شهدت خلافة الإمام علي بن أبي طالب بداية مرحلة دقيقة من تاريخ الدولة الإسلامية، اتسمت بالفتن والاقتتال الداخلي، وقد شكل التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان لحظة مفصلية ألقت بظلالها على مسار الأمة لسنوات طويلة.
شهدت خلافة الإمام علي بن أبي طالب بداية مرحلة دقيقة من تاريخ الدولة الإسلامية، اتسمت بالفتن والاقتتال الداخلي، وقد شكل التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان لحظة مفصلية ألقت بظلالها على مسار الأمة لسنوات طويلة.
تولى الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، الخلافة يوم الثالث والعشرين من شهر ذي الحجة سنة ٣٥ للهجرة/٦٥٦م، في ظروف صعبة كانت تمر بها الدولة الإسلامية، فقد تولاها في أعقاب فتنة أصابت الدولة وانتهت بمقتل خليفة هو علم من أعلام الإسلام وصاحب فضل وسابقة في الدين وصاحب أيادٍ بيضاء على الدعوة الإسلامية مظلومًا.
كذلك كان قتلته والذين أشعلوا نار الفتنة لا يزالون يرابطون في المدينة ولم يغادروا إلى أمصارهم حتى يحققوا ما جاءوا من أجله، وما زال المتربصون بالإسلام والمحرضون على الفساد، وعلى رأسهم ابن سبأ يترصدون للإسلام والمسلمين، ولقد انقسم الناس آنذاك بين مطالب للخليفة الجديد بالأخذ بالثأر لدم الخليفة المقتول ومتهم لعدد من الصحابة وعلى رأسهم علي، بمسئولية قتل عثمان وعدم قيامهم بالدفاع عنه كما يجب، ومعتزلين للفتنة آثروا إغلاق أبواب بيوتهم عليهم أو ترك المدينة إلى غيرها من البلاد حتى لا تتلوث أيديهم بدماء ضحايا الفتنة، وكلها دماء أناس مسلمين.
ولقد بايع الناس عليًا على الحكم بالحق، وبدأ خلافته بالعمل على إزالة أسباب شكوى الناس، وقد تمثلت في شكايتهم من ولاة عثمان، فقام بعزل ولاة عثمان جميعهم وتولية غيرهم، وقد قصد بذلك أن يطوي صفحة سابقة، بخيرها وشرها، بصدد علاقة هؤلاء الولاة مع رعيتهم في الأمصار، وفتح صفحة جديدة بتولية ولاة جدد قد يرضى عنهم أهل الأمصار، فعزل أبا موسى الأشعري عن الكوفة، وعبد الله بن عامر عن البصرة، وعبد الله بن أبي السرح عن مصر، ومعاوية بن أبي سفيان عن الشام.
ولم يكن لدى الخليفة في عزله هؤلاء الولاة عن ولاياتهم، أي شك في ذممهم أو في سلوكهم، ولكنه أراد التغيير حتى يقطع الطريق على الثوار والمتمردين ويقيم عليهم الحجة، ولم يستبد برأيه في هذا الأمر، وإنما جاء بعد مشورة كبار الصحابة ومن بينهم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام.
بينما كان علي يتدبر الأمر فوجئ بتجمع في مكة بقيادة طلحة والزبير يطالب الخليفة بالتحقيق في مقتل عثمان وأخذ الثأر من قاتليه، وقد انضم هذا التجمع حول أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر- رضي الله عنها - وكان طلحة والزبير قد استأذنا عليًا في الخروج إلى مكة، كذلك استأذنه في الخروج عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكانت السيدة عائشة قد ذهبت إلى مكة لأداء فريضة الحج وفرارًا من الفتنة، وقد قيل إن بني أمية هم الذين حرضوا على تدبير هذا التجمع لإحراج علي في بداية خلافته بعد أن عزل ولاتهم عن الأمصار التي كانوا يلون حكمها، وقيل إن المجتمعين تحولوا بعد ذلك ومعهم السيدة عائشة من مكة إلى البصرة.
وخروج هذا التجمع إلى البصرة صحيح ولا شك فيه، لكن لأي شيء خرجوا وتجمعوا؟ هذا هو السؤال.
ويحتمل أنهم خرجوا؛ ليتمكنوا من قتلة عثمان، الذين تجمعوا في البصرة، وهذا ما كانوا يذكرونه، إلا أنهم يريدون، في نفس الوقت، أن يتفقوا مع عليّ على الطريقة التي يحققون بها ذلك.
ومن الممكن أن يكون خروجهم لجمع طوائف المسلمين وتوحيد كلمتهم حتى لا تضطرب الأمور بينهم فيقتتلوا، وقد علموا أن مدبري الفتنة قد اتخذوا من البصرة قاعدة لهم، لذلك اتجهوا إليها.
ولقد كان خروج السيدة عائشة إلى البصرة اجتهادًا منها لتحقيق غاية طلحة، والزبير والتعاون مع علي من أجل إطفاء نار الفتنة والقضاء على قتلة عثمان الذين تجمعوا في البصرة.
ولقد وقع أول صدام بين أصحاب الجمل (وهو الجمل الذي كان عليه هودج السيدة عائشة) وبين قوات عامل البصرة من قبل عليّ على المدينة واسمه (عثمان بن حنيف) عند منطقة (الحفير)، على بُعد أربعة أميال من البصرة، وكان ابن حنيف قد نادى في الناس فلبسوا السلاح وخرج بهم لملاقاة أهل الجمل، وخرج معه (حكيم بن جبلة)، وهو من قتلة عثمان، في ثلاثمائة من أعوانه، فلقوا طلحة، والزبير عند مكان يعرف (بالزابوقة)، وهو المكان الذي وقعت فيه موقعة الجمل الأولى.
وقد هُزم في هذه المعركة أصحاب ابن حنيف وقُتل حكيم ومن معه، ونجح أصحاب الجمل بعد المعركة في الاستيلاء على البصرة، أما ابن حنيف فقد وقع في أسر الجماهير الذين قاموا بنتف لحيته، ثم أنقذه أصحاب الجمل منهم فانسحب إلى معسكر علي عند (ذي قار).
وقدم عليّ إلى البصرة، فنزل في مكان منها يسمى (الزاوية)، وقد نزل أصحاب الجمل في مكان يسمى (الفرضة)، وتدانوا ليتراءوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، وكان ذلك يوم الخميس منتصف جمادى الآخرة سنة ٣٦هـجرية /٦٥٦م، ولقد حاول الصحابي الجليل (القعقاع بن عمرو التميمي) التوفيق بين الفريقين بالوساطة الحكيمة المعقولة، ونجحت هذه الوساطة واطمأنت النفوس وسكنت وجنح الطرفان للصلح؛ لكن أهل البغي والنوايا السيئة لم يتركوا فرصة للصلح فوقع القتال بين الطرفين، وقد قُتِل طلحة والزبير في المعركة وهزم في معركة الجمل الثانية أصحاب الجمل واستخلص عليّ البصرة من أيديهم وصالح أهلها، وبايع له العراق وفارس جميعًا، وانتقل إلى مدينة الكوفة واتخذها عاصمة لخلافته.
وبرغم انتصار عليّ في موقعة الجمل الثانية، فإن خلافته كانت تواجه الكثير من الصعوبات بسبب بداية الاقتتال بين المسلمين بعضهم مع بعض يوم الجمل، مما زاد الحقد في النفوس والرغبة في الثأر، كذلك لوجود قتلة عثمان في جيش علي، ووجود أنصار (عبد الله بن سبأ) الميالين للفتن واستمرار الشر، كذلك شارك في جيش عليّ كثيرون من أهل القبائل المتأخرة في دخول الإسلام، الذين لم يكن يهمهم الوقوف إلى جانب الحق بقدر اهتمامهم بما يحقق مصالحهم ويزيد من مكاسبهم.
كانت الخطوة الثانية أمام الخليفة، بعد معركة الجمل، المواجهة مع أهل الشام، الذين خرجوا بقيادة (معاوية بن أبي سفيان) يرفعون قميص عثمان، الملطخ بدمائه، ويطالبون بالثأر له من قتلته.
هذا ولم يذكر معاوية وفريقه عليًا في أمر البغي على عثمان إلا لمناسبة انضواء قتلة عثمان إلى معسكره واستعانته بهم في حربه ووقوفهم معه، فهم لم يتهموه بقتل عثمان اتهامًا مباشرًا لأنهم يعلمون بأن قتلة عثمان هم الذين أساءوا إلى عليّ كما أساءوا إلى عثمان والإسلام.
ولقد سار علي بقواته، أواخر ذي القعدة سنة ٣٦هـ /٦٥٧م، إلى حدود الشام، والتقى بجيشه مع جيش معاوية بقرب (الرقة) على شاطئ الفرات، آخر تخوم العراق وأول أرض الشام في سهل يعرف (بصفين)، ووقعت هنالك بين الطرفين معركة كبيرة أوشك جيش العراق أن يحقق النصر فيها على جيش الشام.
ولما أدرك معاوية ومن معه قرب انتهاء المعركة بهزيمة ساحقة لهم، لجأوا إلى (التحكيم)، وهي فكرة (عمرو بن العاص)، الذي كان يحارب في صف معاوية، ويقضي التحكيم برفع المصاحف فوق الرماح وتحكيم كتاب الله بين المقاتلين وطلب وقف القتال ووقف إراقة دماء المسلمين، وبالفعل رفع جنود الشام المصاحف على الرماح، ونادوا بقولهم: كتاب الله حكم بيننا وبينكم؛ فتوقف القراء الذين كانوا في جيش عليّ عن القتال، وتوقف معهم بالتالي بقية الجيش عن القتال.
ولما أراد عليّ أن يستحث رجال جيشه على مواصلة القتال، بقوله: إن ما يردده جيش الشام هو قول حق أريد به باطل، لم يستمع جنوده لقوله وأصروا على قبول التحكيم ووقف القتال.
وتوقف القتال، وكُتب كتابُ التحكيم يوم الثالث والعشرين من شهر صفر سنة ٣٧هـجرية /١٢ أغسطس سنة٦٥٧م، على أن يختار كل فريق من الفريقين المتقاتلين حكمًا له، أن يجتمع هذان الحكمان سويًا في مكان محدد، ويتشاورا ويقولا رأيهما في أمر النزاع بين الطرفين، وأمر من يكون صاحب الحق في رئاسة دولة المسلمين وقد اتُفِق أن يتم هذا الاجتماع بين الحكمين في شهر رمضان عند منطقة (أذرح) بدومة الجندل.
ولقد وقع اختيار حزب عليّ على الصحابي الجليل (أبي موسى الأشعري)، بينما وقع اختيار حزب معاوية على الصحابي الجليل (عمرو بن العاص)، وكان أبو موسى رجلًا تقيًا فقيهًا عالمًا، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أرسله مع الصحابي الجليل (معاذ بن جبل) إلى اليمن ليفقها الناس في الإسلام، وكان مقدمًا عند الخليفة (عمر بن الخطاب) وكان يثني عليه بالفهم ورجاحة العقل، وكان عمرو بن العاص من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال - عليه السلام - في الثناء عليه يوم أسلم: «أسْلَمَ النّاسُ، وآمنَ عَمرُو بنُ العَاصِ».
ولقد انتظر المتقاتلون نتيجة التحكيم بعد معركة صفين، تلك المعركة التي كان المسلمون في غنى عن وقوعها لو أنهم مالوا إلى العقل والحكمة ولم ينساقوا أمام رأي المتهورين الذين لا تعنيهم مصلحة المسلمين في شيء.
وإذا كانت حرب البصرة ناشئة عن إشعال قتلة عثمان لنارها فقد كان من مصلحة الإسلام ألا تقع حرب صفين، وقد كان الحسن بن عليّ كارهًا خروج أبيه من المدينة إلى العراق لما كان يخشاه من نشوب الحرب مع أهل الشام، ولو أن عليًا لم يتحرك من الكوفة إلى الشام لما حرَّك معاوية فيها ساكنًا؛ لأن معاوية لم يكن يختار الحرب ابتدءًا.
وأهل السنة المحمدية يدينون لله أن عليًا ومعاوية ومن معهما من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا جميعًا على الحق وكانوا مخلصين في ذلك، والذي اختلفوا فيه إنما اختلفوا فيه عن اجتهاد كما يختلف المجتهدون في كل ما يختلفون فيه، وهم لإخلاصهم في اجتهادهم يثابون عليه في حالة الإصابة والخطأ، وثواب المصيب أضعاف ثواب المخطئ.
ولقد تم التحكيم في الموعد والمكان المحددين لذلك بين أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص.
ولقد روى المغالطون عن حادثة التحكيم أن أبا موسى وعمرًا اتفقا فيما بينهما على خلع الرجلين فخلعهما أبو موسى واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية، وهذه مغالطة لم تحدث.
وأصل المغالطة هنا تجاهل المغالطين بأن معاوية لم يكن يومئذ خليفة ولا هو طالب لخلافة، وبذلك لم يكن في التحكيم تحكيم بين خليفتين أو أميرين للمؤمنين، وأن الحكمين اتفقا على خلع الخليفتين معًا، وأن أبا موسى خلع الخليفتين معًا تنفيذًا لاتفاقه مع عمرو بينما قام عمرو بنقض الاتفاق فخلع خليفة وأبقى على الآخر، وهذا كله كذب.
وإن الذي فعله عمرو هو الذي فعله أبو موسى لا يفترق عنه في شيء، وقد أبقى الاثنان أمر الخلافة معلقًا على نظر أعيان الصحابة ليروا فيه رأيهم متى شاءوا وكيف شاءوا، وقد اتفق أبو موسى وعمرو على أن يعهدا بأمر الخلافة على المسلمين إلى الموجودين على قيد الحياة من أعيان صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آنذاك، والذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راضٍ.
واتفاق الحكمين على ذلك لم يكن يتناول معاوية؛ لأنه لم يكن خليفة ولم يقاتل على الخلافة، وإنما كان يطالب بإقامة الحد الشرعي على الذين شاركوا في قتل عثمان؛ فلما وقع التحكيم على إمامة المسلمين اتفق الحكمان على ترك النظر فيها إلى كبار الصحابة وأعيانهم.
أما التصرف العملي في إدارة البلاد فلم يتناوله الحكمان إنما تركا كلا من علي ومعاوية يتصرف في البلاد التي تحت يده؛ وبذلك فإن التحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر من عمرو بن العاص، ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة من أبي موسى، كما يدعي المغرضون، وكان التحكيم يكون محل المكر والغفلة لو أن عمرًا أعلن في نتيجة التحكيم أنه ولي معاوية إمارة المؤمنين وخلافة المسلمين، وهذا ما لم يعلنه عمرو ولا ادعاه معاوية.
ولم تبدأ خلافة معاوية إلا بعد الصلح مع الحسن بن علي عام ٤١للهجرة / ٦٦١م بمبايعة الحسن لمعاوية وتنازله له عن الخلافة؛ ومن ذلك اليوم فقط تسمى معاوية بأمير المؤمنين، فعمرو بن العاص لم يغالط أبا موسى الأشعري ولم يخدعه لأنه لم يعط معاوية شيئًا جديدًا، ولم يقر في التحكيم غير ما قرره الصحابي الجليل أبو موسى ولم يخرج عما اتفقا عليه معًا، فبقيت العراق والحجاز وما يتبعهما تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وتعلق أمر الإمامة والخلافة بما سيكون من اتفاق أعيان الصحابة متى شاءوا وكيف شاءوا، ولهم أن يُبقوا عليًا في الخلافة أو أن يخلعوه عنها ويولوا عليها من يرونه أصلح منه.
وإذا كانت هذه الخطوة الثانية لم تتم فليس ذلك تقصيرًا من أبي موسى ولا نشاطًا من عمرو، فهما قد قاما بمهمتهما بحسب اقتناعهما، وبحسب ما أدى إليه اجتهادهما، وواقع الأمر أن التحكيم ذاته قد رفع من منزلة معاوية إلى مقام علي وحط من مقام علي إلى مستوى منزلة معاوية، إذ إن قرار الحكمين قد شكك في منصب علي الفعلي، وهو الخليفة الشرعي، في حين أنه أقصى معاوية عن ادعاء وهمي لم يكن قد تجاسر على المجاهرة به وهو طلبه الخلافة، والحق أن معاوية لم يجاهر بطلب الخلافة إلا بعد مُضي سنين من التحكيم، وكان علي آنذاك قد ارتقى إلى الرفيق الأعلى.
وقد رفضت طائفة (القراء) من قبائل بكر وتميم وطئ، التي كانت ضمن صفوف جيش علي، فكرة التحكيم، برغم أنهم هم الذين أرغموا عليًا على قبولها، واتخذوا من صيحة أحد زعمائهم، حين صاح قائلًا "لا حكم إلا لله" اتخذوها شعارًا لهم، أي أن حكم الله في الأمر واضح لا يحتاج إلى هذا التحكيم الذي وقع.
ولما جادلهم في ذلك علي وذكرَّهم بأنهم هم الذين أجبروه على التحكيم وقت أن كان نصره وشيكًا على جيش الشام، وطلب منهم الاستمرار معه في جيشه ومواصلة قتال الشاميين، رفضوا ذلك وخرجوا عن جيشه، وكانوا يشكلون ثلث جيش علي، ورفضوا العودة إلى الكوفة، ونزلوا قريةً بظاهر الكوفة تُدعى (حروراء)، واختاروا من بينهم قائدًا وإمامًا هو: (عبد الله بن وهب الراسبي) من قبيلة راسب من الأزد.
وقد أطلق عليٌ وجماعة جيشه على هؤلاء المنشقين عنهم اسم (الخوارج) بينما أطلقوا على أنفسهم اسم (الحرورية) نسبة لحروراء، والشُراة، لقولهم إنهم اشتروا أنفسهم بأن باعوها في سبيل الله، وقد دخل علي في نقاش مع هؤلاء الخوارج وحاول التفاهم معهم على الرجوع إلى صفه وصف المقاتلين معه، إلا أنهم رفضوا ذلك وأصروا على دعواهم وطالبوا عليًا بإقرار الخطأ على نفسه لقبوله التحكيم وطلبوا منه التوبة إلى الله، وقد حاول علي أكثر من مرة التفاهم مع هؤلاء الخوارج خاصة بعد انتهاء أمر التحكيم فرجع إليه جماعة منهم وبقي نحو أربعة آلاف منهم خارجين فلم يكن أمام علي، بعد أن فرغ صبره منهم وعرف عنادهم وإصرارهم على المخالفة إلا أن يحاربهم؛ فقاتلهم عند قرية (النهروان)، خارج الكوفة، وهزمهم فانضاف إلى جيش علي عدد منهم، بعد الهزيمة، وفر من أمام وجهه بعض من نجا منهم، هاربين بأفكارهم ومبادئهم ينشرونها في البلاد البعيدة عن قبضة الدولة، وبالفعل نجح هؤلاء الخوارج في الانتشار في بلاد فارس واليمن والمغرب، وظهرت جماعتهم كفرقة دينية وسياسية لعبت دورًا هامًا على مسرح أحداث الدولة الإسلامية منذ ذلك الوقت.
انقسم الخوارج إلى فرق أهمها:
فرقة الأزارقة- فرقة الصفرية- فرقة النجدات.
وبعد هزيمة علي للخوارج في النهروان، استنفر رجاله للقتال والخروج لمقاتلة جند الشام الملتفين حول معاوية بن أبي سفيان؛ لكن جند علي العراقيين كانوا قد مَلُّوا القتال لطول مدته وتشوقوا للعودة إلى بلادهم وعوائلهم فتسللت أعداد كبيرة منهم عائدة إلى الكوفة ولم يبق مع علي إلا عدد قليل منهم، ولم تفلح محاولات علي في استنهاض هممهم وتشجيعهم وإذكاء الروح القتالية فيهم، وفي نفس الوقت تزايدت أعداد الملتفين حول معاوية في الشام وخاصة بعد أن رأوا تخاذل أهل العراق وانفضاضهم من حول علي وعدم رغبتهم في مواصلة القتال.
بينما كان علي يستحث جنده على القتال ويعدهم بالنصر إذا هم واصلوا معه، حدثت مؤامرة الخوارج التي دبروها للخلاص من علي ومعاوية وعمرو بن العاص بالقتل والاغتيال في ليلة واحدة وقد نجحت هذه المؤامرة الخارجية التي دبرت صباح يوم السابع عشر من شهر رمضان سنة ٤٠ للهـجرة / ٢٥ يناير سنة ٦٦١م في قتل علي بن أبي طالب على يد الخارجي (عبد الرحمن بن ملجم) الذي سدد إليه طعنة صائبة بخنجر مسموم وقعت في جبهته وهو في طريقه إلى مسجد الكوفة لأداء صلاة الفجر، بينما نجا منها كل من معاوية وعمرو بن العاص.
ولما طُعن علي، ذهب إليه جماعة من المسلمين، كانوا قريبين منه، ولم ينتظروا نهاية نتيجة التحكيم، وطلبوا منه أن يستخلف عليهم فقال لهم علي: لا، ما استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأستخلف، ولكن إن يرد الله خيرًا فسيجمعكم بعدي على خيركم كما جمعكم بعد نبيكم على خيركم.
ومات علي متأثرًا بجرح السيف المُسمَّم الذي ضُرب به، فلما مات عقد الناس بالبيعة بعده لابنه الحسن بن علي، وهم يرون بأنه أحق بالخلافة من معاوية ومن كثيرين غيره، وكان معاوية قد أرسل للحسن من يتوسط لإنهاء الحرب واقتتال المسلمين، وانتهت الوساطة بالمصالحة وتنازل الحسن لمعاوية عن الخلافة في (عام الجماعة)، في ربيع الأول سنة ٤١هجرية / يوليو ٦٦١م، وبتولي معاوية الخلافة ينتهي عهد خلافة الراشدين ويبدأ عهد جديد، هو عهد الخلافة الأموية.
أظهر التحكيم بين علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان تعقيدات المرحلة السياسية بعد مقتل الخليفة عثمان، وكشف عن الانقسامات العميقة داخل صفوف المسلمين، ورغم حسن نية الحكمين، إلا أن نتائج التحكيم لم تحسم النزاع بل زادت من حدة الخلافات، وقد مهدت هذه الأحداث لبداية التحول في نظام الحكم من خلافة راشدة إلى الملكية.