الصوائف والشواتي هما غارات عسكرية، كان ينفذها المسلمون في فصلَي الصيف والشتاء، على حدود الدولة الإسلامية، وخصوصًا ضد دولة الروم البيزنطية، منذ بدايات الدولة الإسلامية، وحتى سقوط القسطنطينية عام (٨٥٧هـ / ١٤٥٣م).
الصوائف والشواتي هما غارات عسكرية، كان ينفذها المسلمون في فصلَي الصيف والشتاء، على حدود الدولة الإسلامية، وخصوصًا ضد دولة الروم البيزنطية، منذ بدايات الدولة الإسلامية، وحتى سقوط القسطنطينية عام (٨٥٧هـ / ١٤٥٣م).
الصوائف جمع صائفة، والمقصود بها الغارة التي يقوم بها المسلمون صيفًا ضد العدو.
والشواتي جمع شاتية وهي الغارة التي تكون شتاءًا.
وبالرغم من أن الغارات الإسلامية كان يقوم بها المسلمون ضد أعداء الدولة الإسلامية بصفة عامة، فقد ارتبط مصطلح الصوائف والشواتي في التاريخ الإسلامي بالغارات التي يشنها المسلمون صيفًا وشتاءًا ضد الروم بصفة خاصة؛ والسبب في ذلك أنّ الروم كانوا العدو الأخطر للمسلمين، منذ قيام الدولة الإسلامية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى سقوط القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية - دولة الروم - في سنة ٨٥٧هـ (١٤٥٣م).
ولابد هنا من الإشارة إلى أن الصوائف والشواتي لم تكن تمثل في العادة حروبًا واسعة المدى، كالحروب التي حدثت بين المسلمين والروم في عصر الخلافة الراشدة، ولكنها كانت تمثل غارات محدودة تتم بشكل دوري شبه منتظم، ولها أهداف أساسية من بينها الحفاظ على الكفاءة القتالية للمسلمين في منطقة الثغور (راجع هذه المادة)، ومن بينها أيضًا إرهاب العدو، وإشعاره بأن المسلمين مستعدون دائمًا للتصدي لأي هجوم محتمل. ومن بين الأهداف أيضًا الاستطلاع، ومعرفة مدى قدرات العدو واستعداداته، ثم إنها قد تكون أحيانًا ردًا على استفزازات العدو وهجومه على مناطق الثغور؛ لتحطيم التحصينات الإسلامية، والحصول على الغنائم.
ولا نكاد نجد في مصادرنا ذكرًا للصوائف والشواتي في عصر الخلفاء الراشدين.
وكانت الفتنة الكبرى التي أعقبت استشهاد عثمان؛ سببًا في انقطاع المواجهات بين المسلمين والروم.
فلما جاء العصر الأموي بدأ الصراع الإسلامي ضد الروم يدخل مرحلة جديدة، وظهرت عبارة مَشْتَى المسلمين ببلاد الروم في أوائل هذا العصر، ففي أحداث سنة ٤٣هـ (٦٦٣م) يتحدث الطبري عن غزوة بسر ابن أبى أرطاة الروم ومَشْتَاه بأرضهم [تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف، القاهرة ١٩٧٧، ج ٥، ص ١٨١ - ٢٢٨]:
وتتكرر مثل هذه العبارة في مواطن أخرى عديدة في تاريخ الطبري وغيره خلال العصر الأموي.
وتبرز كلمة الصائفة في تاريخ الطبري ابتداء من سنة ٤٨ هـ (٦٦٨م)؛ ففي تناوله لأحداث ذلك العام يتحدث عن صائفة عبد الله بن قيس الفزاري، [المصدر السابق، ص٢٣].
وفي أحداث سنة ٤٩هـ (٦٦٩م) يتحدث عن صائفة عبد الله بن كرز البجلي [المصدر السابق، ٢٣٢]
وتكاد الصائفة بعد ذلك تتكرر كل عام طوال حكم معاوية حتى وفاته سنة ٦٠هـ (٦٨٠م).
والواضح أن الفتن والحروب الداخلية التي انتشرت في دولة الخلافة الأموية منذ عهد يزيد بن معاوية (٦٠- ٦٤هـ / ٦٨٠- ٦٨٣م) حتى القضاء على ثورة عبد الله بن الزبير في سنة ٧٣هـ (٦٩٢م) في خلافة عبد الملك بن مروان، كانت السبب وراء التوقف المؤقت لنشاط الصوائف الشواتي في العصر الأموي.
وما أن انتهت هذه الاضطرابات الداخلية حتى بدأت تلك الغارات الحدودية تستعيد نشاطها، ففي نفس العام الذي انتهت فيه ثورة ابن الزبير غزا محمد بن مروان الصائفة فهزم الروم [تاريخ الطبري جاء، ص ١٩٤].
وفي عام ٧٥هـ (٦٩٤م) غزا محمد بن مروان الصائفة أيضًا.
ولكننا نلاحظ أنّ الغارات ضد الروم في عهد عبد الملك وابنيه: الوليد وسليمان، أخذت تدريجيًا تتجاوز النطاق المحدود للصوائف الشواتي؛ لتصبح حروبًا غايتها التوسع الإقليمي للدولة الإسلامية على حساب دولة الروم، وذلك تحقيقًا لهدف كان يسعى وراءه الأمويون بكل طاقاتهم، وهو فتح القسطنطينية، واستئصال شأفة ذلك العدو الألد الرابض على حدودهم الشمالية، ففي سنة ٨١هـ (٠ ٠ ٧م) - على سبيل المثال - أرسل عبد الملك بن مروان ابنه عبيد الله ففتح قاليقلا [تاريخ الطبري، ج ٥، ص ١ ٣٣].
وفي سنة ٨٤هـ (٧٠٣م) أرسل ابنه عبد الله ففتح المصيصة [البلاذري، فتوح البلدان، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٩١م، ص ١٦٩].
وعقب وفاة عبد الملك استمر ابنه وخليفته الوليد بن عبد الملك (٨٦- ٩٦هـ/٧٠٥- ٧١٥م) في هذه السياسة التوسعية، ففي سنة ٨٧هـ (٧٠٦م) أرسل أخاه مسلمة في غزوة ضد الروم ففتح عدة حصون.
وفي العام التالي فتح مسلمة حصنًا مهمًا من حُصون الروم يُدعى طُوانة، وفتح حُصونًا غير ذلك [تاريخ الطبري، ، ص ٤٢٩ - ٤٣٦]، وظل الأمر كذلك في السنين المتبقية من خلافة الوليد.
وعندما تولى سليمان بن عبد الملك (٩٦- ٩٩هـ / ٧١٥- ٧١٧م) كان المسرح مُعدًا؛ لغزو القسطنطينية، فأعدّ سليمان حملة برية، وبحرية غير مسبوقة في عددها، وعُدتها، وجعل قائدها الأعلى أخاه مسلمة، وأرسله إلى القسطنطينية، وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها ... فشتا بها وصاف [تاريخ الطبري، ج٦، ص ٥٣٠].
ولكن هذه الحملة التي حاصرت القسطنطينية أكثر من عام لم يُقدر لها النجاح، وتعرض المسلمون خلال الحصار لخسائر ضخمة في الأرواح والعتاد، ومات سليمان بن عبد الملك أثناء الحصار وخلفه عمر بن عبد العزيز (٩٩- ٠١ ١هـ / ٧ ١ ٧- ٠ ٢ ٧م)، فأمر مسلمة أن يرفع الحصار فورًا، وأن يعود بجيشه إلى دار الإسلام؛ حقنًا لدماء المسلمين.
ولكنْ فشل هذا الحصار لم يجهض تمامًا آمال الأمويين في القضاء على الإمبراطورية البيزنطية.
ولم تتوقف الصوائف، بل استمرت ففي عام ١٠٠هـ (٧١٨م) أغزى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المُعَيْطي، وعمرو بن قيس الكندي من أهل حمص الصائفة [تاريخ الطبري، ج ٦، ص٥٥٦].
وفي خلافة يزيد بن عبد الملك (١٠١- ١٠٥هـ/٧٢٠- ٧٢٤م) غزا بالناس.. سنة ١٠٢ الوليد بن هشام أرض الروم، فنزل على المخاضة عند أنطاكية"[تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت، ١٩٩٢، ج٢، ص ٣١٤]، وفي سنة ١٠٣هـ (٧٢١م) غزا العباس بن الوليد.
وقد ظهر مصطلح الصائفة اليمنى - التي تخرج من ثغور الجزيرة - والصائفة اليسرى - التي تخرج من ثغور الشام - في تلك الفترة لأول مرة.
فيذكر اليعقوبي أن عبد الرحمن بن سليمان الكلبي غزا على الصائفة اليمنى في سنة ١٠٤هـ (٢٢ ٧م)، وغزا عثمان بن حيان المري على الصائفة اليسرى. [تاريخ اليعقوبي، ص ٣١٥]
وقد حاول هشام بن عبد الملك (١٠٥- ١٢٥هـ/٧٢٠- ٧٤٣م) أن يعيد نشاط الصوائف بصورة قوية، وخاصة على يد ابنيه: معاوية وسليمان، وأراد أن يُحيى مشروعات الأمويين التوسعية في قلب دولة الروم.
وقد كانت الصوائف تحدث في خلافته كل عام تقريبا، واتخذ بعضها شكلًا توسعيًا ملحوظًا حيث نجحت في فتح حصون داخل دولة الروم، وتكرر في عهده غير مرة حدوث الصائفة اليمنى والصائفة اليسرى في عام واحد [الحدود الإسلامية البيزنطية: د. فتحي عثمان، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، د.ت ج٢، ص١٠].
وبعد وفاة هشام سنة ١٢٥هـ (٧٤٣م) تعرض البيت الأموي لهزات عنيفة من داخله ومن خارجه، فالصراع الداخلي كان على أشده بين المتنافسين على السلطة داخل البيت الأموي، وكانت الدعوة العباسية تُحقق نجاحًا تلو نجاح حتى تمكنت من إسقاط الخلافة الأموية سنة ١٣٢هـ(٧٤٩م).
وقد كان العباسيون بعد قيام دولتهم في حاجة إلى عدة سنوات حتى يستطيعوا القضاء على الأخطار التي كانت تحيط بدولتهم الناشئة.
ومن هنا توقف نشاط الصوائف والشواتي بصورة تامة تقريبًا منذ وفاة هشام، حتى خلافة أبى جعفر المنصور (١٣٦- ١٥٨هـ/ ٧٥٤- ٧٧٥م).
ويختلف المؤرخون في أول صائفة غُزِيَت في خلافة بني العباس، فيذكر البعض أنها حدثت في سنة ١٣٨ هـ، ويذكر آخرون سنة ١٣٩هـ (٧٥٦م) [الحدود الإسلامية البيزنطية، ج ٢، ص ١٤٧- ١٤٩]
ولا مجال هنا للدخول في تفاصيل الصوائف والشواتي في عصر العباسيين.
ولكن ما ينبغي أن نبرزه في هذا السياق أن سياسة العباسيين تجاه الروم اختلفت اختلافًا بينًا عن سياسة الأمويين، فقد كان الأمويون يهدفون إلى السيطرة الكاملة على دولة الروم وإخضاعها لسلطانهم، أما العباسيون فقد كانوا يهدفون إلى حفظ التوازن العسكري بينهم وبين دولة الروم، وكانوا يبذلون قصارى جهدهم؛ لتأمين ثغورهم، وحمايتها من أي تهديد بيزنطي.
ومن هنا كانت الصوائف والشواتي عندهم - في الأغلب الأعم - تهدف إلى تأكيد هيبتهم أمام عدوهم الأخطر، وإلى إبقاء المقاتلين المسلمين على أُهْبة الاستعداد؛ لصد أي هجوم محتمل، صحيح أن عهد الخليفة محمد المهدي (١٥٨- ١٦٩هـ/ ٧٧٥- ه٧٨م) وابنه هارون الرشيد (١٧٠- ١٩٣هـ/٧٨٦- ٨٠٩م) شهد حملات ضخمة ناجحة ضد الروم، [تاريخ الطبري، ج٨، ص ١٤٤، ١٥٢، ٣٠٧- ٣٢٠٤٣١٠- ٣٢٢]، ولكنها لم تكن بهدف التوسع، بل كانت حملات تأديبية ردًا على استفزازات الروم المتكررة.
والاستثناء الوحيد هو الخليفة المأمون (١٩٨ - ٢١٨هـ/٨١٣- ٨٣٣م)، فقد حشد كل طاقاته في السنوات الثلاث الأخيرة من خلافته؛ لغزو الروم، وترك مقر خلافته، وربض في إقليم الثغور، وتوغل في أرض الروم ورفض كل محاولات الصلح من الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل، وكان يهدف - على الأرجح - إلى غزو القسطنطينية، ولكن وفاته المفاجئة وضعت حدًا لمشروعه [تاريخ الطبري، ج ٨، ص ٦٢٣].
وقد كان لخليفته المعتصم (٢١٨- ٢٢٧هـ/٨٣٣- ٨٤٢م) حملة ضخمة ناجحة ضد الروم هي حملة عمورية، ولكنها كانت ردًا على اعتداء الروم على منطقة الثغور، ولم تهدف إلى التوسع. [تاريخ الطبري، ج ٩، ص ٥٧] وبعد انتهاء العصر العباسي الأول بدأت الخلافة العباسية تضعف تدريجيًا، وبدأت الدويلات المستقلة أو حكام منطقة الثغور يحملون عبء التصدي؛ للجهاد ضد الروم، وحماية ثغور الدولة الإسلامية.
وكان لسيف الدولة الحمداني أمير حلب دور بارز في هذا الجهاد.
ثم ظهرت بعد ذلك قوة الأتراك السلاجقة التي حملت راية الصراع الإسلامي ضد الروم.
وتلتها قوة الأتراك العثمانيين التي نجحت في الاستيلاء على القسطنطينية عاصمة دولة الروم في سنة ٨٥٧هـ (١٤٥٣م) وإسدال الستار على آخر فصول ذلك الصراع الطويل الذي بدأ منذ ظهور الإسلام.
مصادر ومراجع للاستزادة:
الصوائف والشواتي كانتا غارات يقوم بها المسلمون ضد الروم صيفًا وشتاءًا؛ بهدف إرهاب العدو، والحفاظ على الكفاءة القتالية للمسلمين، والاستطلاع، وبدأت هذه الغارات في العصر الأموي واستمرت حتى سقوط القسطنطينية في العصر العثماني.
العلاقة بين العرب والروم منذ نشأة الإمبراطورية الرومانية.
نشأت الدولة العثمانية كقبيلة تركمانية صغيرة.
الفتح العثماني للقسطنطينية حدث تاريخي هام، غير مسار التاريخ في المنطقة.