وأهم المعالم الأثرية الإسلامية في مدينة دلهي:
مسجد "قوة الإسلام" الذي يعد من أهم مباني المدينة في
العصر الإسلامي، بناه السلطان " قطب الدين" بعـــد فتحه "لدلهي"،
وقد بناه من الحجارة، وهو كبير المساحة له ثلاث عشرة قبة وأربعة صحون، وعند الباب الشرقي
للمسجد صنمان كبيران من النحاس يطأ عليهما المصلون عند دخول المسجد، وفي الصحن
الشمالي من المسجد الصومعة التي يذكر "ابن بطوطة" أنه لم ير مثلها،
بناها السلطان "معز الدين كيقباد"، وقد بنيت من الحجر الأحمر المنقوش،
وتتميز بعظم ارتفاعها وسعة ممرها حتى أنها تسع ثلاثة أفيال متجاورة. [معين الدين الندوي: المرجع نفسه، ص٩].
وفي ساحة المسجد العمود الحديدي الذي أنشأه حاكم دلهي "راجارهافا"،
ويرجع بناؤه إلى القرن السادس الميلادي، وهو يزن سبعة عشر طنًا، وقد انمحت آثار
المسجد، ولم يتبق منه إلا العقود القائمة على الأعمدة الجرانيتية المغطاة بالزخارف.
[Delhi, p.٩.].
وبالقرب من المسجد يقع ضريح السلطان "شمس الدين ألتمش" أنشأه
٦٣٣هـ / ١٢٣٥م، وهو يعد من أهم المباني الإسلامية في "دلهي"، وقد نقشت
على جدرانه آيات قرآنية بحروف بارزة بالخطين الثلث والكوفي، وقد امتزج فيه
الطرازان المعماريان الهندي والإسلامي [غوستاف لوبون:
حضارة الهند، نقله إلى العربية عادل زعيتر، دار العالم العربي، ٢٠٠٩م، ص٢٢١- ٥٢٦].
وتعد منارة قطب من أهم الآثار الإسلامية في "دلهي"،
بناهــا السلطان "قطب الدين أيبك" بمناسبة فتح "دلهي"، وهي
تعد من أهم الآثار الإسلامية العظيمة التي ترجع لهذه الفترة، والتي تعتبر من أعلى
أبراج العالم، والمنارة في مجموعها ليس لها نظير في "دلهي" كلها، حيث
يصل ارتفاعها إلى ٢٣٨ قدمًا، وهي مصنوعة من الحجر الأحمر والرخام.
وقد بدأ السلطان "قطب الدين أيبك" بناءها عام ٥٨٧هـ/ ١١٩١م،
وأكملها السلطان "ألتمش" حوالي عام ٦٥٨هـ/١٢٦٠م، وبنى الطابقين الثاني
والثالث منها، ثم زاد "فيروزشاه" الطابقين الرابع والخامس سنة
٧٥٢هـ/١٣٥١م [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند،
ص١٠٧].
ومن أهم معالم "دلهي" ضريح "همايون"، وهو ضريح كبير
بناه ابنه "أكبر شاه" بين أكثر الحدائق جمالًا في دلهي، وقد بنت أكثر
زوجاته محبة له -وهي والدة "ميرزاشيم" ملك كابل- منزلًا بجوار الضريح
لتظل تنظر إليه حتى آخر حياتها [Father Monserrate's Description of Delhi (١٥٨)، p١٧٣.].
ويقع ضريح "همايون" الآن جنوب مركز المدينة، ومن المعالم
الأثرية القائمة في حديقته ضريح "صفدار خانج"، وأضرحة حديقة لودي،
والمدرسة في "هوز خاز" [Patrick Horton, Richard Plunkett, Hugh Finaly, Delhi, p٨٥.].
يعد السلطان "شاهجهان" من أهم سلاطين المغول الذين اهتموا
بعمارة "دلهي"، ومن منشآته بها القلعة الحمراء، أو "لآل قلعة"،
وهي بناء ضخم شديد الفخامة بناه "شاهجهان" لسكناه، وقد أصبحت مقر سلاطين
المغول في "دلهي"، حتى احتلها الإنجليز، وأخرجوا منها السلطان
"بهادر شاه" آخر سلطان مغولي، وظلوا بالقلعة حتى خرجوا من الهند بعد أن
خربوها، ونهبوا كل ما بها من أشياء وأحجار ثمينة، وقد وصفها "جوستاف
لوبون" بأنها من أجمل مباني الدنيا.
ويعد المسجد الجامع في "دلهي" أو "جامع مسجد"
كما يسمى في الهند من أفخم المساجد التي بنيت في الهند، وقد أمر
"شاهجهان" ببنائه سنة١٠٦٠ هـ/١٦٥٠م، وكان للمسجد دور ريادي في مقاومة
الاحتلال البريطاني، فكان مقرًا للثائرين ضد الإنجليز في ثورة ١٢٧٤هـ/١٨٥٧م، لذلك
احتله الإنجليز ومنعوا الصلاة فيه حتى سنة ١٢٧٩هـ/١٨٦٢م
[عبد
المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص٢٤٨- ٢٥١].
ويكمن سحر "دلهي" في مبانيها العامة الضخمة، فتزخر المدينة
بالأبنية الحجرية المطلية بالجير، والمباني كلها كبيرة وشامخة ومزدانة بالزخارف،
وعمل سلاطين المغول على تعميرها، ويحدثنا الرحالة الإنجليزي "فاذر" الذي
زارها سنة ٩٨٩هـ /١٥٨١م عن اهتمام "همايون شاه" بتعمير وبناء "دلهي"،
وتمهيد طرقها التي تميزت بالاتساع، وزرعت في وسط الطرق الأشجار الرائعة التنسيق
لتظلل الطرق وتجملها، وهي تتناغم مع الضواحي العديدة المليئة بالحدائق على كلا جانبي
نهر "جمنا"، والتي تحف بالمدينة من الشرق، وتكثر بضواحي "دلهي"
زراعة أنواع كثيرة من العنب والفاكهة، فهي منطقة شديدة الخصوبة والغنى [Father Monserrate's
Description of Delhi (١٥٨)، p١٧٥.].
وتضمنت "دلهي" في العصر المغولي ثمانمائة حمام، ويقيم
الأمراء في قصورهم الفخمة، ويتجمع أرباب الحرف في شوارع خاصة بهم، وكل أصحاب تجارة
لهم سوق خاصة بهم، وخصصت مساكن للتجار الأجانب بها مخازن كبيرة لسلعهم وإصطبلات لدوابهم.
[عصام الدين عبد الرؤوف الفق: بلاد الهند في العصر الإسلامي،
ص٤٩٤- ٤٩٥].
ومن أهم مراصد "دلهي" المرصد الذي أنشأه "راجا جيبور محمد
شاه" سنة ١١٣٣هـ/١٧٢٠م، ويعرف باسم "جنترمنتر" باللغة الهندية أي:
آلة الرصد [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في
الهند، ص٢٧٧].
أما عن وسائل المدينة الدفاعية فأهمها سور مدينة "دلهي" الذي
يتميز بالعظمة والحصانة، وقد وصفه "ابن بطوطة" بأنه ليس له نظير في ذلك
الوقت، وقد أراد السلطان "محمد شاه تغلق" ضم المدن الأربعة "دلهي
القديمة" و"سرى" و"تغلق آباد" و "جهان" تحت
سور واحد؛ ولكنه لم يستطع إكماله لعظم تكاليف بنائه، ويصل عرض حائطه إلى أحد عشر
ذراعًا، بنى به مساكن للجنود المختصِّين بحراسته، كما بنى به مخازن لحفظ الغلال،
والأسلحة وأدوات الحصار، ويعلوه العديد من الأبراج المبنية بالآجر، و"لدلهي"
ثمانية وعشرون بابًا. [ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ٢/ص١٧]
من أهمها الباب المزين بالنقوش للسلطان "علاء الدين خلجي".
[غوستاف
لوبون: حضارة الهند، ص٢١١].
ويعد السور الضخم "لتغلق آباد" في الجنوب الشرقي للمدينة
من أهم المزارات الأثرية بها الآن [Patrick Horton, Richard Plunkett, Hugh Finlay, Australia,
٢٠٠٢,p٨٥.]. وقد
أُكمل السور لاحقًا، فيقول الرحالة الإنجليزي "فاذر" الذي زار دلهي سنة ٩٢٤هـ/١٥١٨م:
اكتمل سور مدينة "دلهي" حتى أصبح يحيط بالمدينة كلها". [Father A: op. city,
p١٧٤.].
وقلعة "فيروز شاه تغلق" أنشأها في بداية عهده سنة ٧٥٥هـ /١٣٥٤م
على حافة نهر "جمنا" بجوار مدينته "فيروز آباد" في موضع يسمى
"قادن"، وقد سماها "كوشاك فيروز شاه" أو "كوتيلا فيروز شاه"،
وقد بنى في هذه القلعة ثلاثة معابر سرية، وهذه المعابر كانت عريضة لتسمح بعبور
نساء السلطان بسلاسة، ويتصل المعبر الأول بالنهر، والثاني بمبنى "كوشاكى
شيكار" وطوله قوسان، والثالث يتصل بجهة "دلهي القديمة" وقلعة
"راى بيثورا"، وطوله خمسة أقواس. [Carr Stephen: the Archeology and Monumental Remains of Delhi,
Simla, ١٨٧٦, pp.١٢٥- ١٢٦. Saiyid Ahmad Khan: Description des monuments de Delhi
end ١٨٥٢, d. apres le Texte Hindoustani, Par M. Garcinn de Tassy, Paris, ١٨٦١,
pt. ١, ٢٦.].
وأقام "شاهجهان" القلعة الحمراء على شاطئ نهر "جمنا"،
وهي تماثل القلعة الحمراء التي بناها "أكبر شاه" في "أكرا" في
شكلها الخارجي، وبنى سورها من الحجارة الحمراء، وهي تشتمل على أماكن متعددة للملك
ونسائه وحاشيته وجنوده ومجلسه الخاص والعام، وعلى مسجد اللؤلؤة الذي يعد تحفة في
عالم البناء على الرغم من صغر حجمه، وقد بناه من الرخام الخالص، وللمسجد ثلاث قباب
بصلية الشكل مرمرية، وكتبت أعمدته بالمرمر المزخرف بالزهور والمطعم بالذهب
والأحجار الكريمة. [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام
في الهند، ص٢٤٨، ٢٥١].
أما عن وسائل إمداد المدينة بالمياه فأهمها الآبار القريبة من المدينة، وهي
عميقة تصل إلى سبعة أذرع، وعليها سَوَاقٍ لرفع المياه، أما شرب أهلها فمن ماء
المطر يخزنونه في أحواض كبيرة [ابن فضل الله العمري:
مسالك الأبصار، تحقيق محمد سالم بن شديد العوفي، مطبعة المدني،١٩٩٠م، ص١٢٦]، ومن
هذه الأحواض الحوض الكبير الذي بناه السلطان "شمس الدين أيلتمش"، ويشرب
منه أهل المدينة، وفيه يتم تجميع مياه الأمطار، ويبلغ طوله نحو ميلين وعرضه نحو
ميل، وفي الجهة الغربية منه بنى مصلى، كما بنيت مبانٍ حجرية لها شكل الدكاكين
بعضها أعلى من بعض، وفي كل دكان سلم ينزل إلى الماء، وبجانب كل دكان قبة حجرية
فيها مجالس للمتنزهين، وفي وسط الحوض قبة حجرية منقوشة تتكون من طابقين، وعند
امتلاء الحوض بالمياه لا يمكن الوصول إليه إلا بالقوارب، وبداخلها مسجد يقيم به
الزهاد والصوفية المنقطعون للعبادة، وتستغل جوانب الحوض في الزراعة عند انخفاض
منسوب المياه، وبالإضافة إلى الحوض الكبير بُني الحوض الخاص بين مدينتي "دلهي"
و "دار الخلافة"، وهو أكبر من الحوض الكبير، وعلى جوانبه بُني أربعون
قبة، ويسكن حوله أهل الطرب، ويسمى ذلك الموضع "طرب آباد"، وهي ضاحية
ضخمة بها سوق عظيم ومساجد كثيرة [ابن بطوطة: رحلة ابن
بطوطة، جـ٢/ص١٩]. ولحل مشكلة قلة
إمدادات المياه للمدينة قام السلطان "شرشاه السوري" بنقل مدينة "دلهي"
على شاطئ نهر "جمنا"، وجعل عمارتها على النهر مباشرة [عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص١٩١].
وتعد "دلهي" من أهم مراكز الإشعاع الثقافي الإسلامي في شبه
القارة الهندية، فقد اهتم سلاطينها ببناء المدارس والكتاتيب وغيرها من المعاهد
العلمية التي كانت مركزًا لنشر الثقافة الإسلامية ليس في "دلهي" فقط
وإنما في شبه القارة الهندية كلها، ويذكر "ابن فضل الله العمري" عدد
المدارس في "دلهي" الذي بلغ الألف في عهده، كلها للحنفية باستثناء واحدة
للشافعية، ونحو سبعين مارستان، أو "دور الشفا" كما تسمى في الهند، هذا
غير الخوانق والأربطة التي كانت مراكز لتجمع الصوفية [ابن
فضل العمري: مسالك الأبصار، ص١٢٥].
وينسب إلى "دلهي" كثير من العلماء والصوفية والشعراء
والأدباء والفنانين، هذا بالإضافة إلى فيض العلماء الذين انجذبوا إليها من مختلف
البلدان بسبب تشجيع سلاطين "دلهي" للعلم، وإجزالهم العطاء للعلماء
والأدباء، ومن أهم صوفية "دلهي" الصوفي الكبير "قطب الدين بختيار الكعكي"
والواعظ "علاء الدين البزواني" والزاهد "صدر الدين الكهرانني"[ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ٢/ص١٩، ٢٠] والصوفي الكبير "نظام الدين
أولياء" و "نصير الدين محمود" والشاعر الصوفي الكبير "أمير خسرو"
وغيرهم كثير. [Abu-L
Fazl Allami,, Ain I Akbari, Vol.ll,p٢٧٩].].
ومن أعظم شعراء الأردية في دلهي: نصير الدين الدهلوي، ومحمد إبراهيم
ذوق، ومرزا أسد الله خان غالب، والسلطان بهادر شاه ظفر الثاني. [Kanda: Bahader Shah
Zafar and his Contemporaries, New Dawn Press, ٢٠٠٧, p٤٣٢.].
ومن أهم علماء الفلك والرياضيات بها "ميرزا خير الله" منشئ
مرصد "دلهي" [عصام الدين عبد الرؤوف الفق:
بلاد الهند في العصر الإسلامي، ص٤٨٦].
مصادر ومراجع للاستزادة:
- عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، الهيئة المصرية العامة
للكتاب عام ١٩٩٩م.
- ابن الأثير: الكامل في التاريخ.
- د.
عصام الدين عبد الرؤوف الفقي: بلاد الهند في العصر الإسلامي.
- ابن
بطوطة: رحلة بن بطوطة.
-
غوستاف لوبون: حضارة الهند ترجمة عادل زعيتر.