Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الوطاسيون في المغرب

الكاتب

أ.د/ محمد عيسى

الوطاسيون في المغرب

تعتبر دولة بني وطاس فترة حاسمة في تاريخ المغرب الأقصى، إذ بزغت في القرن الخامس عشر الميلادي على أنقاض الدولة المرينية المنهارة، أسسها محمد الشيخ الوطاسي، وواجهت تحديات جسيمة تمثلت في صراعات داخلية مع المرينيين والسعديين، بالإضافة إلى مقاومة الغزو البرتغالي المتصاعد، وشهدت هذه الحقبة أحداثًا مصيرية كبرى مثل سقوط غرناطة، مما شكل المشهد السياسي والاجتماعي للمنطقة بشكل عميق.

أصول بني وطاس وصراعهم مع المرينيين

ينتمي الوطاسيون إلى بني مرين فهم أبناء عمومة واحدة، إلا أنهم ينتسبون إلى فرع آخر من الأسرة المرينية غير فرع بني عبد الحق المريني مؤسس دولة بني مرين التي قامت في المغرب الأقصى سنة (٦٦٨هـ /١٢٦٩م).

ودرج الوطاسيون في حياتهم على نفس أسلوب الحياة الذي نشأ عليه المرينيون، وهو أسلوب البداوة الذي هو صورة للمجتمع القبلي المتنقل.

لم تتهيأ للوطاسيين حياة الاستقرار إلا بعد أن اقتحم المرينيون بلاد المغرب الأقصى في سنة (٦١٠هـ/١٢١٣ م)، تاركين خلفهم مجالات فقرهم، ومواطنهم الأولى، متطلعين إلى تأسيس دولتهم الجديدة، فالمؤرخون يتفقون على أن المرينيين بعد تأسيس دولتهم أقطعوا بني وطاس بلاد الريف، وهي أول المناطق التي استقر فيها بنو مرين، فكانت ضواحيها كما يقول السلاولي: لنزولهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم.

كان ذلك في إطار تنظيم الدولة المرينية ماليًا وإداريًا، أو لعله كان في مقابل ما قام به الوطاسيون من جهد حربي وسياسي في تمهيد بلاد المغرب الأقصى، لتكون دار ملك لقبيلتهم الأم مرين، ولم يكد يمضي وقت غير قليل حتى بدأت المشاكل السياسية الداخلية تظهر بين فرع بني عبد الحق المالكين لِأَزِمَّةِ الحكم، وبين بطون بني وطاس، وكان الصراع على السلطة هو أساس هذه المشاكل، إذ رأى بنو وطاس أنهم لا يقلًّون كفاءة ومكانة عن بني عبد الحق.

أدرك سلاطين بني مرين هذه الحقيقة الهامة في موقف بني وطاس منهم فاهتموا كثيرًا ببلاد الريف، وبصفة خاصة بحصن تازوطا، فقد كان هذا الحصن من أمنع المعاقل بالمغرب الأقصى بكامله، وابن خلدون يحدثنا عن هذا الاهتمام الكبير الذي أولاه سلاطين بني مرين لحصن تازوطا فيقول: "وكان الملوك من أولاد عبد الحق يعتنون بشأنه - حصن تازوطا - وينزلونه من أوليائهم من يقوم بغنائه واطلاعه ليكون آخذًا بناصية هؤلاء الرهط - بني وطاس وشجًا في صدورهم عما يَسْمُونَ إليه، وفي الحقيقة لم يترك الوطاسيون أية  فرصة كانت تلوح لهم للانقضاض على أمراء بني مرين وسلاطينهم، وشهد حصن تازوطا بعضًا من أحداث هذه العلاقات المتوترة بين الطرفين، ففي المراحل الأولى لتأسيس دولة بني مرين حاول بنو وطاس الفتك بالأمير أبي يحيى بن عبد الحق الذي لجأ إلى حصن تازوطا مستجيرًا ببني عمومته الوطاسيين حين تحرك السعيد الموحدي للقضاء على بني مرين، ولكنَّ الوطاسيين أرادوا قتله غِيرَةً ومنافسةً، وما أنقذ الرجل من براثنهم إلا نصيحة شيخ مهيب من شيوخ بني وطاس.  

نشأة الدولة الوطاسية

ومن حصن تازوطا اندلعت أولى الثورات قام بها الوطاسيون ضد بني مرين، حيث انتهز الوطاسيون وفاة السلطان أبي يوسف يعقوب المريني، وظنوا أن سلطان بني مرين الجديد لن يقدر على مقاومتهم، كانت هذه الثورة في شعبان سنة (٦٩١هـ/١٢٩٢م)، وقام بها عمر وأخوه عامر بن يحيى بن الوزير الوطاسي، وكانا رئيسين على بني وطاس في ذلك الوقت، ولكن هذه الثورة مُنِيَتْ بالفشل بعد أن حاصر السلطان يوسف بن يعقوب القلعة الثائرة، وأحكم عليها الحصار بقوات ضخمة، ولم يجد - الثائر إلا أن يهرب ليلًا إلى تِلْمسان، وأعدم السلطان يوسف بن يعقوب القلعة الثائرة، وأحكم عليها الحصار بقوات على الحصن إمعانًا في إخضاعهم وإذلالهم.

ومضى الوطاسيون على هذا النحو في علاقاتهم المتوترة مع سلاطين بني مرين، وانتهاز كل فرصة لتأليب الأوضاع عليهم، فشارك زيان بن عمر الوطاسي - الذي كان وزيرًا للأمير عبد الرحمن بن أبي الحسن - في تدبير انقلاب للاستيلاء على الحكم في أثناء مرض السلطان أبي الحسن المريني.

كما يبدو أن الوطاسيين عاونوا الأمير أبا عنان المريني معاونة كبيرة في أثناء ثورته على والده السلطان أبي الحسن المريني، تلك الثورة التي انتهت بإعلان أبي عنان وليًّا للعهد في دولة بني مرين، بدليل أن أبا عنان المريني أسند إلى بعض شيوخ بني وطاس إدارة بعض أقاليم الدولة المرينية، فولَّى عمر بن علي الوطاسي على بجاية بعد أن تنازل عنها أبو عبد الله محمود الحفصي سنة (٧٥٣هـ/١٣٥٢م).

ولم يستطع الوطاسيون أن يحققوا لأنفسهم أية مكاسب سياسية طيلة عصر سلاطين بني مرين الأقوياء الذي يمتد تقريبًا منذ سنة (٦٦٨هـ/ ١٢٦٩م) وحتى سنة (٧٥٩هـ/١٣٥٨م)، ولكنهم ما لبثوا أن استفادوا كثيرًا من الأوضاع السياسية المتردية التي صاحبت سقوط الدولة المرينية، فعملوا على مضاعفة نفوذهم في الفترة الأخيرة من حكم المرينيين حتى أصبح وجودهم في هذا البلاط أحد الأسباب الهامة التي أودت بالمرينيين، وغَيَّبَتْهُمْ من أفق الحياة السياسية في بلاد المغرب.

وأهم الشخصيات التي علا نجمها - في أواخر العصر المريني - الوزير أبي زكرياء يحيى بن زيان الوطاسي، الذي كان واليًا على مدينة سلا في عهد السلطان عبد الله المريني، ووزيرًا من أكفأ وزراء الدولة المرينية في عهد السلطان عبد الحق بن عثمان المريني آخر سلاطين بني مرين، ونجح هذا الوزير بعد مقتل السلطان عبد الله المريني في تولية السلطان عبد الحق المريني، الذي كان لا يزال طفلًا صغيرًا، وقام هو بمهام الوصاية عليه، ومن خلال هذا المنصب مارس السلطة الفعلية في الدولة.

استفاد الوطاسيون كثيرًا من الجهود التي قام بها زعماؤهم في أثناء توليهم منصب الوزارة، واستحواذهم على السلطة في أواخر العصر المريني، فعاشت صورة هؤلاء الوزراء في أذهان العامة والخاصة من أهل فاس، حيث أثبتوا كفاءة عالية في إدارة الدولة ومواجهة المحن والخطوب التي تعرضت لها، وبخاصة الغزو الخارجي الذي تعرضت له سواحل المغرب الأقصى، بعد استفحال قوى الاسترداد النصرانية في أسبانيا.

ولم يتمكن الشريف أبو عبد الله الحفيد - فيما يبدو - من تدبير شئون الدولة الجديدة، التي خلع عليها لقب الخلافة، وخلع على نفسه لقب خليفة بها، والمصادر التي بين أيدينا لا تحوي معلومات كثيرة عن هذه الفترة فيما بين توليه سنة (٨٦٩هـ/ ١٤٦٥م)، وخلعه سنة (٨٧٥هـ/١٤٧٠م)، فهي لا تذكر سوى أن الثوار أقاموا الحفيد إمامًا على أهل فاس وبقي بها، وولده وزيرًا، إلى سنة خمس وأربعين وثمانمائة، فعزل عنها وخلع.

وكان محمد الشيخ الوطاسي قد ساعده الحظ ونجا من المذبحة التي تعرض لها الوطاسيون في أواخر عهد السلطان عبد الحق المريني - آخر سلاطين بني مرين - إذ خرج في يوم المذبحة للصيد، فلما ترامت إليه أنباؤها، بادر إلى الفرار هو ومحمد الحلو الوطاسي الذي كان قد اختفي هو الآخر في ذلك اليوم.

اتجه محمد الشيخ بعد فراره إلى الصحراء القريبة من البلاد الهبطية، التي كانت قاعدتها إذ ذاك مدينة قصر كتامة، وأخذ يتردد بين الصحراء وهذه البلاد حتى تمكن من الاستيلاء على أصيلا، وتثبيت أقدامه بها، واتخذها بعد ذلك مركزًا للانطلاق نحو فاس مطمع آبائه وأجداده من بني وطاس، وعول محمد الشيخ كثيرًا على موقف أبي عبد الله الحفيد المتردي في فاس حيث كان الناس يعانون من افتراق الكلمة وتذبذب الأمور، ويبدو أن اتصالات كثيرة تمت بين محمد الشيخ، وبين شيوخ فاس ورؤسائها، فيروى السلاوي، أن محمد الشيخ عندما ملك أصيلًا واستفحل أمره بها تشوف إليه الأعيان من أهل فاس، والرؤساء من أهل دولة السلطان عبد الحق وصاروا يكاتبونه ويقدمون إليه الرسائل سرًا وربما دعوه إلى القدوم على أن يبذلوا له من الطاعة والنصرة ما شاء، وبدأ محمد الشيخ الزحف بقواته للاستيلاء على فاس.

وإذا كان محمد الشيخ الوطاسي قد نجح في تحقيق حلم آبائه وأجداده في تأسيس دولة وطاسية، يكون الحكم فيها لهذه الأسرة، فإنه أعطى البرتغاليين فرصة عظيمة للاستقرار على ساحل المغرب الأقصى في أصيلا التي هاجموها مُعَزَّزِينَ بـ ٤٧٧ سفينة حربية وثلاثين ألف جندي، واستقروا فيها بناءً على هدنة بين محمد الشيخ وبينهم مدتها عشرون سنة، واستغل البرتغاليون موقف محمد الشيخ الهزيل في ذلك الوقت فاحتلوا طنجة، التي سقطت هي الأخرى دون مقاومة كبيرة، وكان ذلك في ربيع الأول ٨٧٦هـ / أغسطس سنة ١٤٧١م بعد خمسة أيام من احتلال أصيلا.

ورغم أن السلطان محمد الشيخ الوطاسي مؤسس دولة بني وطاس حكم هذه الدولة منذ سنة (٨٧٥هـ - ١٤٧٠م) إلى سنة (٩١٠هـ - ١٥٠٤م)، فإن المعلومات عن هذه الفترة قليلة جدًا فهي لا تتعدى قطعًا هنا وهناك في مؤلفات المؤرخين المغاربة وغيرهم، وبصفة عامة فإن الوطاسيين لم ينجحوا في بسط نفوذهم على المغرب الأقصى على النحو الذي كان للمرينيين في العصر المريني، فنفوذ السلطان محمد الشيخ الفعلي لم يتعد القبائل المنتشرة حول فاس، وبعض حواضر المغرب الأقصى، ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلى وضع الوطاسيين القبلي في المغرب الأقصى، فالوطاسيون فخذ قوى من قبيلة بني مرين، ومن ثم لم تكن لهم تلك الكثرة العددية التي كانت للمرينيين أو الموحدين، لذا فقد كانت قوتهم محدودة للغاية، هذا إلى أن دعم القبائل لموقف الوطاسيين السياسى في بلاد المغرب الأقصى لم يكن دعمًا كاملًا، حيث كانت تشوبه في كثير من الأحيان بعض الشكوك لنفس السبب السابق، وهو أن قوتهم كانت محدودة، وأنهم في بعض الأحيان كانوا يهادنون قوى النصرانية لتحقيق مصالحهم الذاتية.

سقوط الأندلس وتأثيره على سياسة الوطاسيين

كما شهد مطلع دولة بني وطاس عنف وضراوة حركة الاسترداد المسيحي لبلاد الأندلس، ولم يملك الوطاسيون أن يفعلوا شيئًا في ذلك الوقت إلا أن يفتحوا المغرب الأقصى على مصراعيه لاستقبال المسلمين الفارين بدينهم من بلادهم وأرضهم بعد أن فقدوا آخر أمل لهم في البقاء والمقاومة دفاعًا عن الوطن المغلوب، والحقيقة أن سقوط غرناطة في سنة ( ٨٩٧هـ - ١٤٩٢م)، بعد قيام دولة بني وطاس بقليل أحدث آثارًا ضخمة، وردود فعل عنيفة، في بلاد المغرب التي كانت ترتبط بالأندلس بأوثق الروابط والعلاقات، وتدخلت هذه المأساة المروعة تدخلًا مباشرًا في رسم صورة الحياة السياسية طيلة عهد الوطاسيين الذين حرصوا أشد الحرص على تهيئة المغرب الأقصى، ليكون وطنًا جديدًا لمسلمي الأندلس وعلى رأسهم سلطان غرناطة أبو عبد الله محمد بن علي بن الأحمر الذي عبر إلى المغرب الأقصى بأسرته وأمواله وحشمه، مع عدد كبير من الوزراء والقادة بلغ عددهم ألفًا وثلاثين شخصًا، كما جاز إلى المغرب جمهرة كبيرة من أقطاب العلم والأدب هم البقية الباقية من مجتمع الأندلس الثقافي والفكري، وهؤلاء أصبحوا بعد ذلك علامة بارزة من علامات الثقافة والفكر المغربي لأمد بعيد.

 وفي غمرة هذه، الأحداث المؤلمة التي حاقت بالمسلمين في الأندلس لم يتبن السلطان محمد الشيخ الوطاسي - الذي توفي سنة (٩١٠هـ - ١٥٠٤م) - سياسة حازمة تجاه أهداف البرتغاليين وأطماعهم، حيث ركزوا جهودهم للاستيلاء على المزيد من هذه السواحل، فاحتلُّوا في سنة (٨٧٥هـ - ١٤٧٠م) سواحل السُّوس وقاموا ببناء حصن فونتي، وفي سنة (٩٠٧هـ - ١٥٠١م)، احتلوا ساحل البريجة، وبنوا فيه مدينة الجديدة، وكان ذلك لدعم مركزهم الاقتصادي على الشواطئ الغربية لإفريقيا، لأنَّ لهذا الساحل أهمية اقتصادية كبيرة لهم؛ فمنه يشترون القمح اللازم لوطنهم الأم، ويبتاعون الجياد وملاحف الصوف التي يبادلونها في أفريقيا السوداء بالذهب والعبيد.

ولم يسفر النضال العنيف الذي قام به الوطاسيون ضد البرتغاليين على سواحل المغرب الأقصى عن نتائج حاسمة، فلم تسفر حملاتهم التي وجهوها إلى القواعد الهامة التي استولى عليها البرتغاليون عن طردهم أو حتى وقف أطماعهم، الأمر الذي دعا أهالي المغرب الأقصى إلى الالتفاف حول بعض الزعامات المغربية، وحول رجال الدين وشيوخ التصوف الذين منحوهم دفعة قوية لمقاومة الغزاة والمحتلين.

واندفعت هذه الحركة الشعبية التي قادها الزعماء ورجال الدين والتصوف تطرق كل باب للمقاومة حتى "لقد ألف الناس في ذلك العصر التآليف فأكثروا، ونظم الشعراء والأدباء فيه ونثروا" وهذه الظاهرة تعد حدثًا بارزًا في عصر بني وطاس؛ إذ هي تعبر عن يقظة الإسلام وقدرة أبنائه على مواجهة المخاطر التي أرادت النيل منه، والقضاء عليه.

وكانت سياسة الوطاسيين في ذلك الوقت تقوم على تدعيم ومساعدة هذه الحركة الشعبية، وتقديم كافة المساعدات اللازمة لها، فأحد هؤلاء المجاهدين المتصوفة هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن يحيى البهلولي، الذي كان معاصرًا للسلطان محمد بن محمد الشيخ البرتغالي، وكان هذا الشيخ إذا جاء إلى السلطان الوطاسي زائرًا حضه على الغزو فيساعده على ما أراد من ذلك، إلا أن هذه الحركة الشعبية كانت تغير موقفها من الوطاسيين عندما يهادن الوطاسيون البرتغاليين، فترفض هذه الحركة الشعبية التعاون مع الوطاسيين، فنفس الشيخ محمد البهلولي يغير موقفه من الوطاسيين عندما يعقد السلطان أبو العباس أحمد الوطاسي صلحا مع البرتغاليين، ويرفض الشيخ كل المساعدات التي كانت تقدم إليه.

نهاية حكم بني وطاس وصعود السعديين

وإذا كان تركيز مقاومة الوطاسيين للبرتغاليين في إقليم الهبط قد أتاح الفرصة لظهور الأشراف السعديين في جنوب المغرب الأقصى، فإن أهل السوس الأقصى كانوا أكثر شعورًا بضعف بني وطاس، وعدم قدرتهم على حمايتهم من الخطر البرتغالي، يقول الوفراني في نزهة الحادي: "إن الملك في حواضر المغرب، ولم يكن لهم من السلطنة بسوس إلا الاسم مع ما كان فيه بنو وطاس أيضًا من معاناة قتال الكفار بثغر أصيلا والعرايش وطنجة وبادس وغيرها من الثغور والمراسي".

 ونتيجة لهذا اتجه أعيان البلاد وشيوخها إلى عبد الله بن المبارك كبير صوفيه السوس وأعلنوا استعدادهم لمبايعته باسم القبائل، ولكنه رفض هذا العرض وأشار عليهم بأحد الشرفاء السعديين الذين استقروا في وادي درعة، وهو أبو عبد الله السعدى، ولقي هذا الاقتراح ارتياحًا عامًا لدى الجميع، وأرسلوا في طلب هذا الشريف، وبايعوه في سنة (٩١٦هـ - ١٥١٠م)، عند قرية يقال لها تدسي بالقرب من تارودانت، وتلقب بالقائم بأمر الله، وحرص الوطاسيون على توجيه سياستهم إلى الاستفادة من هذا الوضع الجديد سعيًا إلى استرداد بعض البلاد في جنوب المغرب الأقصى، معتمدين على الصوفية والأشراف السعديين، فزود الوطاسيون الصوفية والأشراف السعديين بالمال والسلاح لمقاومة البرتغاليين، وتمكن أبو العباس أحمد الأعرج السعدي، الذي خلف والده القائم بأمر الله سنة (٩٢٣هـ - ١٥١٧م)، من تحقيق انتصارات كبيرة على البرتغاليين في بلاد السوس، وأثارت هذه الانتصارات إعجاب أمراء هنتاته - أصحاب مراكش - فأعلنوا دخولهم في طاعة أحمد الأعرج السعدي، الذي أسرع بالانتقال إلى مراكش سنة (٩٣٠هـ - ١٥٢٣م)، واتخذها عاصمة للسعديين.

 أفزعت هذه المتغيرات الجديدة السلطان محمد بن محمد الشيخ الوطاسي، فجهَّز جيشًا بادر به إلى محاصرة مراكش تمهيدًا لاقتحامها على السعديين، ولكنه اضطر لفك الحصار، والعودة إلى فاس بعد أن ترامت إليه الأنباء بقيام بني عمه بثورة عليه في فاس.

ودارت بعد ذلك عدة معارك بين الوطاسيين والسعديين في سنة (٩٣٥هـ - ١٥٢٨م)، عند تادلا، وأنماي، أسفرت عن صلح لم يعمر بينهما طويلًا، ففي سنة (٩٤٢هـ - ١٥٣٥م)، دارت بينهما رحى معركة طاحنة عند أبي عقبة بوادي العبيد من تادلا أسفرت عن هزيمة الوطاسيين، وانسحاب سلطانهم أبي العباس أحمد الوطاسي إلى فاس، بعد أن أجبر على توقيع معاهدة صلح يعترف فيها بامتداد نفوذ السعديين من تادلا إلى السوس، أما الوطاسيون فلهم من تادلا حتى المغرب الأوسط، والحقيقة أن الوطاسيين لم تقم لهم قائمة أمام السعديين بعد هذه المعركة، فما أن خلع السلطان محمد الشيخ السعدي أخاه أحمد الأعرج، وتولَّى هو أمر الأشراف السعديين سنة (٩٤٦هـ/ ١٥٣٩م)، حتى أخذ في الاستيلاء على ممتلكات الوطاسيين شيئًا فشيئًا، حتى انتهى الأمر بمحاصرته للعاصمة فاس، واقتحامها في أوائل سنة (٩٥٦هـ - ١٥٤٩م)، وترى بعض الروايات أن السلطان محمد الشيخ السعدي أطلق سراح السلطان أبي العباس أحمد الوطاسي، بينما ترى بعض الروايات أن أبا العباس نقل إلى مراكش حيث توفي هناك سنة (٩٦٠هـ / ١٥٥٢م)، وبعضها يرى أنه نقل إلى درعة بعد فتح فاس حيث ذبح هناك.

 

مصادر ومراجع للاستزادة:

  • ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد (٨٠٨هـ): العبر وديوان المبتدأ والخبر، الجزء السابع، ط بولاق ١٢٨٤هـ.
  • الزركشي: أبوعبد الله محمد بن إبراهيم: تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية،  ط٢، ١٩٦٦م.
  • السخاوي: شمس الدين محمد بن عبد الرحيم: التبر المسبوك في ذيل السلوك، المطبعة الأميرية، ١٨٩٦ م.
  • الضوء اللَّامع لأهل القرن التاسع، ط ١٣٥٤هـ، الجزء السادس، والعاشر.
  • الفاسي: أبو المحاسن يوسف: مرآة المحاسن في أخبار الشيخ أبي المحاسن، طبع حجر ١٢٠٦هـ.
  • الكِتَّانِي: محمد بن جعفر بن إدريس الْحَسَنِي الإدريسي: سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس، طبع حجر بفاس،١٣١٦هـ، الجزء الثالث.
  • محمد الفاسي: التعريف بالمغرب، معهد الدراسات العربية العالية، ط ١٩٦١م.
  • الوفراني: محمد الصغير بن الحاج بن عبد الله الوفراني النجار المراكشي الوجاد: نزهة الحادي، ط ١٨٨٨م.

الخلاصة

مثّلت دولةُ بني وطاس محطّة تاريخيةً مفصليةً في المغرب، حيثُ انطلقت من ضعف المرينيين، واستمرت في مواجهَةِ تحديّات داخلية وخارجية، وعلى الرغمِ منَ الصراعاتِ التي عصفتْ بها، خاصّة مع صعودِ السعديين، فإنّها تركت بصمتَها على تاريخِ المنطقةِ، وانتهتْ دولتُهُمْ بسقوطِ عاصمتِهِمْ فاس على يد السعديين؛ لتُمهدَ الطريقَ لحقبةٍ جديدةٍ في تاريخ المغربِ.

موضوعات ذات صلة

ظهرت الدولة الصفارية في القرن الثالث الهجري بقيادة يعقوب بن الليث الصفَّار كقوة مستقلة.

تقع في الحوض الغربي من البحر المتوسط ويفصلها عن إيطاليا مضيق مسينا الضيق.

مصطلح تاريخيٌّ يشير إلى المماليك والخدمِ الذينَ لعبوا أدوارًا مهمّةً في تربيةِ وتعليم الجيوش.

موضوعات مختارة