Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الرسوليون (الدولة الرسولية في اليمن)

الكاتب

أ.د/ أحمد محمد عبد الحميد

الرسوليون (الدولة الرسولية في اليمن)

قامت الدولة الرسولية في اليمن عقب سقوط الدولة الأيوبية، وقد شهدت البلاد في عهدها نهضة سياسية واقتصادية وعلمية جعلت منها منارة حضارية بارزة في العصور الوسطى.

قيام الدولة الرسولية في اليمن

يعتبر عصر الدولة الرسولية من أعظم العصور التي بزغ شمسها في سماء اليمن إبان العصور الوسطى، وامتد ظله على أرض اليمن أكثر من مائتي عام، وشهدت خلاله مجموعة من المتغيرات كالاستقرار السياسي، والنهضة الاقتصادية والعمرانية، والتنوع الفكري والمذهبي، مما جعلها في مصاف الدول التي حكمت اليمن منذ قيام دولة الإسلام، ومن هذا المنطلق سيدور الحديث عن عصر الدولة الرسولية من خلال عدة جوانب:

الجانب السياسي للدولة الرسولية:

 قامت الدولة الرسولية على أنقاض الدولة الأيوبية في اليمن، الممتد حكمها بين عامي ٦٠١- ٦٢٦هـ/١٢٠٤- ١٢٢٩م، ويعود مجيء بني رسول إلى اليمن إلى الفترة الأيوبية في عهد السلطان الأيوبي طُغْتِكِين سنة ٥٧٩هـ/١١٨٣م، حيث ارتقوا السلم الإداري والاجتماعي في مدة قصيرة جدًّا، وعلا شأنهم بعد قدوم الملك المسعود الأيوبي سنة ٦١٢هـ /١٢١٥م، فاتخذ منهم العديد من القادة، وولاهم الإقطاعيات والبلدان والحصون اليمانية، كما عيّن نور الدين عمر بن علي بن رسول نائبًا عنه في اليمن ومكة، وهو الذي يُعدّ المؤسس الفعلي للدولة الرسولية، وتمكن من إسباغ الصفة الشرعية على حكمه لبلاد اليمن بعد استقلاله عن الأيوبيين عن طريق أخذ الموافقة من الخليفة العباسي ببغداد، واتخذ من مدينة تعز حاضرة لدولته، ولكنه لم يستمر طويلًا في الحكم؛ حيث قتله مماليكُه في ٦٤٧هـ/ ١٢٥٠م. [ابن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، تحقيق: جمال الدين الشيال، دار العلم، القاهرة، د.ت، ج٢، ص٤، أما عن نسب الرسوليين وسبب التسمية بهذا الاسم، فتعود إلى جدهم محمد بن هارون بن رستم، الذي كان يقوم بمهام دبلوماسية بين الأمراء الأيوبيين وبين حكام البلاد الأخرى، وقد عرف عنه الأمانة، لذلك أطلق عليه لقب رسول، وقد ناقش هذا الأمر العديد من الباحثين خلال دراسات علمية وبحثية وذهبوا فيها مذاهب متنوعة، منهم: محمد عبد العال: بنو رسول وبنو طاهر وعلاقات اليمن الخارجية في عهدهما (٢٦- ٩٢٣هـ/١٢١٣- ١٥١٧م) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الإسكندرية، ١٩٨٠م، ص ٦٣- ٦٥].

أشهر ملوك الدولة الرسولية

تولى بعده السلطان المظفر يوسف بن عمر الذي استطاع أن يُرسي قواعد الحكم في الدولة الرسولية، وواصل توسعاته على حساب دولة الأئمة الزيدية وتصدَّى لها، كما تمكن من القضاء على المنافسة الشرسة من قِبل أبناء البيت الحاكم، وكان المُظفَّر حسن السياسة والتدبير، وتوفي في عام ٦٩٤هـ / ١٢٩٥م. [ابن عبد المجيد: تاريخ اليمن المسمى بهجة الزمن في تاريخ اليمن، تحقيق: عبد الله محمد الحبشي، ومحمد أحمد السنبانى، دار الحكمة، صنعاء، الطبعة الأولى، ص١٧١ –١٧٥].

وخلفه في الحكم ابنه الملك الأشرف عمر الذي استطاع أن يقبض الحصون والمدن، كما استطاع أن ينهي على صراعه مع أخيه المؤيَّد على الحكم عن طريق هزيمته وأسره في السجن إلى أن توفي في ٦٩٦هـ/١٢٩٦م. [الجندي: المصدر السابق، ج٢، ص٥٥٣].

تم تعيين السلطان المؤيد داود بن يوسف بن رسول (٦٩٦- ٧٢١هـ / ١٢٩٦- ١٣٢١م) خلفًا لأخيه الأشرف، وحصل على التأييد من كافة الحصون ونواحي الدولة، واستقامت له الأمور في البلاد، إلا أن ذلك لم يدم طويلًا، فقد خرج عليه العديد من الخصوم، فجهز المؤيد لهم الحملات التي قضت عليهم، ثم تولى المجاهد علي بن داود بن رسول، الذي امتدت فترة حكمه من ٧٢١- ٧٦٤هـ/١٣٢١- ١٣٦٢م، وازدادت في عصره الصراعات، وكانت فترة حكمه من أشد الفترات ضراوة وتأثيرًا على الأوضاع السياسية في اليمن. [محمد الفقي: الأحوال السياسية في الدولة الرسولية في عهد السلطان الناصر أحمد، ٨٠٣ - ٨٢٧هـ /١٤٠٠م].

وخلف السلطان الأفضل العباس بن المجاهد علي داود بن رسول أباه على العرش، وامتدت فترة حكمه من ٧٦٤- ٧٧٨هـ/١٣٦٣- ١٣٧٧م، وقد تميَّزت بكثرة الاضطرابات والثورات، وكثرة الخارجين عليه، وقام ببعض المعارك؛ للحد من أطماعهم التوسعية، وكانت الحرب سجالًا بين الطرفين لم تحسم لأحدهما حتى وفاته في مدينة زبيد عام ٧٧٨هـ/١٣٧٧م. [الخزرجي: المصدر السابق، ج٢، ص ١٥٣- ١٥٥، ١٦٨- ١٧١، ٢٠٦- ٢١١].

وتولى السلطة من بعده ابنه السلطان الأشرف إسماعيل بن العباس بن رسول الذي امتد حكمه (من ٧٧٨- ٨٠٣هـ/ ١٣٧٦- ١٤٠٠م)، وبايعه كبار رجال الدولة وعلماؤها، وأعلنوا له الولاء والطاعة، ونعمت البلاد بحالة من الاستقرار السياسي والهدوء النسبي، لكن سرعان ما تبددت تلك الحالة بسبب قيام القبائل بالثورات، كما قامت القوى الزيدية ببعض الغارات تجاه الدولة، لكنها باءت بالفشل بسبب صمود الحاميات الرسولية على الحدود تجاهها، واتبع الأشرف سياسة العنف في قمع تلك الاضطرابات. [ابن الديبع: قرة العيون بأخبار اليمن الميمون، تحقيق: محمد بن علي الأكوع، دار بساط، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٨م، ص ٣٨٦- ٣٨٧، محمد عبد العال: المرجع السابق، ص٢١٨].

وبعد وفاة السلطان الأشرف الثاني إسماعيل سنة ٣ ٠ ٨هـ / ١٤٠٠ م، تولى ابنه السلطان أحمد في الفترة الممتدة بين عامي ٨٠٣- ٨٢٧هـ/ ١٤٠٠- ١٤٢٣م، التي دخلت الدولة فيها في طور الانهيار بسبب الصدام والتكالب بين أبناء البيت الرسولي، وثورات القبائل والأئمة الزيدية والمماليك، وخلفه ابنه المنصور عبد الله بن أحمد في السلطة في عام ٨٢٧هـ / ١٤٢٣م، وقد كان يوصف بالعدل والصلاح والكرم والشجاعة، لكن وافته المنية بعد ثلاث سنوات من توليه الحكم عام ٨٣٥هـ، ١٤٢٦م. [محمد العفيفي: الدولة الرسولية في اليمن دراسة في أوضاعها السياسية والحضارية، (٨٠٣ - ٨٢٧هـ/ ١٤٠٠ - ١٤٢٤م)، الدار العربية للموسوعات، بيروت، ٢٠٠٥م، ص١١١- ١٣٧].

ثم تولى من بعده أخوه الأشرف الثالث إسماعيل ٨٣٠- ٨٣١هـ/١٤٢٦- ١٤٢٧م، وكان صغر سنه وضعفه السبب الرئيس في ظهور الفتنة بين رجال دولته الذين ثاروا عليه وسجنوه، وولوا بدلًا منه عمه السلطان الظاهر يحيى بن إسماعيل من٨٣١هـ / ١٤٢٧م الذي ساءت سيرته منذ بداية عهده، وعجز عن إخضاع البلاد لحكمه، وتوفي عام ٨٤٢هـ/ ١٤٣٨م، ثم تولى ابنه الأشرف الرابع إسماعيل بن الظاهر وسار على سياسة أبيه ، فضلًا عن سفكه للدماء لاسيما مع القبائل التهامية فلقب بالمجنون؛ نتيجة أعماله وأساليبه القتالية التي اتسمت بالدموية والعنف، ثم تولى بعده ابن عمه السلطان المظفر يوسف الثاني بن عمر بن إسماعيل في الفترة من ٨٤٥- ٨٥٤هـ/ ١٤٤١- ١٤٥٠م، والتي اتسمت بالضعف ونقص الخبرة السياسية، واتخاذ البطانة الفاسدة، وقيام ثورات القبائل والأئمة الزيدية والمماليك. [يحيى بن الحسين: أئمة اليمن، غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، تحقيق: سعيد عبد الفتاح عاشور، دار الكتاب، القاهرة، د.ت، ص ٥٧٩؛ طه هديل: المرجع السابق، ص ٢٤- ٢٥].

تحكم المماليك في الأمور وأصبح السلاطين أُلعوبة في أيديهم فولوا من شاءوا وعزلوا من أرادوا، حيث ولى المفضل أسد الدين محمد بن إسماعيل بن الأفضل عباس عام ٨٤٦هـ/١٤٤٢م والذي زاد في ضعف الدولة الرسولية، وتجرأ العديد من الخصوم عليها، لكنه قُتل في ذات العام، فنصب المماليك الناصر أحمد بن الظاهر يحيى بن يوسف بن عبد الله بن المجاهد عام ٨٤٦هـ/١٤٤٢م، ولقب بالخاسر؛ لسوء سياسته التي كانت سببًا في تعرض البلاد لأشد حالات النهب والتخريب. [ابن الديبع: المصدر السابق، ص٤٠٣، الفضل المزيد على بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد، تحقيق: يوسف شلحد، دار العودة، بيروت، ١٩٨٣م، ص ١١٦، يحيى بن الحسين: المصدر السابق ، ص ٥٨٠].

ولم يمر على حكمه عام واحد حتى لزمه المماليك، ثم بحثوا عن البديل ووجدوا ضالتهم في المسعود صلاح الدين أبي القاسم الذي امتد حكمة ٨٤٧- ٨٥٨هـ/١٤٤٣- ١٤٥٤م، وولوه سلطانًا وهو لا يتجاوز الثلاث عشرة من عمره، وأصبح من أقوى المنافسين للسلطان الرسولي المظفر يوسف الثاني الذي كان يسانده مشايخ بني طاهر ضد المسعود وغيره، حاول المسعود السيطرة على كل أشلاء الدولة المتمزقة لكنه فشل في ذلك، كما ولَّى المماليك سلطانًا جديدًا إلى جانب الاثنين -المظفر والمسعود- وهو المؤيد حسين بن الظاهر يحيى ٨٥٥- ٨٥٨هـ/ ١٤٥١- ١٤٥٤م؛ لخوفهم من قوة السلطان المسعود التي بدأت تتزايد.

وبعد فشل المسعود تراجع إلى عدن، وأعلن تخليه عن الحكم عام ٨٥٨هـ/١٤٥٤م؛ ليبقى المؤيد الذي حاول أن يجد لنفسه الفرصة في السيطرة على مقاليد الأمور، لكن مشايخ بني طاهر لم يمنحوه الفرصة، وتولوا هم شئون الحكم؛ لتقوم دولة أخرى سميت بالدولة الطاهرية ٨٥٨- ٩٤٥هـ/١٤٥٤- ١٥٣٨م. [المقرئ: عنوان الشرف في علم الفقه والعروض والتاريخ والنحو والقوافي، تحقيق: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، مكتبة الإرشاد، صنعاء، ٢٠٠٤م، ص١٧٣، بافقيه: تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر، تحقيق: عبد الله محمد الحبشي، مكتبة الإرشاد، صنعاء، ١٩٩٩م، ص١٢٤].

واتسمت الدولة الرسولية بالعلاقات الخارجية الطيبة مع جيرانها من بلدان العالم الإسلامي وغيرها، فأقامت علاقات مع مصر ومكة والحجاز وجازان وبلدان الشرق الأفريقي (السودان – الصومال - الحبشة وغيرها، كما كانت على علاقات طيبة مع الهند والصين وقاليوط، وعمان والبحرين وفارس وغيرها من البلدان). [قاليوط: ميناء ومركز تجاري يقع على الشاطئ الغربي لبلاد الهند، يشتهر بتجارة التوابل والأحجار الكريمة

وغيرها، يقصده العديد من المصريين والأتراك واليمنيين والصينيين وغيرهم، وانظر: ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب

الأمصار وعجائب الأسفار المسماه برحلة بن بطوطة، تحقيق: علي المنتصر الكتاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة

الرابعة، ١٩٨٥م، ج٢، ص ١١٥- ١١٦].

وقد اتخذت تلك العلاقات مناحي شتى، ومن أهمها: المجال التجاري؛ حيث يتم تبادل السفارات والهدايا المتنوعة بغرض تسهيل التجارة عبر ميناء عدن، واختلفت قوة تلك العلاقات واستمراريتها حسب قوة الدولة وضعفها. [خالد القيسي: علاقة سلاطين بني رسول بمصر (٦٢٦- ٨٥٨هـ/ ١٩٢٩- ١٤٥٤ م)، رسالة ماجستير، كلية الآداب، قسم التاريخ، جامعة الإمام سعود، الرياض، ص٣٢- ٢٠٨].

الجانب الاقتصادي للدولة الرسولية

شهدت اليمن إبان العصر الرسولي نهضة فائقة في كافة المناحي الاقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة، فالزراعة من الدعامات الرئيسة للاقتصاد اليمني؛ لأنها تمثل العمل الأساسي لكثير من أبناء اليمن، كما تمثل المورد الرئيسي لمعاش السكان وحياتهم اليومية، وشكلت أحد الموارد الوقفية، واشتركت عدة عوامل في النهضة الزراعية، ومنها: وفرة الموارد الطبيعية، والمقومات البشرية، إلى جانب العناية من قبل السلاطين بالنهضة الزراعية والإعفاءات من خراج الأرض، والإمداد بالبذور، وجلب كثير من المحاصيل الزراعية، وإقامة المشاتل وحقول التجارب، وإنشاء العديد من السدود والجسور والقنوات، وتأليف كثير من المصنفات والتقاويم الزراعية ليفيد منها الفلاحون في التطبيق العلمي التجريبي. [أسامة حماد: مظاهر الحضارة الإسلامية في اليمن في العصر الإسلامي - عصر دولتي بني أيوب وبني رسول، مركز الإسكندرية للكتاب، الإسكندرية، ٢٠٠٤م، ص ٣٩٣].

وتنوعت المحاصيل الزراعية في اليمن، ومنها: الفواكه والنخيل والبر "القمح"، والمحاصيل الحمضية كالليمون والنارنج وغيره، والخضراوات والبقوليات بكافة أنواعها، ومحصول القهوة واللبان، والزراعات العطرية كالورد والنرجس، كما نالت الثروة الحيوانية الرعاية الفائقة من خلال تخصيص العديد من المراعي والحظائر واصطبلات الخيل المتنوعة حسب الجودة والأصالة والمراحل العمرية والأغراض، ومن أهم الحيوانات: المواشي والدواب والأغنام والخيول وغيرها. [ابن الديب: قرة العيون، ص٣٣٠؛ أسامه حماد: المرجع السابق، ص٣٩٤- ٣٩٢].

وحظيت الصناعة اليمنية بنصيب وافر في النشاط الاقتصادي، ومن أهم العوامل التي ساهمت في ازدهارها: العناية والرعاية من قبل الحكام وعامة الناس، واستقدام أرباب الصناعات المختلفة من البلدان الإسلامية وتشييد الورش، وتأليف المصنفات في ميدان الصناعة، كما وجد في اليمن آنذاك نظام الطوائف الحرفية، فأسهم ذلك في دفع عجلة الإنتاج الصناعي. [أسامة حماد: المرجع السابق، ص٢٩٠].

ومن أشهر الصناعات المعروفة في اليمن: الصناعات المعدنية، وصناعة المنسوجات، وإنتاج الأقمشة والثياب الحريرية، والصناعات الجلدية، والصناعات الزجاجية، وصناعة الفخار والخزف ذي الألوان الزاهية المختلفة التي أبدع فيها الصانع اليمني، والصناعات الخشبية، وصناعة العطور والصابون والسكر، وبعض مركبات الفاكهة والكعك والحلويات وصناعة الشموع وغيرها من الصناعات. [ربيع خليفة: مناسج الطراز الخاصة بمدينة صنعاء، دراسة حول المنسوجات اليمنية في العصر الإسلامي، [مجلة الإكليل، العدد ٢، ١٩٨٨م، ص٤٤].

كما اشتهرت التجارة، وكانت اليمن محطة عبور، وقبلة للوافدين، ومجمعًا للتجارات القادمة من المحيط الهندي والبحر المتوسط، فأسهم ذلك في ازدهار التجارة بشقيها البري والبحري، وكانت اليمن تموج بحركة تجارية داخلية نشطة نتيجة تعدد الأسواق داخل ساحات المدن والقرى اليمنية، كالأسواق اليومية مثل سوق البَز (الأقمشة) في زبيد، والأسواق الأسبوعية التي كانت تسمى بيوم انعقادها، مثل: سوق الجمعة بقرية أثافت، والأسواق الكبرى الدائمة، مثل: سوق الحلقة بصنعاء، وعرفت اليمن الأسواق الموسمية، مثل: سوق السبوت (موسم حصاد النخيل).

كما كانت التجارة الخارجية بمثابة ملتقى للسفارات الوافدة من الشمال والجنوب الشرقي الأسيوي والغرب الأفريقي، ومن أهم صادراتها للبلدان المجاورة: الأحجار الكريمة والمنسوجات والبرود اليمنية والسيوف والعطور وبعض الخيول والأبقار الجيلانية والسمك المجفف، وغيرها من السلع والمنتجات. [السبوت: ظاهرة اجتماعية زراعية، الهدف منها: الترفيه عن النفس في موسم النخيل، حيث يخرج أهالي اليمن إلى زبيد أثناء تلك الفترة التي تمتد لشهرين أو ثلاثة إلى البساتين، ويطلق عليه: موسم حصاد النخيل انظر: ابن المجاور، المصدر السابق ص١٧٩].

أما السلع المجلوبة إليها من البلدان المجاورة، فكانت بعض الجلود من زيلع وفارس، والتوابل من الهند، وخشب الصندل وأنياب الفيلة والحديد والمسك والسروج من الصين، ومن مصر تم استيراد الحنطة والدقيق والسكر والأرز والصابون، وغيرها من السلع التي تستهلك في السوق المحلية باليمن.

أما عن العملات النقدية المستخدمة آنذاك، فقد تعددت دور الضرب في المدن اليمنية وخاصة صعدة وصنعاء وعدن وزبيد وغيرها، وظهرت الدراهم الفضية والدنانير الذهبية والفلوس النحاسية، على الرغم من أن الدراهم الفضية كانت أكثر استخدامًا؛ نظرًا لمواكبة العملات المستخدمة آنذاك في المحيط العربي الإسلامي. [فيصل الطهيمي: مسكوكات بني رسول الفضية، رسالة ماجستير، قسم الآثار والمتاحف، كلية الآداب].

كما كان للدولة الرسولية أسطول بحري يسعى إلى تحقيق الأمن والأمان للسفن والتجارات المارة في حيزها التجاري، ويحميها من قبل المجرمين "القراصنة" المنتشرين في المحيط الهندي والبحر الأحمر، وقد تمتع ميناء عدن -الملتقى العام للسفارات التجارية الوافدة والصادرة- بهيئة جمركية مكتملة النظام. [مجهول: تاريخ الدولة الرسولية، ص ٢٨٠، ٢١٨، ٢١٦، ٢١٤].

الجانب الاجتماعي للدولة الرسولية

تكوَّن المجتمع اليمني خلال العصر الرسولي من مجموعة من الأجناس البشرية التي شكلت النسيج العام للمجتمع، وتعددت تلك الأجناس ما بين القبائل العربية والمماليك والأكراد والفرس والأحباش والمقدشيين والزيالعيين والبربر والصوماليين والشوام والهنود والصينيين وغيرهم.

وانقسم المجتمع اليمني إلى العديد من الفئات الاجتماعية التي تباينت حسب الثروة الاقتصادية والوجاهة الاجتماعية والمكانة العلمية والدينية إلى أقسام عدة، يأتي في مقدمتها السلاطين وأمراؤهم وشيوخ القبائل وكبار الشخصيات والأشراف، ثم يليهم العلماء والفقهاء والتجار، ثم العامة الذين يمثلون القاعدة العريضة للهرم الاجتماعي وتتمثل في العديد من الأجناس، مثل صغار الشخصيات الدينية والعلمية والتجارية وصغار موظفي الدولة، والعمال والحرفيين والعبيد وغيرهم.

كما اتسم المجتمع اليمني خلال تلك الفترة بالعديد من المظاهر الاجتماعية كالاحتفال بالعيدين، واستقبال شهر رمضان بالعديد من المظاهر، كتزيين البيوت والحوانيت والشوارع، وعادة المسحراتى، وعقد المجالس العلمية والمناقشات الأدبية داخل ساحات القصور السلطانية، والاحتفال بالرجبية وهي أول جمعة من شهر رجب، وعادة الكثيب المتعلقة بشهر رجب، وتمثل ليلة السابع والعشرين من رجب التي يخرج فيها الناس والسلاطين لإحيائها، وإحياء ليلة النصف من شعبان، والاحتفال بعودة الحاج وعادة السبوت موسم حصاد النخيل وغيرها. [محمد السروري: الحياة السياسية ومظاهر الحضارة في اليمن في الدويلات المستقلة من سنه (٤٢٩- ٦٢٦هـ / ١٠٣٧- ١٢٢٩م، وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، ٢٠٠٤م، ص٣٦٥].

الجانب العلمي والفكري للدولة الرسولية

تميزت اليمن في عصر بني رسول بالتألق العلمي والإنتاج الثقافي الوافر، حيث خلفت تراثًا فكريا تنويريًّا في ذلك العصر، الذي يُعَدُّ أزهى عصور النهضة اليمنية في شتى الجوانب، فأثمر ذلك ازدهار المعارف المتنوعة والفنون المتقدمة، ويعود ذلك إلى أسس التعليم المتبعة من تعليم الصغار في الكتاتيب. [إسماعيل الأكوع: المدارس الإسلامية في اليمن، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٩٨١م، ص٩٤]، والتدريس في المساجد والمدارس على يد نخبة من علماء العصر، وإنشاء العديد من معاقل التعليم والوقف عليها؛ من أجل الاستمرارية في أداء مهمتها العلمية والتنويرية، كذلك فاعلية الدور القيادي الذي قام به الحكام والسلاطين في مجال النهضة الثقافية والتراث الفكري التنويري، الذي تعددت أدواره في مناحٍ شتى، ومنها: تشجيع العلماء بالمكافآت المادية، والجوائز السنية، والاحتفال بمؤلفاتهم في مواكب ضخمة، كما برز شغف سلاطين اليمن بطلب العلم على أيدي العلماء من خلال حلقات ومجالس الدرس مما جعلهم أبرز العلماء بحثًا وتدقيقًا وتأليفًا، ويدل على ذلك المصنفات الفريدة التي سبرت أغوار المعارف والعلوم التي كانوا سباقين إليها خاصة العلوم التطبيقية، مثل: الطب والفلك والبيطرة والفلاحة وغيرها. [ إسماعيل الأكوع: المدارس الإسلامية في اليمن، الحبشي : حياة الأدب اليمني، ص ٧- ٨٣].

ومن أشهر المساجد العلمية التي أدت دورًا رياديًّا في التثقيف والتنوير: مسجد الأشاعر بزبيد، والجامع الكبير بزبيد، ومسجد صنعاء، ومسجد ثعبات بعاصمة الدولة الرسولية تعز.

كما شهدت المدارس العديد من الصور والفعاليات المعرفية التي تشير إلى مكانتهم الفائقة في درب الحياة العلمية، ومنها المدرسة المنصورية والمظفرية والأشرفية والمؤيدية والمجاهدية، وشارك في إنشاء المدارس العديد من الفئات الاجتماعية (السلاطين - الأمراء والأميرات - الأعيان – العلماء - القاعدة الشعبية).

الجانب المذهبي للدولة الرسولية

شهدت اليمن تنوعًا مذهبيًّا ليس له نظير، فكانت بوتقة انصهرت فيها معظم المذاهب الفقهية (المالكية - الحنفية – الشافعية - الزيدية - الإسماعيلية)، ولكن أغلب أهل اليمن كانوا على المذهب السني خاصة في الوسط والجنوب والغرب، في حين تمركز أتباع المذهب الشيعي في المناطق الشمالية وبعض المرتفعات.

كما بدأ التصوف يعرف طريقه إلى اليمن كطريقة وسلوك له نظم ومدارس واتجاهات فكرية في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي. [محمد الشامي: تاريخ اليمن الفكري في العصر العباسي، دار النفائس، بيروت، ١٩٨٧م، ج٣، ص٣١٣، عبد الكريم القدسي: التصوف عند أحمد بن علوان قضايا وإشكاليات، رسالة ماجستير، قسم الفلسفة، جامعة عين شمس، ١٩٩٥م، ص٤٢]، وازداد انتشارًا نتيجة الانفتاح الفكري، ودعم السلاطين له، واتخاذ رجال التصوف وسيلة للتقرب لقلوب الرعية، والإغداق عليهم. [حسين بن عبد الله العمري: الأمراء العبيد والمماليك في اليمن، دار الفكر المعاصر، بيروت، د.ت، ص ٤٣- ٤٦].

انهيار دولة بني رسول

بعد مضي أكثر من قرنين من الزمان، استشرى الضعف في بنيان الدولة الرسولية، نتيجة عدة عوامل، منها: ضعف السلاطين، ونقص الخبرة السياسية، واتخاذ البطانة الفاسدة، والصدام والتكالب بين أبناء البيت الرسولي على السلطة، وسطو المماليك والعبيد على السلطة، والتحكم في مقاليد الأمور، والصراع الدائر بين القبائل بعضها وبعض والزيدية من جانب، والقوة السياسية من جانب آخر، كذلك الخلل الذي أصاب قطاعات الاقتصاد جراء عمليات الصراع وسوء السياسية المتبعة، مما أفقد الأمان والاستقرار الذي أثَّر بالطبع على الواقع الاجتماعي، كذلك الصراع المذهبي الذي اتسم به اليمن على مداره التاريخي مما أفضى في نهاية الأمر إلى خلو الساحة لظهور قوة أخرى وليدة على المسرح السياسي ألا وهي قوة بني طاهر.

الخلاصة

تأسست الدولة الرسولية في اليمن بعد الدولة الأيوبية على يد نور الدين عمر بن علي بن رسول، وامتد حكمها لأكثر من مائتي عام، شهدت البلاد خلالها ازدهارًا في الزراعة والتجارة والعلم، وبرز التصوف كمذهب فكري مؤثر في القرن السابع الهجري، لكن الصراعات الداخلية أضعفت الدولة، وأدت إلى سقوطها وظهور الدولة الطاهرية بعدها.

موضوعات ذات صلة

اختلفت المصادر التاريخية حول نسب الأسرة الطاهرية.

نشأت الدولة الصليحية في اليمن بعد فترة من العمل السري.

شهدت اليمن في القرن الثالث الهجري نشاطًا بارزًا للدعوة الإسماعيلية.

موضوعات مختارة