ويرتبط ذكر قريش في التاريخ، ومكانتهم بين
العرب جميعًا بمكة المكرمة، وبيت الله الحرام الذي يقدسه العرب، ويحجون إليه في كل
عام، غير أن هذا الذكر والمكانة إنما يرجعان إلى عهد قريب من ظهور الإسلام، أما
قبل ذلك فلم يكن لقريش شأن يكاد يذكر.
وفي هذا
الصدد يذكر المؤرخون: أن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر... بن
عدنان، وقصي هذا هو الذي يرجع إليه الفضل في ظهور قبيلة قريش على مسرح الأحداث في مكة،
واتجاه أنظار العرب إليها، وذلك حين تمكن من جمع شمل أبناء قبيلته، وتوحيد صفوفهم،
ومن ثمَّ استطاع التغلب على قبيلة خزاعة بعد قتال عنيف، كان النصر فيه لقصي وقريش،
ثم عقد صلح بين الفريقين على أن يتولى قصي أمور مكة، والبيت الحرام، فأصبح أول رجل
من قريش يدين له أهل مكة جميعا بالسمع والطاعة؛ فتولى حجابة البيت، وسقاية الحجاج
ورفادتهم، ورئاسة الندوة واللواء والقيادة، وكان ذلك التطور الكبير في تاريخ مكة
وقريش في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، أي قبل ظهور الدعوة الإسلامية بما يزيد قليلاً عن
قرن ونصف قرن من الزمان.
لما استقر الأمر لقصي جمع قريشًا، وأمرهم أن يبنوا دررهم
داخل مكة إلى جوار الكعبة، بعد أن اتخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى البيت
العتيق.
وفي هذه الدار كان كبار رجال قريش يتبادلون الرأي في
أمور السلم والحرب، وفيها تبرم عقود الزواج، وتنجز المعاملات، ويرتبط بذلك أنه لا
يدخل دار الندوة إلا الرجال الذين بلغوا سن الأربعين، وهم بهذه المثابة يمثلون
حكومة مكة، ولذلك التزم الناس بأوامرهم، كما صارت أوامر قصي بن كلاب مطاعة فيما
بينهم، وقبل وفاة زعيم مكة قام بتوزيع وظائف على أبنائه، فأعطى عبد الدار بن قصي
حجابه البيت ودار الندوة واللواء.
أما عبد
مناف بن قصي فأعطاه السقاية والرفادة والقيادة، ونتيجة لذلك ظلت الأوضاع مستقرة
بعد وفاة قصي، واستمرت قريش في إدارة شئون مكة، والبيت الحرام، والقيام على خدمة
الحجيج ورعايتهم.
لقد برز من
خلفاء قصي العديد من رجال قريش الذين قاموا بأعمال مهمة أدت إلى ازدهار مكة، ورفعة
شأن قبيلتهم بين العرب، ومن أشهرهم: هاشم بن عبد مناف بن قصي، الذي نجح في عقد
الإيلاف لقريش، وتوسيع نطاق التجارة المكية حيث أخرجها من الحدود المحلية إلى
دائرة المجال الدولي؛ فأخذ الحلف من قيصر الروم لتجار قريش على أن يدخلوا الشام
بتجارتهم ويعودوا منها آمنين، كما أنه هو الذي سن لقريش رحالتي الشتاء إلى اليمن
والحبشة، والصيف إلى الشام، وغزة، وآسيا الصغرى.
وتولى بعد أبيه سقاية الحجاج وإطعام فقرائهم، وحفر عدة
آبار جديدة ليرتفق بها أهل مكة وحجاج البيت، وكان اسمه عمر، ولكن غلب عليه لقب
(هاشم)؛ لأنه هشم الثريد لقومه بمكة في إحدى المجاعات، ومع هذه الأعمال جميعًا فقد
توفي شاباً وهو في رحلة تجارية إلى غزة في سنة ٥٢٤ ميلادية تقريباً، واشتهر أخوه
المطلب بن عبد مناف بن قصي بالنسك، والنهي عن الظلم والعدوان، والحث على مكارم
الأخلاق، وكانت وفاته باليمن.
أما عبد
المطلب بن هاشم فكان أحد وجهاء مكة، وأشهر زعماء قريش في عصره، وهو الذي لم يرهب
لقاء أبرهة الحبشي الذي زحف على رأس جيش قوى من اليمن إلى مكة؛ ليهدم البيت
الحرام، وقال له واثقًا مطمئنًا: إن للبيت ربًا يحميه!! وصدق عبد المطلب، فقد حمى
الله بيته، ودمر جيش أبرهة.
وقد سجل
القرآن الكريم هذه الحادثة الخطيرة في تاريخ مكة وقريش في "سورة الفيل"،
واشتهر عبد المطلب كذلك بالفياض لجوده وسخائه، وإكرامه حجاج بيت الله، على الرغم
من أنه لم يكن أغنى رجال مكة) ولقب "شيبة الحمد"؛ لكثرة حمد الناس له،
وهو الذي حفر بئر رمزم التي استغنى بها أهل مكة عن الآبار الأخرى؛ لغزارة مائها،
ولطف مذاقها، وقد توفي عبد المطلب قبل الهجرة بنحو خمسة وأربعين تماما (٥٧٩م).
ومن أبناء عبد المطلب المشهورين بين رجالات قريش أبو
طالب وشقيقه عبد الله (والد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، والعباس جد الخلفاء
العباسيين، وحمزة أسد الله، الذ استشهد في غزوة أحد سنة ثلاث هجرية (٦٢٥م).