Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

باب الأبواب

الكاتب

أ. د / عطية القوصي

باب الأبواب

مدينة الباب، تلك الثغرة العريقة الواقعة على مفترق حضارات، كانت شاهدة على صراعات عنيفة وتاريخ من السيادة والتحولات، بين الفرس والخزر، ثم تحت راية الإسلام.

مدينة الباب وموقع الأبواب

ذكر ابن سعيد الأندلسي في كتابه (كتاب الجغرافيا)، أن مدينة الباب، قاعدة سلطنة الباب، هي ثلاث قطع على نهر أتِل الكبير عند مصبه في بحر طبرستان، وأن القطعة الجنوبية فيها كانت للمسلمين، والقطعة الشمالية كانت لليهود والنصارى والمجوس، والقطعة في الجزيرة كانت لخاقان الخزر، وكان يهوديًا، ثم خربها الروس، وأزالوا سلطنة الخزر منها، وعمرت بعد ذلك بالمسلمين، فخربها التتار، وفي شرقيها في بحر طبرستان جزيرة الباب، وهي كثيرة المروج، يرعى فيها أهل الباب مواشيهم، وفي شرقيها جزيرة البركان، فيها جبل لا تَبْرَحُ النار تتقد فيه بالليل والنهار، ويصعد منه الدخان مثل بركان صقلية وبركان الهند.

 ويواصل ابن سعيد حديثه عن موقع الأبواب فيقول: بأن الملك الفارسي كسرى أنوشروان الساساني قد بنى سورًا عند جبال القوقاز، بين بحر طبرستان وبحر سينوب، وفي هذا السور بنى (الأبواب) التي قيل إنها كانت سبعة لكل أمة من الأمم التي في شمال هذا السور وعليه حصن فيه حَفَظَة، كانوا يمنعون تلك الأمة التي تلي ذلك الباب من الدخول عليه إلى بلاد الأكاسرة، وأعظم هذه الأبواب: باب الحديد، وهو يعرف إلى الآن كذلك. وعلى دور الجبل إلى جانبه (قلعة العلان)، ويسميها الأرمَنْ (تورن الأنات) Tourn ALanat والذي لاتزال آثاره قائمة على الضفة اليسرى لنهر (تيرك) Terk قرب مضيق بين جبلين، وهي إحدى قلاع العالم، وهي ملثمة بالسحاب.... ويُقال إن التتار قاسوا عليها شدة، ولم يأخذوها إلا بالحيل بعد مدة، وما في شمال هذا السور اليوم فهو في حيز ابن بركة (بركة خان) من التتار المسلمين، وما في جنوبيه لابن هلاون، سلطان التتر الكفار.

وقاعدة هذه الأبواب وسلطنتها هي مدينة (الباب). ويقول ابن سعيد - أيضًا -: إن الذي وضع هذا الباب الفضل بن يحيى البرمكي في عهد هارون الرشيد، وضعه في وجوه الترك الذين كانوا يغيرون من المشرق على بلاد الإسلام، ويقول إن هنالك حائطًا ممتدًا من الشمال إلى الجنوب، شرقي ذلك إقليم تركستان، وهو إقليم طويل عريض له قاعدة غربية وهي (كاشغر)، والثانية شرقية وهي (برسجان)، وكانت هذه في زمن الفضل ابن يحيى البرمكي لكفار الترك، ثم أسلموا بعد ذلك ودخلوا في طاعة المسلمين، وامتد الإسلام بهم إلى أرض التبت.

 ولقد تحدث الإصطخرى (أبو اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، المعروف بالكرخي) في كتابه (المسالك والممالك) عن مدينة (باب الأبواب) ، عند حديثه عن بلاد أرمينية وأذربيجان، وذكر بأنها مدينة على البحر، وفي وسطها مرسى للسفن، وبين هذ ا المرسى وبين البحر قد بُنِيَ على حافتي البحر سدَّان، حتى ضاق مدخل السفن، وجعل المدخل ملتويًا....، وباب الأبواب، واسمها القديم الأصلي (دربند) على بحر طبرستان هي مدينة أكبر من مدينة (أردبيل)، ولهم زروع كثيرة وثمار قليلة، إلا ما يُحمل إليهم من النواحي، وهي مدينة عليها سور من حجارة وآجر من طين، وهي فرضة بحر الخزر، وهو بحر قزوين، وهي - أيضًا - فرضة جرجان وطبرستان والديلم، ويرتفع منها ثياب كتان، وليس بالران وأرمينية وأذربيجان كتان إلا هناك، وبها زعفران، ويقع إليها رقيق من سائر دور الكفر، (وتفليس) مدينة دون باب الأبواب في الكِبَر، وليس بالران مدينة أكبر من برذعة والباب وتفليس.

ولقد تكلم أهل باب الأبواب بلغة الخزرية وسائر لغات جبالهم، ومعاملاتهم الدراهم، وربما تعاملوا بالدينار، والطريق الموصِّل من بلدة برذعة إلى باب الأبواب، كما أورد الإصطخري كالتالي: (من برذعة إلى برزنج ١٨ فرسخًا، ومن برزنج إلى معبر الكرّ إلى الشماخية ١٤ فرسخًا، ومن الشماخية إلى شروان ٣ أيام، ومن شروان إلى الأبخاز يومان، ومن الأبخاز إلى جسر سمور ١٢ فرسخًا، ومن جسر سمور إلى باب الأبواب ٢٠ فرسخًا.

وقد ذكرت المصادر الجغرافية الأخرى، مثل ابن حوقل وياقوت الحموي في حديثها عن باب الأبواب أنها مدينة على بحر طبرستان، وهي أكبر من أردبيل، محكمة البناء، وثيقة الأساس من بناء (أنوشروان)، وهي أحد الثغور الجليلة، كثيرة الأعداء الذين حفوا بها من أمم شتى، وألسنة مختلفة، وعدد كثير، وإلى جنبها جبل عظيم يُعرف بالذئب، يُجمع منه حطب كثير في كل سنة ليشعلوا فيه النار إذا احتاجوا إليه، يُنذرون أهل أذربيجان وأرمينية من عدوان دهمهم، وربما أصاب ماء البحر سور المدينة، ويُقال: إن على هذا الجبل الممتد الذي عليه باب الأبواب ما يزيد عن سبعين لغة، لا يعرف الجار لغة جاره لاختلاف الألسن.

وكانت الأكاسرة (الفرس) يهمهم أمر هذا الثغر؛ لعظم خطره وجلال مقداره، فأقامت لهذا المكان حَفَظَة من ناقلة بلدانهم وثقاتهم لحفظ ذلك، وأُطْلِق لهم عمارة ما قدروا عليه بلا كلفة للسلطان، وأتيح لهم ذلك حرصًا منهم على عمارة هذا الثغر وصيانته من أصناف الكفرة.

ولقد أشار ابن بطوطة في كتاب رحلته إلى مدينة الباب، وأسماها مدينة (دربند)، وهو يتحدث عن رحلته إلى تبريز وماردين فذكر بأنها مدينة عتيقة، كبيرة المنظر، لا قلعة مشرفة، إلا أنه أضاف بأنها كانت خرابًا حين وصل إليها لا عمارة بها، وقد خربها التتار عند إغارتهم على بلاد العالم الإسلامي، وذكر بأن خارجها توجد قرية معمورة كان نزوله فيها.

فتح المسلمين مدينة الباب

ولقد ذكر ابن الأثير في كتابه الكامل (ج٢) فتح المسلمين لمدينة الباب عام ٢٢ للهجرة /٦٤٢م ضمن ذكره لفتوح المسلمين لأذربيجان، فذكر أن (نُعَيم بن مُقرّن)، بعد أن افتتح (الري) بعث سماك ابن خرشه الأنصاري بمدد لبكير بن عبد الله بأذربيجان، أمره الخليفة عمر بن الخطاب بذلك، فسار سماك نحو بكير، فقاتل بكير اسفنديار وقام بهزيمته وأَسَره، وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدم فأذن له أن يتقدم نحو (الباب).

 وفي هذه السنة فُتح الباب، وكان الخليفة عمر قد رد أبا موسى الأشعري إلى البصرة وبعث سُراقة بن عمرو، وكان يُدعى ذا النور، إلى الباب وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، ولما أطلَّ عبد الرحمن على الباب راسله شهريار، ملك الفرس، الذي كان بها، يطلب منه الصلح، فصالحه على الجزية، وأقره الخليفة عمر على ما صالحه عليه.

وفي عام ٧٣هـ/٦٩٢م، استعمل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أخاه محمد ابن مروان على الجزيرة وأرمينية فغزا منها وأثخن.

وفي سنة ١٠٤هـ/٧٢٢م، دخل جيش للمسلمين بلاد الخزر من أرمينية وعليهم (تثبيت النهرواني)، فاجتمعت الخزر في جمع كثير وأعانهم القفجاق وغيرهم من أنواع الترك فلقوا المسلمين في مكان يُعرف (بمرج الحجارة) فاقتتلوا هنالك قتالًا شديدًا، فقُتل من المسلمين بشر كثير ، واحتوت الخزر على عسكرهم وغنموا جميع ما فيه، وبعد هذه الهزيمة طمع الخزر في البلاد فجمعوا وحشدوا ، واستعمل الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك: (الجراح بن عبد الله الحكمي) حينئذ على أرمينية، وأمده بجيش كثيف، وأمره بغزو  الخزر وغيرهم من الأعداء وبقصد بلادهم، فسار الجراح وتسامع الخزر  به فعادوا حتى نزلوا (بالباب والأبواب)، ووصل الجراح إلى برذعة فأقام حتى استراح هو ومن معه، وسار نحو الخزر فعبر نهر الكرً، فلما كان الليل سار الجراح بجيشه حتى انتهى إلى مدينة (الباب والأبواب) فلم يَر الخزر ، فدخل البلد فبث سراياه في النهب والغارة على ما يجاوره فغنموا وعادوا من الغد، وسارت الخزر إليه وعليهم ابن ملكهم، فالتقوا عند نهر الران واقتتلوا قتالًا شديدًا، وظفر المسلمون بالخزر وهزموهم وتبعوهم يقتلونهم ويأسرونهم، ثم عادت جيوشهم إلى مدينة الباب والأبواب.

الخلاصة

فتحت مدينة الباب على يد المسلمين بعد مقاومة طويلة من الأكاسرة والخزر؛ لتصبح بوابة استراتيجية للتوسع الإسلامي في أذربيجان وشمال القوقاز، وقد وثّق الجغرافيون والرحالة عراقتها وموقعها المميز، بينما ظل التاريخ العسكري شاهدًا على فصولها الصاخبة ومكانتها العظيمة، فهي من الثغور التي حفرت اسمها في ذاكرة الإسلام والجغرافيا السياسية.

موضوعات ذات صلة

دولة تقع بين آسيا وأوروبا، دخلها الإسلام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

من أقدم الشعوب التي استوطنت منطقة الشرق الأوسط.

واحدة من أكثر الدول تنوعًا في النسيج الجغرافي والعرقي، وكذلك التنوع الديني.

موضوعات مختارة