Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دار الإسلام

الكاتب

أ.د/ فتحية النبراوي

دار الإسلام

يقسم الفقه الإسلامي العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، وفق رؤية تستند إلى العدل والتسامح وحفظ الحقوق للجميع، دار الإسلام تشمل المسلمين وأهل الذمة، وتُكفل فيها الحريات والأمان وفق عقد الذمة، بما يعكس روح الوفاء بالعهود، ومع تطور الزمن يبقى هذا التقسيم مرنًا، قابلًا للتأويل والتطوير بما ينسجم مع التحولات العالمية ومبادئ السلام.

تعريف دار الإسلام

يقسم الفقهاء المسلمون العالم – الأرض – قسمين:

الأول: هو دار الإسلام، والثاني: هو دار الحرب، ويضيف فريق منهم ثالثًا إلى النوعين السابقين هو: دار العهد.

وهذا التقسيم يندرج في نطاق العلاقات الدولية بالمفهوم المعاصر، فقد جاء الإسلام ليقرر مبادئ وقيمًا عالمية تُبنى عليها العلاقات بين البشر، أفرادًا وجماعات ودولًا، ومن أهم تلك القيم: الحرية، والعدالة، والمعاملة بالمثل، والتسامح والوفاء بالعهود.

ودار الإسلام: هي البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام وتسود، ويرى الشافعية: أنها كل أرض تظهر فيها أحكام الإسلام، ولا يجوز لغير المسلمين دخولها إلا بإذن الإمام أو من ينوب عنه، ودار الإسلام هي دار العدل، وفيها يحكم الأئمة بالعدل بين رعايا هذه الدار باعتبارها تضم كل الرعايا الذين يعيشون في كنفها من مسلمين وذميين ومستأمنين، ودار الإسلام تعني الدولة الإسلامية أي البلاد التي تمتد إليها سلطة الخليفة مباشرة أوعن طريق التفويض، ويرى بعض الفقهاء: أن دار الإسلام هي البلاد التي ظهر فيها الإسلام، أي جزيرة العرب، وما فتحه المسلمون، ولو أن هذ ا التعريف قد أصبح غير ذي موضوع الآن.

تجدر الإشارة إلى أن هذا التقسيم: دار الإسلام، ودار الحرب لم يرد في القرآن الكريم ولا في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو اجتهاد بعض الأئمة والفقهاء بُنيَ على الظواهر السياسية التي عاشوا عصورها، ومن ثم فإن هذا التقسيم قابل للتعديل والإضافة أو حتى التغيير باعتبار المستجدات والمتغيرات العالمية، وباعتباره كان - في الأصل - ضرورة لحماية أمن الأمة من أخطار الاعتداء عليها.

لقد جعل الإسلام السلام أساسًا للعلاقات بين الدول، وأكد على ذلك باعتبار أن السلام هو الركيزة الأساسية التي يجب أن تحكم العلاقات بين الدول وبصفة خاصة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول مصداقًا لقوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ} [البقرة: ٢٠٨]، وقوله تعالى: {فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا} [النساء: ٩٠]، وفي هذا السياق يقول أبو يوسف: لم يقاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  قط فيما بلغنا حتى يدعو الناس إلى الله ورسوله.

ويقول الماوردي: ومن لم تبلغهم دعوة الإسلام يحرم علينا الإقدام على قتالهم غِرّة، ويحرم أن نبدأهم بالقتال قبل إظهار دعوة الإسلام لهم.

وهذا يتفق مع القانون الدولي حيث يقرر أن الدولة التي تضطر إلى الحرب وإعلانها على دولة أخرى، يجب عليها قبل البدء أن تعلن الدولة الأخرى بميعاد الحرب، وتعلن رعاياها وتخطر الدول الأخرى لتلزم حيادها.

والدفاع عن دار الإسلام فرض كفاية، وهو – أيضًا - فرض عين؛ فإذا قام الجيش الإسلامي به سقط عن الكافة، أما كونه فرض عين؛ فذلك يكون عندما يستولي العدو على بعضٍ من دار الإسلام فيصير الجهاد فرض عين على جميع أفراد الأرض التي استولى عليها العدو، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا أصحاءً ومرضى، وأول من قال بهذا الرأي الإمام محمد بن الحسن الشيباني والإمام الشافعي وبعض الحنابلة، ودار الإسلام عندهم هي: الحجاز: مكة، والمدينة، واليمامة ومحالفيها، وفي هذا يقول الشافعي: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ  (الجزية)، وَلَا لِمُشْرِكٍ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» [رواه البيهقي في السنن الكبري، ٩/١٣٩]، ويضيف: سمعت عددًا من أهل العلم بالمغازي يروون أنه كان في رسالة  النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجتمعُ مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا» [ رواد البيهقي في السنن الكبرى،٩/٢٠٧] ، وأن على الإمام ألا يدع مشركًا يطأ الحرم بحال من الحالات، طبيبًا كان أو صانعًا بنيانًا أو غيره لتحريم الله - عز وجل - دخول المشركين المسجد الحرام وبعده تحريم رسول الله  صلى الله عليه وسلم ذلك [الأم: ج٤ ، ص١٨٧- ١٨٨]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«أخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، وأَجِيزُوا الوَفْدَ بنَحْوِ ما كُنْتُ أُجِيزُهُمْ» [البخاري: ج٤، ص٨٥ ] ويرى الشافعي: ألا يدخل الحجاز مشرك بحال، لما وصفت من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يبين لي أن يحرم أن يمر ذمي بالحجاز مارًا لا يقيم أكثر من ثلاث ليال، وهذا مقام المسافر: لأنه قد يحتمل أمر النبي  - صلى الله عليه وسلم - ويضيف الشافعي: أما مكة فلا يدخل الحرم أحد منهم بحال أبدًا، كان لهم بها مال أو لم يكن، أما سائر البلدان ما خلا الحجاز فلا بأس أن يصالحوا على المقام فيها؛ لأن الله - عز وجل- نهى عن أن يقرب مشرك البيت الحرام [الأم: ج ٤. ص١٨٨].

أهل الذمة وحقوقهم في دار الإسلام

تضم دار الإسلام نوعين من السكان: أولًا: المسلمون، وثانيًا: الذميون، وهؤلاء ممن يقيمون في دار الإسلام إقامة دائمة ويلتزمون بأحكامه، والذميون هم: اليهود والمسيحيون والمجوس والصابئة، أما المشركون من العرب فلا يجوز لهم أن يعيشوا في دار الإسلام.

ولأهل الذمة لدى المسلمين عقد شرعي مؤكد بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: {قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} [التوبة: ٢٩]، وأوصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد قواده: «إذا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فادْعُهُمْ إلى ثَلاثِ خِصالٍ - أَوْ خِلالٍ - فأيَّتُهُنَّ ما أَجابُوكَ فاقْبَلْ منهمْ، وَكُفَّ عنْهمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى الإسْلامِ، فإنْ أَجابُوكَ، فاقْبَلْ منهمْ، وَكُفَّ عنْهمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى التَّحَوُّلِ مِن دارِهِمْ إلى دارِ المُهاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذلكَ فَلَهُمْ ما لِلْمُهاجِرِينَ، وَعليهم ما على المُهاجِرِينَ، فإنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا منها، فَأَخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ يَكونُونَ كَأَعْرابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عليهم حُكْمُ اللهِ الذي يَجْرِي على المُؤْمِنِينَ، وَلا يَكونُ لهمْ في الغَنِيمَةِ والْفَيْءِ شيءٌ إلّا أَنْ يُجاهِدُوا مع المُسْلِمِينَ، فإنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الجِزْيَةَ، فإنْ هُمْ أَجابُوكَ فاقْبَلْ منهمْ، وَكُفَّ عنْهمْ، فإنْ هُمْ أَبَوْا فاسْتَعِنْ باللَّهِ وَقاتِلْهُمْ» [رواه أبو داود، حديث رقم ٢٦١٤] وقد أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الجزية من مجوس البحرين أما الثالثة فهي القتال.

أما الإجماع، فيتضح من ممارسات رجال الصدر الأول خلال الفتوحات الإسلامية، ففي عهد الصديق - رضي الله عنه - عقد خالد بن الوليد عقد ذمة لآهل الحيرة، وفعل ذلك أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - مع أهل الشام.

بين الفقهاء أن عقد الذمة يتولاه الإمام أو عامله أو نائبه، وهذا العقد يكون ملزمًا، ولا يجوز نقضه من قبل المسلمين بحال، أما من جهة أهل الذمة فيجوز نقضه، فإذا أسلم أهل الذمة أصبح العقد لا مبرر له، وإذا تمرد أهل الذمة أو ثاروا على المسلمين أو إذا انضموا إلى دار الحرب معادين للإسلام ففي هذه الحالة لا يكون هناك محل للعقد وينفصم من تلقاء نفسه.

ترتب على عقد الذمة بين المسلمين وبين أهل الذمة حقوق وواجبات يلتزم بها الطرفان، وقد أكدت شريعة الإسلام أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، فيما يتعلق بالحقوق العامة والحريات، ويتمتعون بالأمن: فيدافع المسلمون عنهم ويرفعون الظلم عنهم باعتبارهم من رعايا الدولة الإسلامية ويعيشون في كنفها.

أكد الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا في حديثين، إذ قال: «ألا مَن ظلَمَ مُعاهَدًا، أو انتقَصَه، أو كلَّفَه فوقَ طاقتِه، أو أخَذَ منه شيئًا بغيرِ طِيبِ نفْسٍ، فأنا حجيجُه يومَ القيامةِ» [رواه أبو داود عن عدة من أبناء صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وهم مجهولون، حديث رقم ٣٠٥٤] وعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عامًا» [صحيح البخاري برقم(٣١٦٦)]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا مَن قتلَ نفسًا معاهَدًا لَه ذمَّةُ اللَّهِ وذمَّةُ رسولِه، فقد أخفرَ بذمَّةِ اللَّهِ، فلا يرِح رائحةَ الجنَّةِ، وإنَّ ريحَها لتوجدُ من مسيرةِ سبعينَ خريفًا» [رواه الترمذي، حديث رقم ١٤٠٣، وقال: حديث حسن].

 والذميون في دار الإسلام تعصم دماؤهم وأموالهم بحق الأمان.

مفهوم الأمان وأنواعه

والأمان هو: رفع استباحة دم الحربي وماله، وهو في هذه الحالة يكون مستأمنًا داخل دار الإسلام بإذن الإمام، أو بإذن خاص، وهو في هذه الحالة أيضًا يكون معصوم الدم والمال والعرض طوال فترة إقامته في دار الإسلام.

والأمان عند الفقهاء نوعان: إما أمان مؤقت، وإما أمان مؤبد، والمؤقت نوعان: خاص، وعام.

أما الأمان المؤقت الخاص، فهو ما يبذله المسلم من المقاتلة لواحد أو جمع محصورين، ولكل مسلم من المقاتلة حق التأمين الخاص؛ لأن الضرورة قد تقتضي ذلك، ويكون فيه المصلحة للمسلمين: ويمكن لكل مقاتل أن يقدر هذه المصلحة الجزئية دون الرجوع إلى الإمام أو نائبه، فإذا قال واحد من المقاتلة المسلمين لواحد أو لجمع معين من المحاربين (الأعداء): آمنتكم وأنتم آمنون، كان ذلك بمثابة أمان، وكانت ذمة في عنق المسلمين جميعهم، والأصل في ذلك يعود إلى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «المسلمونَ تتكافأُ دماؤُهم ويسعى بذمتِهم أدناهُم ويُجير عليهمْ أقصاهُم وهمْ يدٌ على مَن سِواهمْ» [رواه أبو داود، حديث رقم ٢٧٥٣]

أما الأمان المؤقت العام، فهو لا يحق إلا للإمام أو نائبه؛ لأن المصلحة العامة من شئونه هو، والنظر فيها يرجع إلى تقديره هو، ويندرج تحت هذا الأمان المؤقت العام: المهادنة، وهي: المعاهدة بين المسلمين وغير المسلمين، وتكون عن الكف عن القتال مدة معينة حسبما يقررها العقد، ويجوز الأمان المؤقت العام إذا حدد مصلحة للمسلمين وحتمت الضرورة استمراره.

أما إذا نقضه الإمام فيجب الالتزام بهذا النقض مع عدم أخذهم على غرة، استنادًا إلى قول رسول - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان بيْنَه وبيْنَ قَومٍ عَهدٌ، فلا يَشِدَّ عُقدةً، ولا يَحُلَّها حتى يَمضيَ أمَدُها، أو يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ» [رواه أبو داود، حديث رقم ٢٧٦١]، ولا بد من اعتبار مدة يبلغ فيها خبر نبذ العقد على الجميع، وأما إذا نُقض العهد من قبل المشركين أو أهل دار الحرب وآذنوا بالحرب، فمن حق المسلمين القتال دون التعرض للرهائن إن وجدت في أيديهم.

الأمان المؤبد: هذا الأمان ليس له أجل ينتهي إليه، ويتولى عقده الإمام أو من ينوب عنه، ويصح مع أهل الكتاب ومشركي غير العرب، وهو في هذه الحالة لأهل الذمة المقيمين في دار الإسلام إقامة دائمة، وأهله ملتزمون بأحكام المسلمين دونما تعارض مع حرياتهم الدينية، وهو عقد لازم في حق المسلمين، لا يملكون نقضه بحال، وأما في حق أهل الذمة فيمكن نقضه بأحد أمور ثلاثة:

  1.  الإسلام؛ أي أن يدخل أحدهم في الإسلام.
  2.  اللجوء إلى دار الحرب.
  3.  الثورة على المسلمين أو تغلب الذمي على بعض أراضيهم أو امتناعه عن إعطاء الجزية.

وقد أكد القرآن الكريم على عهد الأمان، قال تعالى: {وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ} [التوبة: ٦]، وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يقول الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: (وُإِنْ أَحَدٌ مٍنَ المشركين) الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم، (استجارك)، فأجبه إلى طلبه، (حتى يسمع كلام الله) أي: القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من أمر الدين، تقيم به عليه حجة الله، (ثم أبلغه مأمنه)، أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده ودار مأمنه، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ} [التوبة: ٦]، أي: إنما شرعنا الأمان لمثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوته في عباده، ولهذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  يعطي الأمان لمن جاء مسترشدًا " [ تفسير ابن كثير، ٢/٤١١].

وأكد فقهاء الأمة ومفسروها أن من قدم دار الإسلام من دار الحرب في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب الأمان من الإمام أو نائبه، أعطى أمانًا ما دام مترددًا على دار الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه وموطنه، وهذا يوازي في عصرنا الحديث تأشيرة الدخول قصيرة الأجل، والتأشيرة الممتدة التي تتيح لحاملها من غير أهل البلاد التردد والإقامة المدة المتاحة له في ذلك.

ومن هنا نستطيع أن نقرر أن الأحكام التي يقرها الإسلام في معاملة غير المسلمين الذين لم يقاتلوا الإسلام ولم يعتدوا على أهله سواء كانوا مقيمين في دار الإسلام، أو في دارهم؛ تضمن لهم الأمان وكفالة حرياتهم، مما يؤكد أن الإسلام أقام علاقة المسلمين بغيرهم على أساس من العدل واحترام حقوق الأفراد وكفالة الحرية وحسن الجوار والتعاون في مجالات عديدة.

كما أن الإسلام لم يفرق بين المسلم والذمي في حالات معينة فيما يتعلق بالعطاء، فقد كان من الممكن أن يفرض لبعض أهل الذمة من بيت مال المسلمين ما يعول به نفسه وعياله، وفي بعض الأحيان كانت تطرح عنه الجزية، كما جاء في عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة، كما لم يفرق الإسلام بين رعايا الدولة الإسلامية في العقوبات وأحكام الديات والتعازير إذ يجري على الذميين ما يجري على المسلمين.

وفي الأحوال الشخصية أباح الإسلام لهم ما يتفق مع معتقداتهم الدينية، ولا يتعرض المسلمون لهم في شيء من ذلك سواء في الزواج أو الطلاق أو الميراث إلا إذا ترافعوا للمسلمين وطلبوا إجراء أحكام الإسلام بينهم.  كما أتاح لهم الإسلام الحرية الكاملة في إقامة شعائرهم الدينية في كنائسهم وبيعهم، ولهم الحق في إعادة بناء ما تهدم منها، آو إقامة كنائس جديدة، ولهم أن يفعلوا كل ما لا يثير العداء للمسلمين ولا يتعارض مع الإسلام. وفي ظل هذه الأحكام الدقيقة العادلة عاش غير المسلمين في دار الإسلام متمتعين بكافة حقوقهم وبالحرية والعدالة والأمان.


مراجع للاستزادة:

  • ابن كثير. تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، ١٩٩٤م.   
  • أبو الحسن الماوردي. الأحكام السلطانية. القاهرة، سنة ١٩٦٦ م.
  • أبو زهرة، محمد: العلاقات الدولية في الإسلام. دار الفكر العربي. القاهرة، سنة ١٩٩٥  
  • الشافعي، أبو عبد الله محمد: الأم. دار الفكر، سنة ١٩٨٠م. المجلد الثاني.

الخلاصة

يقسم الفقهاء العالم إلى دار الإسلام، ودار الحرب، ودار العهد، وفقًا لمبدأ العدل والوفاء بالعهود، دار الإسلام تضمن حقوق المسلمين وغير المسلمين، ويُكفل لأهل الذمة الأمان والحرية مقابل الجزية التي تُفرض عليهم دون إكراه، الجزية تُعد مساهمة مالية مقابل الحماية، ولا تُفرض على النساء أو الأطفال أو العاجزين، ويُراعى فيها حال الفرد الاقتصادية، وبهذا النظام يحقق الإسلام توازنًا بين حفظ الأمن واحترام الإنسان، ويؤسس لعلاقات دولية قائمة على التسامح والعدالة.

موضوعات ذات صلة

هي تلك البلاد التي لا تظهر أو لا تسود فيها أحكام الإسلام.

أحد أعظم رموز الازدهار العلمي والثقافي في التاريخ الإسلامي.

 كانت أول مركز سري للدعوة الإسلامية.

موضوعات مختارة