Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

البوسنة والهرسك

الكاتب

أ.د/ عزت إبراهيم دسوقي

البوسنة والهرسك

تتمتع البوسنة والهرسك بموقع استراتيجي في قلب البلقان، وبتاريخ طويل من التعايش والصراعات بين الأعراق والأديان، كما عاشت تحولات كبرى بين الحكم البيزنطي والعثماني والنمساوي، حتى نالت استقلالها وواجهت واحدة من أقسى الحروب الحديثة.

الموقع الجغرافي والمساحة

تقع جمهورية "البوسنة والهرسك" في البلقان جنوب شرق أوروبا، وتبلغ مساحتها ٥١,١٢٩ كيلو مترًا مربعًا، وتشمل البوسنة الجزء الأكبر الشمالي، بينما تقع مقاطعة الهرسك إلى الجنوب من الجمهورية [مصطفي دسوقي كسبه: المسلمون في أوروبا، كتاب الأزهر، القاهرة، ذو الحجة ١٤١٧هـ، ص١٢].

وتعتبر البوسنة والهرسك موطنًا لثلاث عرقيات أساسية، وهي: البوشناق- وهم الأكثر عددًا- يليها الصرب، ثم الكروات، ويطلق على مواطنيها "بوسنيون"

وكانت البوسنة والهرسك جزءًا من الإمبراطورية الرومانية، حتى انقسامها في أواخر القرن الرابع الميلادي، وعرفت المسيحية طريقها حينذاك إلى تلك البلاد [كرسماريك: البوسنة والهرسك، بحث منشور في "موجز دائرة المعارف الإسلامية"، ترجمة إبراهيم زكى خورشيد وآخرين، مركز الشارقة للإبداع الفكري، ١٩٩٦م، ج٥، ص١٤٨٠، ١٤٨١].

الأعراق والديانات في البوسنة والهرسك

وكان الصرب يدينون بالمذهب الأرثوذكسي، والكروات يعتنقون المذهب الكاثوليكي، بينما لم تتأثر القبائل البوشناقية - وهم السواد الأعظم- بهذين المذهبين، واعتنقت المذهب البوجوميلي "bogomiles" [تشكلت تلك الحركة في بلغاريا في القرن العاشر الميلادي، على يد مؤسسها الكاهن بوجوميل، ومن هنا جاءت التسمية، وفي القرن الحادي عشر انتشرت هذه الحركة في الصرب وكرواتيا وبلدان أخرى، وقد طرح البوجوميليون فكرة شيوعية الملكية بنفس الروح التي طرحوا بها شيوعية الاستهلاك، وبالإضافة إلى رفضهم كثيرًا من الطقوس المسيحية وغيرها مما يتصل بصلب العقيدة المسيحية، شارك كثير منهم في انتفاضات الفلاحين، وحركة التحرر الوطني ضد الحكم البيزنطي، بينما رفض بعضهم العنف ودافعوا عن الإنسانية، وفي القرن الرابع عشر الميلادي، تحول البوجوميليون إلى طائفة تضم في صفوفها قسمًا من رجال الدين وبعضًا من سكان المدن، وقد أثرت هذه الحركة على الطوائف الخارجة على الكنيسة الكاثوليكية في غرب أوروبا بعد ذلك. "المعجم العلمي للمعتقدات الدينية" ترجمة سعد الفيشاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ٢٠٠٧م، ص٩١] وهو مذهب يخالف المذهبين السابقين وكان أتباعه أقرب للإسلام؛ فقد رفضوا الأسرار المقدسة والطقوس بوصفها أعمالًا مكرسة لمغزى غيبي، مثل عبادة السيدة مريم، والقول بأن عيسى ابن الله، كما كانوا يرفضون القول بالثالوث أي اتخاذ الأب والابن والروح القدس، وأبوا نظام التعميد، وعابوا حفلات الكنيسة ورؤساءها.

وكذلك رفضوا فكرة العشاء الرباني، وأنكروا الصليب رمزًا دينيًا، واعتبروا تقديس الصور الدينية والأيقونات وآثار القديسين الباقية ضربًا من الوثنية، وكرهوا نواقيس الكنائس، وأطلقوا عليها أبواق الشياطين، وآمنوا بضرورة الصلاة، وكانت دور صلاتهم بسيطة وبعيدة عن الزينة والزخارف على عكس الكنائس الكاثوليكية التي تميزت بالزخارف الزاهية.

وبالإضافة إلى هذا، كان أصحاب هذا المذهب يعتقدون أن المسيح لم يصلب ولكن حل محله شيخ آخر، وهم يتفقون في هذا الصدد مع ما جاء في القرآن الكريم، وكانوا يحرمون على أنفسهم شرب الخمور، ويحرصون على أن يكون سلوكهم الخارجي وعلاقاتهم الاجتماعية مبرأة من العيوب التي حفلت بها المجتمعات المسيحية في أوروبا ذلك الوقت [أرنولد، توماس: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة د/حسن إبراهيم، وآخرين، الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ٢٠٠٧م، ص٢٢٨، ٢٢٩، ود/ جلال يحيى: العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، د.ت.، ص ٨٥، وكرسماريك: المرجع السابق، ص١٤٨٢- ١٤٨٣م].

وكان من الطبيعي أن تنظر الكنيستان: الكاثوليكية والأرثوذكسية شزرًا إلى هذه الطائفة وتتهماها بالهرطقة، ودعت البابوية إلى شن حملات صليبية عليها. 

وقد تعرضوا لموجات من اضطهاد الكاثوليك العنيف على يد ملوك البوسنة الذين كانوا يستجيبون إلى توجيهات البابوية في روما. [محمد فؤاد كوبريلي: قيام الدولة العثمانية، ترجمة د/ أحمد السعيد سليمان، الطبعة الثانية، سلسلة الألف كتاب (الثاني)، العدد ١١٩، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ١٩٩٣م، ص١٣٦، ١٧٠، ود/سالم الرشيدي: محمد الفاتح، مكتبة مصطفي البابي الحلبي، القاهرة، ٩٥٦ ١م، ص١٣٢٠.. د/عبد العزيز الشناوي: أوروبا في مطلع العصور الحديثة، الطبعة الأولى، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٩م، ج١، ص٦٥٧- ٦٥٨].

وكان آخر هؤلاء الملوك "ستيفان توماشي" (١٤٤٣- ١٤٦١م) الذي اشترط عليه البابا أن يعتنق المذهب الكاثوليكي، وطالبه بقمع هذه الطائفة بوصفهم زنادقة - ونفذ الملك ما أمر به؛ ولذا التجأ كثير منهم إلى النواحي التي يحكمها الأتراك العثمانيون [جورجف: البوسنة والهرسك، بحث منشور في "موجز دائرة المعارف الإسلامية"، ج٥، ص١٥٢٥، ١٥٣٣- ١٥٣٤].

الحكم العثماني وانتشار الإسلام

وكان تاريخ البوسنة قد اتسم بالصراع على السلطة حتى أوائل القرن الثامن الهجري /الرابع عشر الميلادي، وبعد سنة ٧٩٤هـ - ١٣٩١م بدأ الضعف يدب فيها، وفي المقابل كانت الدولة العثمانية آخذة في الصعود، واستولت على كثير من الأراضي الأوروبية ابتداء من النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي، حتى تم استيلاؤها على البوسنة في عام ٨٦٨هـ ١٤٦٣م، بعد أن مزقتها الصراعات الداخلية، وأوهنتها الحروب الدينية، ثم استولى العثمانيون على الهرسك في سنة ٨٨٧هـ - ١٤٨٢م. [د/عبد العزيز الشناوي: المرجع السابق، ص٦٥٨، وأرنولد: المرجع السابق، ص٢٢٧ ، وبول كولز: العثمانيون في أوروبا، ترجمة د/عبد الرحمن الشيخ، سلسلة الألف كتاب (الثاني)، العدد ١٢٦، القاهرة ١٩٩٣م، ص ٢١٢،٢١١].

وكانت البوسنة تحت الحكم العثماني إحدى صناجق الدولة، وأصبحت في سنة٩١٤هـ - ١٥٠٨م، إيالة تضم مساحة أكبر من مساحتها في الوقت الحالي [جورجف: المرجع السابق، ص١٥١٧]

وأبقى العثمانيون على اسمها التاريخي وسلامة أراضيها، واحتفظ السكان بقوميتهم، وظل السواد الأعظم منهم يحملون أسماء محلية، ويتكلمون لغتهم الوطنية. [د/عبد العزيز الشناوي: المرجع السابق، ص٥٥٧]

وتشير كثير من الدراسات إلى أن حكم العثمانيين للبوسنة والهرسك نتج عنه تحسن كبير في أحوال السكان الاقتصادية والاجتماعية في الريف والمدن على السواء، وتحول الكثيرون من مربي أغنام إلى فلاحين بعدما استوطنوا الأراضي الخصبة، وتوفرت بذلك قوة بشرية لإصلاح مساحات من الأراضي التي خربت، وعادت الجهات التي خوت من أصحابها آهلة بهم من جديد [جورجف: المرجع السابق، ص ١٥٢٧-١٥٢٨]

وشهد النصف الثاني من القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي نموًا سريعًا وتطورًا في بعض مدن البوسنة، كما ظهرت مدن جديدة كسراييفو، وموستار، التي أضحت من أكبر المراكز التجارية والحضارية في المنطقة.

وأعقب ذلك زيادة مطردة في حجم التجارة مع المدن الإيطالية، كما تدفق وافدون جدد للعمل ضمن الطوائف المهنية. [المرجع نفسه، ص١٥٣٥]

وشيد داخل تلك المدن العديد من السلاطين والحكام المحليين الكثير من الأبنية الدينية مما أدى إلى ازدهارها ثقافيا وحضاريًا .

وفي القرنين الأول والثاني من الحكم العثماني للبوسنة والهرسك حصل تطور سريع في الصناعات اليدوية والحرف ذات الطابع الشرقي، وتقدمت سريعًا الصناعات المتصلة بإنتاج الجلود وصياغة الذهب والمهن المتصلة بإنتاج المعدات الحربية، ومستلزمات أهل المدن، وكذلك الحرف والصناعات المتعلقة بصناعات التعدين [جورجف: المرجع السابق، ص١٥٣١- ١٥٣٢].

ومع الحكم العثماني للبوسنة والهرسك بدأ الإسلام ينتشر سريعًا، وأخذت الحضارة الإسلامية تعم البلاد؛ بحيث صار المسلمون كثرة عددية، وأخذوا كثيرًا من حياة الأتراك وطبائعهم؛ إذ كان الأتراك هم أول من احتكوا بهم من المسلمين، وعرفوا عن طريقهم الإسلام، ولم يقتصر تأثير الأتراك على المسلمين، بل امتد إلى المسيحيين في كثير من مظاهر حياتهم [المرجع نفسه، ص ١٥٢٠، ١٥٢٣، ١٥٥٠].

عوامل اعتناق البوسنيين الإسلام

وقد تجمعت عدة عوامل أدت إلى اعتناق كثير من البوسنيين الإسلام، منها: ما كان ينتهجه العثمانيون من سياسة لنشر الإسلام، وبخاصة في البلقان؛ إذ كان يصحب قوات الجيش القضاة والمفتون ومن إليهم من رجال الهيئة الإسلامية، وغيرهم من أتباع الطرق الصوفية ورجال الفكر، وأسهم الجميع في غرس بذور الإسلام فيها [د/عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٨٠م، ج١، ص٩].

وكذلك أدى الاضطهاد الديني الذي تعرض له البوجوميليون على أيدي الكاثوليك إلى استغاثتهم بالأتراك العثمانيين لتخليصهم مما هم فيه من بؤس وشقاء، وخصوصًا في عام٨٦٧هـ/١٤٦٢م [أرنولد: المرجع السابق، ص٢٢٧، ٢٢٨].

ولذلك رحبوا بهم لما جاءوا فاتحين، ودخل كثير منهم في دين الله بمحض إرادتهم؛ إذ وجدوا الفروق ضئيلة جدًا بين مذهبهم وبين تعاليم الإسلام، أما البقية من أفراد هذه الطائفة فقد أسلموا تدريجيًا. [د/عبد العزيز الشناوي: أوروبا، ج١، ص٨٥٦، ود/ سالم الرشيدي: المرجع السابق، ص١٣٢، ١٣٣، ويذكر "جورجف" أن الرأي القائل بإسلام البوجوميليين جماعات لا فرادى وأنهم كانوا منضمين للفاتحين العثمانيين قد تعرض للطعن بعد الحرب العالمية الثانية، المرجع السابق، ص ١٥٢٨]

وسمح العثمانيون لمن يعتنق الإسلام بأن يحتفظ بأراضيه وممتلكاته، وأن يتمتع بالإعفاء الضريبي الكامل؛ ليقتدي بهم غيرهم، وقد آتت هذه السياسة أكلها فدخل أكثر الطبقات الغنية من السكان، وأغلب ملاك الأراضي في الإسلام، وحسن إسلامهم [كرسماريك: المرجع السابق، ص١٤٨٨، وبول كولز المرجع السابق، ص٣٦].

كما التزم العثمانيون بسياسة التسامح الديني مع غير المسلمين، فاعترفت الحكومة العثمانية بالكنيسة الصربية الأرثوذكسية، وتمتعت الكنيسة بموجب براءة سلطانية بحقوق وامتيازات كثيرة. [جورجف: المرجع السابق، ص١٥٣٤]

ويذكر محمد فؤاد كوبريلي: "أن من أسباب اعتناق كثير من الأرثوذكس الإسلام أن الكنيسة الأرثوذكسية فقدت سلطانها على الجماهير التابعين لها منذ القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي؛ مما أدى إلى خلق حالة وجدانية تبرر- مع المصالح الاقتصادية - الدخول في الإسلام". [قيام الدولة العثمانية، ص ١٣٦]

وكذلك الكاثوليك منحوا امتيازات عديدة بفرمان من الباب العالي، وأيضًا من لم يدخل في الإسلام من طائفة البوجوميل، ثم لم يلبث هذا المذهب أن اختفي تمامًا بدخول أصحابه الإسلام [د/جلال يحيى: المرجع السابق، ص٨٥] ومن مظاهر ذلك التسامح أيضًا السماح لليهود الذين أتوا خلال القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي بعد طردهم من أسبانيا، بالإقامة وممارسة سائر الأنشطة الاقتصادية.

ومن تلك العوامل أيضًا أن المدن التي بنيت في العهد العثماني تطورت إلى مراكز للإسلام، وهاجر إليها المسلمون من أماكن شتى حاملين معهم عادات وأساليب شرقية في الحياة، [جورجف: المرجع السابق، ص١٥٣٢، ١٥٥٦- ١٥٥٧] وامتد تأثير تلك المدن على القرى المجاورة؛ مما أدى إلى انتشار الإسلام باطراد بين الفلاحين [د / جلال يحيى: المرجع السابق، ٨٥].

مساهمات المسلمين البوسنيين

وبرهن من أسلم من البوسنة والهرسك على غيرة متدفقة على الإسلام، وأثروا في الثقافة العثمانية وأَثْرَوْها، وتبوأ الكثير منهم مراكز قيادية سواء في الحكومة المحلية، أو المركزية، أو في الولايات الأخرى [أرنولد: المرجع السابق، ص٢٢٩، ومن هؤلاء تسعة من رجال السياسة من أصل بوسنوي شغلوا منصب كبير الوزراء بين سنتي ١٥٤٤ و١٦١١م، منهم ثلاثة من أسرة صوقولوفتش من بلدة كرازدة، كرسماريك: المرجع السابق، ص ١٤٨٨، ١٥٣٠، وترجم عبد الرحمن الجبرتي في تاريخه لستة قواد من البوسنيين منهم "أحمد باشا الجزار"، جاستون فييت: فهرس عجائب الآثار في التراجم والأخبار، دار المعارف، القاهرة، ١٩٥٤م].

وظلت البوسنة والهرسك تحت الحكم العثماني مستقرة أحوالًا حتى النصف الثاني من القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي، فظهرت أمارات أزمة في الكيان الإداري العثماني العام وازدادت ظهورًا في مالية البلاد، وكان من نتائجها إضعاف كبير للقوة الحربية التركية، وظهر أثر الأزمة في البوسنة أيضًا. [جورجف: المرجع السابق، ص١٥٣٥].

تراجع الحكم العثماني والاحتلال النمساوي المجري

وبدأت المشاكل تحاصر الجيوش العثمانية حتى الحدود أواخر القرن الحادي عشر الجري / السابع عشر الميلادي، وصار صنجق البوسنة مقاطعة على الحدود الغربية للدولة، ثم شهد القرن التالي المزيد من الهزائم العسكرية، وتفشِّي الطاعون، واندلاع الثورات داخل البوسنة، لتغلغل المذاهب القومية بين الشعوب المتباينة التي تألفت منها الدولة [د/ عبد العظيم رمضان: تاريخ أوروبا والعالم في العصر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٠م، ج٢، ص٦٢].

وانعكست الأزمة الاقتصادية والمالية للدولة العثمانية، والضعف الذي أصاب الكيان العثماني على الأحوال السائدة في البوسنة أيضًا، حيث توالت الاضطرابات فيها [جورجف: المرجع السابق، ص ١٥٣٦].

وقوبلت محاولات الباب العالي لتحديث الدولة وتطويرها بعداء شديد في البوسنة، حيث وقفت الأسر الأرستقراطية حائلًا دون حدوث الإصلاحات المقترحة خوفًا من فقد امتيازاتهم، ومن أشهر هذه التمردات ما كان بقوة السلاح عام ١٢٤٦هـ - ١٨٣٠م، وفشل في السنة ذاتها، ولم تمض سنة ١٢٦٨هـ - ١٨٥١م حتى تم إخماد باقي الثورات الأخرى، ولكن الوضع استمر في التدهور، فاندلعت اضطرابات المزارعين النصارى التي اشتعلت في مقاطعة ا لهرسك عام ١٢٩٥ هـ - ١٨٧٥م، وامتدت إلى الصرب الأرثوذكس في البوسنة.

وسرعان ما تطور هذا النزاع، وفر عدد كبير من نصارى البوسنة إلى النمسا وطلبوا تدخلها في الأمر، وبالفعل تدخل العديد من دول البلقان والقوى العظمى. [كرسماريك: المرجع السابق، ص١٤٩٠- ١٤٩١ م].

مما أجبر العثمانيين في نهاية المطاف على التنازل عن إدارة البلد إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية عن طريق معاهدة برلين سنة ١٢٩٥ هـ /١٨٧٨م، على أن تحتفظ الدولة العثمانية بسيادتها على هاتين الولايتين، وأن يظل المسلمون فيهما تحت السيادة الروحية للسلطان العثماني كسلطان للإسلام وخليفة للمسلمين. [د/عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، ج٢، ص١٠٩٣، ومحمد فريد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٧م، ص٣٩٧، ٤٠٥].

 ولقيت الجيوش النمساوية التي أرسلت لاحتلال البلاد مقاومة شديدة من مسلمي البوسنة وكان على رأس الثوار رجال الطبقة الدنيا، بعد انسحاب السلطات التركية والجيش، اللذين حرضا الشعب على الثورة ضد الغزاة.

وابتدأ الاحتلال في آخر يوليو، وتم في أكتوبر سنة ١٢٩٥هـ - ١٨٧٨م، واتخذت إجراءات صارمة لتحطيم المقاومة، وبخاصة حول سراييفو وفي داخلها [جورجف: المرجع السابق، ص١٥٤٦].

وقد دلت الأحداث على أن هذا وكانت البوسنة تمثل دائمًا نقطة الاحتلال المؤقت كان مقدمة لعملية ضم نهائي إلى ممتلكات النمسا والمجر بصفة رسمية في سنة ١٣٢٦هـ - ١٩٠٨م [ [د/ عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، ج٢، ص١١٠١، ود/ عبد العظيم رمضان: المرجع السابق، ج٢، ٦٢]

فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى والاستقلال

وبعد انتهاء الاحتلال في الحرب العالمية الأولى أصبحت البوسنة والهرسك تحمل اسم مملكة "الصرب والكروات والسلوفيين"، ثم أعيدت تسمية هذه المملكة عام ١٣٤٨هـ - ١٩٢٩م، حيث أصبح اسمها يوغوسلافيا [جورجف: المرجع السابق، ص١٥١٧-١٥١٨].

 وفي أثناء الحرب العالمية الثانية احتلت دول المحور يوغوسلافيا، وسرعان ما بدأت أعمال العنف ضد المسلمين، وأبدى سكان البوسنة والهرسك مقاومة ضد هذه الأعمال الإرهابية، وقاد (تيتو) - زعيم الحزب الشيوعي- حركة المقاومة ابتداء من يونيو عام١٣٦٠هـ -١٩٤١م، ونجح في أن يجمع حوله كل العناصر ذات العرقيات والطوائف والاتجاهات والميول المختلفة، وتحرك في اتجاه مضاد ضد الاحتلال النازي.

وعلى الرغم من المعاناة التي تعرض لها مسلمو البوسنة والهرسك، وتأييدهم الرئيس "تيتو" إبان حرب التحرير، أملًا في الاعتراف بكيانهم وهويتهم فإنه نكل بهم، واضطهدهم لكونهم مسلمين. [د/عبد العظيم رمضان: المرجع السابق، ج٣، ص٢٠٨، ٢١٧- ٢١٨- ٣٤٩]

وكانت البوسنة تمثل دائمًا نقطة يشتد حولها النزاع بسبب اختلافها الثقافي والديني عن بقية الجماعات السكانية الأخرى التي تعيش في يوغوسلافيا، وفي عام ١٤١١هـ - ١٩٩٠ م تنازل الشيوعيون عن انفرادهم بالسلطة فبدأت تتكون أحزاب سياسية في البلاد، وفي تلك السنة عقدت البوسنة والهرسك انتخابات لأول مرة، وفازت الأحزاب غير الشيوعية بجل المقاعد في المجلس التشريعي، واندلع العنف بين المسلمين والصرب، ثم اختير (علي عزت بيجوفتش) رئيسًا.

وفي عام ١٤١٢هـ - ١٩٩١م بدأت يوغوسلافيا في الانقسام على نفسها، بعد أن أعلنت كل من كرواتيا وسلوفينيا استقلالهما، ثم تم الإعلان عن استقلال البوسنة والهرسك عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م إثر استفتاء عام؛ فعارض عدد كبير من الصرب الذين يعيشون في البوسنة والهرسك إعلان الاستقلال، وبدأ الصرب الذين كان يساندهم الجيش اليوغوسلافي القومي حربًا ضد كل من لم يكن صربيًا، وانتهجوا سياسة التطهير العرقي، فعذبو وقتلوا كثيرًا من مسلمي البوسنة والكروات [مصطفي دسوقي كسبه: المرجع السابق، ص٣٠].

ومنع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة توصيل الإمدادات إلى مسلمي البوسنة من الدول الإسلامية، سوى الغذاء والدواء ولم يفد الحصار الذي فرضه على الصرب لوقف القتال، ولا هجمات حلف شمال الأطلسي على المواقع الصربية.

وعلى الرغم من تعاون المسلمين والكروات، وشنهم هجومًا كبيرًا على الصرب استعادوا به مساحات واسعة من أيديهم فإن حرب الإبادة ظلت قائمة، ولم تضع أوزارها إلا في سنة١٤١٦هـ - ١٩٩٥م، بعد دخول القوات الدولية إلى البوسنة والهرسك.


مراجع للاستزادة:

  • أرنولد، توماس: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة د. حسن إبراهيم وآخرين، الطبعة الثالثة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ٢٠٠٧م.
  • د. جلال يحيى: العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية (د.ت).
  • بول كولز: العثمانيون في أوروبا، ترجمة د. عبد الرحمن الشيخ، سلسلة الألف كتاب (الثاني)، العدد ١٢٦، القاهرة ١٩٩٣م.
  • د. عبد العظيم رمضان: تاريخ أوروبا والعالم في العصر الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٠م.

الخلاصة

البوسنة والهرسك تقع في جنوب شرق أوروبا، وتاريخها ممتد من العصور القديمة، مرّت بحضارات رومانية وبيزنطية وعثمانية ونمساوية، كما شهدت البلاد تنوعًا كبيرًا في الأعراق والأديان، وتعرضت لصراعات دينية وقومية، وتغلغل فيها الإسلام بقوة خلال الحكم العثماني، ظلّت البوسنة والهرسك نقطة التقاء حضارية وثقافية حتى الاستقلال عن يوغوسلافيا عام ١٩٩٢ لتندلع بعدها حرب مدمرة.

موضوعات ذات صلة

دولة جبلية في قلب البلقان، شهدت تحولات تاريخية عميقة تحت الحكم العثماني.

دولة تقع بين آسيا وأوروبا، تاريخها متنوع ثقافيًا بفضل موقعها الاستراتيجي.

فتح المسلمون هذه البلاد بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة (٩٢ هـ-٧١١م).

موضوعات مختارة