ومن حصن تازوطا اندلعت أولى الثورات قام بها
الوطاسيون ضد بني مرين، حيث انتهز الوطاسيون وفاة السلطان أبي يوسف يعقوب
المريني، وظنوا أن سلطان بني مرين الجديد لن يقدر على مقاومتهم، كانت هذه الثورة
في شعبان سنة (٦٩١هـ/١٢٩٢م)، وقام بها عمر وأخوه عامر بن يحيى بن الوزير الوطاسي،
وكانا رئيسين على بني وطاس في ذلك الوقت، ولكن هذه الثورة مُنِيَتْ بالفشل بعد أن
حاصر السلطان يوسف بن يعقوب القلعة الثائرة، وأحكم عليها الحصار بقوات ضخمة، ولم
يجد - الثائر إلا أن يهرب ليلًا إلى تِلْمسان، وأعدم السلطان يوسف بن يعقوب القلعة
الثائرة، وأحكم عليها الحصار بقوات على الحصن إمعانًا في إخضاعهم وإذلالهم.
ومضى الوطاسيون على هذا النحو في علاقاتهم المتوترة مع سلاطين بني مرين،
وانتهاز كل فرصة لتأليب الأوضاع عليهم، فشارك زيان بن عمر الوطاسي - الذي كان وزيرًا
للأمير عبد الرحمن بن أبي الحسن - في تدبير انقلاب للاستيلاء على الحكم في أثناء
مرض السلطان أبي الحسن المريني.
كما يبدو أن الوطاسيين عاونوا الأمير أبا عنان المريني معاونة كبيرة في
أثناء ثورته على والده السلطان أبي الحسن المريني، تلك الثورة التي انتهت بإعلان
أبي عنان وليًّا للعهد في دولة بني مرين، بدليل أن أبا عنان المريني أسند إلى بعض
شيوخ بني وطاس إدارة بعض أقاليم الدولة المرينية، فولَّى عمر بن علي الوطاسي على بجاية
بعد أن تنازل عنها أبو عبد الله محمود الحفصي سنة (٧٥٣هـ/١٣٥٢م).
ولم يستطع الوطاسيون أن يحققوا لأنفسهم أية مكاسب سياسية طيلة عصر سلاطين
بني مرين الأقوياء الذي يمتد تقريبًا منذ سنة (٦٦٨هـ/ ١٢٦٩م) وحتى سنة (٧٥٩هـ/١٣٥٨م)،
ولكنهم ما لبثوا أن استفادوا كثيرًا من الأوضاع السياسية المتردية التي صاحبت سقوط
الدولة المرينية، فعملوا على مضاعفة نفوذهم في الفترة الأخيرة من حكم المرينيين
حتى أصبح وجودهم في هذا البلاط أحد الأسباب الهامة التي أودت بالمرينيين، وغَيَّبَتْهُمْ
من أفق الحياة السياسية في بلاد المغرب.
وأهم الشخصيات التي علا نجمها - في أواخر العصر المريني - الوزير أبي زكرياء يحيى بن زيان الوطاسي، الذي كان واليًا على مدينة
سلا في عهد السلطان عبد الله المريني، ووزيرًا من أكفأ وزراء الدولة المرينية
في عهد السلطان عبد الحق بن عثمان المريني آخر سلاطين بني مرين، ونجح هذا الوزير
بعد مقتل السلطان عبد الله المريني في تولية السلطان عبد الحق المريني، الذي كان
لا يزال طفلًا صغيرًا، وقام هو بمهام الوصاية عليه، ومن خلال هذا المنصب مارس
السلطة الفعلية في الدولة.
استفاد الوطاسيون كثيرًا من الجهود التي قام بها زعماؤهم في أثناء توليهم
منصب الوزارة، واستحواذهم على السلطة في أواخر العصر المريني، فعاشت صورة هؤلاء
الوزراء في أذهان العامة والخاصة من أهل فاس، حيث أثبتوا كفاءة عالية في إدارة
الدولة ومواجهة المحن والخطوب التي تعرضت لها، وبخاصة الغزو الخارجي الذي تعرضت له
سواحل المغرب الأقصى، بعد استفحال قوى الاسترداد النصرانية في أسبانيا.
ولم يتمكن الشريف أبو عبد الله الحفيد - فيما يبدو - من تدبير شئون
الدولة الجديدة، التي خلع عليها لقب الخلافة، وخلع على نفسه لقب خليفة بها، والمصادر
التي بين أيدينا لا تحوي معلومات كثيرة عن هذه الفترة فيما بين توليه سنة (٨٦٩هـ/ ١٤٦٥م)،
وخلعه سنة (٨٧٥هـ/١٤٧٠م)، فهي لا تذكر سوى أن الثوار أقاموا الحفيد إمامًا على أهل
فاس وبقي بها، وولده وزيرًا، إلى سنة خمس وأربعين وثمانمائة، فعزل عنها وخلع.
وكان محمد الشيخ الوطاسي قد ساعده الحظ ونجا من المذبحة التي تعرض لها
الوطاسيون في أواخر عهد السلطان عبد الحق المريني - آخر سلاطين بني مرين - إذ خرج
في يوم المذبحة للصيد، فلما ترامت إليه أنباؤها، بادر إلى الفرار هو ومحمد الحلو
الوطاسي الذي كان قد اختفي هو الآخر في ذلك اليوم.
اتجه محمد الشيخ بعد فراره إلى الصحراء القريبة من البلاد الهبطية، التي
كانت قاعدتها إذ ذاك مدينة قصر كتامة، وأخذ يتردد بين الصحراء وهذه البلاد
حتى تمكن من الاستيلاء على أصيلا، وتثبيت أقدامه بها، واتخذها بعد ذلك مركزًا
للانطلاق نحو فاس مطمع آبائه وأجداده من بني وطاس، وعول محمد الشيخ كثيرًا على
موقف أبي عبد الله الحفيد المتردي في فاس حيث كان الناس يعانون من افتراق الكلمة
وتذبذب الأمور، ويبدو أن اتصالات كثيرة تمت بين محمد الشيخ، وبين شيوخ فاس
ورؤسائها، فيروى السلاوي، أن محمد الشيخ عندما ملك أصيلًا واستفحل أمره بها تشوف
إليه الأعيان من أهل فاس، والرؤساء من أهل دولة السلطان عبد الحق وصاروا يكاتبونه
ويقدمون إليه الرسائل سرًا وربما دعوه إلى القدوم على أن يبذلوا له من الطاعة
والنصرة ما شاء، وبدأ محمد الشيخ الزحف بقواته للاستيلاء على فاس.
وإذا كان محمد الشيخ الوطاسي قد نجح في تحقيق حلم آبائه وأجداده في تأسيس
دولة وطاسية، يكون الحكم فيها لهذه الأسرة، فإنه أعطى البرتغاليين فرصة عظيمة
للاستقرار على ساحل المغرب الأقصى في أصيلا التي هاجموها مُعَزَّزِينَ بـ ٤٧٧
سفينة حربية وثلاثين ألف جندي، واستقروا فيها بناءً على هدنة بين محمد الشيخ
وبينهم مدتها عشرون سنة، واستغل البرتغاليون موقف محمد الشيخ الهزيل في ذلك الوقت
فاحتلوا طنجة، التي سقطت هي الأخرى دون مقاومة كبيرة، وكان ذلك في ربيع الأول ٨٧٦هـ
/ أغسطس سنة ١٤٧١م بعد خمسة أيام من احتلال أصيلا.
ورغم أن السلطان محمد الشيخ الوطاسي مؤسس دولة بني وطاس حكم هذه الدولة
منذ سنة (٨٧٥هـ - ١٤٧٠م) إلى سنة (٩١٠هـ - ١٥٠٤م)، فإن المعلومات عن هذه الفترة
قليلة جدًا فهي لا تتعدى قطعًا هنا وهناك في مؤلفات المؤرخين المغاربة وغيرهم،
وبصفة عامة فإن الوطاسيين لم ينجحوا في بسط نفوذهم على المغرب الأقصى على النحو
الذي كان للمرينيين في العصر المريني، فنفوذ السلطان محمد الشيخ الفعلي لم
يتعد القبائل المنتشرة حول فاس، وبعض حواضر المغرب الأقصى، ويرجع ذلك بطبيعة الحال
إلى وضع الوطاسيين القبلي في المغرب الأقصى، فالوطاسيون فخذ قوى من قبيلة بني
مرين، ومن ثم لم تكن لهم تلك الكثرة العددية التي كانت للمرينيين أو الموحدين، لذا
فقد كانت قوتهم محدودة للغاية، هذا إلى أن دعم القبائل لموقف الوطاسيين السياسى في
بلاد المغرب الأقصى لم يكن دعمًا كاملًا، حيث كانت تشوبه في كثير من الأحيان بعض
الشكوك لنفس السبب السابق، وهو أن قوتهم كانت محدودة، وأنهم في بعض الأحيان كانوا
يهادنون قوى النصرانية لتحقيق مصالحهم الذاتية.