والأمان
هو: رفع استباحة دم الحربي وماله، وهو في هذه
الحالة يكون مستأمنًا داخل دار الإسلام بإذن الإمام، أو بإذن خاص، وهو في هذه
الحالة أيضًا يكون معصوم الدم والمال والعرض طوال فترة إقامته في دار الإسلام.
والأمان عند الفقهاء نوعان: إما أمان
مؤقت، وإما أمان مؤبد، والمؤقت نوعان: خاص، وعام.
أما الأمان المؤقت الخاص، فهو ما يبذله المسلم من المقاتلة لواحد أو جمع محصورين، ولكل مسلم من
المقاتلة حق التأمين الخاص؛ لأن الضرورة قد تقتضي ذلك، ويكون فيه المصلحة
للمسلمين: ويمكن لكل مقاتل أن يقدر هذه المصلحة الجزئية دون الرجوع إلى الإمام أو
نائبه، فإذا قال واحد من المقاتلة المسلمين لواحد أو لجمع معين من المحاربين (الأعداء):
آمنتكم وأنتم آمنون، كان ذلك بمثابة أمان، وكانت ذمة في عنق المسلمين جميعهم، والأصل في ذلك يعود إلى قول رسول
الله - صلى الله عليه وسلم: «المسلمونَ تتكافأُ دماؤُهم ويسعى بذمتِهم أدناهُم ويُجير
عليهمْ أقصاهُم وهمْ يدٌ على مَن سِواهمْ»
[رواه أبو داود، حديث رقم ٢٧٥٣]
أما الأمان المؤقت العام، فهو لا يحق إلا للإمام أو نائبه؛ لأن المصلحة العامة من شئونه هو،
والنظر فيها يرجع إلى تقديره هو، ويندرج تحت هذا الأمان المؤقت العام: المهادنة،
وهي: المعاهدة بين المسلمين وغير المسلمين، وتكون عن الكف عن القتال مدة معينة
حسبما يقررها العقد، ويجوز الأمان المؤقت العام إذا حدد مصلحة للمسلمين وحتمت
الضرورة استمراره.
أما إذا
نقضه الإمام فيجب الالتزام بهذا النقض مع عدم أخذهم على غرة، استنادًا إلى قول رسول
- صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان بيْنَه وبيْنَ قَومٍ عَهدٌ، فلا يَشِدَّ عُقدةً، ولا يَحُلَّها حتى
يَمضيَ أمَدُها، أو يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ»
[رواه أبو داود، حديث رقم ٢٧٦١]، ولا بد من اعتبار مدة يبلغ فيها خبر نبذ العقد على الجميع، وأما إذا نُقض
العهد من قبل المشركين أو أهل دار الحرب وآذنوا بالحرب، فمن حق المسلمين القتال
دون التعرض للرهائن إن وجدت في أيديهم.
الأمان المؤبد: هذا الأمان ليس
له أجل ينتهي إليه، ويتولى عقده الإمام أو من ينوب عنه، ويصح مع أهل الكتاب ومشركي
غير العرب، وهو في هذه الحالة لأهل الذمة المقيمين في دار الإسلام إقامة دائمة،
وأهله ملتزمون بأحكام المسلمين دونما تعارض مع حرياتهم الدينية، وهو عقد لازم في
حق المسلمين، لا يملكون نقضه بحال، وأما في حق أهل الذمة فيمكن نقضه بأحد أمور
ثلاثة:
- الإسلام؛ أي أن يدخل أحدهم في الإسلام.
- اللجوء إلى دار الحرب.
- الثورة على المسلمين أو تغلب الذمي على بعض
أراضيهم أو امتناعه عن إعطاء الجزية.
وقد أكد
القرآن الكريم على عهد الأمان، قال تعالى: {وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ
يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ} [التوبة: ٦]، وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يقول الله تعالى لنبيه
صلوات الله وسلامه عليه: (وُإِنْ أَحَدٌ مٍنَ المشركين) الذين أمرتك بقتالهم،
وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم، (استجارك)، فأجبه إلى طلبه، (حتى يسمع كلام
الله) أي: القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من أمر الدين، تقيم به عليه حجة
الله، (ثم أبلغه مأمنه)، أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده ودار مأمنه،
{ذَٰلِكَ
بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ} [التوبة: ٦]، أي: إنما شرعنا الأمان لمثل هؤلاء ليعلموا
دين الله وتنتشر دعوته في عباده، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي الأمان لمن جاء مسترشدًا " [ تفسير ابن كثير، ٢/٤١١].
وأكد فقهاء الأمة ومفسروها أن من قدم دار الإسلام من دار الحرب في أداء
رسالة أو تجارة أو طلب صلح، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب الأمان من الإمام أو
نائبه، أعطى أمانًا ما دام مترددًا على دار الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه وموطنه، وهذا
يوازي في عصرنا الحديث تأشيرة الدخول قصيرة الأجل، والتأشيرة الممتدة التي تتيح
لحاملها من غير أهل البلاد التردد والإقامة المدة المتاحة له في ذلك.
ومن
هنا نستطيع أن نقرر أن الأحكام التي يقرها الإسلام في معاملة غير المسلمين الذين
لم يقاتلوا الإسلام ولم يعتدوا على أهله سواء كانوا مقيمين في دار الإسلام، أو في
دارهم؛ تضمن لهم الأمان وكفالة حرياتهم، مما يؤكد أن الإسلام أقام علاقة المسلمين
بغيرهم على أساس من العدل واحترام حقوق الأفراد وكفالة الحرية وحسن الجوار
والتعاون في مجالات عديدة.
كما أن الإسلام لم يفرق بين المسلم والذمي في
حالات معينة فيما يتعلق بالعطاء، فقد كان من الممكن أن يفرض لبعض أهل الذمة من بيت
مال المسلمين ما يعول به نفسه وعياله، وفي بعض الأحيان كانت تطرح عنه الجزية، كما
جاء في عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة، كما لم يفرق الإسلام بين رعايا
الدولة الإسلامية في العقوبات وأحكام الديات والتعازير إذ يجري على الذميين ما يجري
على المسلمين.
وفي الأحوال الشخصية أباح الإسلام لهم ما يتفق مع معتقداتهم الدينية، ولا يتعرض المسلمون لهم
في شيء من ذلك سواء في الزواج أو الطلاق أو الميراث إلا إذا ترافعوا للمسلمين
وطلبوا إجراء أحكام الإسلام بينهم. كما
أتاح لهم الإسلام الحرية الكاملة في إقامة شعائرهم الدينية في كنائسهم وبيعهم،
ولهم الحق في إعادة بناء ما تهدم منها، آو إقامة كنائس جديدة، ولهم أن يفعلوا كل
ما لا يثير العداء للمسلمين ولا يتعارض مع الإسلام. وفي ظل هذه الأحكام الدقيقة
العادلة عاش غير المسلمين في دار الإسلام متمتعين بكافة حقوقهم
وبالحرية والعدالة والأمان.
مراجع
للاستزادة:
- ابن كثير.
تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، ١٩٩٤م.
- أبو الحسن
الماوردي. الأحكام السلطانية. القاهرة، سنة ١٩٦٦ م.
- أبو زهرة، محمد: العلاقات الدولية في
الإسلام. دار الفكر العربي. القاهرة، سنة ١٩٩٥
-
الشافعي، أبو
عبد الله محمد: الأم. دار الفكر، سنة ١٩٨٠م. المجلد الثاني.