Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصُّلَيْحيون (دولة)

الكاتب

أ.د/ محمد عيسى الحريري

الصُّلَيْحيون (دولة)

نشأت الدولة الصليحية في اليمن - بعد فترة من العمل السري- على يد علي بن محمد الصليحي، في مطلع القرن الخامس الهجري، وتميّزت باتساع نفوذها الديني والعسكري، ونجحت في ترسيخ الدعوة الإسماعيلية؛ وكان من أكبر عوامل نجاحها حالة التمزق والانقسام في اليمن.

نشأة الدولة الصليحية وبروز علي بن محمد الصليحي

تنتمي الدولة الصليحية إلى مؤسسها علي بن محمد الصُّلّيْحِي، وهو ابن القاضي محمد الصليحي، كان شافعي المذهب، يدين له بالولاء والطاعة أربعون ألفًا من أهل حراز، وقد قويت العلاقة بين الداعي الإسماعيلي سليمان بن عبد الله الزاوحيِّ، والقاضي محمد بن عليٍّ، على الرغم من الاختلاف المذهبي بين الرجلين، وكان الزاوحي يحرص على صداقة القاضي محمد بن عليّ لعلمه وورعه وتقواه ومكانته بين قومه، وقد لمس الزاوحي في علي بن محمد الصليحي علامات النجابة والذكاء منذ نعومة أظفار الزاوحي وعلاقته بعلي بن محمد الصليحي، حتى أنه أيقن أنه خير من يخلفه في رئاسة الدعوة الإسماعيلية في بلاد اليمن، فاستأذن الخليفة المستنصر الفاطمي في (٤٢٧هـ/ ١٠٣٦م) أن يجعله له، ولما شعر بدنو أجله لقَّنه أسرار الدعوة الإسماعيلية وعلومها، وأوصى له بكتبه وأعطاه مالًا كثيرًا كان قد جمعه من أهل مذهبه، وأثبتت الأيام فطنة الشيخ الزاوحي فيما ذهب إليه، إذ عكف الصليحي على دراسة المذهب الإسماعيلي وأصوله وعلومه وبصفة خاصة علم التأويل والظاهر والباطن، وكانت مقاليد الدعوة قد انتقلت إليه بعد وفاة سليمان بن عبد الله الزاوحي.

وقد أثرت الوصية كثيرًا في نفس علي الصليحي إذ وجد نفسه على الرغم من صغر سنه مسئولًا عن الدعوة والمذهب؛ حيث يروي أبو مخرمة: أنه بعد وفاة سليمان (رَسَّخ في ذهن الصليحي من كلامه ما رَسَّخ فعكف على درس الكتب، وكان ذكيًّا فلم يبلغ الحلم حتى تضلع في معارفه التي بلغ بها وبالجَدِّ السعيد غاية الأمل البعيد فكان فقيهًا في مذهب الإمامية مستبصرًا في علم التأويل).

انطلاق الثورة الإسماعيلية بقيادة الصليحي من جبل مسار

ظلت حركة إحياء المذهب الإسماعيلي تتقدم في سرية كاملة على يد علي بن محمد الصليحي مدة خمس عشرة سنة، حتى إذا كانت سنة (٤٢٩هـ/ ١٠٣٧- ۱۰٣٨م)، ثار في رأس جبل مسار، وهو أعلى قمةً في قمم جبال حراز، وبعض المؤرخين ذكر أنه ثار في سنة (٤٣٩هـ/ ١٠٤٨م)، ويكاد التاريخ الأول يكون هو الأقرب إلى الصحة؛ لأنه يتفق مع ما رواه المقريزي - الذي أفرد موسوعة ضخمة لتاريخ الفاطميين؛ حيث ذكر أن عليّ بن محمد الصليحي ثار في اليمن، وروى ذلك في أحداث سنة (٤٢٩هـ/ ١٠٣٧- ١٠٣٨م)، وأيد المقريزي في هذا أبو الفدا، ومن ناحية أخرى فإن هذا التاريخ يتفق – أيضًا - مع التاريخ الذي ذكر في المخطوطة الأصلية لكتاب تاريخ اليمن لعمارة وكتابه الأخير: (المفيد في أخبار صنعاء وزبيد)؛ حيث نص المحققان في هوامش التحقيق على أن التاريخ في الأصل هو ( ٤٢٩ هـ / ١٠٣٧ -۱۰۳۸م)، ويبدو أن هناك التباسًا حدث في النقل بين الرقمين (٤٢٩ هـ )، ( ٤٣٩هـ ) وهذا شيء ممكن لتشابه الرقمين.

وقد كان ظهور علي بن محمد الصليحي في رأس مسار المنيعة، مدعاة إلى استفحال أمره وَتَجَمَّعَ الشيعة حوله من أنحاء اليمن، الذين سارعوا إليه يُمِدُّونه بالمال والرجال، يروي ابن الدَيْبَع ويشاركه في ذلك عدد من المؤرخين أن عليًا الصليحي (لم يزل شأنه يظهر شيئًا فشيئًا حتى استفحل أمره ووصله الشيعة من أنحاء اليمن وجمعوا له الأموال الجزيلة).

موقف بني نجاح من الدعوة الإسماعيلية للصليحي

من الطبيعي أن يثار سؤال عن موقف النجاحيين من حركة إحياء المذهب الإسماعيلي التي قام بها علي بن محمد الصليحي؟ والحقيقة أن المصادر تواجه هذا التساؤل بالصمت!! ولكن من بين سطورها نستشف بعض الحقائق التي تظهر معالم موقف بني نجاح من علي بن محمد الصليحي، فبنو نجاح لم تكن لهم سيطرة فعلية على مناطق الجبال ومن بينها المنطقة التي ثار فيها الصليحي، وكما رأينا قبل ذلك – أيضًا - كان نجاحٌ يكتفي من أصحاب النفوذ والسلطة في مناطق الحصون والجبال بإظهار الولاء الاسمى له، لخلق جو من التعايش السلمي بينه وبينهم باعتباره الممثل الشرعي للخلافة العباسية في اليمن، فضلًا عن ذلك فإن عليًّا الصليحي التزم السرية الكاملة لحركته الإسماعيلية كما يروى المؤرخون ولم يعلن عن حقيقتها؛ لأنه كان يخشى عليها أن تتعرض لأية مخاطر وهي لا تزال في مهدها، والتقية أمر مقرر في صلب المذهب الإسماعيلي.

ويضيف المؤرخون في هذا السبيل ما يدعم وجهة النظر هذه حيث كانت العلاقة بين نجاح وعليّ بن محمد الصليحي حتى آخر لحظة في حياة نجاح تسير وفق هوى الصليحي، فكان (عليّ) على أتم ما يكون من المودة مع نجاح، وفي هذا الشأن يروي عمارة أن عليًّا الصليحي بقي وهو (كاتم لما يضمر من الدعوة، وكان يخاف نجاحًا صاحب تهامة وكان يكافئه ويلاطفه ويستكين لأمره)، وهذا النص وغيره مما ذكره المؤرخون، يعني أن أمر استيلاء الصليحي على رأس مسار في جبال حراز في نظر (نجاح) كان لا يحتاج منه إلى موقف معادٍ لعليّ بن محمد الصليحي؛ لأن عليًّا كان يظهر الولاء لنجاح ويبطن غيره؛ ولأنه رُبَّمَا نظر نجاح إلى تصرفات عليّ بن محمد الصليحي الجديدة في جبال حراز على أنها تسير في اليمن؛ ولأنها لا تمثل اعتداء صارخًا على الحدود المعروفة لدولة بني نجاح.

وقد استغل الصليحي ذلك استغلالًا سياسيًّا بارعًا، فعن طريق هذه المودة نفذ إلى صميم بلاط نجاح، وهو بمدينة الكدراء، عن طريق جارية جميلة أهداها إليه سنة (٤٥٢هـ/ ١٠٦٠م)، استطاعت هذه الجارية بما لها من جمال ودلال على سيدها الجديد نجاح أن تطعمه طعامًا مسمومًا، توفي على إثر تناوله، وتخلص عليٌّ بن محمد الصليحي بهذه الحيلة من أعتى الخصوم الذين يقفون حجر عثرة في سبيل حركة إحياء المذهب الإسماعيلي من جديد في بلاد اليمن.

موقف الخليفة المستنصر في الدعوة الإسماعلية

فضلًا عن ذلك كله، فالدعوة الإسماعيلية ظلت تسير في نطاق السرية الكاملة، حتى أرسل عليّ بن محمد الصليحي كتبه في سنة (٤٥٢هـ/ ١٠٦٠م) إلى الخليفة المستنصر الفاطمي يستأذنه في إظهار الدعوة في بلاد اليمن، ورافقت هذه الكتب هدية جليلة منها سبعون سيفًا قوائمها من عقيق، فقبل المستنصر الهدية، وأمر له برايات، وكتب له الدعوة، وقد خلف الملك المُكرم والده عليّ الصليحي - وعانى من بعض الفتن والثورات الداخلية التي اندلعت تحركها الرغبة في التحلل من الارتباط بالإسماعيلية، وباتت الدولة مهددة بالتفكك والتصدع؛ حيث ثارت بعض قبائل حراز واتجهت إلى الاستيلاء على حصن مسار، كذلك ثار أهل منطقة الهان، وتمكن المكرم من مباغتة هذه القبائل، وإحباط الفتن التي تعمَّدت إثارتها، واستعان على ذلك بفلول الجند والقادة الذين وصلوا إلى صنعاء بسبب حادث المهجم.

وكانت أهم المشكلات التي واجهته مشكلة أسر والدته، السيدة الحرة أسماء بنت شهاب، وما زاد الأمر سوءًا وأَلْهب الموقف اشتعالًا في صنعاء -عاصمة الصليحيين وصول رسالة إلى المكرم من والدته تقول له فيها: إني صرت حبلي من العبد الأحول، فإن أدركتني قبل أن أضع وإلا فهو العار الذي لا يزال، وكانت أسماء قد تعمدت أن تذكر هذا الأمر - الذي لم يحدث - كي تثير في ابنها ومن معه من سائر العرب عوامل الغيرة والنخوة والإباء.

فقرأ المكرم رسالتها على الناس وهو على المنبر، واستثار حفائظهم وضجوا بالبكاء، وخرج المكرم من صنعاء في ثلاثة آلاف فارس غير الراجل منهم، بعد أن حالفهم وخطب فيهم وحرضهم على القتال واستنصرهم، وعند قرية التُريبة في شرقي زبيد، توقف المكرم حتى استكمل توافد الجند والقوات عليه، وهناك وضع خطة للهجوم على زبيد التي وصلت إليها الأنباء بقدوم المكرم، فقسم المكرم جيشه إلى قلب وميمنة وميسرة، أما سعيد الأحول فخرج إلى المكرم من زبيد في عشرين ألفًا من العبيد، ودارت بينهما معركة طاحنة عند باب الشبارق - من أبواب مدينة زبيد - فتمكن جيش المكرم -الذي كان يبدو أكثر كفاءة في فنون الحرب والقتال- من هزيمة قوات سعيد الأحول من العبيد الذين لا يعرفون سوى حمل الحراب وكانوا حديثي العهد بالحرب مع العرب؛ حيث لم يمض على تواجدهم في زبيد أكثر من عام وكان لذلك أثره في إلحاق هزيمة فادحة بهم؛ حيث (وقف المكرم في القلب فقاتلت الحبشة قتالًا شديدًا ساعة من نهار، ثم انطوى عليها الجناحان فانكسرت الحبشة وطحنتهم الخيل طحن الرحى، وأتى القتل على أكثرهم).

ومما يؤيد هذا الرأي، موقف الملك المكرم الصليحي من هؤلاء المجلوبين الجدد من الأحباش، حديثي العهد والخبرة بالمواطن الجديدة التي نزلوا إليها في زبيد، وغيرها من الأعمال التابعة لبني نجاح، فبعد انتهاء المعركة قال المكرم لجنده وقادة جيشه: " اعلموا أن عرب هذه الناحية يستولدون الجواري السود، فالجلدة السوداء تعم العبد والحر، ولكن إذا سمعتم من يسمى العظم عزمًا، فهو حبشي فاقتلوه، ومن سماه عظمًا فهو عربي، فاتركوه".

أما سعيد الأحول ومن معه من بني نجاح، فتذكر روايات المؤرخين أنه كان قد أعد خيلًا جيدة مضمرة على الباب الغربي من زبيد - باب النخل- فركبها فيمن سلم من أصحابه وخواصه وأهل بيته وسار عليها إلى البحر؛ حيث أُعدت هناك سفن حملتهم جميعًا إلى جزيرة دهلك، وبهذه الأحداث تقلص حكم بني نجاح مرة ثانية، وعادوا إلى منفاهم التقليدي في دهلك، أما ممتلكاتهم فعادت ثانية إلى الصليحيين، وأقام المكرم في زبيد أيامًا ينظم شئونها، ثم انتقل بوالدته أسماء إلى صنعاء، بعد أن ترك زبيد والأعمال التُهامِيّة في ولاية خاله أسعد بن شهاب مرة ثانية.

انهيار الدولة الصليحية

انتعش المكرم بعد هذا الانتصار الساحق على بني نجاح، فأمر بضرب الدينار الملكي، وكتب عليه: الملك السيد المكرم، عظيم العرب، سلطان أمير المؤمنين، ولكن يبدو أن تطورات جديدة حدثت بعد عودة المكرم إلى صنعاء ببضع سنين؛ حيث تتحدث المصادر بأن المكرم بعد انتصاره في زبيد، وعودته إلى صنعاء فوض أمور إدارة الدولة إلى زوجته السيدة الحرة أروى بنت أحمد بن جعفر الصليحي، وذلك على إثر إصابته بالفالج.

وأوصى المكرم قبل وفاته بأن يتولى أمر الدولة والدعوة الإسماعيلية في اليمن أبو حُمَيْر سبأ بن أحمد بن المظفر بن علي الصليحي، ولما توفي المكرم كتمت الملكة أروى نبأ وفاة زوجها، وَوَلَّت ابنها عليًّا؛ وأرسلت تطلب من الخليفة المستنصر تقليدًا لابنها بحكم مملكة أبيه، فوافق المستنصر، وأصدر مرسومًا بتقليد عليّ بن المكرم ملك اليمن، ولقب عبد المستنصر، وبذلك لم تنفذ الملكة وصية زوجها، وضمنت استمرار الحكم في يدها، بتولية ابنها الطفل، خاصة وأن عبد المستنصر لم يلبث أن توفي، وتزوج أبو حُمًيْر سبأ الملكة أروى بأمر من الخليفة المستنصر، وقد بذل كل جهد في تقوية أمر الدعوة الإسماعيلية؛ والقضاء على الحركات المناهضة للدولة الصليحية حتى وفاته سنة (٤٩٢هـ / ١٠٩٨)، وأخذت الدولة الصليحية في الضعف بعد وفاة أبي حمير سبأ، وانفصلت الولايات عن الدولة: واستولى السلطان حاتم بن الغشم المفلسي الهمداني على صنعاء وأعمالها، فضبط أمورها وأطاعته قبائل همدان، كما استقل بنو زريع بعدن.

الخلاصة

تأسست الدولة الصليحية على يد علي بن محمد الصليحي، وقد نجح في إحياء المذهب الإسماعيلي، وقد لقي بعض الصعوبات في ترسيخ هذا المذهب؛ ولكنه نجح بسبب الخلافات والانقسامات السائدة في اليمن، وقد خلفه ابنه الملك المكرم الذي واجه بعض الفتن والثورات الداخلية، وبعد وفاته تولت زوجته أروى بنت أحمد الصليحي الحكم، وتزوجت من أبي حمير سبأ بن أحمد بن المظفر، وبعد وفاته بدأت الدولة الصليحية تضعف، وانفصلت الولايات عنها.

موضوعات ذات صلة

 إحدى أهم الدول الفارسية الإسلامية خلال العصور الوسطى.

شهدت اليمن في القرن الثالث الهجري نشاطًا بارزًا للدعوة الإسماعيلية.

من الدول المهمة في التاريخ الإيراني، حيث قامت في القرن الثامن عشر الميلادي.

موضوعات مختارة