Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دلهي (دولة)

الكاتب

د/ وفاء محمود عبد الحليم

دلهي (دولة)

تُعد دلهي من أعرق المدن الهندية التاريخية، وقد تغير موقعها عدة مرات عبر العصور، وقد عَرفت دلهي ازدهارًا حضاريًا كبيرًا خاصة بعد دخول الإسلام إليها، وأصبحت مركز الحكم الإسلامي في الهند، وتعاقبت على دلهي عدة دول إسلامية مثل المماليك، الخلجية، وكان لها دور بارز في مقاومة الاستعمار البريطاني، وتحتوي المدينة على كثير من المعالم الأثرية الإسلامية، وتمثل سجلًا حيًا لتاريخ الهند الإسلامي.

تاريخ تأسيس دلهي وتطورها عبر العصور

"دلهي": هي عاصمة بلاد الهـند، ويقال لها أيضًا "دلَي"، وهي مدينة عظيمة تقع على الضفة الغربية لنهر "جمنا"، عند دائرة عرض ثمان وعشرين درجة وثمان وثلاثين دقيقة شمالًا، وخط طول سبع وسبعين درجة وثلاث عشرة دقيقة شرقًا. [New Delhi, ١٩٩٨,p١. Fanshawe: Delhi (Past and Present)].

سميت "دلهي" لأن أرضها كانت لينة غير متماسكة، وجاءت من كلمة "دهول"، ومعناها في اللغة الهندية التراب غير المتماسك، وقد حرف الإنجليز اسمها إلى دلـهي فصارت تنطق بهذا الشكل" [Delhi:  thecapital of india) New , ١٩٩٧,p٩].

 ويلاحظ أن موقع المدينة تغير على مر الزمان، فموقعها الأصلي حول المكان الذي يشغله "منار قطب"، ثم أخذت تزحف نحو الشمال حتى صارت تقع على شاطئ نهر جمنا، وأقفر مكانها الأصلي. [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ط٣، البيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠م، ص١٩١].

 أما عن مؤسس "دلهي" فقد ورد في الأساطير أنه "يودهيشتيرا" أكبر الإخوة الذين ذكروا في المهابهارتا، وأخذت اسم "إندرابراسترا"، وشهدت ازدهارًا كبيرًا في عهدهم حتى عدت واحدة من أحسن المدن في الهـند آنذاك، ووصفت بأنها الجنة الثانية على الأرض [Abu-L FAZL Allami: aini Akbari, Terrett, H.S.، Calcutta, ١٨٩١,vol lap]] ولكن التاريخ الحقيقي ذكر أن الذي قام ببنائها هو الملك الهندي "رايا سينا" من عشيرة "تومارا" الشهير بـ "أننكبال" وذلك سنة ٣٧٢م، وانتهى حكم أسرة تومارا لها سنة ٧٩١م بعد أن خسر آخر حكامها "بريثيراج" المعركة أمام "ميلديفا شوهان" وانتقل حكم "دلهي" للأخير [ AbU-L-Fazl Allami: AiniAkbari, [ Translated by JARRETTH.S. CALCUTTA١٨٩١, VOLII,P ٣٠٠].

الحكم الإسلامي في دلهي وسلالاته

وفي إطار الفتوحات الغروية في الهند قام القائد "قطب الدين أيبك - مملوك ومقدم جيوش السلطان شهاب الدين محمد بن سام الغوري الذي وكل إليه استكمال الفتوحات الإسلامية في الــهند - بفتح دلهي سنة ٥٨٩هـ / ١١٩٣م، وجعلها عاصمته في الهند. [ابن الأثير: الكامل، ط٣، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٨هـ، ١٩٩٨م، جـ٩/ ص٣٨٢، فخر الدين مباركشاه مرور وذي: تاريخ فخرالدين مباركشاه، لندن، ١٩٢٧م، ص٢٤] ومنذ ذلك الحين أصبحت "دلهي" قاعدة الحكم الإسلامي في الهند من الفتح الإسلامي حتى الاحتلال البريطاني لها. [منهاج سراج: طبقات ناصري، جـ١/ ص٤٠٠، ط٢، كابل، انجمن تاريخ أفغانستان، ١٩٦٣م].

ويعد "قطب الدين أيبك "مؤسس دولة المماليك في الهـند (٦٠٢هـ/١٢٠٥م- ٦٨٩هـ /١٢٩٠م) وهي أول دولة إسلامية مسـتقلة بها، وجاءت بعدها الدولة الخلجية (٦٨٩هـ/ ١٢٩٠م –٧٢٠هـ /١٣٢٠م)، وتلتها دولة بني تغلق" (٧٢٠هـ/١٣٢٠م—٨١٧هـ/١٤١٤م)، وحكم السادات "دلهي" بعد ذلك (٨١٧هـ /١٤١٤م - ٨٥٥هـ / ١٤٥١م) ، ومن بعدهم اللوديون (٨٥٥هـ/ ١٤٥١م- ٢ ٩٣هـ/١٥٢٥ م)، وانتهى حكمهم بفتح السلطان المغولي "بابر بادشاه" الهند سنة ٩٣٢هـ/١٥٢٥م، وتأسيسه دولة المغول في الهند، وخلفه ابنه "همايون شاه" (٩٣٧هـ أواخر سنة ١٥٣٠م)، ولكن لم يقدر له أن ينعم بملك مستقر لتربص "شيرشاه الأفغاني" به، وقد نجح "شرشاه" في هزيمته وطرده من الهند، ولكن "همايون" استعاد عرشه سنة ٩٦٢هـ/١٥٥٥م، إلا إنه لم يعش طويلًا بعد ذلك فقد توفي سنة ٩٦٣هـ/١٥٥٦م.

وخلف "همايون شاه" عدد من سلاطين المغول العظام هم ابنه السلطان "أكبر شاه" (٩٦٣هـ/١٥٥٥م- ١٠١٤هـ/١٦٠٥م)، و "جهـانكير بن أكبرشاه" (١٠١٤هـ/١٦٠٥م- ١٠٣٧هـ/١٦٢٧م)، و "شاهجهان بن جهانكير" (١٠٣٧هـ/١٦٢٧م - ١٠٦٨هـ /١٦٥٧م) ، و "أورنكزيب بن شاهجهان" (١٠٦٨هـ/١٦٥٧م- ١١١٩هـ/١٧٠٧م) [زامور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي، ١٩٥٢م، ص ٤٢٢، ٤٢٣ ،٤٤٢ ، ٤٤٣] الذي كان آخر سلاطين المغول العظام، فقد تلاه سلاطين ضعاف، وقد مكن ذلك الإنجليز من السيطرة على الهـند بسياستهم الماكرة تحت ستار شركة الهـند الشرقية، وانتهى الحال بدخولهـم "دلهي" في أوائل القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، وكان آخر سلاطين المغول في الهند السلطان "بهادر شاه الثاني" الذي اعتلى العرش سنة ١٢٥٤هـ / ١٨٣٨م، ولم يكن له من الحكم شيء، وبلغ الأمر أنهم أرسلوا إليه إنذارًا أنه آخر سلطان يسكن القلعة التي ستتحول إلى ثكنة عسكرية، وكان ذلك الأمر أحد أسباب اشتعال الثورة في الثامن والعشرين من محرم سنة ١٢٧٤هـ / التاسع عشر من سبتمبر سنة ١٨٥٧م  ضد الاحتلال الإنجليزي بقيادة "بهادر شاه"، إلا أن الثورة انتهت بالفشل، وأسر الإنجليز "بهادر شاه" وأسرته، وتم نفيهم في التاسع من ربيع الأول سنة ١٢٧٥هـ/ السابع عشر من أكتوبر سنة ١٨٥٨م إلى مدينة "زانكون" عاصمة "بورما" تحت حراسة مشددة، وبذلك سقطت دولة المغول في الهـند، وطويت آخر صفحات الحكم الإسلامي بها، وظل "بهادر شاه" في محبسه حتى وفاته سنة ١٢٧٩هـ/ السابع من نوفمبر١٨٦٢م [john Keay : India A History, Grove Press, ٢٠٠١, P ٤٣٩ . Mohammad Umar: Muslim Society in the Northern India During the Eighteenth Century, ١٩٩٨, p٧١٧. Syed Sami. Ahmed: The End of Muslim Rule in India, ١٩٩٧, p.٢١١].

وتعرضت "دلهي" للتدمير مرتين: الأولى بسبب غزو "تيمورلنك" لها سنة ٨٠١هـ/١٣٩٨م، والثانية بسبب غزو "نادر شاه" لها سنة ١١٥١هـ /١٧٣٨م [ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ٢/ص١٦، ط١ القاهرة، مطبعة وادي النيل الجديدة، ١٢٨٧هـ].

معالم دلهي الأثرية

ترك الحكم الإسلامي "لدلهي" الذي دام ثمانية قرون ونصف قرنٍ متصلة بصماته الحضارية في مختلف المجالات بها، وتتبين هذه المجالات من دراسة المعالم الأثرية "لدلهي".

فقد شهدت ازدهارًا كبيرًا في العصر الإسلامي، وزخرت بالآثار الإسلامية من القصور الفخمة، والأضرحة المرصعة بالجواهر، وقد وصفها "ابن بطوطة" الذي زارها في منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي بأنها بلغت من الحسن والحصانة والعظمة ما لم تبلغه مدينة أخرى في المشرق في ذلك الوقت، هذا بالإضافة إلى كبر مساحتها، وكثرة عماراتها. [ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ٢/ ص١٦، ط١ القاهرة، مطبعة وادي النيل الجديدة، ١٢٨٧هـ]. وتبلغ المعالم الأثرية في "دلهي" الآن أكثر من ألف وثلاثمائة معلم [Patrick Harton, Richard Plunkett, Hugh Finlay: Delhi, Australia, ٢٠٠٢,p٨٥.]. وعمل سلاطين "دلهي" على تعمير عاصمتهم وتوسيعها، فأنشأوا عددًا من المدن المتصلة بها، ويمكننا تتبع التطور العمراني لمدينة "دلهي" على مر الحكم الإسلامي لها على النحو التالي: "مدينة دلهي" القديمة التي فتحها "قطب الدين أيبك" ومن أهم معالمها قلعة "راجا بثورا" التي كانت مقر حكم السلطان "قطب الدين" وخليفته السلطان "شمس الدين أيلتمش" (٦٠٧هـ/١٢١٠م- ٦٣٣هـ/١٢٣٦م)، وبنى السلطان "بلبن" (٦٦٤هـ/١٢٦٥م- ٦٨٦هـ/١٢٧٨م) قلعة جديدة ودارا للمظالم.

وبنى السلطان "معز الدين كيقباد" (٦٨٦هـ/١٢٨٧م- ٦٨٩هـ/١٢٩٠م) مدينة أخرى على ضفة نهر "جمنا" سميت "كيلوكهرى"، وبنى فيها قصرًا عاليًا وحديقة كبيرة [الهروي: طبقات أكبرى، جـ١/ص١٠، ترجمة أحمد عبد القادر الشاذلي، الهيئة العامة للكتاب، ١٩٩٥م]. وقد أشاد الشاعر "أمير خسرو" بها وبقصورها، ونالت إعجاب السلطان "همايون شاه" وجعلها مقره، وقام بتعميرها بالمباني الجديدة.

وبنى السلطان "علاء الدين خلجي (٦٩٥هـ/١٢٩٦م- ٧١٦هـ/١٣١٦م) مدينة "سرى" خارج "دلهي القديمة"، وبنى قلعة بها [الهروي: المصدر نفسه، جـ١/ص١٣٧]، وهي تبعد أربعة أميال جنوب غرب "دلهي القديمة"، وتسمى الآن "شاهبور". [Fanshawe Delhi (Past and present)، New Delhi, ١٩٩٨, p١]. وبنى بها قصرًا له سماه "كوشك سبز" أي: القصر الأخضر. [معين الدين الندوي: معجم الأمكنة التي لها ذكر في نزهة الخواطر، حيدر آباد الدكن، ١٣٥٣هـ، ص٣٤].

وكانت "سرى" قاعدة السلطان "علاء الدين" وابنه السلطان "قطب الدين"، وتسمى "سرى" أيضًا "دار الخلافة"، وقد أعطاها السلطان "محمد تغلق شاه" (٧٢٥هـ/١٣٢٥م- ٧٥٢هـ/١٣٥١م) إلى "غياث الدين" حفيد الخليفة العباسي "المستنصر بالله"، وظلت "سرى" عامرة حتى دمَّرها "شير شاه" (٩٤١هـ/١٥٤٠م- ٩٥٢هـ /١٥٤٥ م) [ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ٢/ص١٧]، وبنى مدينة منفصلة عنها هي مدينة "بورانا ". [عصام الدين عبد الرؤوف الفقي: بلاد الهند في العصر الإسلامي، دار الفكر العربي، ٢٠٠٢م، ص٤٩٦].

ومدينة" تغلق آباد" سميت باسم بانيها السلطان "غياث الدين تغلق شاه" (٧٢٠هـ/١٣٢٠م-٧٢٥هـ/١٣٢٥م) [ابن بطوطة: المصدر نفسه، جـ٢/ ص١٧] - وهي تبعد أربعة أميال جنوب شرق "سـرى"، ونحو خمسة أميال جنوب شرق "دلهي" القديمة. [Fanshawe: op. cit، p.٢]. وهي مدينة ذات أسوار وقلعة حصينة، بناها "غياث الدين تغلق شاه" سنة ٧٢١هـ/١٣٢١م، وبنى بها قصورًا حسنة كلها خاوية على عروشها الآن للأسف، وصار مكانها قرية صغيرة. [معين الدين الندوي: معجم الأمكنة، ص٣٤].

ومدينة "جهان بناه" بنــاها السلطان "محمد شاه تغلق" وجعلها قاعدة ملكه، [ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ٢/ص١٧] كما أقام السلطان "فيروز شاه" (٧٥٢هـ/١٣٥١م- ٧٩٠هـ/١٣٨٨م) مدينة كبيرة ملحقة "بدلهي" سماها باسمه "فيروز آباد" على ضفتي نهر "جمنا" الذي يقطعها.

هذا وقد شيد السلطان "فيروز شاه" الكثير من المساجد التي لاقـت إعجاب الرحالة الأجانب الذين زاروا المدينة في أواخر القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وبنى قصر "جهان نومه" على قمة تل، ويبعد القصر عن "دلهي" بثلاثة أميال، وقد بناه على أعمدة رخامية ضخمة يصل ارتفاعها ثلاثين قدمًا، وسمك العمود الواحد خمسة أقدام [Father A. Monserrate's Description of Delhi (١٥٨١)، p١٧٤,١٧٨]. كما بنى قصرًا آخر بدلهي هو قصر "بلابندسيري [معين الدين الندوي: المرجع نفسه، ص٩].

أما مدينة المغول الجديدة في دلهي فهي "شاهجهان آباد" نسبة إلى السلطان "شاه جهان" الذي شيدها سنة ١٠٦١ هـ / ١٦٥٠م، وهي تقع بين "سرى" و "دلهي القديمة"، وأول منشآته بها القصر الملكي الذي أنشأه في الفترة من سنة ١٠٤٨هـ/ ١٦٣٨م إلى سنة ٠٥٨ ١هـ/ ١٦٤٨م، وأنشأ بعد ذلك حائط المدينة الذي ربطها ببقية مدن "دلهي" شمالًا وجنوبًا، كما أنشأ المسجد الجامع، هذا بالإضافة إلى منشآت امرأته وحاشيته، فلم يمض أكثر من ست سنوات حتى اكتملت المدينة. [Fanshawe: Delhi, p.٣٤].

المعالم الأثرية الإسلامية في دلهي

وأهم المعالم الأثرية الإسلامية في مدينة دلهي:

مسجد "قوة الإسلام" الذي يعد من أهم مباني المدينة في العصر الإسلامي، بناه السلطان " قطب الدين" بعـــد فتحه "لدلهي"، وقد بناه من الحجارة، وهو كبير المساحة له ثلاث عشرة قبة وأربعة صحون، وعند الباب الشرقي للمسجد صنمان كبيران من النحاس يطأ عليهما المصلون عند دخول المسجد، وفي الصحن الشمالي من المسجد الصومعة التي يذكر "ابن بطوطة" أنه لم ير مثلها، بناها السلطان "معز الدين كيقباد"، وقد بنيت من الحجر الأحمر المنقوش، وتتميز بعظم ارتفاعها وسعة ممرها حتى أنها تسع ثلاثة أفيال متجاورة. [معين الدين الندوي: المرجع نفسه، ص٩].

وفي ساحة المسجد العمود الحديدي الذي أنشأه حاكم دلهي "راجارهافا"، ويرجع بناؤه إلى القرن السادس الميلادي، وهو يزن سبعة عشر طنًا، وقد انمحت آثار المسجد، ولم يتبق منه إلا العقود القائمة على الأعمدة الجرانيتية المغطاة بالزخارف. [Delhi, p.٩.].

وبالقرب من المسجد يقع ضريح السلطان "شمس الدين ألتمش" أنشأه ٦٣٣هـ / ١٢٣٥م، وهو يعد من أهم المباني الإسلامية في "دلهي"، وقد نقشت على جدرانه آيات قرآنية بحروف بارزة بالخطين الثلث والكوفي، وقد امتزج فيه الطرازان المعماريان الهندي والإسلامي [غوستاف لوبون: حضارة الهند، نقله إلى العربية عادل زعيتر، دار العالم العربي، ٢٠٠٩م، ص٢٢١- ٥٢٦].

وتعد منارة قطب من أهم الآثار الإسلامية في "دلهي"، بناهــا السلطان "قطب الدين أيبك" بمناسبة فتح "دلهي"، وهي تعد من أهم الآثار الإسلامية العظيمة التي ترجع لهذه الفترة، والتي تعتبر من أعلى أبراج العالم، والمنارة في مجموعها ليس لها نظير في "دلهي" كلها، حيث يصل ارتفاعها إلى ٢٣٨ قدمًا، وهي مصنوعة من الحجر الأحمر والرخام.

وقد بدأ السلطان "قطب الدين أيبك" بناءها عام ٥٨٧هـ/ ١١٩١م، وأكملها السلطان "ألتمش" حوالي عام ٦٥٨هـ/١٢٦٠م، وبنى الطابقين الثاني والثالث منها، ثم زاد "فيروزشاه" الطابقين الرابع والخامس سنة ٧٥٢هـ/١٣٥١م [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص١٠٧].

ومن أهم معالم "دلهي" ضريح "همايون"، وهو ضريح كبير بناه ابنه "أكبر شاه" بين أكثر الحدائق جمالًا في دلهي، وقد بنت أكثر زوجاته محبة له -وهي والدة "ميرزاشيم" ملك كابل- منزلًا بجوار الضريح لتظل تنظر إليه حتى آخر حياتها [Father Monserrate's Description of Delhi (١٥٨)، p١٧٣.].

ويقع ضريح "همايون" الآن جنوب مركز المدينة، ومن المعالم الأثرية القائمة في حديقته ضريح "صفدار خانج"، وأضرحة حديقة لودي، والمدرسة في "هوز خاز" [Patrick Horton, Richard Plunkett, Hugh Finaly, Delhi, p٨٥.].

يعد السلطان "شاهجهان" من أهم سلاطين المغول الذين اهتموا بعمارة "دلهي"، ومن منشآته بها القلعة الحمراء، أو "لآل قلعة"، وهي بناء ضخم شديد الفخامة بناه "شاهجهان" لسكناه، وقد أصبحت مقر سلاطين المغول في "دلهي"، حتى احتلها الإنجليز، وأخرجوا منها السلطان "بهادر شاه" آخر سلطان مغولي، وظلوا بالقلعة حتى خرجوا من الهند بعد أن خربوها، ونهبوا كل ما بها من أشياء وأحجار ثمينة، وقد وصفها "جوستاف لوبون" بأنها من أجمل مباني الدنيا.

ويعد المسجد الجامع في "دلهي" أو "جامع مسجد" كما يسمى في الهند من أفخم المساجد التي بنيت في الهند، وقد أمر "شاهجهان" ببنائه سنة١٠٦٠ هـ/١٦٥٠م، وكان للمسجد دور ريادي في مقاومة الاحتلال البريطاني، فكان مقرًا للثائرين ضد الإنجليز في ثورة ١٢٧٤هـ/١٨٥٧م، لذلك احتله الإنجليز ومنعوا الصلاة فيه حتى سنة ١٢٧٩هـ/١٨٦٢م [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص٢٤٨- ٢٥١].

ويكمن سحر "دلهي" في مبانيها العامة الضخمة، فتزخر المدينة بالأبنية الحجرية المطلية بالجير، والمباني كلها كبيرة وشامخة ومزدانة بالزخارف، وعمل سلاطين المغول على تعميرها، ويحدثنا الرحالة الإنجليزي "فاذر" الذي زارها سنة ٩٨٩هـ /١٥٨١م عن اهتمام "همايون شاه" بتعمير وبناء "دلهي"، وتمهيد طرقها التي تميزت بالاتساع، وزرعت في وسط الطرق الأشجار الرائعة التنسيق لتظلل الطرق وتجملها، وهي تتناغم مع الضواحي العديدة المليئة بالحدائق على كلا جانبي نهر "جمنا"، والتي تحف بالمدينة من الشرق، وتكثر بضواحي "دلهي" زراعة أنواع كثيرة من العنب والفاكهة، فهي منطقة شديدة الخصوبة والغنى [Father Monserrate's Description of Delhi (١٥٨)، p١٧٥.].

وتضمنت "دلهي" في العصر المغولي ثمانمائة حمام، ويقيم الأمراء في قصورهم الفخمة، ويتجمع أرباب الحرف في شوارع خاصة بهم، وكل أصحاب تجارة لهم سوق خاصة بهم، وخصصت مساكن للتجار الأجانب بها مخازن كبيرة لسلعهم وإصطبلات لدوابهم. [عصام الدين عبد الرؤوف الفق: بلاد الهند في العصر الإسلامي، ص٤٩٤- ٤٩٥].

ومن أهم مراصد "دلهي" المرصد الذي أنشأه "راجا جيبور محمد شاه" سنة ١١٣٣هـ/١٧٢٠م، ويعرف باسم "جنترمنتر" باللغة الهندية أي: آلة الرصد [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص٢٧٧].

أما عن وسائل المدينة الدفاعية فأهمها سور مدينة "دلهي" الذي يتميز بالعظمة والحصانة، وقد وصفه "ابن بطوطة" بأنه ليس له نظير في ذلك الوقت، وقد أراد السلطان "محمد شاه تغلق" ضم المدن الأربعة "دلهي القديمة" و"سرى" و"تغلق آباد" و "جهان" تحت سور واحد؛ ولكنه لم يستطع إكماله لعظم تكاليف بنائه، ويصل عرض حائطه إلى أحد عشر ذراعًا، بنى به مساكن للجنود المختصِّين بحراسته، كما بنى به مخازن لحفظ الغلال، والأسلحة وأدوات الحصار، ويعلوه العديد من الأبراج المبنية بالآجر، و"لدلهي" ثمانية وعشرون بابًا. [ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ٢/ص١٧] من أهمها الباب المزين بالنقوش للسلطان "علاء الدين خلجي". [غوستاف لوبون: حضارة الهند، ص٢١١].

ويعد السور الضخم "لتغلق آباد" في الجنوب الشرقي للمدينة من أهم المزارات الأثرية بها الآن [Patrick Horton, Richard Plunkett, Hugh Finlay, Australia, ٢٠٠٢,p٨٥.]. وقد أُكمل السور لاحقًا، فيقول الرحالة الإنجليزي "فاذر" الذي زار دلهي سنة ٩٢٤هـ/١٥١٨م: اكتمل سور مدينة "دلهي" حتى أصبح يحيط بالمدينة كلها". [Father A: op. city, p١٧٤.].

وقلعة "فيروز شاه تغلق" أنشأها في بداية عهده سنة ٧٥٥هـ /١٣٥٤م على حافة نهر "جمنا" بجوار مدينته "فيروز آباد" في موضع يسمى "قادن"، وقد سماها "كوشاك فيروز شاه" أو "كوتيلا فيروز شاه"، وقد بنى في هذه القلعة ثلاثة معابر سرية، وهذه المعابر كانت عريضة لتسمح بعبور نساء السلطان بسلاسة، ويتصل المعبر الأول بالنهر، والثاني بمبنى "كوشاكى شيكار" وطوله قوسان، والثالث يتصل بجهة "دلهي القديمة" وقلعة "راى بيثورا"، وطوله خمسة أقواس. [Carr Stephen: the Archeology and Monumental Remains of Delhi, Simla, ١٨٧٦, pp.١٢٥- ١٢٦. Saiyid Ahmad Khan: Description des monuments de Delhi end ١٨٥٢, d. apres le Texte Hindoustani, Par M. Garcinn de Tassy, Paris, ١٨٦١, pt. ١, ٢٦.].

وأقام "شاهجهان" القلعة الحمراء على شاطئ نهر "جمنا"، وهي تماثل القلعة الحمراء التي بناها "أكبر شاه" في "أكرا" في شكلها الخارجي، وبنى سورها من الحجارة الحمراء، وهي تشتمل على أماكن متعددة للملك ونسائه وحاشيته وجنوده ومجلسه الخاص والعام، وعلى مسجد اللؤلؤة الذي يعد تحفة في عالم البناء على الرغم من صغر حجمه، وقد بناه من الرخام الخالص، وللمسجد ثلاث قباب بصلية الشكل مرمرية، وكتبت أعمدته بالمرمر المزخرف بالزهور والمطعم بالذهب والأحجار الكريمة. [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص٢٤٨، ٢٥١].

أما عن وسائل إمداد المدينة بالمياه فأهمها الآبار القريبة من المدينة، وهي عميقة تصل إلى سبعة أذرع، وعليها سَوَاقٍ لرفع المياه، أما شرب أهلها فمن ماء المطر يخزنونه في أحواض كبيرة [ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار، تحقيق محمد سالم بن شديد العوفي، مطبعة المدني،١٩٩٠م، ص١٢٦]، ومن هذه الأحواض الحوض الكبير الذي بناه السلطان "شمس الدين أيلتمش"، ويشرب منه أهل المدينة، وفيه يتم تجميع مياه الأمطار، ويبلغ طوله نحو ميلين وعرضه نحو ميل، وفي الجهة الغربية منه بنى مصلى، كما بنيت مبانٍ حجرية لها شكل الدكاكين بعضها أعلى من بعض، وفي كل دكان سلم ينزل إلى الماء، وبجانب كل دكان قبة حجرية فيها مجالس للمتنزهين، وفي وسط الحوض قبة حجرية منقوشة تتكون من طابقين، وعند امتلاء الحوض بالمياه لا يمكن الوصول إليه إلا بالقوارب، وبداخلها مسجد يقيم به الزهاد والصوفية المنقطعون للعبادة، وتستغل جوانب الحوض في الزراعة عند انخفاض منسوب المياه، وبالإضافة إلى الحوض الكبير بُني الحوض الخاص بين مدينتي "دلهي" و "دار الخلافة"، وهو أكبر من الحوض الكبير، وعلى جوانبه بُني أربعون قبة، ويسكن حوله أهل الطرب، ويسمى ذلك الموضع "طرب آباد"، وهي ضاحية ضخمة بها سوق عظيم ومساجد كثيرة [ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ٢/ص١٩]. ولحل مشكلة قلة إمدادات المياه للمدينة قام السلطان "شرشاه السوري" بنقل مدينة "دلهي" على شاطئ نهر "جمنا"، وجعل عمارتها على النهر مباشرة [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص١٩١].

وتعد "دلهي" من أهم مراكز الإشعاع الثقافي الإسلامي في شبه القارة الهندية، فقد اهتم سلاطينها ببناء المدارس والكتاتيب وغيرها من المعاهد العلمية التي كانت مركزًا لنشر الثقافة الإسلامية ليس في "دلهي" فقط وإنما في شبه القارة الهندية كلها، ويذكر "ابن فضل الله العمري" عدد المدارس في "دلهي" الذي بلغ الألف في عهده، كلها للحنفية باستثناء واحدة للشافعية، ونحو سبعين مارستان، أو "دور الشفا" كما تسمى في الهند، هذا غير الخوانق والأربطة التي كانت مراكز لتجمع الصوفية [ابن فضل العمري: مسالك الأبصار، ص١٢٥].

وينسب إلى "دلهي" كثير من العلماء والصوفية والشعراء والأدباء والفنانين، هذا بالإضافة إلى فيض العلماء الذين انجذبوا إليها من مختلف البلدان بسبب تشجيع سلاطين "دلهي" للعلم، وإجزالهم العطاء للعلماء والأدباء، ومن أهم صوفية "دلهي" الصوفي الكبير "قطب الدين بختيار الكعكي" والواعظ "علاء الدين البزواني" والزاهد "صدر الدين الكهرانني"[ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ٢/ص١٩، ٢٠] والصوفي الكبير "نظام الدين أولياء" و "نصير الدين محمود" والشاعر الصوفي الكبير "أمير خسرو" وغيرهم كثير. [Abu-L Fazl Allami,, Ain I Akbari, Vol.ll,p٢٧٩].].

ومن أعظم شعراء الأردية في دلهي: نصير الدين الدهلوي، ومحمد إبراهيم ذوق، ومرزا أسد الله خان غالب، والسلطان بهادر شاه ظفر الثاني. [Kanda: Bahader Shah Zafar and his Contemporaries, New Dawn Press, ٢٠٠٧, p٤٣٢.].

ومن أهم علماء الفلك والرياضيات بها "ميرزا خير الله" منشئ مرصد "دلهي" [عصام الدين عبد الرؤوف الفق: بلاد الهند في العصر الإسلامي، ص٤٨٦].


مصادر ومراجع للاستزادة:

  • عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، الهيئة المصرية العامة للكتاب عام ١٩٩٩م.
  • ابن الأثير: الكامل في التاريخ.
  • د. عصام الدين عبد الرؤوف الفقي: بلاد الهند في العصر الإسلامي.
  • ابن بطوطة: رحلة بن بطوطة.
  • غوستاف لوبون: حضارة الهند ترجمة عادل زعيتر.

الخلاصة

دلهي، تُعد من أعرق المدن الهندية التاريخية التي مرت بتحولات كبيرة منذ تأسيسها، وسميت بهذا الاسم نظرًا لطبيعة أرضها اللينة، وقد تغير موقعها عدة مرات عبر العصور، وقد ورد في الأساطير أن مؤسسها هو "يودهيشتيرا"، بينما يذكر التاريخ أن الملك "رايا سينا" من عشيرة تمارا هو الذي بناها في القرن الرابع الميلادي، وعرفت دلهي ازدهارًا حضاريًا كبيرًا خاصة بعد دخول الإسلام إليها، حيث فتحها القائد "قطب الدين أيبك" سنة ٥٨٩هـ/١١٩٣م، وأصبحت مركز الحكم الإسلامي في الهند، وتعاقبت على دلهي عدة دول إسلامية مثل المماليك، الخلجية، بني تغلق، السادات، الوديون، ثم الدولة المغولية التى أسسها "بابر" سنة ١٥٢٦م، وبلغت أوجها في عهد السلطان "شاهجهان"، وعُرفت دلهي بتعدد عواصمها الداخلية، حيث أنشأ الحكام عدة مدن متصلة بها مثل "تغلق آباد"، و"فيروز آباد"، و"شاهجهان آباد"، ومن أبرز معالمها "القلعة الحمراء"، "منارة قطب"، "ضريح همايون"، و"الجامع الكبير"، الذي أمر ببنائه شاهجهان، وكان له دور بارز في مقاومة الاستعمار البريطاني، وتحتوي المدينة على أكثر من ١٣٠٠ معلم أثرى إسلامي، وتمثل سجلًا حيًا لتاريخ الهند الإسلامي.

موضوعات ذات صلة

من أبرز الحركاتِ الثوريّةِ التي ظهرتْ في العصر العباسيّ.

هم سكانُ المنطقةِ الجبليّة المطلّة على بحرِ قزوين شمال إيران.

يعتبر تاريخ المغول جزءًا مهما مؤثرًا لا ينفصل عن تاريخ الشرق الإسلامي في العصور الوسطى.

موضوعات مختارة