Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فتح القسطنطينية

الكاتب

أ.د/ طلعت إسماعيل رمضان

فتح القسطنطينية

الفتح العثماني للقسطنطينية حدث تاريخي هام، غير مسار التاريخ في المنطقة، ففي عام ١٤٥٣م، استطاع السلطان محمد الفاتح بفتح القسطنطينية بعد حصار طويل، وكان هذا الفتح نقطة تحول في التاريخ العثماني والعالمي.

مقدمة فكرية ومنهجية لقراءة التاريخ

قبل الحديث عن الفتح العثماني للقسطنطينية يجب أن ندرك أن التحرر الفكري مرتبة لا يصل إليها إلا من أنعم الله علية بسعة الأفق ورجاحة العقل وصفاء الذهن ووهبهم المقدرة على تحليل الأمور بعيدًا عن العواطف والرواسب والأهواء والخلفيات.. فإذا ما تبين لهم الخطأ من الصواب كانت لديهم الشجاعة الكافية للمجاهرة بما يرونه صوابًا والدفاع عنه ولو خالف آراءهم السابقة، فالثبات على المبدأ ليس دائمًا بفضيلة، كما يعتقد بعض البسطاء، وإلا لكان أبو جهل أفضل من أبي بكر، لأن الأول ثبت على المبادئ التي ورثها عن أجداده، بينما ترك الثاني تلك المبادئ ليعتنق الدين الجديد عندما تبين له وجه الحق.

والتحرر الفكري يتطلب منا دراسة تاريخنا كله دراسة موضوعية، وتجريده من دسائس المغرضين وعواطف المتحمسين ثم تحليله تحليلًا علميًا، وبذلك نستطيع استنتاج عوامل النهضة وأسباب الانحطاط، فنتمكن من بناء مستقبل أفضل، بالاستفادة من أخطاء الماضي.

كانت هذه مقدمة منهجية لابد منها؛ لكي ندرك أن التاريخ ليس هو الكيان الصلب الذي لا ينكسر ولكنه الكيان اللين القابل للتغيير بناء على ما يجد من معطيات، ولقد كان الفتح العثماني للقسطنطينية من أكثر الموضوعات التي اهتم بها الباحثون المسلمون والغربيون على السواء؛ لما كان لهذا الحدث من نتائج هزت الشرق والغرب على السواء، وسنحاول من خلال السطور القادمة إلقاء الضوء على الفتح العثماني للقسطنطينية وذلك من خلال العديد من العناصر.

ظهور قوة العثمانيين ونشأتهم

ينتمي العثمانيون الى العنصر التركي الذي كان يعيش في وسط آسيا قبل أربعة آلاف سنة، ويستدل عالم الدراسات التركية المجري نيميث (١٩٤٠م) من أدلة لغوية على أن الوطن الأم للأتراك هو في الغرب شمال بحيرة أرال متراميًا إلى الألطاي في الشرق وإلى جبال الأورال في الشمال والغرب.   

وأول ما نسمعه عنهم هو أنهم أقاموا لأنفسهم في القرن السادس الميلادي دولة امتدت من حدود الصين شرقًا إلى حدود الدولتين الفارسية والبيزنطية غربًا.

وفي النصف الثاني من القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ظهرت على مسرح الأحداث السياسية قوة الأتراك السلاجقة، وكانت الدولة البيزنطية هي الضحية الأولى التي وقعت في طريقهم، على أن دولة السلاجقة سرعان ما أخذت تسير في طريق التداعي والانهيار بعد وفاة السلطان ملكشاة سنة (٤٨٥هـ/ ١٠٩٢م).

وكان أرطغرل (٦٢٩- ٦٨٠هـ/ ١٢٣١- ١٢٨١م) أبو عثمان الذي نسبت إلية الدولة العثمانية يقود قوة صغيرة ساعدت علاء الدين سلطان سلاجقة الروم في حروبه مما جعل الأخير يمنح العثمانيين هبة سخية من الأراضي في آسيا الصغرى في المنطقة الواقعة على الحدود البيزنطية.

ولما توفي أرطغرل انتقلت زعامة العثمانيين إلى أكبر أبنائه عثمان [السلطان عثمان بن أرطغرل أو (عثمان الأول) بن سليمان شاه مؤسس الدولة العثمانية وأول سلاطينها وإليه تنسب. شهدت سنة مولده غزو المغول بقيادة هولاكو لبغداد وسقوط الخلافة العباسية، تولى الحكم عام ٦٨٧هـ /١٢٨٨م (بعد وفاة أبيه أرطغرل بتأييد من الأمير علاء الدين السلجوقي). قام الأمير السلجوقي بمنحه أي أراض يقوم بفتحها وسمح له بضرب العملة. لما قتل الأمير علاء الدين من قبل المغول وقتلوا معه ابنه غياث الدين الذي تولى مكانه، أصبح عثمان بن أرطغرل أقوى رجال المنطقة فاتخذ مدينة اسكي شهر قاعدة له ولقب نفسه باديشاه آل عثمان واتخذ راية له وقام بدعوة حكام الروم في آسيا الصغرى إلى الإسلام فإن أبوا فعليهم أن يدفعوا الجزية فإن أبوا فالحرب، فخافوا منه واستعانوا عليه بالمغول فأرسل إليهم جيشًا بقيادة ابنه أورخان فهزمهم وأكمل الجيش مسيرته ففتح بورصة. ثم توفي سنة ٧٢٦هـ/ ١٣٢٦م بعد أن عهد لابنه بتولي الحكم السلطان أورخان غازي] الذي بدأ في توسيع حدود دولته بالتدريج على حساب البيزنطيين مستغلًا الفوضى التي سيطرت على الأراضي البيزنطية بالأناضول.

وأخذ العثمانيون يتوسعون في سرعة تسترعي الانتباه، فاستولوا سنة٧٢٧هـ / ١٣٢٦م على بروسة واتخذوها عاصمة لدولتهم، ودفن بها مؤسس الدولة التي نسبت إليه.

ثم تولى حكم العثمانيين العديد من السلاطين الذين نجحوا في تحقيق العديد من الانتصارات المدوية التي نقلت العثمانيين من إمارة صغيرة إلى إمبراطورية مترامية الأطراف في عهد السلطان محمد الفاتح.

الدولة العثمانية في عهد محمد الفاتح

يعتبر السلطان محمد الفاتح (٤٣١هـ/ ١٤٨١م) هو السلطان السابع في سلسلة سلاطين آل عثمان، حكم ما يقرب من ثلاثين عامًا كانت خيرًا وعزة للمسلمين.

وتولى الحكم وعمرة ٢٢ سنة وامتاز بشخصيته الفذة التي جمعت بين القوة والعدل، كما سار على نفس سياسة أجداده في الفتوحات.

ولقد برز بعد توليه السلطة في الدولة العثمانية بقيامة بإعادة تنظيم إدارات الدولة المختلفة، واهتم كثيرًا بالأمور المالية فعمل على تحديد موارد الدولة وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ أو الترف، وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش وأعاد تنظيمها، ولم يكتف السلطان محمد الفاتح بذلك، بل إنه عمل على ان يتوج انتصاراته بفتح القسطنطينية.

فتح القسطنطينية

تحتل مدينة القسطنطينية [تأسست عام٦٥٨ ق.م. وكانت من قبل قرية للصيادين. وتعرف باسم بيزنطة. وفي عامه ٣٣م جعلها الإمبراطور قسطنطين عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية). وأصبح يطلق عليها القسطنطينية على اسم الإمبراطور قسطنطين مؤسس الإمبراطورية وكان بها مقر بطريركية الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كنيسة آيا صوفيا. خلال العصر الذهبي للإمبراطورية البيزنطية خاصة تحت حكم الأسرة المقدونية حيث دُعي عصرهم بعصر النهضة المقدونية، والكومنينيون ففي عهدهم شهدت الإمبراطورية البيزنطية نهضة ثقافية وعلمية وكانت القسطنطينية في عهدهم المدينة الرائدة في العالم المسيحي من حيث الحجم والثراء والثقافة، قد كان هناك نمو كبير في مجال التعليم والتعلم مثلته جامعة القسطنطينية ومكتبة القسطنطينية وجرى الحفاظ على النصوص القديمة وإعادة نسخها، كما ازدهر الفن البيزنطي وانتشرت الفسيفساء الرائعة في تزيين العديد من الكنائس الجديدة، وفي عصر الكومنينيين تجدد الاهتمام بالفلسفة الإغريقية الكلاسيكية، بالإضافة إلى تزايد الناتج الأدبي باليونانية العامية، واحتل الأدب والفن البيزنطيان مكانة بارزة في أوروبا، حيث كان التأثير الثقافي للفن البيزنطي على الغرب خلال هذه الفترة هائلًا وذا أهمية طويلة الأمد تراجعت أحوالها إثر وفاة الإمبراطور جوستنيان العظيم. وفقدت الكثير من مناعتها جراء الحملة الصليبية الرابعة التي أنهكت دفاعاتها، فالمدينة لم تستطع في مائتي عام أن تتعافى من سبي اللاتين أهلها وحرقهم بيوتها ومبانيها وساحاتها. وإذا كان الانشقاق الكبير ما بين الكنيستين قد حصل عام٤٤٦هـ/ ١٠٥٤م نتيجة التنافس على الأولوية بين أباطرة الشرق والغرب وأحبارهم، فإن الانشقاق قد اتسع كثيرًا في العام ٦٠١هـ/١٢٠٤م، أي عند دخول الجيوش الصليبية المدينة وحرقها مبانيها العامة والخاصة وانتهاكها حرمة كنائسها، وفي عهد السلطان محمد الثاني الملقب بالفاتح(٨٥٥- ٨٨٦هـ / ٤٥١ ١- ٤٨١ ١م) فتح العثمانيون مدينة القسطنطينية، فقوضوا الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وفتحوا أراضيها في منطقة البلقان أساسًا وفي غيرها ، وما زالت منطقة القسطنطينية، أي مدينة الآستانة كما أطلقوا عليها وما حولها ، هي الجزء الأوروبي من السلطنة التي انحصرت في تركيا الحديثة حتى الآن]، موقعًا فريدًا بين مدن العالم، وتتميز بأهمية جغرافية واستراتيجية؛ فمن الناحية الجغرافية تقع تلك المدينة عند التقاء القارتين الآسيوية والأوروبية، إذ يحدها البسفور من جهة الشرق، والقرن الذهبي من جهة الشمال، وبحر مرمرة في الجنوب، ولا يمكن الوصول إليها برًا إلا من جهة واحدة.

أما من الناحية الاستراتيجية فأرضها تشكل مثلثا تحمي المياه ضلعيه، أما الضلع الثالث فقد حمته الأسوار المنيعة التي أقامها الحكام، يضاف إلى ذلك أن القسطنطينية صارت أهم مراكز التجارة العالمية؛ فقد سيطرت سيطرة تامة على كل تجارة البحر الأسود.

وقد أدرك الغزاة والفاتحون منذ وقت بعيد أهمية هذه المدينة وخطورة موقعها فحاولوا الاستيلاء عليها وحاصروها مرات كثيرة، غير أن هذه المدينة استطاعت -بمناعة موقعها وقوة حصونها وأسوارها- أن تصد عن نفسها أعظم الغزاة والفاتحين.

وكان للمسلمين نصيب كبير من هذه المحاولات، وأولى محاولاتهم كانت في خلافة معاوية بن أبي سفيان عندما وجه ابنه يزيد إلى القسطنطينية في القرن الأول الهجري /السابع الميلادي على رأس حملة ضخمة كان نصيبها الفشل والإخفاق وكان من شهدائها أبو أيوب الأنصاري. [وخالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو الأنصاري الخزرجي، معروف باسمه وكنيته، وأمه هند بنت سعيد بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج من السابقين. جاءت محاولة فتح القسطنطينية عام ٥٢هـ/٦٧٢م، وكان أبو أيوب ممن خرج للقتال، فأصيب في هذه المعركة، وجاء قائد الجيش يزيد بن معاوية يعوده فسأله: (ما حاجتك يا أبا أيوب؟) فيا له من مطلب نفذه يزيد بناء على هذه الوصية، فقد طلب أن يحمل جثمانه فوق فرسه، ويمضي به أطول مسافة ممكنة في أرض العدو، وهنالك يدفنه، ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق، حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره، فيدرك آنئذ، أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز، وفي قلب القسطنطينية في إسطنبول ثوى جثمانه مع سور المدينة وبُني عليه، فأصبح قبره لأهل قسطنطينية -وقبل أن يصل لهم الإسلام- قبر قديس يتعاهدونه ويزورونه]

ثم كان من أعظم المحاولات التي قام بها المسلمون لفتح القسطنطينية ما حدث في عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك سنة (٩٨هـ / ٧١٧م) وكانت بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك، وبالرغم من ضخامة هذه الحملة وقوة عدتها في البر والبحر وما أظهره المسلمون من البسالة في الحصار والقتال فقد ردتهم القسطنطينية بأسوارها المنيعة ونيرانها الإغريقية الفتاكة.

 وفي تراث العثمانيين كانت القسطنطينية تدعى أحيانا كيزيل إلما" Elma kizil" أي التفاحة الحمراء؛ بمعنى أنها الحلم الذي يتوق المسلمون إلى الوصول إليه. [Hearscy, City of Constantine, p. ٢٣٠]

حاول العثمانيون مرارًا الاستيلاء على المدينة للأسباب التالية:

لأنهم كانوا يشعرون بأنها العاصمة الطبيعية لإمبراطوريتهم، إذ إن بقاءها في أيدي غيرهم من شأنه أن يهدد المواصلات التي تربط أملاكها الأوروبية والآسيوية.

كما أن الاستيلاء عليها كفيل بتشديد قبضتهم على الأراضي التي يحكمونها ويزيل المهابة والعظمة اللتين كانتا لا تزالان تكمنان حول تلك الأسوار التي أحاطت بقاعدة الإمبراطورية الرومانية الشرقية [الإمبراطورية البيزنطية (أو بيزنطة) كانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية امتدادًا من العصور القديمة المتأخرة وحتى العصور الوسطى وتمركزت في العاصمة القسطنطينية. عرفها سكانها وجيرانها باسم الإمبراطورية الرومانية وكانت استمرارًا مباشرًا للدولة الرومانية القديمة وحافظت على تقاليد الدولة الرومانية، يجري التمييز اليوم بين بيزنطة وروما القديمة من حيث توجه الأولى نحو الثقافة اليونانية وتميزها بالمسيحية بدلًا من الوثنية الرومانية وكان سكانها في الغالب يتحدثون اللغة اليونانية بدلًا من اللاتينية، وليس من الممكن تحديد تاريخ للتمييزيين الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية البيزنطية، ولكن النقطة المهمة كانت نقل الإمبراطور قسطنطين الأول العاصمة في ٣٢٤ من نيقوميديا (في الأناضول) إلى بيزنطة على البسفور والتي أصبحت القسطنطينية أي مدينة قسطنطين (أو روما الجديدة أحيانًا)، قسمت الإمبراطورية الرومانية أخيرًا في ٣٩٥ م بعد وفاة الإمبراطور ثيودوسيوس الأول (حكم ٣٧٩- ٣٩٥)، وبالتالي هذا التاريخ مهم جدًا حيث يعتبر بداية الإمبراطورية البيزنطية (أو الإمبراطورية الرومانية الشرقية) وفصلها تماما عن الغربية، يبدأ الانتقال إلى التاريخ البيزنطي الخاص أخيرًا في عهد الإمبراطور هرقل حكم (٦٤١- ٦١٠)، حيث أسس هرقل على نحو فعال دولة جديدة بعد إصلاح الجيش والإدارة من خلال إنشاء الثيمات وبتغيير اللغة الرسمية للإمبراطورية من اللاتينية إلى اليونانية] حوالي أحد عشر قرنًا.

كما كانت الظروف مهيأة تمامًا لفتح القسطنطينية، فقد صارت حطامًا وظلًا واهيًا، وكما قال عنها المؤرخ ديل: (diehl) "القسطنطينية جسم مريض وضعيف وبائس برأس ضخمة، وتحيط بها دول إما مستقلة او عدائية، حتى أطلق على الإمبراطورية البيزنطية رجل العصور الوسطى المريض". [    Lamerle (paul) A Hist. of Byzantium. Trans by Antony mathew (New York ١٩٦٤ p]

كما أن فتح القسطنطينية يؤدي إلى اتصال أراضي الدولة العثمانية فلا يتخللها عدو مهاجم أو صديق منافق.

بمجرد اعتلاء السلطان محمد الثاني للعرش العثماني بدأ في العمل؛ لتحقيق الإنجاز الذي كان أبوه وأجداده على وشك تحقيقه أكثر من مرة وهو فتح القسطنطينية، فاستهل عهده باتفاقية سلام مع الامبراطور قسطنطين الحادي عشر تعهد له فيها بعدم الاعتداء على المدينة، كما عقد اتفاقيات بنفس المعنى مع سفراء بلغاريا والمجر والصرب والبندقية وراجوزة.

بعد ان استتب الأمر للسلطان محمد الثاني أخذ يتحين الفرصة لإعلان الحرب على بيزنطة وإحكام الحصار حول القسطنطينية، وانتهز وصول سفارة من قبل الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الحادي عشر تلح على زيادة ما يقوم بدفعه من نفقات مقابل إعاشة الأمير أورخان بن سليمان، فاستثار ذلك غضب السلطان العثماني وتبعه بإعلان الحرب رسميًا على الإمبراطورية البيزنطية.

بدأ محمد الفاتح استعداداته العسكرية بتشييد قلعة رومللي على الضفة الغربية للبسفور وعلى مسافة ستة أميال من القسطنطينية باتجاه البحر الأسود، وهي القلعة التي ذكرت المصادر البيزنطية المعاصرة أنه يمكن تسميتها "بقاطعة الرقبة"، بسبب وجودها في موضع مقابل للقلعة العثمانية الموجودة على الضفة الشرقية للبسفور والمعروفة باسم "أناضولو حصار" الأمر الذي مكن محمد الفاتح من فرض سيطرته على البسفور وعلى كافة السفن المتجهة من وإلى البحر الأسود وفرض الضرائب عليها.

وأدرك الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر مرامي السلطان العثماني فقام بشكل يومي بإرسال السفارات والهدايا لمحمد الفاتح من أجل إثنائه عن استكمال بناء هذه القلعة التي أدرك الإمبراطور مدى أهميتها الاستراتيجية لدى حصار محمد الفاتح للقسطنطينية، لكن السلطان العثماني رفض محاولات الإمبراطور البيزنطي، بل إنه تمادى في إعلان عدائه لبيزنطة بعد ما تم الانتهاء من تشييد قلعة الرومللي حيث أمر باستبقاء سفيرين للإمبراطور البيزنطي، وأمر بضرب عنقيهما إيذانا ببداية الحرب.

وهنا أرسل قسطنطين الحادي عشر إلى البابا نيقولا الخامس يطلب مساعدته وحث الدول الأوروبية المسيحية على إنقاذ العاصمة البيزنطية، لكن البابوية كان لها رأي آخر إذ كانت تبحث عن مصالحها أولًا، فبدلًا من أن يأمر البابا بإرسال مساعدة عسكرية عاجلة أرسل الكاردينال ايزيدور للقسطنطينية من أجل إتمام عملية الاتحاد الكنسي قبل التفكير في إنقاذ المدينة، وبالفعل تم إعلان الاتحاد الكنسي في ديسمبر عام (٨٥٧هـ/١٤٥٢م)، كما ناشد الإمبراطور البيزنطي أوروبا المسيحية لمساعدته؛ فلم تصله سوى إمدادات بسيطة من مدينتي جنوا والبندقية.

وكانت المساعدة الحقيقية التي تلقتها بيزنطة هي وصول جيوفاني جستنياني القائد العسكري النجوي الشهير إلى المدينة في يناير ٨٧هـ/ ١٤٥٣م على متن سفينتين كبيرتين وبرفقته ٧٠٠ مقاتل وأصبح هو المسئول عن الدفاع عن القسطنطينية.

بذل السلطان محمد الثاني جهوده المتعددة للتخطيط والترتيب؛ لفتح القسطنطينية وبذل لذلك جهودًا كبيرة في تقوية الجيش العثماني بالقوى البشرية، حتى وصل تعداده إلى قرابة ربع مليون مجاهد، وهذا عدد كبير مقارنة بجيوش الدول في تلك الفترة، كما عني عناية خاصة بتدريب تلك الجموع على فنون القتال المختلفة وبمختلف أنواع الأسلحة  التي تؤهلهم للعملية الجهادية المنتظرة، كما اعتنى الفاتح بإعدادهم إعدادًا معنويًا وغرس روح الجهاد فيهم وتذكيرهم بثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على الجيش الذي يفتح القسطنطينية وعسى أن يكونوا هم الجيش المقصود بذلك مما أعطاهم قوة معنوية وشجاعة منقطعة النظير، كما كان لانتشار العلماء بين الجنود أثر كبير في تقوية عزائم الجنود وربطهم بالجهاد الحقيقي وفق أوامر الله.

ويضاف إلى هذا الاستعداد ما بذله الفاتح من عناية خاصة بالأسطول العثماني حيث عمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة؛ ليكون مؤهلًا للقيام بدوره في الهجوم على المدينة التي لا يمكن حصارها دون وجود قوات بحرية تقوم بهذه المهمة، وقد ذكر أن السفن التي أعدت لهذا الأمر بلغت أكثر من أربعمائة سفينة.

كانت القسطنطينية محاطة بالمياه البحرية من ثلاث جهات: مضيق البسفور، وبحر مرمرة، والقرن الذهبي الذي كان محميًا بسلسلة ضخمة جدًا تتحكم في دخول السفن إليه، بالإضافة إلى ذلك      فإن خطين من الأسوار كانا يحيطان بها من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة إلى القرن الذهبي يتخللهما نهر ليكوس وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه ٦٠ قدمًا ويرتفع السور الداخلي منها ٤٠قدمًا وعليه أبراج يصل ارتفاعها الى ٦٠ قدمًا، وأما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة خمس وعشرين قدمًا وعليه أبراج موزعة مليئة بالجند، وبالتالي فإن المدينة من الناحية العسكرية تعد من أفضل مدن العالم تحصينًا لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون إضافة إلى التحصينات الطبيعية.

وقد عمل السلطان محمد الفاتح على تمهيد الطريق بين أدرنه والقسطنطينية لكي تكون صالحة؛ لجر المدافع العملاقة خلاله إلى القسطنطينية، كما وصل الجيش العثماني إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس ٢٦ ربيع الأول ٨٥٧هـ الموافق ٦ أبريل ١٤٥٣م، وفي اليوم التالي قام السلطان بتوزيع جيشه البري أمام الأسوار الخارجية للمدينة مشكلًا ثلاثة أقسام رئيسية تمكنت من إحكام الحصار البري حول مختلف الجهات، كما أقام الفاتح جيوشًا احتياطية خلف الجيوش الرئيسية وعمل على نصب المدافع أمام الأسوار ومن أهمها المدفع السلطاني العملاق، كما وضع فرقًا للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة، وفي نفس الوقت انتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة إلا أنها لم تستطع الوصول إلى القرن الذهبي بسبب وجود السلسلة الضخمة التي منعت أي سفينة من دخوله، بل وكانت تدمر كل سفينة تحاول الدنو والاقتراب.

والحقيقة أن المدفعية العثمانية قد لعبت دورًا ضخمًا في دك أسوار مدينة القسطنطينية، وإذا كانت أساليب الحرب قد عرفت استخدام المدفعية قبل ذلك بعدة عقود من الزمان فإنه يمكن القول بأن العثمانيين قد أحدثوا نقلة نوعية في حجم وأنواع المدافع المستخدمة في الحرب ومدى قذائفها، وكمية الدمار التي تسببت فيها، وراحت مدافع العثمانيين تدك أسوار المدينة، وترتب على قوة تأثير المدفعية العثمانية نتيجتان في غاية الأهمية: الأولى ذات تأثير نفسي إذ تسبب صوت المدافع في إحداث حالة من الرعب والهلع والذعر لدى السكان البيزنطيين اذ لم يسمعوا بمثل تلك الأصوات الهائلة من قبل، والثانية ذات تأثير واضح على الأسوار، إذ دكت قذائف المدافع العثمانية الأسوار البرية للقسطنطينية بشكل مؤثر للغاية مما ترتب عليه تهدم مساحة كبيرة من السور الخارجي وسقوط بعض الأبراج الموجودة به.  

بدأ جيوفاني جستينياني والمدافعون عن المدينة في إيجاد حل سريع لحالة تهدم جدران الأسوار الخارجية وذلك عن طريق سرعة ترميمها وسد الثغرات التي أحدثتها القذائف العثمانية بها وإقامة سياج من الأوتاد ووضع العديد من الأواني الخشبية المليئة بالرمال فوقها من أجل صد القذائف الجديدة، فضلًا عن ذلك قام جستينياني ورفاقه بجمع كافة الشجيرات القصيرة من داخل مدينة القسطنطينية ووضعها مكان الثغرات الموجودة في الأسوار، كما أقاموا خندقًا ثانيًا من اجل حمايتهم إذا ما تهدم السور الخارجي تحت وطأة القذائف العثمانية، وعلى الرغم من الجهود العثمانية المستميتة فقد نجح المدافعون البيزنطيون في الدفاع عن مدينتهم ورد العثمانيين على أعقابهم بعد أن قاموا بتكبيدهم خسائر فادحة.

ودفع هذا النصر البيزنطيين وحلفاءهم من النجوية والبنادقة إلى الاهتمام بإصلاح الأسوار وإلى التوجه بالشكر والدعاء للرب في كنيسة آيا صوفيا.

وهنا سعى محمد الفاتح إلى اقتحام خليج القرن الذهبي وأصدر أوامره إلى قائد الأسطول العثماني بلطة أوغلو باقتحام السلسلة الموجودة في مدخل القرن الذهبي ومهاجمة السفن البيزنطية التي اتخذت أماكنها أمام السلسلة وخلفها حيث مدخل الخليج.

ودارت معركة بحرية عنيفة بين السفن العثمانية والسفن البيزنطية تمكنت الأخيرة خلالها من تحقيق النصر ومنع السفن العثمانية من اجتياز السلسلة.

كما تسببت البحرية العثمانية في فشل جديد أثار حنق محمد الفاتح بعد أن فشلت بعد ذلك بعدة أيام في منع أربع سفن أوروبية كبرى تحمل المؤن والإمدادات من دخول القرن الذهبي والوصول إلى القسطنطينية وهو الأمر الذي أدى بالفاتح إلى إقصاء وزير البحر العثماني.

وهنا تفتق ذهن السلطان العثماني محمد الفاتح عن فكرة عبقرية استطاع بها في النهاية إنزال سفن الأسطول العثماني إلى مياه القرن الذهبي، وذلك بعد أن قام العثمانيون بنقل العشرات من سفنهم من مياه البسفور وعبر الطريق البري والتلال إلى أن تم إنزالها في نهاية خليج القرن الذهبي ليلة الثاني والعشرين من أبريل عام٨٥٧هـ/ ١٤٥٣م.

وهكذا نجح العثمانيون في إنزال نحو ٧٢ سفينة إلى مياه خليج القرن الذهبي بعد رحلة برية بلغ طولها ثلاثة أميال كاملة.

كان وقع هذا الإنجاز العسكري العثماني على البيزنطيين مروعًا إذ استيقظوا ذات صباح ليجدوا السفن العثمانية في نهاية خليج القرن الذهبي على حين كانت السفن البيزنطية والبندقية مازالت مرابطة أمام وخلف السلسلة، وهو ما دعاهم إلى ضرورة نقل العديد من القوات المرابطة على الأسوار البرية للقسطنطينية من أجل الدفاع عن الأسوار البحرية، وهو ما عرض القوات المدافعة عن الأسوار البرية إلى ضغط شديد نتيجة للنقص الذي حدث في إعدادها بالمقارنة مع طول الأسوار.

ويبدو ان الوضع العسكري البيزنطي الحرج قد دفع الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر إلى إرسال سفارة للسلطان محمد الفاتح تطلب منة التراجع عن فكرة الاستيلاء على القسطنطينية مقابل دفع جزية سنوية كبيرة، وكان رد السلطان الفاتح قاطعًا وحاسمًا بأنه لن يرجع عن هدفه بفتح القسطنطينية وأنه يهب نفسه من أجل هذا الأمر.

وهنا قرر الإمبراطور القيام بهجوم مباغت في نهاية شهر أبريل لإحراق السفن العثمانية، وبالفعل بدأت سفن البنادقة بالاقتراب منها لكن السفن العثمانية فاجأتها بإطلاق القذائف عليها فضلًا عن مساعدة المدافع العثمانية لها مما أدى إلى فشل الهجوم وغرق العديد من السفن البيزنطية.

وهنا جاء الدور في الهجوم على العثمانيين حيث قامت القوات البرية العثمانية بمحاولة اقتحام القسطنطينية بعد مرور أسبوع من شهر مايو لكن المدافعين البيزنطيين عن الأسوار تمكنوا من صد الهجوم التركي.

كما تمكن البيزنطيون من صد هجوم عثماني بري جديد بعد ذلك بخمسة أيام، ورغم ذلك فقد أدرك البيزنطيون حرج موقفهم وشعروا بدنو يوم سقوط مدينتهم في قبضة الأتراك بعد تقاعس البابوية والغرب الأوروبي عن مد يد العون والمساعدة للمدينة البائسة، وكان ذلك بسبب محدودية عدد قواتهم بالمقارنة مع القوات العثمانية التي بدت مصممة أكثر من أي وقت مضى على اقتحام ودخول القسطنطينية.

وهنا قرر العثمانيون استخدام أساليب جديدة؛ لاقتحام المدينة، من ذلك حفرهم للعديد من الأنفاق تحت أسوار المدينة من أجل التسلل خلسة ومفاجأة القوات البيزنطية ومن ثم اعتلاء الأسوار من الداخل.

وخوفًا من انقلاب موازين القوى العسكرية بين الطرفين نتيجة ما سوف يقدمه الأسطول الأوروبي القادم لمساعدة القسطنطينية، قرر السلطان العثماني ضرورة الإسراع في عملية اقتحام القسطنطينية، وعقد مجلسًا حربيًا شرح فيه لقادة جيشه حالة الضعف التي تمر بها الدفاعات البيزنطية وذكرهم بالمجد الذي ينتظرهم عندما يفتحون القسطنطينية، ولم ينس أن يذكرهم بأنه سوف يكون في مقدمة موجات الهجوم الكبير، وقرر السلطان الفاتح أن يكون هجومه النهائي على القسطنطينية ليلة التاسع والعشرين من مايو ١٤٥٣م/ ٨٥٧هـ كما قرر أن يترك المدينة بعد فتحها تحت رحمة جنوده لمدة ثلاثة أيام.

وبالفعل أمطرت المدافع العثمانية أسوار المدينة وبواباتها بآلاف القذائف، وكذا فعلت السفن العثمانية التي هاجمت الأسوار البحرية على القرن الذهبي، وهاجم المشاة العثمانيون المؤلفون من صفوة جنود الإنكشارية والعربان أسوار القسطنطينية عبر استخدامهم لمئات السلالم التي صنعت من الحبال والأخشاب، وقد تمكنوا في النهاية من الصعود إلى أعلى الأسوار ومهاجمة القوات البيزنطية المدافعة.

على أن الأمر الذي زاد أحوال المدافعين عن القسطنطينية سوءًا، إصابة القائد النجوي جيوفاني جستنياني بجرح خطير تحت ذراعه وهو ما أدى إلى انسحاب المسئول العسكري الأول عن الدفاع عن المدينة إلى سفينته بحثًا عن العلاج، وجاء خبر انسحاب جستنياني؛ ليوهن من عزيمة البيزنطيين، لتضيق الدائرة عليهم ويدركوا أن سقوط القسطنطينية تحت سنابك خيل العثمانيين ليس إلا مسألة وقت.

وتصدى الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر لمحاولات العثمانيين اقتحام بوابة القديس رومانوس، لكن عنف هجمات العثمانيين دفع بالجنود البيزنطيين نحو الداخل حيث الإمبراطور الذي سقط صريعًا تحت ضغط الجنود وتحت الضربات المتلاحقة لجنود الإنكشارية العثمانيين، وهكذا نجح العثمانيون بقيادة السلطان محمد الفاتح في فتح القسطنطينية يوم الثلاثاء ٢٠ جمادى الأول٨٥٧هـ / ٢٩مايو١٤٥٣م.

وهنا ركب السلطان محمد الفاتح صهوة جواده الأبيض وتوجه إلى كنيسة آيا صوفيا وطاف بأرجائها وأمر بتحويلها إلى مسجد، وطلب من أحد العلماء أن يؤذن للصلاة، ثم صلى السلطان لله الذي اختصه بتحقيق نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم القائلة إن القسطنطينية ستصبح يومًا مدينة إسلامية.

وكان سقوط القسطنطينية حدثًا جللًا اهتزت له أوروبا المسيحية من أقصاها إلى أقصاها، أما في الشرق الإسلامي فقد كان الفتح العظيم على عكس ذلك إذ عم الفرح والابتهاج بين المسلمين، وما أن وصل رسل السلطان محمد الفاتح إلى مصر والحجاز وفارس يحملون نبأ هذا الفتح حتى هلل المسلمون وكبروا وأذيعت البشائر من منابر المساجد وأقيمت صلوات الشكر.

والواقع أن الانتصار الذي حققه العثمانيون ضد الإمبراطورية البيزنطية يعتبر علامة بارزة في نهاية إمبراطورية وبداية أخرى، فقد توج محمد الفاتح إنجازات أسلافه، وما أنجزه كما يقول المؤرخ (وتيك) wittick)) كان عملًا إمبراطوريًا تحدى به الفاتح كل الغرب الأوروبي وأثبت أنه صار سيدًا على الأرض الممتدة من البحر الأسود حتى البحر المتوسط وهو الذي يحدد مصيرها.

الخلاصة

فتح القسطنطينية عام١٤٥٣م كان تحولًا تاريخيًا بارزًا أنهى الإمبراطورية البيزنطية وأعلن صعود الدولة العثمانية كقوة عالمية، وقد قاده السلطان محمد الفاتح بذكاء عسكري فذ، وشكّل الفتح تحقيقًا لحلم إسلامي طال انتظاره منذ العصر الأموي، وقد كان لسقوط المدينة أثر عميق في الشرق والغرب، وفرحًا للمسلمين وصدمة لأوروبا، ومثّل الفتح بداية عصر جديد في التاريخ السياسي والديني للمنطقة.

موضوعات ذات صلة

العثمانيون ينتمون إلى قبيلة من قبائل الغز هي قبيلة (قابي).

من أقدم الشعوب التي استوطنت منطقة الشرق الأوسط.

تقع طرابيزون على الساحل الجنوبي للبحر الأسود في الجزء الشمالي الشرقي من شبه جزيرة الأناضول.

موضوعات مختارة