Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بنو نصر

الكاتب

أ.د/ عبد الله محمد جمال الدين

بنو نصر

بنو نصر آخر حصن للإسلام في الأندلس، أسسوا مملكة غرناطة بعد انهيار الموحدين، فصمدوا قرونًا في وجه المد الصليبي، وازدهرت دولتهم بالعلم والعمران والجهاد، حتى أصبحت الحمراء رمزًا لمجدهم، رغم الصراعات الداخلية، والتحالفات المتقلبة التي قادتهم تدريجيًا نحو الأفول.

موقعة العقاب بين دولة الموحدين والنصارى ونتائجها

هُزم المسلمون هزيمة قاصمة في موقعة العقاب التي جرت بين الموحدين والنصارى في الأندلس في ١٥/ صفر سنة٦٠٩هـ/ ١٦يوليو١٢١٢م، وقتل عشرات الألوف من المسلمين، معظمهم من المجاهدين الأندلسيين المتطوعة، وقد انسحبت قوات الموحدين عائدة إلى المغرب بعد أن حصدت هذه المعركة زهرة مقاتليهم، الشيء الذي جعل ابن عذارى المراكشي يحدثنا أن الإنسان كان يجول في المغرب بعد تلك الموقعة فلا يصادف شابًا قادرًا على القتال.

ويقول صاحب روض القرطاس:" إن المتطوعة لبثوا يقاتلون حتى استشهدوا عن آخرهم [ص١٥٨]، ويقول صاحب الذخيرة السنية [ص٢٤]:"إن المغرب قد باد أهله ورجاله وحتى خيله وحماته وأبطاله وقتلت قبائله وأقياله، وقد استشهد الجميع في غزوة العقاب".

وكان من نتائجها سقوط مدن كبرى في يد النصارى: قرطبة سنة ٦٣٣هـ / ١٢٣٦م ومرسيه سنة ٦٤١ هـ ودانية ٦٤٤ هـ وإشبيلية سنة ٤٦٦هـ وأصبح للنصارى الإشراف على هذه الحواضر وغيرها [للأستاذ محمد عبد الله عنان سجل كامل بهذه المدن وغيرها وسقوطها في أيدي النصارى، الآثار الأندلسية الباقية، ج٨ ص٤٤٥ وما بعدها].

في هذه الآونة برز في صفوف المسلمين نفر من الرؤساء يحاول كل منهم أن يتزعم ما بقي من المقاتلين في الأندلس؛ ليقيم لنفسه دولة، ويأتي على رأس هؤلاء بنو مردنيش أصحاب بلنسية وسيف الدولة محمد بن يوسف بن هود المتوكل ... وغيرهما.

لكن بلنسية سقطت في يد خايمة الأول ملك أرغون سنة ٦٣٦هـ /١٢٣٨م كما سقطت مرسيه في يد فرناندو  الثالث الملقب بالقديس، وبقي في الميدان محمد بن يوسف بن هود المتوكل الذي أمكنه أن يدخل في طاعته بعض العواصم وبعض المدن والحصون لفترة قصيرة، ونجح في تكوين جيش قوي بلغت عدته ثلاثين ألفًا ودانت له البلاد من قرطبة إلى الجزيرة الخضراء ، ولكن فرناندو الثالث تمكن من حصار قرطبة ومن اختراقها، واستنجد أهلها بابن هود فلم ينجدهم وعجز سكانها وحاميتها عن الدفاع عنها فسقطت في أيدي النصارى كما أشرنا سنة ٣ ٦٣هـ / ١٢٣٦م، أما ابن هود فقد قتله عامله على ألمرية.

قيام دولة غرناطة

في هذه الظروف ظهر زعيم جديد هو محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن نصر الملقب بابن الأحمر وبالشيخ، المنتمي إلى سعد بن عبادة زعيم الخزرج من الأنصار، وقومه في الأصل سادة حصن أرجونه، وقد أعلن الرجل نفسه رئيسًا وتوافد الناس عليه في جيان حيث كان يقيم، وأعلن نفسه أميرًا فدخل في طاعته بلاد الجنوب الأندلسي، وكان يتسم بالحكمة والجد وحسن التدبير فنجح في جمع مجموعة من كبار رجالات الأندلس حوله، وفي سنة ٦٣٥هـ/ ١٢٣٨م انتقل إلى غرناطة؛ لأنها تقع عند سفح جبل الثلج سيرانيفادا، وعمّر حصنًا هناك وسكنه.

ويقال إن هؤلاء لقبوا ببني الأحمر؛ بسبب نضارة واحمرار شعر محمد بن يوسف، أو بسبب حمرة في الأبراج الشاهقة في قصر ابن الأحمر، أو بسبب الآجر الأحمر الذى بنيت به الأسوار الخارجية، أو أن ذلك يشير إلى لون المشاعل الحمراء التي كان البناء يتم ليلًا على ضوئها، لكن الراجح أن اسم الحمراء يرجع إلى بناء ابن الأحمر قصره فوق أطلال قلعة الحمراء القديمة التي كانت قلعة متواضعة موجودة في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وكانت تربتها حمراء اللون، وليس هناك صلة بين اسم الحمراء وبني الأحمر، وعلى أية حال، فقد صار بنو الأحمر والحمراء شيئًا واحدًا ، واتخذ بنو الأحمر اللون الأحمر شعارًا لهم، ويلقب ابن الأحمر أيضًا بلقب - الغالب بالله - وهو شعار مملكة بني نصر.

وقد فرضت الظروف على ابن الأحمر أن يعقد معاهدة مع ملك قشتالة بعد سقوط قرطبة ، بل وعاونه عسكريا في الاستيلاء على بعض الحصون وعلى إشبيلية سنة ٦٤٦هـ/ ١٢٤٨م، وعلى غيرها من القواعد ، وكان يرى أنه من الضروري عقد هذه المعاهدة والاشتراك مع ملك النصارى في حملاته ضد بني قومه ودينه إلى حين، أي إلى أن تتاح له فرصة تمكنه من المقدرة على مواجهة هؤلاء الأعداء، وقد سيطر على الجزيرة الخضراء وعلى جبل طارق بمعاونة بني مَرين الذين وفدوا من العدوة المغربية؛ لمعاونة الأندلس وبمعاونة بعض الذين وفدوا من العدوة المغربية، وبمعاونة بعض المتطوعة الذين جاءوا من المغرب الأقصى.

وقد استمر ضغط القشتاليين على البلاد الأندلسية وضاعت معظم القواعد في نحو ثلاثين عاما من٦٢٧ هـ/١٢٢٩م حتى ٦٥٥هـ/ ١٢٥٧م، ولم يبق إلا مملكة غرناطة، وهذا هو الذي جعل ابن الأحمر يبعث إلى أمير المسلمين أبي يوسف المريني ملك المغرب يخبره بعدوان النصارى ونيتهم القضاء على ما تبقى من الممالك الإسلامية في الأندلس، ويطلب غوثه ونجدته.

وقد شاء الله أن يتوفى محمد بن الأحمر بعد حكم دام فترة طويلة من (٦٢٩- ٦٧١هـ/١٢٣٢- ١٢٧٣م) ازدهرت البلاد خلالها، وقد وصفه ابن الخطيب فقال عنه:" إنه كان آية من آيات الله في الشدة والسلام والجمهورية (أي حب الناس له)، وكان جنديًا ثغريًا شهمًا عظيم التجلد رافضًا للدعة والراحة مؤثرًا للتقشف، مباشرًا للحروب بنفسه، يلبس الخشن ويؤثر البداوة.

وقد قضى فترة حكمه في تثبيت ملكه وأضاف إلى غرناطة مالقة وألمرية ولوقة، أي أن مملكة غرناطة اشتملت على ثلاث ولايات كبيرة هي غرناطة في الوسط وولاية ألمرية الممتدة حتى البحر وولاية مالقة على البحر غربي غرناطة.

وتولى أمر المملكة من بعده ابنه وولي عهده أبو عبد الله الذي كان والده قد أخذ له البيعة في حياته وهو محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر المعروف بالفقيه؛ لعلمه وتقواه ٦٧١-٧٠١هـ / ١٢٧٣-١٣٠٢م.

وقد تمتع بكثير من الصفات الحسنة، وإذا كان الأب هو المؤسس، فالابن هو المنظم، فقد رتب رسوم المُلك للدولة الملوكية المنظمة، كما كان بعيد الهمة واسع الأفق بارع السياسة، ومن العلم والأدب والشعر بمكان، ولكن ساءت الأمور في عهده، واضطر أن يستهل ولايته بطلب معونة عسكرية من أمير بني مرين المنصور أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، فأعانه على تثبيت ملكه، وهزم النصارى سنة ٦٧٤هـ/ ١٢٧٥م، وبقيت قوة مرينية في الأندلس يرأسها قائد من بني مرين- وهم في الأصل بطن من بطون زناتة البربرية -أسند إليه ابن الأحمر مهمة الدفاع عن الأندلس، وحمل لقب (شيخ الغزاة).

ومن هنا كان دخول بني مرين الصراع على مصير الأندلس، وقد اشترط هؤلاء للاشتراك في القتال أن تكون لهم السيطرة على رندة وطريف والجزيرة الخضراء ومالقة وجبل طارق؛ لتكون معبرا لهم.

ومن هنا بدأت مشكلة جبل طارق تأخذ شكلها الحازم ودخلت فيه ممالك غرناطة وقشتالة وسلطنة بني مرين ومملكة أرجون بل والجمهوريات الإيطالية، كل يريد أن تكون له السيطرة عليه؛ بسبب موقعه الاستراتيجي.

وفي ١٥من ربيع الأول سنة ٦٧٤هـ/ ١٢٧٥م تمكنت القوات الإسلامية من الانتصار على النصارى في موقعة "استجه " وتقدموا لمحاصرة إشبيلية فاضطر ألفونسو العاشر لطلب الصلح، فأجيب إليه.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أمر خطير هو تخوف ملوك غرناطة من بني مرين ومحاولة الانضمام إلى ملك قشتالة ضدهم، فكان خلاف المسلمين بعضهم ضد البعض أشد وطأة على مصير الأندلس من أي خطر آخر.

وعندما توفي أبو عبد الله الفقيه تولى الأمر بعده ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالمخلوع ٧٠١- ٧٠٨هـ/١٣٠٢- ١٣٠٩م، وكان ضريرًا عالمًا شاعرًا يحب العمران، وكانت فترته فترة اضطرابات خاصة في العلاقات مع المرينيين، وقد ثارت البلاد عليه وأرغموه على التنازل عن الملك؛ لأنه لم يكن يحسن تدبير الملك، ولهذا لقب بالمخلوع.

ومن بعده تربع على عرش غرناطة أخوه أبو الجيوش نصر ٧٠٨- ٧١٣هـ/ ١٣٠٩- ١٣١٣م.

وكان فتى ولوعًا بالأبهة والمظاهر الملوكية، كما كان فلكيًا عالمًا رياضيًا لكنه كان مثل أخيه في سوء الحكم، وخلال فترته استمرت العلاقات السيئة مع المرينيين، وقد انتهز النصارى الفرصة وهاجموا الأندلس، وسقط ثغر جبل طارق في أيديهم سنة ٧٠٩هـ/١٣١٠م وهو صلة الوصل بين المملكتين، ولهذا ثارت البلاد عليه وتم عزله وتولى مكانه أبو الوليد إسماعيل الأول بن فرج ٧١٣- ٧٢٥هـ/ ١٣١٤- ١٣٢٥م، وقد استقرت الأمور في عهده، وأحيا فريضة الجهاد، وحرص على إقامة الحدود ومحاربة الفساد الأخلاقي، ويذكر له أنه تخلص من التبعية لقشتالة واستقل بنفسه معتمدًا على قوات بني مرين الذين استمرت إقامتهم في غرناطة تحت مسمى مشيخة الغزاة كما أشرنا.

وفي عهد هذا الأمير تم عزل ألفونسو العاشر عن ملكه، فاشتغل بالبحث والترجمة من العربية إلى القشتالية وحمل لقب ألفونسو العالم، وكانت له اتصالات وثيقة بعلماء الأندلس، وقد تأثر بهم في الفكر والدرس، وله جداول فلكية شهيرة عنوانها الجداول الألفونسية وضعها بالتعاون مع جماعة من علماء المسلمين واليهود والنصارى، وله مؤلف عنوانه (تاريخ أسبانيا العام)، اعتمد فيه على مصادر عربية، وفي عهده أيضًا تحالفت القوات الصليبية من الفرنجة والإنجليز مع ملوك النصارى، وزحفوا إلى غرناطة؛ بهدف الاستيلاء عليها، ولكنهم منوا بهزيمة ثقيلة في ٢٠ ربيع الثاني سنة ٧١٨هـ/ ١٣١٨ م، وتمكنت مملكة غرناطة من استعادة بعض البلاد والحصون التي كانت قد فقدتها من قبل، ثم اغتيل السلطان الذي يذكر أن له الفضل في إقامة الكثير من منشآت الحمراء كما سنذكر.

تولى الأمر من بعده أبو عبد الله بن أبي الوليد ٧٢٥هـ ٧٣٣هـ / ١٣٢٥- ١٣٣٢م، وفي عهده تجددت معاهدة الصداقة مع ملك أراجون، ووقع خلاف بينه وبين شيوخ المغاربة (شيوخ الغزاة)، واشتدت وطأة النصارى، فعبر البحر مستنجدًا بالسلطان المريني الذي أكرم وفادته وأجابه إلى ما طلب، وتمكن المسلمون من استعادة جبل طارق، ثم اغتيل السلطان على يد بعض المتآمرين عليه، وتولى من بعده أخوه أبو الحجاج يوسف الأول بن أبي الوليد إسماعيل ٧٣٣-٧٥٥هـ/١٣٣٢- ١٣٥٤م.

وقد بذل هذا قصارى جهده؛ للمحافظة على مملكته، لكن الضغط النصراني المتزايد بالإضافة إلى اختلاف البيت النصري، واستعانة بعضهم على بعض بملوك قشتالة وتدهور علاقاتهم بمشيخة الغزاة من بني مرين، كل هذا كان له أبلغ الأثر في التوجه بدولتهم نحو الهاوية.

ومع ذلك فقد كان أبو الحجاج من أعظم ملوك بني نصر وأبعدهم همة، وكان عالمًا شاعرًا فلكيًا يحمي العلوم والآداب والعلماء، وهو الذي أسس المدرسة النصرية، كما حسن الأجنحة والزخارف، وبنى أجمل ما في قصر الحمراء من أبنية، وقد ساد السلام والأمن آخر أيامه، ولكنه قتل غيلة سنة ٧٥٥هـ ١٣٥٤م بعد أن شهد عصره مواقف متناقضة في العلاقات مع بني مرين، وخلفه في الحكم ولده الملقب الغني بالله محمد الخامس بن يوسف ٧٥٥-٧٦٠هـ/١٣٥٤- ١٣٥٩م.

وفي عهده شغلت قشتالة بنزاعاتها الداخلية، فأمنت غرناطة شر العدوان إلى حين، ولكن حدثت ثورة داخلية قامت في عهده وألجأته إلى النفي، وتولى العرش من بعده أخوه أبو الوليد إسماعيل الثاني بن يوسف٧٦٠- ٧٦١هـ/ ١٣٥٩- ١٣٦٠م، ثم أبو سعيد محمود السادس بن إسماعيل ٧٦١- ٧٦٣/١٣٦٠- ١٣٦٢م.

وبعد فترة من الصراع تمكن الغني بالله بمعاونة بني مرين الذين كان قد لجأ إليهم في فاس من العودة إلى العرش للمرة الثانية ٧٦٣هـ/١٣٦٢م.

وفي هذه الفترة ألغيت مشيخة الغزاة في الأندلس وصار أمر المجاهدين إلى السلطان، بعد أن تولى المرينيين هذه الخطة نحو قرن من الزمان، وكان الغني بالله حازمًا عادلًا عمر مشاريع منها المارستان الأعظم، وبث روح الجهاد بمعاونة وزيره ابن الخطيب وبمعاونة ابن خلدون، وقد أقام المشاريع العمرانية وحصن الثغور وأقام علاقات مع بلاط القاهرة المملوكية، وصد غارات للنصارى، فكان عصره ذهبيًا.

لقد برز اسم ابن الخطيب في عهد ذلك السلطان كما أشرنا، وتولى الوزارة له وواجها محنًا خطيرة، واضطر للهروب إلى المغرب؛ للاستنجاد ببني مرين، ثم عاد إلى الأندلس، واسترد الغني بالله عرشه، ودخل في صراع مع بني سراج وهي من أكبر الأسر الأندلسية العربية في مملكة غرناطة - وقد اغتيل السلطان في سنة ٧٩٣هـ/ ١٣٩١م.

ويذكر له أنه بنى القسم الأكبر من منشآت قصور الحمراء: باب الشريعة ومدرسة غرناطة، وهو الذي عني بحدائق جنة العريف.

وفي عهد الغني بالله توثقت عرى الصداقة بين غرناطة والقاهرة واتصلت بينهما السفارات والمكاتبات، وكانت أيامه أيام سؤدد ورخاء، اشتغلت فيها قشتالة بحروبها الداخلية وأمن المسلمون شرورها.

مشيخة الغزاة

إنها قوة مرينية اتفق بنو نصر مع بني مرين على استمرارهم في الأندلس وإشراكهم في الدفاع عن البلاد، وتنازل بنو نصر عن الجزيرة الخضراء ومالقة وبعض المراكز؛ لتكون لهم معابر إلى الأندلس، حتى يتمكنوا من أداء واجبهم الديني.

ومع ذلك فقد حدث نوع من النفور بين هؤلاء، وبين بعض ملوك غرناطة وانضمت إليهم مملكة قشتالة وليون وأرجون والجمهوريات الإيطالية، وكان الصراع بينهم من أشد الأخطار التي أضعفت مملكة غرناطة، وقد تجلى هذا في موقعة "طريف" التي كانت بين الإسلام ممثلا في أبي الحجاج يوسف وأبي الحسن بن عثمان بن أبي يعقوب المريني، وبين قوات نصرانية ضخمة من القتاليين والأرجوانيين والبرتغاليين وبمباركة من البابا، وقد توجه هؤلاء جميعًا؛ للاستيلاء على طريف؛ لفصل المغرب عن الأندلس، وقد هزم المسلمون في هذه الموقعة وسقطت طريف وتمهد الطريق؛ لغزو جبل طارق، وفي سنة ٨٦٧هـ/ ١٤٦٢ م سقط ثغر جبل طارق أيام عبد الله محمد بن يوسف، وأصبحت مملكة غرناطة محاصرة بقوات نصرانية لا قبل لها بها، ولا سبيل لمقاومتها.

بداية تدهور مملكة غرناطة

عندما تولى يوسف الثاني ولد أبي الحجاج ٧٩٣هـ/ ١٣٩١ م، لفترة قصيرة هادن قشتالة، وتخلص من المتآمرين عليه، ولما توفي سنة ٧٩٧هـ/١٣٩٥م، تولى العرش من بعده ولده محمد السابع المستعين بن يوسف الثاني سنة ٧٩٧هـ / ١٣٩٥م- ٨١١هـ/١٤٠٨م، وكان مستبدًا مسرفًا في الدماء، ووزر له ابن زمرك تلميذ ابن الخطيب، كما كان بعيد العنف والجرأة، حرص على تجديد المهادنة والمودة مع ملوك قشتالة، ثم جرت منازعات بينهم وبينه انتهت بعقد هدنة معهم، ولما توفي هذا تولى الحكم من بعده أخوه أبو يوسف الحجاج الثالث الناصر بن يوسف الثاني ٨١١- ٨٢٠هـ/ ١٤٠٧- ١٤١٧م، وفي عهده حدثت بعض الاضطرابات في العلاقات مع ملوك قشتالة، كما جرت حروب بين ابن الأحمر والمرينيين عند جبل طارق انتصر فيها ملوك غرناطة، وكان أبو يوسف هذا بارع السياسة عظيم الفروسية والنجدة، وقد تبادل مع فرسان النصارى الزيارات وحفلات المبارزة والأعياد المشهورة، وقد توفي بعد فترة قصيرة ولكنها زاهية.

وتولى من بعده عدد من الأمراء الضعاف أولهم ولده: أبو عبد الله محمد الثامن الملقب بالأيسر ٨٢٠- ٨٢٢هـ / ١٤١٧- ١٤١٩م وكان صارما متعاليا، استبد بالأمر في زمنه يوسف بن سراج - رأس بني سراج الذين ترجع أصولهم إلى قبيلة طيء، وكانت فترته فترة اضطراب، ولم يفلح في صد النصارى عن غرناطة فقامت ثورة ضده وتم عزله ونفيه إلى تونس.

وعين مكانه محمد التاسع بن محمد بن يوسف الثالث الملقب بالزغل، وهو ابن أو ابن أخ للأيسر، وكان يلقب أحيانا بأبي عبد الله الصغير ٨٢٢- ٨٣١هـ/ ١٤١٩- ١٤٢٧م وكان محبًا للآداب والفنون، فارسًا، وخلال فترة حكمه لم يوفق في إخماد الفتن، فقامت ثورة ضده بتحريض من بني سراج وسلطان تونس، وأعيد الأيسر للحكم، واسترد بنو سراج مكانتهم التي كانوا قد فقدوها، ولكن ملك قشتالة عاث في الأراضي الأندلسية سنة ٨٣٤هـ/ ١٤٣١م حتى وصل إلى مشارف غرناطة، وعادت الفتن الداخلية والتمزقات والتف خصوم الأيسر حول أمير يدعى الحجاج يوسف بن المول وأمه ابنة السلطان محمد بن يوسف بن الغني بالله، وأبوه من وزراء الدولة النصرية، وقد عقد يوسف هذا معاهدة مع ملك قشتالة، وقَبِل أن يكون من رعاياه وأن يدفع له جزية (٢٠ ألف دينار) ، ودخل في معارك ضد الأيسر، وانتهى الأمر بتربعه على عرش غرناطة بمعاونة ملك قشتالة سنة ٨٣٦هـ / ١٤٣٢م بعد موافقته على كل شروطه، ولكنه توفي بعد ستة أشهر، واتفقت كلمة الأحزاب على رد العرش للأيسر للمرة الثالثة، واستمر النزاع بين المسلمين والنصارى لعدة أعوام، وكانت نتيجته سجالًا، ولأول مرة يتوجه الأيسر إلى سلطان مصر يطلب نجدته وغوثه، ولكن لم تسفر سفارته عن نتيجة وواجه ثورات جديدة عليه لسوء سيرته.

وبعد سلسلة من الولاة انتهى الأمر بتولية محمد التاسع بن نصر بن محمد الغني للمرة الثالثة سنة ٨٣٥- ٨٤٨هـ / ١٤٣٢- ١٤٤٤م، وقد عصفت الحروب الأهلية وغزوات النصارى معا بقوى غرناطة.

ونتيجة للصراع تولى السلطان يوسف الخامس بن إسماعيل للمرة الأولى سنة ٨٤٩هـ/ ١٤٤٦م ثم أعيد للمرة الثانية بعد أن تولى آخرون سنة ٨٦٧هـ/ ١٤٢٦م، وكان هذا السلطان حازمًا محبًا للإصلاح، وجرت في عهده معارك عنيفة مع النصارى وكانت نتيجتها سجالًا وسقط ثغر جبل طارق في أيديهم سنة ٨٦٧هـ/ ١٤٦٢م كما أشرنا، وكانت تلك خطوة مهمة في سبيل قطع علاقات غرناطة بعدوة المغرب، مما اضطر غرناطة إلى عقد معاهدة مع ملك قشتالة أخذ الملك النصراني بمقتضاها كل ما أراد.

ولكن الأمير سعد بن محمد بن يوسف المستعين بالله المعروف بابن الأحمر هاجم الحمراء وانتزع العرش لنفسه سنة ٨٥٧هـ / ١٤٥٣م أكثر من مرة، ثم خلص العرش لابنه أبي الحسن بعد صراع بين الأب وابنه، ثم حدث صراع ومنازعات بين أبي الحسن هذا وأخيه يوسف انتهى بوفاة الأخير بعد قليل.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أسبانيا المسيحية في هذه الآونة قد شهدت نهضة حربية وسياسية توجت بزواج فرناندو الثالث ملك أرجون بإيزابيلا ملكة قشتالة سنة ٨٧٤هـ /١٤٦٩م، وقد اتحدا بعد نزاع وحروب مستمرة، وكان هذا يعني بداية نهاية مملكة غرناطة الإسلامية، وذلك أن بقاءها كان يعتمد إلى حد كبير على استغلال النزاع بين قشتالة وأرجون، وبدأ الملكان الكاثوليكيان يعملان على إنهاء الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة نهائيا، ولما شعرت غرناطة بذلك امتنعت عن دفع الجزية لقشتالة، وبدأت المناوشات بين الجانبين، وزاد من سوء موقف غرناطة اشتعال الحروب الأهلية بين أبنائها.

وكان على عرش غرناطة للمرة الأولى ٨٦٨هـ/ ١٤٦٤م علي أبو الحسن الملقب الغالب بالله وهو ابن سعد بن محمد، ولم يستخلص العرش لنفسه إلا بعد قتال عنيف ضد منافسيه، وعلى رأسهم أخواه يوسف أبو الحجاج والسيد أبو عبد الله محمد المعروف بالزغل، وقد توفي يوسف بعد قليل ونفي الزغل.

وكان أبو الحسن وافر الشجاعة، قام بحملات موفقة ضد النصارى أيام أبيه، ولما تولى تمكن من استرداد بعض القواعد والحصون التي كان النصارى قد استولوا عليها.

وكان الزغل على مالقة عندما خرج على أخيه أبي الحسن وطلب معونة ملك قشتالة ولكن أبا الحسن هاجم قشتالة وانتزع بعض المواقع منها ثم جرت حروب كانت سجالا مع النصارى، ثم أعلنت مالقة خروجها عن طاعة أبي الحسن وقامت ثورة استدعت الزغل الذي كان في قشتالة، وانقسمت بذلك المملكة الصغيرة شطرين، ثم انتهى الأمر بصلح بين الأخوين على أن يستقل الزغل (الشجاع) بمالقة وأحوازها، ويستقل أبو الحسن بغرناطة وما إليها، كذلك عقدت هدنة مؤقتة بين المسلمين والنصارى.

كان أبو الحسن هذا قد اقترن بعائشة ابنة عمه السلطان الأيسر، وأنجب منها ولدين: أبا عبد الله محمد وأبا الحجاج يوسف، ولكن هذا السلطان في أخريات أيامه تزوج فتاة داهية جميلة من أصل نصراني اسمها ثريا، وقد أنجب منها ولدين أيضًا هما سعد ونصر، وقد حاكت المؤامرات والدسائس لدى السلطان حتى انتهى الأمر باعتقال عائشة وولديها ومعاملتهم بقسوة، وانقسم الزعماء والقادة فريقين: فريق يؤيد عائشة الحرة، والآخر مع ثريا الأسيرة في الأصل، وقد رغبت الأخيرة أن يؤول الحكم لأحد ولديها.

ولكن عائشة لم تستسلم ونجحت في كسر الحصار الذي كان مضروبًا حولها بالقصر وفرت مع ولديها، ثم ظهر ابنها أبو عبد الله محمد في منطقة وادي آش التي تجمع بها أنصاره، أما أبو الحسن فقد دخل في حروب مع النصارى، وواجه ثورة في غرناطة ولم يتحمل ذلك ففر إلى مالقة حيث أخوه أبو عبد الله محمد بن سعد المعروف بالزغل، وجاء عبد الله محمد وجلس على عرش غرناطة سنة ٨٨٧هـ/ ١٤٨٢م وأطاعته مع وادي آش التي كان قد لجأ إليها كما ذكرنا آنفا، وبقيت مالقة وغرب الأندلس على طاعة أبيه أبي الحسن.

كان النصارى قد تعرضوا لعدة هزائم، وأراد السلطان الجديد أبو عبد الله محمد انتهاز فرصة ضعفهم، لكنه تعرض للهزيمة على أيديهم، وأُسِر الكثيرون من المسلمين ومنهم السلطان نفسه، وقد ارتاعت غرناطة لهذه النكبة واجتمع الكبراء والقادة وقرروا استدعاء أبي الحسن للعودة إلى ملكه، لكنه تنازل لأخيه الزغل حاكم مالقة ثم توفي أبو الحسن سنة ٨٩٠هـ / ١٤٨٥م.

أما السلطان الأسير فقد رأت قشتالة أن تستفيد من مكانته، وبنت سياستها على إطلاق سراحه حتى يلتف حوله البعض وتزداد فرقة المسلمين، وقد رفض ملك قشتالة افتداءه بمال، وعقد معه معاهدة سرية أصبح بمقتضاها تابعا له يدفع له جزية، واشترط شروطا وأخذ المواثيق التي تكفل القضاء على مملكة غرناطة، وكان ذلك سنة ٨٩٠هـ/ ١٤٨٥م، بل إن عبد الله محمد أخذ ينشر بين المسلمين بعد إطلاق سراحه أن الصلح مع ملك قشتالة خير وأبقى، بينما اشتد الأخير في مهاجمة الحصون والقواعد التي أخذت تسقط تباعًا بين يديه مستخدمًا القذائف النارية (الأنفاط)، كل هذا والحرب الأهلية يشتد أوارها بين قادة المسلمين وبين الزغل وابن أخيه أبي عبد الله محمد، وانتهى الأمر بتقسيم مملكة غرناطة الصغيرة شطرين: شطر غرناطة وأعمالها ويحكمه أبو عبد الله محمد بن السلطان أبي الحسن، وقسم وادى آش وأعماله ويحكمه عمه الأمير أبو عبد الله الزغل، الذي استولى على الكثير من القواعد والحصون الداخلية.

أحاطت الحلقة بالزغل فقرر طلب النجدة من أمراء إفريقية ومن القسطنطينية ومن سلطان مصر الأشرف قايتباي، ولم يترتب على ذلك نتائج فعالة؛ بسبب الظروف الداخلية في هذه الدول، وكل ما حدث إرسال سفارة مصرية إلى البابا وإلى ملوك النصارى، وكلها عتاب على ما يحدث للمسلمين في غرناطة وأن سلطان مصر مضطر أن يعامل رعاياه من النصارى بنفس الأسلوب.

أما فرناندو ملك أرجون فقد قرر البدء بالقضاء على الأماكن التي تخضع لأبي عبد الله الزغل، وانتهى الأمر بمعاهدة سرية خضع بمقتضاها الزغل وسائر قادته للملك النصراني؛ لأن الزغل رغم شجاعته لم يستطع مواجهة الظروف، ثم تقاضى مبلغًا من المال وعبر إلى وهران ثم إلى تلمسان بالجزائر.

بقيت غرناطة وأحوازها، وقد أرسل فرناندو إلى أبي عبد الله محمد يطلب تسليمها إليه وفقا لمعاهدة سرية بينهما، لكن حدث عكس ما توقعه الملك النصراني، فقد رفض أبو عبد الله في سنة٨٩٠هـ/ ١٤٩٠م الخضوع لطلبه واستؤنفت الحرب بين المسلمين والنصارى، وتحول أبو عبد الله الذي كان ضعيفًا مستكينًا إلى متحد عنده عزة وكرامة، وبدأت سرايا المسلمين تعبث في الأراضي القريبة الخاضعة للنصارى، بينما بدأ ملكة قشتالة وهي تضطرم سخطًا الهجوم مخربة الضياع والقرى، ونجح المسلمون في رد القوات المعادية عن مدينة غرناطة، وتم ترتيب حاميات عن بعض المدن، وكانت المعارك سجالًا في العام المشار إليه، وفي العام التالي رأى ملك قشتالة أنه لا بد من إرغام الحاضرة الإسلامية على التسليم، فأعد ما بين خمسين إلى ثمانين ألفا، وجهزهم بأحدث الأسلحة والذخائر ووافر الأقوات.

ورغم قسوة الظروف وشعور غرناطة بأنها تواجه القدر المحتوم، فإنها قامت بدفاع من أمجد ما عرف في تاريخ المدن المحاصرة والقواعد الذاهبة، وتمثلت روح الكفاح في فارس من أصول عربية، وافر العزم والبراعة والشجاعة هو موسى بن أبي غسان، وله كلمات رائعة في هذا الصدد منها:" ليعلم ملك النصارى أن العربي قد ولد للجواد والرمح، فإذا طمع إلى سيوفنا فليكسبها، أما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة في المكان الذي أموت مدافعًا عنه، خير من أفخم قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين".

وقد قاد الجموع وتم تقسيم الدفاع عن المدينة بين زعماء الجيش والأسر، ولكن ملك قشتالة لم يترك وسيلة لإحكام الحصار وإرغام المدينة على التسليم، وقد قطع كل علائقها مع الخارج برًا وبحرًا، وهجم الشتاء فازداد تأزم الموقف واقتربت النهاية، ودب اليأس في قلوب الناس بعد أن بذلوا فوق ما يستطيعون، واضطر أبو عبد الله أن يدعو مجلسًا من كبار الفقهاء والجند والأعيان، واتفقت كلمتهم على وجوب التسليم باستثناء صوت أبي موسى الذى دوى في أركان القاعة: "إنه لخير لي أن أحصى بين الذين ماتوا دفاعًا عن غرناطة من أن أحصى بين الذين شهدوا تسليمها"، وانتهى الأمر بعقد معاهدة سرية أخرى خاصة بأبي عبد الله محمد وأفراد أسرته ووزرائه في ١٢ محرم سنة ٨٩٧هـ الموافق نوفمبر سنة ١٤٩١م [راجع بعض نصوص هذه المعاهدة في مادة المورسكيون]، ورغم اعتراض وأصوات أبي موسى، فقد تم تسليم غرناطة ومدينة الحمراء في ٢ ربيع الأول ٨٩٧هـ/ يناير سنة ١٤٩٢م، في منظر بالغ التأثير، وقد أجهش أبو عبد الله بالبكاء وهو يلقي نظرة الوداع على مملكته الذاهبة، وهنا قالت أمه عائشة: "أجل، فلتبك كالنساء ملكًا لم تستطع الدفاع عنه كالرجال".

وبعد أن حيا فرناندو وزوجته إيزابيلا ملكة قشتالة، أبا عبد الله توجه إلى حصن أندرش الذي اختاره للبقاء فيه، ولكن فرناندو المعروف بالغدر لم يدعه يستقر في موطنه الجديد، ولم يهنأ له بال إلا بعد أن خطط بالتآمر مع بعض وزراء أبي عبد الله - وتم منحه مبلغًا من المال كما تم تدبير خروجه إلى المغرب سنة ٨٩٨هـ / ١٤٩٣ م حيث قصد إلى فاس وبقي عقبه فيها، وبلغ الأمر أن أصبحوا معدمين يعيشون من أموال الصدقات.

أما موسى بن أبي الغسان فقد ترك غرناطة وخرج مغضبًا وحده ليلقى سرية من النصارى تتكون من ١٥ فارسًا أفنى معظمهم، وواصل نضاله حتى أصيب جواده فجثا على ركبتيه وواصل ضرباته ورفض أن يقع أسيرًا ثم تراجع للخلف حتى ألقى نفسه في نهر قريب، فبلعته مياهه من فوره.

وهكذا يحمل الأواخر من ملوك غرناطة تبعة وقوع المأساة، فقد مزقتهم الحروب الأهلية، بينما العدو يرقب الفرص ليثب، وخبا شأن بني الأحمر ولا سيما منذ أوائل القرن التاسع الهجري / الرابع عشر الميلادي، لقد تعاقب على عرشها خلال هذه الفترة أكثر من ١٢ سلطانًا.

ونتيجة للانقلابات المتوالية شهدت غرناطة اعتلاء هؤلاء السلاطين أكثر من عشرين مرة؛ بسبب عودة بعضهم إلى العرش أكثر من مرة، ومنذ عهد الأمير علي أبي الحسن بلغت مأساة الانقسامات، والحروب ذروتها وأصبح مصير المملكة الإسلامية محتومًا.

بعض مظاهر الحضارة في مملكة بني نصر

الشعب الغرناطي

لقد أصبحت غرناطة موئلًا لكل الشعوب المسلمة التي فقدت ممالكها، ومما يلفت النظر أن كثيرًا من المعاهدات مع النصارى كان ينص فيها على السماح للمدجنين - وهم المسلمون في منطقة أو مدينة سقطت وحكمها النصارى - بالهجرة إلى غرناطة، فأصبح يضمها سيل من المهاجرين، خاصة وقد حرم عليهم فقهاؤهم البقاء في هذه البلاد، بالإضافة إلى ذلك كان هناك البربر الذين وفدوا؛ لمعاونة غرناطة في حربها ضد النصارى، وكان هناك سودانيون لهم رابطة خارج مالقة، كما جاءت جالية من المتصوفة من الهند وبلاد الفرس وخراسان؛ للمرابطة في سبيل الله، وهناك جماعات من الأفارقة السود كانوا مع الجيش الإسلامي منذ حركة الفتوح الأولى، وفوق هذا كانت القبائل الأرستوقراطية العربية الذين تغلغلوا في المجتمع الأندلسي وتناسلت أجيالهم، وقد قدر بعض الباحثين عدد سكان مملكة بني نصر ما بين أربعة إلى خمسة ملايين نسمة.

وهكذا كانت مملكة بني نصر من أغنى القواعد الأندلسية وأكثرها ازدحاما بالسكان، ويصف ابن الخطيب هؤلاء السكان فيقول إنهم تمتعوا بصفات أخلاقية طيبة، وبالصور الحسنة والألسنة والأنساب العربية، وكثير من البربر والمهاجرين، وتميزت النساء بالجمال ونبل الكلام وحسن المحاورة مع الإسراف في التزين بنفيس الحلي، وكان أهل الأندلس مضرب الأمثال في النظافة، يعيشون في سعة ورخاء ويحرصون على الاحتفال بالأعياد العامة في اعتدال واقتصاد.

الثروات الطبيعية

كانت مملكة بني نصر تضم ثروات من الموارد الطبيعية، وفي وديانها الخصبة جاءت زراعة الحبوب والكروم والزيتون والفواكه وغيرها، وأهل غرناطة من أبرع الناس في فلاحة الأرض وتريبة الماشية وغرس الحدائق وتنظيم طرق الري، وقد عمر السكان بلادهم واستغلوها أحسن استغلال.

لقد استخرج سكان غرناطة من جبالها الوعرة الكثير من الثروات المعدنية من الذهب والفضة، وبنوا المستشفيات والمدارس، وكانت مصانع المملكة تنتج الأقمشة المختلفة، منها الموشى بالذهب في مرسيه ومالقة والملبد في غرناطة وبسطة، كما اتخذوا الفراء من بعض الحيوانات، كذلك استخدموا الرخام في المصليات التي ترتكز على الأعمدة، وجملوا صحون المساجد بحدائق الفاكهة.

لقد كانت ثغور ملكة غرناطة خاصة مالقة وألمرية من أغنى الثغور الأسبانية وأحفلها بالحركة التجارية بسبب توسطها بين أوروبا وأفريقية وانتظام اتصالاتها مع الثغور الأخرى، وكانت ولاية غرناطة وحدها تضم من القرى العامرة ما تجاوز المائة قرية ذكرها ابن الخطيب في (الإحاطة) [ج١ ص١٠٤- ١٣٨ من طبعة القاهرة].

نظام الحكم

كان ملوك بني نصر يدينون بالحكم المطلق، لكن في وقت الأحداث الخطيرة كان السلطان يستعين برأي الزعماء وأصحاب النفوذ، وفي فترات قليلة وجد مع السلطان وزير قوي كما حدث في عهد السلطان أبي عبد الله محمد الملقب بالمخلوع ٧٠١- ٧٠٨هـ/١٣٠٢- ١٣٠٨م والسلطان أبي عبد الله محمد بن إسماعيل ٧٢٥- ٧٣٣هـ/١٣٢٥- ١٣٣٣م وفي عهد أخيه السلطان أبي الحجاج يوسف ٧٣٣- ٧٥٥هـ/ ١٣٣٣- ١٣٥٤م ثم عهد السلطان الغني بالله ٧٥٥- ٧٩٣هـ/ ١٣٥٤- ١٣٩١م.

وكانت مناصب الحكم الرئيسية تنحصر في الوزارة التنفيذية وقيادة الجيوش والقضاء، وكانت الوزارة تسند إلى واحد من أعلام القلم، وكان الوزير يستعين بطائفة من الكتاب، وكان للسلطان كاتب سره أو أمينه الخاص.

أما الجيش فقد تولت قيادته لفترة طويلة أسرة بني العلاء - أحد بطون بني مرين - ابتداء من القرن السابع الهجري، وكان متوليه يلقب بشيخ الغزاة، كما أسلفنا، وكان الجيش يضم فرقًا من أبرع الرماة من البربر وغيرهم، ويضم فرقًا من الفرسان المتمكنين، كما كان يتقن حرب العصابات مستفيدًا من الطبيعة الجبلية لغرناطة، كما عرفوا سر البارود واستخدموه في حروبهم، وكانت هناك القوى البحرية، والأساطيل التي من شأنها حماية الشواطئ وتأمين الاتصال بعدوة المغرب، كل هذا مكن بني نصر من إثبات وجودهم، والدفاع عن كيانهم فترة زادت على قرنين ونصف من الزمان برغم إحاطة الأعداء بهم من كل جانب.

أما القضاء فكان منصب قاضي الجماعة هو أرفع المناصب، ويختار من كبار فقهاء المالكية، وهو أيضا قاضي الحضرة - أي غرناطة - وهو خطيب الحمراء أو الجامع الأعظم، وتتبع الحسبة وظيفة القضاء، ومهمتها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومراقبة الأسواق، ومنع الغش...الخ.

أما حفظ الأمن والنظام وتنفيذ الأحكام فيتولاه صاحب الشرطة، بمعاونة جماعات من الحراس.

الحركة الفكرية

لقد احتلت مملكة بني نصر مكانة مرموقة في مجال الآداب والعلوم والفنون رغم ظروف القتال والحروب المستمرة، وبلغت الحركة الفكرية ذروة ازدهارها في عصر السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل ٧٣٣- ٧٥٥هـ/١٣٣٣- ١٣٥٤م وكان هو نفسه شاعرًا، وفي عصر ولده السلطان الغني بالله ٧٥٥- ٧٩٣هـ/ ١٣٥٤- ١٣٩١ م وكان أديبًا ألف كتابًا عنوانه (نشر الجمان فيمن ضمني وإياهم الزمان)، وترجم فيه لأعلام عصره في الشعر والأدب، ومن أدباء وشعراء الفترة ابن الحكيم الرندي وأبو عبد الله محمد بن خميس التلمساني وابن الحباب أستاذ ابن الخطيب وابن زمرك تلميذه والشريف العقيلي، خاتمة أدباء الأندلس ووزرائها.

وإذا كانت غرناطة قد حفلت بهؤلاء وأمثالهم، فإن العلوم العقلية قد أصابها الركود، وقلما نجد عالمًا في الطب أو الفلسفة أو العلوم الرياضية.

 وقد برع في نفس الفترة عدد من النحويين واللغويين، وعدد من علماء الدين والفقه، واشتهر بعض المتصوفة، وظهر من المؤرخين محمد بن يحيى بن أبي بكر بن سعيد، ومنهم ابن فرحون برهان الدين إبراهيم بن علي اليعمري الأندلسي ت ٧٩٩هـ/ ١٣٩٧م صاحب كتاب الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب وهو تراجم في طبقات المالكية، ومنهم أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد الجذامي الملقى النباهي صاحب نزهة البصائر الذي يضم نبذة عن تاريخ الدولة النصرية، وله المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، وقد نشره ليفي بروفنسال في القاهرة سنة ١٩٤٨م بعنوان تاريخ قضاة الأندلس.

هذا وقد فصل الدكتور شاكر مصطفى الحديث عن رجال الدولة في العصر الغرناطي وعن رجال الدين والفقه والزهد، وعن المؤرخين والشعراء ورجال العلوم والفلسفة والطب، وعن النحاة ورجال الأدب واللغة والقراء، كل ذلك في المجلد الثاني من موسوعة دول العالم الإسلامي ورجالها من ص١٣٠٨ - إلى ص١٣٢٣.

العمارة في مملكة غرناطة

كانت غرناطة بقصورها وميادينها الفسيحة من أجمل مدن العصور الوسطى، وأبرز هذه القصور قصر الحمراء، أخلد هذه القصور.

وقد بدأ محمد بن الأحمر بناء هذا القصر على الجانب الأيسر لنهر حيدرة شمال شرقي مدينة غرناطة فوق أطلال قلعة كانت موجودة سنة ٦٣٥هـ / ١٢٣٨ م، وجاء ابنه محمد الفقيه فأنشأ الحصن والقصر الملكي أواخر القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي، وأنشأ حفيده محمد إلى جانب القصر مسجدًا رائعًا.

وبنيت معظم أجنحة الحمراء الملكية في عهد السلطان أبي الوليد إسماعيل وولده الشاعر والفنان الموهوب أبي الحجاج ثم ابنه محمد الغني بالله، ويحيط بالحمراء سور ضخم يتخلله ١٣ برجًا بقي بعضها حتى اليوم.

وتنقسم أبنية الحمراء إلى جناحين كبيرين: الأول: قصر قمارش - المقر الرسمي لملوك غرناطة - والثاني: قصر السباع تتوسطه السباع أو الأسود وقد أنشأه محمد الغني بالله.

وقد نقش شعار لا غالب إلا الله - وهو شعار بني نصر في كل ركن من أركانه.

وعلى مقربة من قصر الحمراء وجد أثر إسلامي آخر هو جنة العريف الذي شيد على ربوة عالية أوائل القرن السابع الهجري / أوائل القرن ١٣م وجدده السلطان أبو الوليد إسماعيل، وكان بمثابة منتزه لسلاطين غرناطة يقصدونه؛ للاستجمام، وقد ضاعت معظم معالمه.

وهناك قصر يسمى قصر "شنيل" ومجموعة أخرى من القصور والمدارس والمستشفيات لا تزال آثار بعضها باقية حتى اليوم.


ملوك بني نصر (أو بني الأحمر) ٦٢٧-٨٩٨ هـ /١٢٣٠-١٤٩٢م في غرناطة:


أبوعبد الله محمد (الأول) الغالب بن يوسف بن نص

٦٢٩هـ/١٢٣٢م

أبو عبد الله محمد (الثاني) الفقيه بن محمد (الأول)

٦٧١هـ/ ١٢٣٧م

 أبو عبد الله محمد (الثالث) الأعمى المخلوع ابن محمد (الثاني)

٧٠١هـ/١٣٠٢م

أبو الجيوش نصر محمد (الثاني)

٧٠٨هـ/ ١٣٠٨م

 أبو الوليد إسماعيل (الأول) بن فرج

٧١٣هـ/١٣١٣م

محمد (الرابع) بن إسماعيل

٧٢٥هـ/ ١٣٢٥م

 أبو الحجاج يوسف (الأول) النيار بن إسماعيل

٧٣٣هـ/ ١٢٣٢م

محمد (الخامس) الغني (بالله) بن يوسف

٧٥٥هـ/ ١٣٥١م

أبو الوليد إسماعيل (الثاني) بن يوسف

٧٦٠هـ/ ١٣٦٠م

 أبو سعيد محمود (السادس) بن إسماعيل

٧٦١هـ/ ١٣٦٠م

محمد (الخامس)، (للمرة الثانية)

٧٦٣هـ / ١٣٦٢م

 أبو الحجاج يوسف (الثاني) بن محمد (الخامس)

٧٩٣هـ / ١٣٩١م

 محمد (السابع) المستعين بن يوسف (الثاني)

٧٩٧هـ/١٣٩٥م

 أبو الحجاج يوسف (الثالث) ، الناصر بن يوسف (الثاني)

٨١٠هـ/١٤٠٧م

محمد(الثامن) المتمسك بن يوسف (الثالث).

٨٢٠هـ/١٤١٧م

محمد(التاسع) الصغير بن نصر (للمرة الأولى)

.٨٢٢هـ/١٤١٩م

محمد (الثامن)، (للمرة الثانية)

٨٣١هـ/ ١٤٢٧م

 محمد (التاسع)، (للمرة الثانية)

٨٣٣هـ/١٤٢٩م

أبو الحجاج يوسف (الرابع) بن محمد (السادس)

٨٣٥هـ/ ١٤٣٢م

 محمد (التاسع)، (للمرة الثالثة)

٨٣٥هـ/ ١٤٣٢م

محمد (العاشر) الأحنف بن عثمان

٨٤٨هـ/١٤٤٥م

يوسف (الخامس) (للمرة الأولى)

٨٤٩هـ/ ١٤٤٦م

محمد (العاشر)، (للمرة الثانية)

٨٤٩هـ/ ١٤٤٦م

 محمد (التاسع)، (للمرة الرابعة)

٨٥١هـ/١٤٤٧م

بالاشتراك مع محمد الحادي عشر فيما بين ٨٥٤- ٨٥٥هـ

١٤٥٢/١٤٥١م

سعد (المستعين بالله)، (للمرة الأولى)

٨٥٧هـ/١٤٥٣م

 يوسف (الخامس)، (للمرة الثانية)

٨٦٧هـ/١٤٦٢م

سعد المستعين بالله (للمرة لثانية).

٨٦٧هـ/ ١٤٦٢م

أبو الحسن علي (للمرة الأولى)

٨٦٨هـ/ ١٤٦٤م

أبو عبد الله محمد (الحادي عشر) بن علي (أبو عبديل) (للمرة الأولى) كحاكم وحيد

٨٨٧هـ/ ١٤٨٢م

أبو الحسن علي (للمرة الثانية)

٨٨٨هـ/ ١٤٨٣م

محمد (الثاني عشر) بن سعد الزغل

٨٩٠هـ/ ١٤٨٥م

أبو عبد الله محمد (الحادي عشر) المعروف بالصغير(للمرة الثانية)

٨٩٢هـ/ ١٤٨٧م

 

مراجع للاستزادة:

  • اللمحة البدرية في الدولة النصرية، لسان الدين بن الخطيب، بيروت ١٩٨٠م.
  • الإحاطة في مملكة غرناطة، لسان الدين بن الخطيب، تحقيق محمد عبد الله عنان، القاهرة١٩٧٤م.
  • نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب – المقري التلمساني شهاب الدين، تحقيق إحسان عباس – بيروت ١٩٦٨م.
  • مملكة بني نصر في غرناطة – أحمد الطوخي – رسالة دكتوراه قدمت لكلية الآداب، جامعة الاسكندرية في السبعينات من القرن العشرين الميلادي.
  • معالم تاريخ المغرب والأندلس – حسين مؤنس – القاهرة ٢٠٠٤م.
  • موسوعة دول العالم الإسلامي ورجالها، شاكر مصطفى – أربعة أجزاء في أربع مجلدات – بيروت١٩٩٣م.

الخلاصة

أسس محمد بن يوسف بن نصر دولة بني الأحمر في غرناطة عام ١٢٣٢م، وكانت آخر مملكة إسلامية في الأندلس حتى سقوطها عام ١٤٩٢م، وتميزت المملكة بثرواتها الزراعية، وسكانها المهرة في الفلاحة، وتنظيم الري، مما جعلها من أغنى قواعد الأندلس، ورغم الحروب، ازدهرت فيها العلوم والآداب، وكان الحكم مطلقًا مع مشورة الزعماء في الأزمات.

موضوعات ذات صلة

فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م).

آخر ما تبقى من دولة المسلمين في الأندلس.

هم سلالة أمازيغية، أسسوا دولة إسلامية قوية في المغرب والأندلس.

موضوعات مختارة