربعة طوابق [انظر المصدر السابق]
إندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، وتضم آلاف الجزر أبرزها جاوة، دخلها الإسلام سلميًّا عبر التجارة والقدوة الحسنة، وترسّخ فيها بفضل تمسك شعبها به رغم الاستعمار، وتُعد جاكرتا اليوم مركزًا حضاريًّا ودينيًّا، تحتضن مسجد الاستقلال كرمز لعراقة الإسلام في المنطقة.