وقد عكست هذه المشاورات قيادة مصر، واعتراف
الدول العربية بهذه المكانة لمصر، ففي بداية المشاورات مع سعد الله الجابري
رئيس وزراء سوريا في ١٦ أكتوبر ١٩٤٣م قال الجابري: "إن دمشق تعترف
وتسلم بزعامة مصر راضية مختارة، وهي لا تقول ذلك اعتباطًا بل نتيجة تفكير عميق،
ودراسة للواقع، فإن وراء مصر تاريخًا من الجهاد القومي".
وأما الوفد السعودي، برياسة الشيخ يوسف
ياسين، فقد صرح برغبة مليكة عبد العزيز في العمل لما فيه تأييد
الصلات بين السعودية ومصر، ثم أكد أن جمع الأمم العربية كلها في دولة واحدة يتعارض
مع الأوضاع القائمة، وقد ينشأ عنه صدام ليس لأحد مصلحة فيه، ولذا فإن المملكة
السعودية لا تمانع في التعاون بين البلاد العربية في المسائل الاقتصادية والثقافية،
أو أي تعاون ممكن عندما يكون ذلك في الإمكان، ويكون الوقت ملائمًا، وأن تشترك
البلاد العربية على قدم المساواة التامة.
وقد رحبت اليمن بفكرة التعاون الثقافي والاقتصادي
بين البلدان العربية بحيث تحتفظ كل دولة منها بكامل سيادتها وحقوقها، ويكون هذا
التعاون قائمًا على التساوي بين جميع الدول في الحقوق والمصالح المتبادلة. [جامعة الدول العربية، ملخص محاضر المشاورات مع
العراق، شرق الأردن، المملكة العربية السعودية، سوريا، لبنان، اليمن، القاهرة،
مطبعة فتحي سكر١٩٤٩، ص٥ - ٣٢].
ولكننا نرى أن اليمن أيضًا استبعدت مسألة
التعاون السياسي، وهو نفس الموقف الذي اتخذته كل من المملكة العربية السعودية
ولبنان، وهي نفس الدول أيضًا التي حرصت على تأكيد التعاون على أساس سيادة كل دولة
والمساواة بين الدول جميعًا، حيث أعرب الوفد اللبناني عن استعداده للتعاون مع
البلاد العربية التي تتفهم موقفه المتحفظ من الوحدة العربية، تفهمًا جعلها تعترف
بكيانه وحدوده الحالية دولة مستقلة ذات سيادة، على أن يكون التعاون بين لبنان
والدول العربية الأخرى قائمًا على أساس السيادة والمساواة، وكان وفد لبنان يؤثر
الانفراد بمسألتي الدفاع والشئون الخارجية.[جامعة الدول العربية، ملخص محاضر المشاورات، ص٣٣] .
وبدأت، مع قدوم شهر سبتمبر عام ١٩٤٣،
المشاورات لعقد المؤتمر المأمول، ولقد كان هناك ميل واضح في مصر لأن تحتفظ كل دولة
عربية في إطار الاتحاد العربي باستقلالها، وليس من شك في أن مصر لم توضح آراءها
وتصورها لما يجب أن تكون عليه الوحدة بين الدول العربية أثناء المشاورات التي
أجرتها مصر بشأن الوحدة العربية؛ نظرًا لأنها قامت بدور المقرب بين الدول العربية
ومحاولة التوفيق بينها؛ لتحقيق أكبر قدر من الآمال، والقضاء على كل المخاوف، والوصول
في النهاية إلى تصور مشترك يجمع البلاد العربية جميعًا.
وشهدت العاصمة المصرية إبان شهري
أكتوبر ونوفمبر عام ١٩٤٣، نشاطًا ملحوظًا في المشاورات الأولية لعقد المؤتمر، ثم
فرضت قضية التمثيل الفلسطيني في المؤتمر نفسها خلال ربيع عام ١٩٤٤، فقد وجه النحاس
مذكرة إلى السفير البريطاني في القاهرة يطالبه فيها أن تعيد حكومته النظر في
موقفها القائم على عدم السماح للقادة العرب الفلسطينيين بالتوجه إلى القاهرة، بيد
أن الحكومة البريطانية حذرت النحاس من إثارة مسألة فلسطين في سياق دعوته
للمؤتمر العربي المزمع، وأن يترك فكرة المؤتمر لتمر بسلام.
وأخيرًا فرضت قضية التمثيل الفلسطيني في
اللجنة التحضيرية نفسها؛ حيث وقع في يوم ٢٥ سبتمبر ١٩٤٤م/١٣٦٤هـ اختيار زعماء
الأحزاب الستة الفلسطينية علي موسى العلمي وهو يوم انعقاد تلك اللجنة، وكان
حضور العلمي إلى اللجنة بصفة مراقب.
وقد عرفت الاتصالات العربية التي جرت في
هذا الشأن بالمباحثات التمهيدية، حيث ترأست مصر اجتماعات اللجنة التحضيرية للمؤتمر
العربي العام، وفي الجلسة الثانية ٢٨ سبتمبر ١٩٤٤م، عرض مصطفى النحاس باشا
المسائل المتفق عليها من جانب الدول العربية، وهي الاشتراك في وجوه التعاون الاقتصادي
والثقافي والاجتماعي، وقد تشكلت لجنة فرعية لمعالجة كل هذه المسائل، كما تشكلت
لجنة للتنسيق والتحرير لمراقبة عمل تلك اللجان وتراسها النحاس بنفسه.
وإذا كان الاتفاق بين الدول العربية قد
تم بسرعة حول التعاون في المجالات غير السياسية، فإن الأمر كان مختلفًا عندما
تناولت اللجنة التعاون في المجال السياسي وإدارته، حيث وافقت الدول العربية على
استبعاد فكرة تأليف حكومة مركزية للبلاد العربية؛ لتعذر ذلك ومساسه باستقلال كل
بلد من البلاد العربية.
وبعد المناقشات عبَّرت مصر، رسميًا ولأول مرة عن
وجهة نظرها في صورة متكاملة للتعاون بين الدول العربية، حيث عرض النحاس باشا
الصيغة التي وضعها، وأهم ما ورد فيها: "تؤلف لجنة للدول العربية من الدول
العربية المستقلة، ويكون لهذه الجامعة مجلس يُسمّى (مجلس جامعة الدول العربية)،
تمثل فيه الدول المشتركة على قدم المساواة، وأن تكون قراراته ملزمة لمن يقبلها،
فيما عدا الأحوال التي يقع فيها خلاف بين دولة عربية وأخري، ففي هذه الأحوال تكون
قرارات مجلس الجامعة نافذة وملزمة" [ جامعة الدول العربية، محاضر اجتماعات اللجنة
التحضيرية للمؤتمر العربي العام بالإسكندرية، القاهرة ١٩٤٩، ص ٣٥- ٣٩].
وفي ٧ أكتوبر١٩٤٤م وافقت اللجنة
التحضيرية للمؤتمر العربي العام بإجماع الوفود السورية والأردنية والعراقية
واللبنانية والمصرية بعد تعديلات طفيفة على نص البيان والبروتوكول الذي عُرف
ببروتوكول الإسكندرية، أما وفدا المملكة العربية السعودية واليمن فقد أرجأ إبداء الرأي
إلى ما بعد عرض القرارات المذكورة على الملك عبد العزيز آل سعود والإمام يحيى
حميد الدين [يونان لبيب رزق، موقف بريطانيا من الوحدة العربية، ص ١٩٣]
وكانت قرارات
اللجنة خمسة:
- الأول: خاص بقيام جامعة الدول العربية،
ولها مجلس يُسمَّى مجلس جامعة الدول العربية، تمثل فيه الدول المشتركة في
الجامعة على قدم المساواة وقرارات المجلس ملزمة لمن يقبلها ولا يجوز اتباع سياسة
خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية أو أية دولة منها.
- الثاني: متعلق بالتعاون "في الشؤون
الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها".
- الثالث: عن تدعيم هذه الروابط في المستقبل.
- الرابع: قرار خاص باحترام استقلال لبنان
وسيادته بحدوده القائمة.
- الأخير: خاص بفلسطين التي طالبت بريطانيا بوقف
الهجرة اليهودية إليها، والمحافظة على الأراضي العربية، والعمل على تحقيق آمال
الفلسطينيين المشروعة وحقوقهم العادلة.
وإجمالًا يمكن القول إن بروتوكول
الإسكندرية في مجموعه كان اقتراحًا مصريًا أدخلت عليه تعديلات قللت من فعالية
الجامعة العربية التي أراد هو أن يحققها، وقد ترأس محمود فهمي النقراشي،
وزير خارجية مصر، اجتماعات اللجنة الفرعية السياسية التي بدأت في ١٤ فبراير ١٩٤٥،
من أجل إعداد مشروع ميثاق لمجلس جامعة الدول العربية، وقد ارتكزت مباحثات
تلك اللجنة على بروتوكول الإسكندرية، واقترح هنري فرعون، وزير خارجية
لبنان، أن تكون مصر هي المقر الدائم لمجلس الجامعة، وأن يكون رئيس الوزراء المصري
هو الداعي لعقد أول اجتماع لمجلس الجامعة؛ وذلك مجاملة لمصر صاحبة الدعوة للجامعة
العربية.
وقد عرض عبد الرحمن عزام تعديلًا
للمادة الرابعة نص على أن: "تكون القاهرة المقر الدائم لجامعة الدول العربية،
ولمجلس الجامعة أن يجتمع في أي مكان آخر يعينه"، وقد وافقت اللجنة على ذلك.
ثم ظهر خلاف في الرأي حول بعض المسائل ومن أهمها:
مدى اختصاص مجلس جامعة الدول
العربية بنظر الخلاف بين الدول العربية أعضاء الجامعة والفصل فيه، حينذاك
اقترحت مصر الأخذ بنص البروتوكول حول هذه المسألة لتفادي هذا الخلاف، ووافقت
اللجنة على أن يتوسط المجلس في الخلاف الذي يُخشى منه وقوع حرب بين دولة وأخرى من
دول الجامعة أو غيرها للتوفيق بينهما.
ثم وضع عبد الرحمن عزام نص المادة ٢٢ التي
تنص على: "أنه إلى أن تؤسَسَ الأمانة العامة للجامعة تتولى وزارة الخارجية
للحكومة المصرية المهام المشار إليها في المادتين ٢٠، ٢١"، وقد تمت الموافقة
على هذه المادة التي بموجبها تقوم وزارة الخارجية المصرية بمهام الأمانة العامة
للجامعة حتى يتم تأسيسها.
كان هناك خلاف حول أحقية موسى العلمي،
ممثل عرب فلسطين، في حضور جلسات اللجنة وحقه في التصويت، وحاولت مصر التوفيق بين
الآراء، فاقترح النقراشي أن يسير ممثلو الدول العربية المستقلة في وضع
مشروع ميثاق الجامعة، على أن يتضمن الميثاق نصًا خاصًا يشعر باهتمام الدول العربية
بقضية فلسطين، وانتهت المناقشات بالاتفاق على دعوة العلمي لحضور الجلسات بصفة
استشارية. [محاضر جلسات اللجنة
الفرعية السياسية لوضع مشروع ميثاق لجامعة الدول العربية، الجلسة الثالثة، ص٨- ٣٨].
وبعد الانتهاء من وضع مشروع الميثاق، اقترح عبد
الرحمن عزام باشا نصًا للقرار الخاص بفلسطين، وقد وافقت عليه اللجنة، وقد مثَّل
هذا النص الملحق الخاص بفلسطين في ميثاق جامعة الدول العربية، ويمثل القسم الخاص
بفلسطين في بروتوكول الإسكندرية، وقد عملت مصر على إتاحة الفرصة أمام البلاد
العربية غير المستقلة لأن تشارك في نشاط جامعة الدول العربية والتعاون العربي
في المجال غير السياسي؛ نظرًا لأن الجامعة العربية تعمل لأمة عربية آتية، وقد
اقترح عبد الرحمن عزام نص الملحق الخاص بالبلاد العربية الأخرى وجاء فيه:
يتعاون مجلس الجامعة مع الأقطار العربية غير الممثلة في الجامعة، وأن يسعى
بالوسائل الممكنة ليحقق لها الاشتراك في الجامعة على قدم المساواة مع الدول
المؤسسة لها ، ويجوز للمجلس أن يدعو من الأقطار العربية للاشتراك في جلساته
كممثلين أو مستشارين أو خبراء من يستعين بهم في جميع الأمور التي تهم تلك
الأقطار" [المرجع ذاته، الجلسة الرابعة عشرة، ص ٩١، ٩٢].