وتشير مصادرنا إلى أن الخليفة العباسي هارون
الرشيد (١٧٠- ١٩٣هـ/ ٧٨٦- ٨٠٩م) وجه عناية خاصة إلى منطقة الثغور، وخص مدينة
طرسوس بمزيد من العناية [البلاذري، (أحمد بن يحيى بن جابر): فتوح البلدان، دار
الكتب العلمية، بيروت ١٩٩١، ص ٦٧ ١ وص٤ ٧ ١]؛ ذلك أن هذه المدينة الشامية كانت
تسيطر على المدخل الجنوبي للممر الجبلي المعروف باسم: (بوابات قيليقية cilician
gatees)، وهي المعروفة عند الجغرافيين
والمؤرخين العرب باسم ممر طرسوس؛ وهو الممر الذي يربط بين شمال الشام وآسيا
الصغرى، ولهذا فإن موقع طرسوس كان يمثل نقطة دفاع وهجوم على جانب كبير من الأهمية في
صراع المسلمين ضد الروم.
وقد أدرك الخليفة محمد المهدي (١٥٨- ١٦٩هـ/٧٧٥-
٧٨٥م) أهمية هذا المكان وفكّر في إعادة بنائه وتحصينه، ولكنه توفي قبل أن يتمكن من
تنفيذ هذا المشروع.
أما ابنه الهادي (١٦٩- ١٧٠هـ/٧٨٥-
٧٨٦م) فقد حالت الفترة القصيرة التي قضاها في الحكم، مع ما واجهه خلالها من
مشكلات، دون تنفيذ ذلك، وعندما تولى هارون الرشيد جعل هذا المشرع في صدر
اهتماماته، فعهد بالقيام به إلى قائده القدير هرثمة بن أعين، فأحكم بناء
طرسوس وتحصينها، وقد تحولت هذه المدينة بعد بنائها إلى قلعة من أهم القلاع
الإسلامية في إقليم الثغور الشامية، وكان لها تاريخ حافل في نضال المسلمين ضد
الروم، استمر عدة قرون.
وقد ارتبط بإعادة الرشيد لبناء
طرسوس وتحصينها قيامُه بمشروع آخر لا يقل عن ذلك أهمية؛ وهو: إنشاء منطقة العواصم:
فإذا كان الهد ف من بنا ء وتحصين طرسوس هو تأمين الثغور
الشامية ضد هجمات الروم فإن الرشيد أراد أن يجعل هذا الهدف الدفاعي أكثر فاعلية
فأنشأ ما عرف باسم (العواصم)، فالثغور - كما أشرنا- هي مناطق الحدود التي
تفصل بين الأرض الإسلامية وأرض العدو، فهي خط المواجهة أو خط النار بالتعبير
الحديث.
أما العواصم فهي المنطقة التي تقع خلف منطقة
الثغور لتكون حماية وعاصمًا لها ونقطة إمداد تزودها بحاجاتها القتالية، ومركزًا
يتجمع فيه المقاتلون بعد عودتهم من الثغور.
وغني عن البيان أن هذه المنطقة الجغرافية كانت
موجودة قبل الرشيد، فهو - إذن - لم يخرجها إلى حيز الوجود، بل نظمها تحت
إدارة واحدة ووجه مواردها وإمكاناتها لخدمة منطقة الثغور، أو- بعبارة أخرى - جعلها
منطقة هدفها الأساسي حماية منطقة الثغور وتقديم الدعم لها على كل مستوياته.
وقد كانت هذه المنطقة تضم المدن والحصون الواقعة
بين نهر الفرات وأنطاكية؛ وأهمها - طبقًا لرواية البلاذري
وياقوت - منبج ودلوك ورعبان وقورس وأنطاكية وتيزين. [البلاذري، مصدر سابق،
ص١٣٨؛ ياقوت، مصدر سابق، ج٤، ص١٨٦].
وقد اختار الرشيد مدينة منبج
لتكون قاعدة هذه المنطقة التي سماها العواصم لأن المسلمين يعتصمون بها فتعصمهم
وتمنعهم إذا انصرفوا من غزوهم وخرجوا من الثغر، كما يقول البلاذري. [البلاذري، نفس المصدر
والصفحة].
وقد أسند الرشيد إدارة إقليم
العواصم لواحد من أكفأ القادة العباسيين وأرفعهم مكانة وهو عبد الملك بن صالح
بن علي ابن عبد الله بن عباس الذي كان مولده في مدينة منبج وكان صاحب
خبرة طويلة في ميدان الجهاد ضد الروم وتصفه بعض المصادر بأنه كان أجل قريش ولسان
بني العباس. [ياقوت الحموي، مصدر سابق، جه، ص٢٣٨، وانظر أيضًا: ابن حزم: جمهرة
أنساب العرب، دار الكتب العلمية، بيروت م١٩٨٣].
ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى أن الرشيد
أنشأ منطقة العواصم في سنة ١٧٣هـ /٧٨٩م) [البلاذري، مصدر سابق، ص ١٣٨]؛ أي في السنوات الأولى من خلافته،
وذلك بعد انتهائه من بناء وتحصين مدينة طرسوس.
وفي هذا دلالة واضحة على أنه جعل تأمين
منطقة الحدود الإسلامية البيزنطية في صدر أولوياته، والحق أن الرشيد لم
يقتصر جهده في هذا المجال على تحصين طرسوس وإنشاء العوا صم بل إنه وجه اهتمامًا
خاصًا إلى كل ما كان يحتاج إلى إعادة بناء وتحصين من مدن الثغور.
وقد جاءت الحدث adata على رأس هذه المدن [ياقوت الحموي، مصدر
سابق، ج٢، ص ٢٦٣] وهي
تعد من أهم مدن الثغور الجزرية.
والجدير بالذكر أن الرشيد نقل مقر
إقامته من بغداد إلى الرقة في شمال الجزيرة في سنة ١٨٠هـ (٧٩٦م).
ولعل الدافع الأكبر وراء ذلك كان رغبته في أن يشرف
إشرافًا مباشرًا على منطقة الحدود الإسلامية البيزنطية من مركز يتيح له ذلك، ولا
شك أن موقع الرقة
كان يتيح له ذلك أكثر
مما تتيحه له بغداد العاصمة، وقد لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن إنشاء العواصم كان
معلمًا بارزًا في تاريخ الصراع الإسلامي ضد الروم؛ فقد قامت هذه المنطقة بدور أساسي
في حشد القوات المحلية وإعدادها الإعداد الملائم لمواجهة العدو الأكبر للدولة
الإسلامية، وهو المتمثل في دولة الروم، وعندما بدأت الخلافة العباسية تفقد
عنفوانها العسكري بعد انتهاء عصرها الأول ولم تعد قادرة على التصدي لذلك العدو
حملت الراية دويلات شبه مستقلة، ووجدت في تلك القوات المحلية خير سند في كفاحها
البطولي، وأبرز مثال على ذلك دولة الحمدانيين، وخاصة في عصر سيف الدولة.