Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحديبية

الكاتب

أ.د/ عبد الشافي محمد عبد اللطيف

الحديبية

صلح الحُدَيْبِيَة من أهم المعاهدات التي تمت في الإسلام، وقد سماه الله تعال فتحًا مبينًا، وقد اشتمل هذا الصلح على الكثير من الدروس المستفادة، ومن أهمها: أن ما قد يبدو -في الظاهر- تنازلًا قد يكون في جوهره فتحًا مبينًا.

موقع الحديبية وأهميته التاريخية

الحُدَيْبِيَة: بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة، سُميت باسم بئر هناك، عند مسجد الشجرة، التي بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه تحتها.

ولقد أخذت الحُديبية شهرتها من ذلك الحدث العظيم الذي وقع عندها، وهو صلح الحديبية الذي سماه القرآن الكريم فتحًا مبينًا.

وتُسمى الحديبية الآن الشميسي، وبها مسجد الرضوان الذي بناه السلطان العثماني محمود في مكان الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان، والتي أمر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطعها؛ لما خاف أن يفتتن الناس بها. [انظر: أحمد عطية الله القاموس الإسلامي، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦م، ج ۲، ص ٥٢]

ولا تفهم قصة صلح الحديبية العظيم الذي أعطى المكان تلك الشهرة العظيمة إلا إذا وضع في السياق التاريخي للدعوة الإسلامية؛ لأن صلح الحديبية كان في شهر ذي القعدة سنة ٦ هـ / مارس ٦٢٨- أي بعد مرور تسعة عشر عامًا على بداية الدعوة الإسلامية، والمعروف أن الرسول خلال المرحلة المكية تعرض لأشكال قاسية من المقاومة، والتحدي وصلت إلى حد التآمر على قتله، كما شهدت المرحلة المدنية قبل صلح الحديبية عدة مواجهات بينه وبين مشركي مكة، ابتداء ببدر ومرورًا بأحد (انظر هاتين المادتين)، وبلغت هذه المواجهات ذروتها في غزوة الخندق أو الأحزاب (انظر هذه المادة)، وهي الغزوة التي أسفرت عن فشل ذريع لمخططات مشركي مكة وحلفائهم، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم- لأصحابه في أعقاب هذه الغزوة: «لَنْ تَغْزُوكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُونَهُمْ»

تروي مصادرنا أن الرسول رأى بعد هذه الغزوة رؤيا مفادها:

 أنه هو وأصحابه سيزورون البيت الحرام؛ لأداء العمرة وطبعًا زيارة سلمية، ولعل قريشًا تكون قد راجعت موقفها، وأدركت أنه من الخير لها أن تكون في سلام معه.

ولما أبلغ أصحابه بهذه الرؤيا فرحوا فرحًا عظيمًا، وبصفة خاصة المهاجرون الذين طردوا من بلدهم مكة المكرمة، منذ ست سنين ومنعوا من دخولها، وبدأ التأهب لهذه الرحلة، وأعلن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه ذاهب هو وأصحابه؛ لأداء العمرة فمن يريد حتى من مشركي العرب الذهاب معه فليأت!

ولعله - صلى الله عليه وسلم- تعمد من ذلك أن يكون هؤلاء العرب المشركون شهداء على قريش إذا منعته من دخول مكة، ويكون بذلك قد كسب الرأي العام إلى جانبه. [انظر وقائع غزوتي بدر واحد في سيرة ابن هشام: جـ ٣، ص ٣ وما بعدها]

وقد حدث ما توقعه -صلى الله عليه وسلم-، إذْ ما إن علمت قريش أنه ذاهب إلى مكة حتى جُن جنونها، وصممت على منعه من الدخول، وأخرجت قوة فرسان بقيادة خالد بن الوليد؛ لصده عن الدخول ريثما تستكمل هي استعداداتها، فلما علم - صلى الله عليه وسلم- بذلك قال: «يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ ظَهَرْتُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ».. ثُمَّ قَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يُخْرِجُ بِنَا عَلَي طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمُ الَّتِي هُمْ بِهَا» [المصدر السابق جـ ٣، ص ٢٥٦]، فدلّه رجل من أسلم على وادي الحديبية الذي ستدور فيه واحدة من أهم وأعظم وأخطر أحداث السيرة النبوية، وهي معاهدة الحديبية.

الرسول -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى مكة المكرمة في شهر ذي القعدة سنة ٦ هـ عازمًا على أداء العمرة يسوق الهَدْي أمامه ويطلب السلام مع قريش مستبعدًا الحرب معها تمامًا من ذهنه؛ ولذلك لما علم بقوة الفرسان التي يقودها خالد بن الوليد، وأنها خرجت لمنعه من دخول مكة لم يشأ أن يواجهها، وإنما تحاشى تلك المواجهة؛ لأن عواقبها لو حدثت ربما تكون خطيرة، وهذا ليس من شأن من يريد الحرب.

نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في وادي الحديبية، وقال: «لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» [المصدر السابق جـ٣]

كان أول من جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في الحديبية وفد من خزاعة بزعامة بُدَيل بن وَرْقاء الخُزاعي، وهم نصحاؤه فكلموه وسألوه عن سبب مجيئه فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربًا، وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته فرجعوا إلى قريش فقالوا لهم يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، فاتهموهم وجبّهوهم وقالوا: وإن كان جاء لا يريد قتالًا فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا، ولا تحدث بذلك عنا العرب. [المصدر السابق جـ ٣]

كان الغرور والصلف واضحًا في موقف قريش وسيستمر هذا الموقف إلى النهاية، توالت السفارات القرشية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم-، وكل سفارة تعود ويخبرهم أنه ما جاء محاربًا وإنما جاء معتمرًا، ولكنهم ظلوا على موقفهم المتعنت حتى إنهم فقدوا تأیید حلفائهم، حيث كان من أوائل سفرائهم حليفهم الحُلَيْس بن علقمة زعيم الأحابيش، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلَّهُونَ -أَي يَتَعَبَّدُونَ- فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَرَاهُ» [المصدر السابق]، فلما رأى الهَدْيَ رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله إعظامًا لِما رأى وأخبر قريشًا بذلك، فقالوا له:" اجلس يا حليس فإنما أنت أعرابي لا علم لك"، ولكن الرجل غضب ورد عليهم قائلًا:" يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم أيُصد عن بيت الله من جاء معظمًا له، والذي نفس الحُلَيْس بيده لتخلين بين محمد وبين ما جاء له، أو لأَنْفِرَنَّ بالأحابيش نَفْرة رجلٍ واحد، فقالوا له: مهْ! كُفَّ عنا يا حُلَيْس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به". [المصدر السابق جـ ٣، ص ٣٦١- ٣٦٢]

سفارة سيدنا عثمان وبيعة الرضوان

هنا تتجلى عظمة سياسة الرسول - صلى الله عليه وسلم- فقد بدأ يكسب الجولة سياسيًّا فها هو حليف قريش الأول والأكبر والأهم لا يرضى عن سلوكهم؛ لأنه رآه ظلمًا فكيف يمنع ابن عبد المطلب سيد مكة من زيارة البيت الذي هو مَثابة، وأمن للناس جميعًا على كل حال، لما رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن قريشًا لم تقتنع بنتائج سفاراتها إليه، قرر أن يبعث هو مبعوثًا من عنده؛ ليسمع من قريش مباشرة وجهة نظرهم، فدعا في البداية عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ليبعثه إلى مكة ليبلغ عنه زعماءها ما جاء له ،ولكن عمر رضي الله عنه له اعتذر عن عدم القيام بالمهمة، وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم- في وضوح: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكة من بني عَدِيِّ بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت الحرب، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، ومعظمًا لحرمته.[المصدر السابق، ج ۳، ٣٦٣]

ذهب عثمان رضي الله عنه إلى مكة، وعرضوا عليه أن يطوف طواف القدوم حول الكعبة، ولكنه أبى أن يطوف ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- محصور وممنوع، وجرت مفاوضات شاقة، وصعبة استمرت عدة أيام، وتبلور موقف قريش في الإصرار على عودة الرسول وأصحابه هذه السنة بدون عمرة، حتى لا يقول العرب إنه دخل عليهم مكة عنوة، وفي العام القادم يمكنه أن يأتي ويعتمر وتخلي له قريش مكة ثلاثة أيام إلى شروط أخرى - سنذكرها قريبًا -.

وأثناء وجود عثمان له في مكة أشيع أنهم قتلوه، وهنا تغير موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فعلى الرغم من التزامه خطة سلام لكن إذا كان الطيش قد بلغ بقريش أن تقتل مبعوثه فهذا موقف آخر، وله حسابات أخرى.

ولذلك يروي ابن إسحاق قائلًا: حدثني عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين بلغه أن عثمان قد قتل قال: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة [المصدر السابق، ج ۳، ص ٣٦٤.].

وهي البيعة التي سجلها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في سورة الفتح في قوله تعالى: {لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا}. [الفتح: ١٨]

كان عدد الذين بايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة على الموت في سبيل الله ألفًا وأربعمائة.

ولما تمت بينهم ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- بإحدى يديه على الأخرى، وقال: «هَذِهِ بَيْعَةُ عُثْمَانَ».

معاهدة أو صلح الحديبية

بعد أن تمت بيعة الرضوان جاء عثمان -رضي الله عنه- من مكة سالمًا، وتبيّن أن خبر قتله كان مجرد شائعة كاذبة، جاء عثمان حاملًا شروطَ قريش، التي عدها المسلمون قاسية ومهينة، ولكنها عند الله ورسوله كانت فتحًا مبينًا.

وهاك نص كتاب الصلح كما جاء في سيرة ابن إسحاق: قال:

ثم دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه-، فقال : «اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الَّذِي يَتَفَاوَضُ بِاسْمِ قُرَيْشٍ: لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ»، فَكَتَبَهَا، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَوْ شَهِدْتُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أُقَاتِلْكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «اكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اصْطَلَحَا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَنِ النَّاسِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَتَى مُحَمَّدًا مِنْ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ مُحَمَّدٍ، لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُولَةً [الْمُرَادُ أَنْ تَكُفَّ عَنَّا وَنَكُفَّ عَنْكَ]، وَإِنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ [الْإِسْلَالُ: السَّرِقَةُ الْخَفِيَّةُ، وَالْإِغْلَالُ: الْخِيَانَةُ]، وَإِنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ»، فَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ، وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ، وَإِنَّكَ تَرْجِعُ عَنَّا عَامَكَ هَذَا فَلَا تَدْخُلْ عَلَيْنَا مَكَّةَ، وَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ خَرَجْنَا عَنْكَ فَدَخَلْتَهَا بِأَصْحَابِكَ فَأَقَمْتَ بِهَا ثَلَاثًا، مَعَكَ سِلَاحُ الرَّاكِبِ، السُّيُوفُ فِي الْقُرُبِ، لَا تَدْخُلْهَا بِغَيْرِهَا»[المصدر السابق ج ۳، ص ٣٦٦ ، ٣٦٧ ]

موقف الصحابة من شروط الصلح

هذه هي شروط صلح الحديبية، التي أزعجت الغالبية العظمى من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم؛ لأنهم رأوها مجحفة وظالمة بل ومضنية لهم، وكان الصوت المعبر عن هذا الموقف هو صوت عمر بن الخطاب، الذي ذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه حتى قبل توقيع الصلح معترضًا عليه.

يقول ابن إسحاق: "فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله ؟ قال : بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال : بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ، قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه أي: لا تحد عن طريقه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله، ثم أتى عمرُ رسول الله ، فقال: يا رسول الله أو لست برسول الله؟ قال : بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال : بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، فعلام نعطي الدنية في ديننا ، قال : «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي». [المصدر السابق، ج ۳، ص ٣٦٥، ٣٦٦].

هذا الموقف من عمر رضي الله عنه هو موقف رجل غيور على دينه، رأى أن شروط هذا الصلح فيها ظلم، وإهانة لهم، ويريد أن يعرف لماذا أقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم- على هذا الأمر؟ ولم يكن هو وحده الذي أدهشه فكثير من المسلمين كانوا على هذا الرأي، ولكن شرح الله صدورهم لما كان شرح له صدر رسوله، بدليل أن عمر كان من الشهود على عقد الصلح كما يذكر ابن إسحاق [المصدر السابق، ج ٣، ٢٦٨].

والدليل على أن موقف عمر رضي الله عنه كان موقف الغالبية العظمى من الصحابة ما حدث فيهم عندما أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم- بالتحلل من الإحرام فلم يلبوا الأمر في البداية.

دور أم سلمة - رضي الله عنها – في تفريج الغمة:

ربما كانت تلك المرة الأولى التي يقعد الصحابة رضوان عليهم عن تنفيذ أمر صريح الرسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ لِما أكربهم وأزعجهم من شروط الصلح القاسية.

يقول الإمام الطبري في روايته لتلك الواقعة عن جمع من الرواة : "فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من قضيته - أمر الصلح - قال لأصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا»، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَتَكَ، وَتَدْعُو حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَقَامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُحْلِقُ بَعْضًا».[تاريخ الطبري ج ۲، ص ٦۳۷، وانظر ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج ۲، ص ٢٠٥].

وهكذا فرَّجت أم سلمة – رضي الله عنها عن الرسول وأصحابه همًّا كبيرًا كان يثقل كواهلهم، يقول عنها الإمام ابن حجر: "وكانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع، والعقل البالغ، والرأي الصائب، وإشارتها على النبي يوم الحديبية تدل على وفور عقلها، وصواب رأيها. [الإصابة في تمييز الصحابة ج ۱۳، ص ٢٢٤].

وهذا الموقف نهديه للمزايدين على الإسلام والمسلمين والذين يدَّعون أن الإسلام ظلم المرأة ولم يُعِرْها اهتمامًا، فها هي المرأة تقول ويسمع قولها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في واحدة من أهم المعضلات التي واجهت المسلمين في عصر النبوة.

قصة أبي جَنْدَل بن سُهيل بن عمرو وأبي بَصِير:

هذه قصة فيها عبر ودروس كثيرة، فقد كان من أقسى شروط صلح الحديبية على الصحابة رضوان الله عليهم ذلك الشرط الذي يلزم الرسول - صلى الله عليه وسلم- برد من يأتيه من مكة مسلمًا، بينما لا تلتزم قريش برد من يأتيها من المدينة مرتدًا، وشاءت إرادة الله أن تمتحن النوايا ولما تكتمل كتابة الصلح، يقول ابن إسحاق: فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلابيبه، ثم قال: يا محمد قد لجت القضية - أي انعقد أمر الصلح بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال - صلى الله عليه وسلم-: «صَدَقْتَ»، فجعل يَنْتُرُهُ بِتَلْبِيبِهِ، [أي جعل سهيل بن عمرو يجذب ابنه أبا جندل جذبًا شديدًا عنيفًا.]، ويجره؛ ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: " يا معشر المسلمين أَأُرَدُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟! فزاد ذلك الناس إلى ما بهم أي من الغم لرفض الصلح من أساسه - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «يَا أَبَا جَنْدَلِ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَهْدَ اللَّهِ، وَإِنَّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ»

يا لروعة الوفاء بالعهود والمواثيق!

إن الدنيا يجب أن تنحني إجلالًا لهذه العظمة المحمدية، وهذا المثال النادر في احترام الكلمة والالتزام بالعهد؛ لأن هذا هو الإسلام الذي يفرض على المسلمين جميعًا الوفاء بكل العقود التي يبرمونها بينهم وبين غيرهم، يقول تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ} [المائدة: ١] وهناك آيات كثيرة في كتاب الله وأحاديث مستفيضة من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- تجعل الوفاء بالعهود من الفروض الدينية الواجبة التنفيذ.

ولا يخفى على أحد أن معظم شرور الدنيا والحروب التي تنشب بين الدول تأتى من الغدر وعدم الالتزام بالعهود والمواثيق وعدم احترام الكلمة، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو في هذا الموقف الخطير لم يلجأ إلى المناورات والحيل والألاعيب السياسية التي يلجأ إليها السياسيون في مثل هذا الظروف.

فلو كان سياسي آخر مكان الرسول لكان من الممكن أن يقول إن كتاب الصلح لم يتم بعد، ولكنه لم يلجأ لهذا، بل قال لسهيل بن عمرو: «صَدَقْتَ».

بعد قصة أبي جندل جاءت قصة أبي بصير، فرده الرسول إلى قريش، لكنه استطاع الإفلات منهم، وجنَّد نحو سبعين من المسلمين المضطهدين والمعذبين في سجون مكة، واتخذوا لهم مقامًا على ساحل البحر الأحمر، وصدوا تجارة قريش، حتى انتهى الأمر إلى أن تطلب قريش من الرسول - صلى الله عليه وسلم- تنازلها عن ذلك الشرط.

يقول ابن إسحاق: الذين حبسوا بمكة خرجوا إلى أبي بصير بالعيص فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلًا، وكانوا قد ضيقوا على قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- تسأله بأرحامها إلا أواهم فلا حاجة لهم بهم، فأواهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقدموا عليه المدينة. [سيرة ابن هشام مصدر سابق ج ۳، ص ۳۷۳]

وهكذا بدأت الشروط التي ظنها بعض صحابة النبي قاسية ومهينة، وظنتها قريش نفسها أنها في صالحها، وملأت الجزيرة العربية تفاخرًا بها، وأنها فرضت شروطها على محمد وأصحابه - بدأت هذه الشروط تُظهر عظمة الرسول وأنه كان على يقين أن هذا الصلح هو بداية الفتوحات الكبرى له.

نتائج الصلح، والفتح المبين

بعد أن أتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر الصلح مع سُهيل بن عمرو - على الصورة السابقة- عاد إلى المدينة المنورة وكان الجو العام لما حدث لا يزال مسيطرًا على موقف بعض الصحابة، وإذا بسورة الفتح تنزل بتمامها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بردًا وسلامًا وطمأنينة وسكينة.

يقول الإمام القرطبي نقلًا عن جمع من الرواة: " نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها. [انظر الجامع لأحكام القرآن ج ۸، ص ۱۸۷ طبع دار الفكر، بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ، ١٩٩٩م]

افتتحت السورة الكريمة بهذا التأكيد القاطع من الله -سبحانه وتعالى- بأن هذا الذي ظنه بعض أصحابك مهينًا لهم، وظنته قريش نصرًا، هو في واقع الحال والمستقبل نصر مبين : {إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا * لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا * وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا * هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا} [الفتح: ١-٤]

استعرضت السورة الكريمة الحدث بكل جوانبه، ونوهت بمواقف الصحابة خاصة في بيعة الرضوان، وبرهنت على استعدادهم للتضحية في سبيل الله بأرواحهم وأموالهم، كما وضحت السورة أن الله كان بأرواحهم وأموالهم، كما أظهرت مواقف المتخاذلين المتخلفين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ووبختهم على أعذارهم الكاذبة، ثم زفت إلى المسلمين بشرى الغنائم، ونعم الله التي ستتوالى عليهم بعد هذا الفتح المبين كما وضحت السورة أن الله كان حكيمًا ورحيمًا بالمسلمين، إذ كف أيديهم عن المشركين، وأيدي المشركين عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفرهم عليهم.

ثم ختمت السورة بتأكيد وعد الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم- بزيارة البيت ودخول المسجد الحرام: {لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحٗا قَرِيبًا * هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا * مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا} [الفتح٢٧: ٢٩] .

إن صلح الحديبية صفحة من أجّل وأعظم صفحات جوانب العظمة في شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالنظر إلى أثره في مستقبل الدعوة الإسلامية، يقول أحد الباحثين عن سورة الفتح: هذا هو الجو الذي نزلت فيه السورة الجو الذي اطمأنت فيه نفس الرسول إلى إلهام ربه، فتجرد من كل إرادة إلا ما يوحيه إليه هذا الإلهام العُلوي الصادق، ومضى يستلهم هذا الإيحاء في كل خطوة وفي كل حركة، لا يستفزه عنه مستفز سواء من المشركين أو من أصحابه الذين لم تطمئن نفوسهم في أول الأمر بقبول استفزاز المشركين، وحميتهم الجاهلية ثم أنزل الله السكينة في قلوبهم، ففاءوا إلى الرضا واليقين والقبول الخالص العميق كإخوانهم الذين كانوا على هذه الحال منذ أول الأمر شأن الصديق أبي بكر رضي الله عنه الذي لم تفقد روحه لحظة واحدة صلتها الداخلية المباشرة بروح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ومن ثَم بقيت على اطمئنانها دائمًا ولم تفارقها الطمأنينة أبدًا.

بعد عودة الرسول -صلى الله عليه وسلم- توالت الفتوحات فكان أول فتح هو فتح خيبر، تلك القرية اليهودية التي كانت عقبة في سبيل الدعوة الإسلامية والتي حيكت فيها مؤامرة غزوة الأحزاب، والتي تحولت إلى وكر للكيد للرسول والإسلام والمسلمين، وكان ذلك في المحرم سنة ٧هـ [انظر سيرة ابن هشام، مصدر سابق: ج ۳، ص ۳۷۸].

وبعد عودته من خيبر -صلى الله عليه وسلم- بدأ يرسل رسائله مع سفرائه من الصحابة إلى كبار ملوك وأباطرة العالم، ثم جاء عام عمرة القضاء فأداها ووفت قريش بتعهدها فأخلت له مكة واعتمر هو وأصحابه وبعد عودته من عمرة القضاء ألقت إليه مكة بفلذات أكبادها - كما قال هو-عليه الصلاة والسلام - فقد جاء أهم اثنين من أبنائها مسلمين طائعين مبايعين وهما: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص اللذين سيكون لهما في مستقبل الإسلام شأن وأي شأن.

إن المكاسب التي كسبها الإسلام والمسلمون من صلح الحديبية لا حصر لها ، وفي الواقع لم يخسروا شيئًا على الإطلاق، ففي سبيل حقن الدماء وتحقيق السلام مع أكبر قوة تناهض الإسلام في جزيرة العرب في ذلك الوقت - وهي قريش - ، رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يستجيب لكل شروطها؛ لأنه يعرف ماذا تريد قريش أن يسمع العرب كل العرب أن قريشًا لا زالت صاحبة الكلمة، وتستطيع أن تفرض شروطها، ولم تكن تدري أن الرسول نفسه كان من صالحه أن تظل قريش كبيرة وذات شأن ومحتفظة بشموخها وكبريائها عند العرب وعند غير العرب فحقق لها ذلك؛ لأنه على يقين أنها آتية آتية إلى الإسلام في نهاية المطاف، وسيكون كل ما لها من قوة وسمعة وهيبة عند العرب في خدمة الإسلام، وهذا هو ما حدث بعد فتح مكة المكرمة.

والذي يتابع الخط البياني لزيادة عدد المسلمين بعد الحديبية، يدرك كيف كان الرسول موفقًا كل التوفيق حين تفاهم مع قريش، وأزاحها من طريق الدعوة؛ لتنفتح الطريق أمام العرب إلى الدخول في الإسلام، فالذين كانوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم- في الحديبية ألف وأربعمائة وفي عمرة القضاء بعد عام واحد وصل العدد إلى ألفين، وفي فتح مكة بعد عام آخر أصبحوا عشرة آلاف، وفي غزوة تبوك بعد عام كانوا ثلاثين ألفًا، وفي حجة الوداع في العام العاشر وصل العدد إلى أكثر من مائة ألف.

يا له من نصر عظيم حققه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من صلح.

وهنا أحب أن أطرح تساؤلًا في نهاية هذا البحث الموجز، وهو ماذا كان يمكن أن يحدث لو استجاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- لبعض الصحابة، واقتحم مكة بالقوة، واصطدم بأهلها وهم أهله أيضًا - وهناك نحو ألفي رجل ماذا كان يمكن أن تكون النتائج، وهؤلاء الرجال الذين كانوا في مكة والذين أخذهم العناد والحمية الجاهلية بعيدًا ، كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- على يقين أنهم قادمون وسيعزهم الله بالإسلام ويعز الإسلام بهم وسنرى منهم بطولات عظيمة في قمع الردة وفى مواجهة قوة البغي والعدوان: الفرس والروم، ومن نفس بطولات خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبي سفيان وأبنائه يزيد ومعاوية، وسهيل بن عمرو نفسه، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل.

إن أهل مكة أو مسلمة الفتح أو الطلقاء الذين عفا عنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند الفتح أبلوا أعظم البلاء في الفتوحات، وأدركوا ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فاجتهدوا وبذلوا أقصى طاقاتهم في الفتوحات، وسجلوا أعظم وأنصع وأشرف الصفحات. وهذا موضوع يستحق دراسته مستقبلًا.

ولكن قبل أن نختم هذه الدراسة عن صلح الحديبية نشير إلى ما رواه برهان الدين البقاعي عنه في كتابه " أخبار الجلاد في فتوح البلاد[رسالة ماجستير مخطوطة في كلية دار العلوم إعداد الحسن شجيع على السيد ، ص ٢١٤، ٣١٥]؛لدلالته على موقف مسلمة الفتح، حيث يروى أن أبا بكر جمع كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار؛ ليستشيرهم في أمر الفتوحات وأراد أن يدخل معهم بعض أشراف مكة من مسلمة الفتح، فاعترض عمر بن الخطاب على ذلك متأثرًا بمواقفهم السابقة في عدائهم للرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فلما علموا بذلك شق عليهم، فأتى الحارث بن هشام بن المغيرة، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، في رجال من أشراف قريش أبا بكر، فقال الحارث يا عمر إنك قد كنت في شدتك قبل الإسلام - يعني قبل إسلامهم- مصيبًا، فأما الآن وقد هدانا الله لدينه فما نراك إلا قاطعًا شدتك، ثم جثا سهيل على ركبتيه وقال: إياك يا عمر نخاطَب، فأما خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبرىء عندنا من الضغن والحقد والقطيعة، ألسنا إخوانكم في الإسلام، وبني أبيكم في النسب، أفإنكم إن كان الله قدم لكم في هذا الأمر قدمًا صالحًا لم نؤت مثله؛ لقاطعون لقرابتنا ومستهينون بحقنا؟!

وقال عكرمة: أما إنكم وإن كنتم تجدون في عداوتنا قبل اليوم مقالًا، فلستم اليوم بأشد على من ترك هذا الدين ولا أعدى منا، فقال عمر: والله ما قلت الذي بلغكم إلا نصيحة لمن سبقكم بالإسلام، وتحريًّا للعدل فيما بينكم وبين من هو أفضل منكم، قال سهيل: فإن كنتم إنما فضلتمونا بالجهاد فوالله لنستكثرن منه، أشهدكم أني حبيس في سبيل الله، والله لأنفقن مكان كل نفقة أنفقتها على حرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفقتين في سبيل الله، ولأقفن مكان كل موقف وقفته على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موقفين على أعداء الله، وقال عكرمة كذلك، فقال أبو بكر: اللهم أبلغ بهم أفضل ما يأملون واجزهم بأحسن ما يعملون، فقد أصبتم فيما صنعتم فأرشدكم الله، فلما خرجوا أقبل سهيل على أصحابه، وكان شريفًا عاقلًا، فقال لهم: لا تجزعوا مما ترون، فإنهم دعوا ودعينا، فأجابوا وأبطأنا، ولو ترون فضائل من سبقكم إلى الإسلام عند الله عليكم ما نفعكم شيء، وما من عمل من أعمال الله أفضل من الجهاد في سبيل الله فانطلقوا حتى تكونوا بين المسلمين وبين عدوهم، فتجاهدوهم دونهم حتى تموتوا، فلعلنا أن نبلغ بذلك فضل المجاهدين، فخرجوا حينئذ إلى جهاد الروم".

هؤلاء هم أهل مكة الذين حقن الرسول -صلى الله عليه وسلم- دماءهم في عام الحديبية ولم يشأ أن يقتحمها عليهم؛ لأنه يعرف أنهم قادمون، ثم عفا عنهم عند الفتح؛ لأنه يعرف ماذا سيفعلون، وقد حققوا ما توقعه منهم، وقرّت به عينه -صلى الله عليه وسلم- بعد أن فارق الدنيا.

هذا درس من أعظم دروس دبلوماسية سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم.


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • سيرة ابن هشام: تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبوعات إدارة البحوث السعودية بالرياض.
  • خاتم النبيين: تأليف الشيخ محمد أبو زهرة، نشر دار الفكر العربي بالقاهرة ١٩٩٣م.
  • السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: تأليف الشيخ محمد أبو شهبة. دار القلم. دمشق.
  • تاريخ الإسلام في عصر النبوة والخلافة الراشدة: تأليف د. عبد الشافي محمد عبد اللطيف مطبعة الجريسي القاهرة ١٤٣١هـ / ٢٠١٠م.

الخلاصة

صلح الحديبية كانت معاهدة سلام بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وقريش سنة ٦هـ، هدفها حقن الدماء، وتأمين فترة يقف فيها القتال بين الطرفين، ورغم أن شروطها بدت صعبة على الصحابة، كانت خطوة استراتيجية عظيمة فتحت الطريق لانتشار الإسلام، وساهمت في الفتح المبين لمكة لاحقًا، وأظهرت عظمة حكمة الرسول -صلى الله عليه وسلم - والتزامه بالوفاء بالعقود.

موضوعات ذات صلة

كان فتح مكة في ١٠ رمضان، في السنة الثامنة من الهجرة.

 وقعت غزوة بدر في السابع عشر من شهر رمضان سنة ٢هــ.

كانت معركة حاسمة في تاريخ الإسلام، في الخامس عشر من شوال عام ثلاثة للهجرة.

موضوعات مختارة